396 اجمالى المشاهدات,  2 اليوم

يوم في عياده الطبيب

اول امس كان والدي مريض جدا…ذهبت اختي معه إلى الطبيب … فطلب منها الطبيب بعض الاشعه والتحاليل .

وقال لوالدي :لا داعي لمجيئك فعلى ابنتك أن تأتي بالمطلوب بدلاً منك.

وانا اليوم سأذهب بهما إلى الطبيب المعالج…عوضا عن اختي

لتجلس هي مع أبنائي ووالداي.

انا لبنى كبيرة أخواتي…والمدلله عند والدي كثيرا.

متزوجه’ معي من الأبناء اثنتين.

وهم ينتظروني عند والداي.

فوالله رأيت العجب العجاب …لم استطع تصديق ما رأيت.

دلفت العياده …وانتظرت دوري…كالباقين .

ناظره من حولي …العياده ممتلئه …ما هذا…الناس جميعها مرضى.

مندهشه بتعجب قائله في نفسي:الحمد لله على الصحه يارب دمها علينا نعمه واحفظها من الزوال الحمد لله يارب.

دلف إلي العياده رجل عجوز في أواخر السبعينات تقريبا.

يجر قدميه جرا لكي يمشي.

يتكء على ابنته ذات الملابس المهتريه ….يتكء عليها في كبره … كما اتكأت عليه هي في صغرها.

وبدأ العويل والصياح والصراخ تعلو العياده..كطلقات بارود تضوي ضوى.

قائلاً: اه ..اه …يارب…يارب…اه…اه…الحقوني…انا بموت…مش قادر.

انا تعبان …ممسك باطنه.

فبدأ الناس يلتفون حوله لمساعدته على الجلوس…ويهدءون من صراخه.

قائلين:استهدى بالله ياحاج…وحد الله …طول بالك .

ومنهم من يجلسون في أماكنهم ….يتغامزون بعضهم لبعض.

ومنهم الدهشه تملء وجههم.

ومنهم صامتين لا حول لهم ولا قوه.

وها أن ذا ….جاءت السكرتيره.

امرأة متوسطه العمر ، بيضاء البشره،ترتدي نظاره طبيه،متوسطه القامه.

على وجهها غضبا لم أراه من قبل ،وتلتوي بشفتاها لاسفل.

عاقده حاجبيها،طويله الانف كالساحرات الشريرات في افلام الكرتون.

قائله العجوز:ايه ياحاج…في ايه…مالك ..صوتك عالي اوي كده ليه ..انا مش واخد بالك انك في عياده .

وهي تنظر للعجوز وابنته بشمئزاز.

فرد عليها العجوز: يابنتي …ابوس ايديكي …دخليني عند الدكتور…انا بموت …من الوجع والنبي يابنتي….انا تعبان .

ردت إليه بصوت يعلو صوته:لا انت زيك زي غيرك…استنى دورك …في ايه ياحاج …مينفعش كده.

بدأ العجوز بالبكاء كالطفل الصغير من شدة المه قائلا:انا مش قادر استحمل الوجع…حستأذن من الموجودين اخد دور حد فيهم….وهما يخدوا دوري .

ووجث على ركبتيه أمامها …ويترجها.

وابنته تحاول انتشاله من الأرض ….ولكن دون جدوى…والكل ينظر مشاهدا متفرجا فقط.

السكرتيره بكل ما اتيت من كره وجحود قلب قائله:ايه اللي بتعمله ده …مش عجبك الكلام اطلع بره.

وأشارت بالسبابه اتجاه الباب.

رد العجوز إليها منكسرا والدموع تملء وجهه :انا لو بشحت منك مش حتعملي كده ..حرام عليكي …حسبي الله ونعم الوكيل.

اخرجت زفيرا حانقا فردت قائله:بقولك ايه ….الشويتين دول انا عرفاهم كويس …فمتجيش تعملهم عليا ….هاه …ماشي..انت فهمني كويس .

فضطرب وجهه ودمدم يخاطب نفسه قائلاً فى ارتباك:حاضر كتر خيرك ….انا بعمل شويتين…منك لله …اللي فيا يجي فيكي .

وها هو ليغادر المكان مطأطئ الرأس قائلاً:اه …يارب …مليش غيرك.

في ذلك الاوان جاء شاب عشريني….طويل القامه…اسمر اللون .

مناديا على العجوز:ياحاج استنى متمشيش..

فحمل العجوز بين يداه…واضعه على كرسيه قائلاً بكل حب ورحمه:خد دوري ياحاج …وانا حستنى ….انا زي الفل اهوه …مفييش حاجه.

فأومأ العجوز بالايجاب…والدموع تملء وجهه ..والشاب يمسح وجه العجوز …بكل عطف .

تقوقع العجوز وهو يمكث على كرسيه …وبدأت اهاته ..وبكائه ..يزداد ..اكثر فأكثر…من شدة المه.

وابنته تواسيه على ما هو فيه.

ونظرات الشفقه ممتلئه فى عيون الناس.

لكن لا باليد حيله.

وبعد برهه من الوقت وفجأه ..حدث مالم اتوقع حدوثه?.

مهافتافيتورق

مهاامادموريماس

يوم في _العياده

الجزء الثاني

وابنته تواسيه على ما هو فيه …. ونظرات الناس ممتلئه بالشفقه عليه.

لا باليد حيله ….غير الدعاء له.

وبعد برهه من الزمن ….فجأه!

حدث مالم اتوقعه إطلاقا.

وها إن ذا …يفتح باب غرفة الكشف بإندفاع … ويخرج الطبيب المعالج متعصبا.

ويخطوه خطواته لغرفه الإستقبال…فتوقف فجأه في منتصف الغرفه.

هو رجل يتجاوز الخمسين من عمره ، سمين الجسد ، حليق الذقن ، طويل القامه ، وعلى رأسه الاصلع قليل من الشعر الابيض ، وعلامة سجوده للصلاه تشع نورا من جبينه .

كنت اظن انه يبحث عن السكرتيره ليوبخها بما فعلته مع العجوز ، أو ما سمعه وهو بداخل الغرفه من ضوضاء ، أو المريض الذي كان بالداخل أخبره بما شاهده خارجا.

ولكن!

إنه كان يبحث عن صوت الآهات ، والنواح بين المرضى .

وفجأه!

لمح العجوز ….وهو يضغط على رأسه بيديه…حزينا بائسا …وهو يصطنع الهدوء .

وها هو يخطو بخطواته نحوهه.

واضطرابي يزداد ضعف عند كل خطوه يخطوها إتجاهه .

تسارعت دقات قلبي خوفا ، وطمئنينه .

وجال بخاطري ….بأنه سيرحمه مما هو فيه.. من تعب ، ويأخذه معه داخل غرفة الكشف….ليعالجه …ويمحو آلمه .

ويأتي له ما سلب من كرامته ….بتوببخ …أو …فصل السكرتيره أمام الجميع .

ولكن المفاجأه اكثر مما توقعت للاسف.

وقف الطبيب أمام العجوز ، متربع اليدين ، لايهتم لإمره بشيء ، رافع إحداى حاجبيه ، وعيونه تملئوها حمره ….كبركان غاضب قائلا بصوت على مسمع الجميع :هو ينفع كده يا حاج …اللي انت بتعمله ده .

انا مش عارف اشوف شغلي .(ببحة صوت شيطانيه).

فتعجب الجميع بإندهاش …منهم من اغمض عينيه من شدت الصدمه …ومنهم من وضع كفيه مغطيا وجهه….ومنهم من خانتهم اعيونهم وأزدلفت بالدموع.

والجميع في صمت …..

فرد العجوز وهو ينظر للطبيب بشيء من القلق…ووجهه يعبر عن الكثير من الحزن والكرب :معلش يا ابني …انا تعبان …ومش قادر استحمل …سامحني …. مش بإيدي …انا موجوووع….ابوس ايديك اعمل اي حاجه توقف لي الوجع ده….حرام عليكم تسبوني كده …دي السكرتيره بهدلتني يابني …..

فأشار بكفه يأمره بأن يتوقف عن الحديث …وبكل ما أوتي من قوة الجليد وبرودته في قلبه يقطن قائلاً: هو احنا عملنا فيك ايه يعني …. هو احنا عملنا حاجه ….متخفش مش حتموت دلوقتي ….ولو مت …ده قضاء ربنا …انا مليش دخل فيه …اعملك ايه يعني ….اسيب اللي ورايا وافضالك انت بقى …استنا دورك …زيك زي غيرك.

واضعا أصابعه السبابه على فمه قائلاً:ومش عايز اسمع صوت تاني ….مفهوم .

اووووووف ….محدش بيحس بحاجه …الله .

فأومء العجوز برأسه دون أن ينسب بكلمه .

فهم الطبيب ليغادر مسرعا …بإتجاه غرفته….ودلف…وأغلق الباب بشده.

وكلا منا يتألم …آلآما …مضاعفا ….لما قاله.

الهدوء يعم المكان ….لكن جميعنا عقولنا لا تكف عن الضجيج .

آرى التعجب ، و الاندهاش ، في عيون المرضى…

والعجوز …يكز على أسنانه …بصمت .

أما أنا قائله في نفسي: ايه ده …فيه كده…ايه اللي قالوه الدكتور ده…فين الرحمه دي …فين ده لو كلب كان عامله برحمه شويه ….وأزاي محدش فينا قدر يتكلم مع الدكتور….ازاي احنا كلنا سكتنا على اللى اتعمل واللى اتقال …هو احنا جبناء اوى كده…ولا خايفين ميرداش يعالجنا …وسيبينوه يتحكم فينا كده …لا رحمه …ولا انسانيه …رحمتك يااارب ولطفك بعبادك …متحوجناش لحد غير ليك .

وبداخلي اسئله كثيره …لا وجود للاجباتها.

اشعر شعوراً عميقا بالقرف ، والاشمئزاز ،اتجاه الدكتور والسكرتيره ، ولنفسي ، وللجميع .

ثم اتجهت السكرتيره إلي العجوز وهي تمشي رويدا ، رويدا بكل تكبر وغرور ، كمنتصرت حرب معلنه هزيمته.

وحدقت بعيني العجوز ، وأطالت النظر … قائله: مش قولت لك تسكت …احسن لك …كان لازم تتبهدل كده …انت اللي قللت من نفسك …قدام الناس ..اسكت بقى …هاه …ماشي .

أما العجوز …فكانت عيناه بطيئة الخطى …مترددا .. بائسا…حزينا..لا بيده اي حيله ..غير السكوت معلن هزيمته.

لكن قال لها بكل ما أوتي من قوه ، وشجاعه ، وعدم الاستسلام : منكم لله …حيجي عليكم يوم …متلقوش بق المياه …وحتشوفي …انتي ..ودكتورك ..داين تدان ..يا متعلمه يا بتاعت المدارس .

وصمت …صمت كل شيء……

فأخذت تثرثر … ثرثرات سخيفه ..بينها وبين نفسها.

لكن جميعنا نشاهدها في صمت .

وبعد قليل من الزمن …جاء دور العجوز …ودلف مع ابنته ناظره الي الأرض …صامته…من الخجل …ولا تقدر على فعل شيء.

وبعد لحظات ….خرج العجوز …وهو يتثأب في كسل قائلاً لابنته: يالا خديني على البيت ….عايز انام ….انا الحمد لله بعد الحقنه اللي الدكتور عطهالي بقيت الحمد لله كويس .

فهم إليه بعض المرضى … للاطمئنان عليه .

وخرج من العياده مبتسما … سليما …معافيا ..من الخارج ..ولكن بداخله لا يعلمه الا الله.

ولكن!

كسر بداخل كل منا ….شيء …لا يمكن إصلاحه .

وبرغم جميع محاولاتي المحنقه…التي كانت تجري بيني ….وبين نفسي …لم افعل شيء .

سوى …خروجي من العياده ..في صمت …مناديه علي السكرتيره …وانا لا أبالي ….ذاهبه لطبيب اخر يعالج والدي…

انتظروني مع طبيب آخر