655 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

لغز إختفاء بنتين هولندا


في الخامس عشر من شهر فبراير عام 2014، قررت الطالبتان الجامعيتان الهولنديتان (ليزاني فرون) و(كريس كريميرس) –عمرهما 22 و21 على التوالي– التخطيط لواحدة من رحلات العمر. تخرجت الشابتان من الجامعة حديثاً، وانتقلتا معاً إلى غرفة في السكن الجامعي في أميرسفور. هناك، بدأتا العمل ضمن مقهى لادخار بعض المال على المر الشهور الست القادمة كي تقوما برحلة العمر إلى ما وراء البحار في بنما.

 

أرادت الفتاتان قضاء 6 أسابيع في البلد اللاتيني الواقع في وسط أمريكا الجنوبية. واعتقدتا أن البلد سيوفر لهما الكثير من الفرص، مثل السياحة والتمتع بجمال البلد وتعلّم الإسبانية والتطوع من أجل مساعدة الأطفال الفقراء. وبعد مرور أسبوعين على تواجدهما في البلد والسياحة، قررتا الذهاب إلى قرية جبلية تُدعى بوكيتي، وكان من المفترض أن تستقرا في منزل عائلة ما لمدة شهر، وبدء برنامج تعلم اللغة الإسبانية.

من المفترض أن تكون تلك الرحلة رحلة العمر التي ستغيّر حياتهما وخبرتهما، حيث وصلت الفتاتان إلى بنما لتحقيق حلم طال انتظاره، لكنهما لم تدركا أبداً أن رحلتهما تلك ستصبح إحدى أكثر الألغاز غموضاً وتعجيزاً، وستحيط بها الكثير من الدلائل غير المنطقية والغريبة.

بعد وصولهما إلى بوكيتي بوقت قصير، اكتشفت الفتاتان أنهما وصلتا قبل أسبوع من بدء برنامج اللغة الإسبانية، لذا قررتا استغلال هذا الوقت الإضافي لتستكشفا المنطقة المليئة بالغابات والشلالات. في صباح الأول من أبريل عام 2014، قررت الفتاتان، بصحبة كلب العائلة التي استقرتا عندها، السير عبر سكة بيانيستا القديمة، وهو طريق جيد عبر الأراضي كثيفة الغابات المحاذية لكوستاريكا. كان من المفترض أن تنتهي رحلة المسير تلك خلال فترة قصيرة، ومن المفترض أن تعود الفتاتان إلى الدراسة، ولم تجلبا معهما سوى بضع حاجيات أساسية مثل بذات السباحة والنظارات الشمسية والكاميرات، لكن ما حدث أن الفتاتين سارتا عبر السكة إلى داخل الأدغال، ومنذ تلك الرحلة، لم يُعثر على الفتاتين حيتين بعد.




من الصور الأخرى التي التقطتها الفتاتان.

في تلك الليلة، لم تعد (كريميرس) و(فرون) في الوقت المحدد (لم تعد الفتاتان على الإطلاق في نهاية المطاف)، والمصيبة أن الكلب عاد إلى بيت العائلة بدون الفتاتين. تبيّن لاحقاً أن عائلتي الفتاتين لم تتلقَ أي اتصال عقب مغادرتهما نحو الغابات، وتوقفت أيضاً منشورات وتحديثات حسابهما على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك». أعلنت السلطات أن الفتاتين مفقودتين في اليوم التالي لأنهما لم يتمكنا من لقاء المرشد السياحي في الموعد المحدد، ونظمت السلطات في بنما عمليات بحث مكثفة، واستعانت بقوات الشرطة والجيش والكلاب والطائرات والشعلات الضوئية لإرسال الإشارة للفتاتين، وإعلامهما عن وجود من يبحث عنهما في حال كانتا ضائعتين، حتى أن السكان المحليين والقبائل الأصلية الموجودة في المنطقة ساعدت في عمليات البحث، وقدمت عائلتا الفتاتين جائزة مقدارها 30 ألف دولار أمريكي لمن يعثر على ابنتيهما أو يقدم أي معلومات.

على الرغم من تلك المساعي الحثيثة، لم يُعثر على أي دليل يشير إلى وجود الفتاتين. اعتبرت بنما أن الفتاتين ربما ضاعتا في الغابة، لكن مع مرور أسابيع على اختفائهما، أصبح الجو العام أكثر تخوفاً. أعلن بعض شهود العيان عن رؤية الفتاتين قبل رحلتهما المشؤومة وهما تتناولان طعام الفطور مع رجلين لم يتم التعرف عليهما، لكن لا يوجد أي دليل يربط بين اختفائهما، ولم يتم التعرف على هويتي الرجلين اللذين تناولا طعام الفطور مع الفتاتين.

إحدى الصور التي تبدو طبيعية، وتظهر فيها إحدى الفتاتين في الغابات.

لم يظهر أي دليل عن قضية الفتاتين حتى مرور أشهر على القصة، وجاء الدليل على شكل حقيبة ظهر محزمة سلمتها امرأة من قبيلة Ngäbe المحلية في شهر يوليو إلى الشرطة. ادعت السيدة أنها عثرت على الحقيبة ملقية في حقل أرز قرب قريتها التي تدعى ألتو روميو، الواقعة في منطقة بوكاس ديل تورو المعزولة.

ادعت السيدة أيضاً أنها كانت في تلك المنطقة في اليوم السابق لكنها لم تلحظ الحقيبة عندها. عندما فتحت الشرطة الحقيبة، اكتشفوا فعلاً أنها حقيبة (فرون)، فاحتوت على جواز سفرها وبعض الملابس ونظارات شمسية والقليل من المال وزجاجة ماء، والأهم من هذا كله أن الحقيبة احتوت الكاميرا وهاتفي الفتاتين، والمثير للغرابة أن جميع تلك الأغراض كانت جافة وفي حالة سليمة نظراً إلى الطقس الرطب الذي تشهده المنطقة. كانت الكاميرا والهاتفان الجوالان من أهم الأغراض بنظر الشرطة، وفعلاً، جعلت تلك الأغراض من القصة أكثر غرابة وتحييراً.

قدم هاتفا الفتاتين دلائل غريبة ومزعجة، حيث اكتشفت الشرطة قيام الفتاتين بإجراء مكالمات قبل ساعات فقط، أما الأرقام التي اتصلت بها الفتاتين، فهي رقم الطوارئ العالمي ورقم الطوارئ المحلي في بنما، لكنهما لم تستطيعا إجراء المكالمات لأن التغطية كانت سيئة في المنطقة على ما يبدو. انتهى شحن جوال (فرون) في الثالث من أبريل، وتوقف هاتف (كريميرس) منذ ذلك التاريخ عن إجراء أي مكالمات، ويبدو أن صاحبته أطفأته وشغلته عدة مرات وبشكل متقطع خلال تلك الفترة، وكأن الفتاتين ربما تبحثان عن إشارة استقبال أفضل بينما توفران من شحن البطاريات.

لاحقاً، تبين للشرطة أن الفتاتين أجرتا سيلاً من المكالمات بين الـ7 والـ10 من شهر أبريل، حيث حاولتا الاتصال بالطوارئ 77 مرة خلال فترة قصيرة جداً، ثم أُغلق الهاتف للمرة الأخيرة في 11 أبريل. المشكلة أن جميع تلك الأحداث جرت بينما كانت الشرطة وفرق البحث والطائرات تمشط المنطقة بشكل شبه كامل، ما يعني أن الفتاتين ربما كانتا على قيد الحياة خلال فترة البحث على الأقل.

الأغرب من تلك المكالمات غير المردود عليها هو الصور التي عُثر عليها ضمن الهاتف الجوال والكاميرا. أظهرت الصور الموجودة في كاميرا (فرون)، والتي تعود لـ 1 أبريل، الفتاتين وهما تنظران إلى خط التقسيم القاري للأمريكيتين، قبل بدء مكالمات الطوارئ بوقت قصير جداً. أظهرت الصور الفتاتين بشكل طبيعي جداً، فوضعياتهما تبدو عادية ومظهرهما مشرقاً، لكن الصور اللاحقة تظهر أموراً أبشع.

لوحظ أن الفتاتين التقطا بعض الصور في رحلة المسير وقرب شلال ما، وهي صور التقطت قبل مكالمات الطوارئ، لكن الكاميرا والجهازين لم يُستخدما حتى 8 أبريل، أي بعد مرور أسبوع كامل على إعلان فقدانهما.

هذه إحدى الصور المنتمية لسلسلة من الصور الغريبة، والتي صُورت جميعها بفلاش الكاميرا، وجميعها تصوّر أموراً أكثر غرابة ما يجعل قضية الفتاتين مثيرة للقلق.

عندها، عثر المحققون على سلسلة مؤلفة من 90 صورة فوتوغرافية التُقطت جميعها بشكل متتابع وسريع، بمعدل صورة واحدة كل دقيقتين، وجميعها التقطت في الليل بين الواحدة والرابعة صباحاً، وتلك حقاً أغرب الأدلة التي عُثر عليها. معظم الصور لا تظهر أي شيء على الإطلاق، ومعظمها معتمة جداً وكأن غطاء العدسات لم يُفتح أساساً، بينما أظهرت صور أخرى الأدغال في الليل بشكل ضبابي، ما يشير إلى استخدام الفتاتين فلاش الكاميرا كي ترفعا الإضاءة أو تلتقطا صورة واضحة لشيء ما.

من بين الصور الكثيرة الملتقطة، هناك بضعة صور تبدو غريبة بشكل مثير للاهتمام. فمثلاً، إحدى الصور المحيرة هي ما يبدو ورق مرحاض ومرآة على صخرة، ولا يُمكن معرفة ما هذه الصورة أو ما تُشير إليه. في صورة أخرى، نجد عصاة عُلقت على أغصانها قطع بلاستيكية حمراء، ربما كانت تلك القطع أغلفة حلويات أو أغلفة قطع شوكولاته. يُقال أن تلك ربما محاولة يائسة للحصول على إشارة، لكن لا أحد يعلم حقيقتها. أما الصورة الأخيرة تبدو وكأنها لقطة مقربة جداً من شعر (كريس كريميرس).

مع اكتشاف الحقيبة ومحتواها المثير، جددت الدولة عمليات البحث في المنطقة التي عُثر فيها على الحقيبة. فخلال عمليات البحث اليائسة، عُثر على زوجٍ من بنطال جينز ممزق، لكنه مطوي بطريقة أنيقة، على صخرة ما. وعندما بدأت السلطات عمليات بحث على طول ضفة النهر في الأدغال، عثروا على أجزاء وبقايا بشرية، معظمها عظام القدم. لكن أكثر الاكتشافات رعباً هو حذاء يحوي بداخله قدم بشرية بالكامل، بل حتى أن الجوارب لا تزال موجودة، وعثروا أيضاً على عظم الحوض وراء شجرة قريبة.

صورة غامضة أخرى لما يبدو أنه عصى ورُكب عليها أوراق حمراء اللون، ربما كان ذلك أحد الأجهزة التي حاولت الفتاتان صنعها.

في المجمل، عثر الباحثون على 33 قطعة عظمية وشظايا موزعة في منطقة النهر. المثير للغرابة أن بعض العظام كانت نظيفة، بل أن بعضها لا يزال الجلد عالقاً عليه، في المقابل، كانت بعض العظام الأخرى ملقية تحت ضوء الشمس. خلص خبير تشريحي إلى استنتاج مفاده أن «العظام لا تحوي أي خدوش عليها، سواء كانت تلك الخدوش طبيعية أو ذات أصل بشري، فلا توجد أي علامات على تلك العظام مطلقاً». وهكذا، من المستحيل معرفة سبب وفاة الشابتين، ولا يزال موتهما لغزاً محيراً.

نجم عن حالة العظام الغريبة والمكالمات الهاتفية الأغرب والصور المحيرة تخمينات عديدة عما حصل للفتاتين. فمثلاً، ادعى البعض أن الفتاتين ضاعتا ثم استخدمتا الكاميرا في محاولة لإرسال إشارة لفرق البحث، وربما تعرضتا لإصالة ما ولم تستطيعا الحركة. بعد ذلك، ربما أُصيبت الفتاتان بالذعر، فأصبحتا ضائعتين أكثر وأكثر. أما العصاة التي تحتوي على أكياس بلاستيكية، فربما حاولت الفتاتان استخدامها لتجذبا انتباه الطائرات في السماء، أثناء محاولتهما الاتصال بالطوارئ طبعاً.

بعد ذلك، ليس من المؤكد ما حصل للفتاتين، فعلى الأرجح أنهما توفيتا في الغابات، ثم جاءت الحيوانات التي تقتات على الجثث وأنهت المهمة، ونشرت بقايا الفتاتين العظمية في الأرجاء.

لكن، إذا حدث ذلك فعلاً، فهناك الكثير من الأمور التي تناقض بعضها: فإذا كانت الفتاتان تحاولان إرسال إشارة إلى فرق البحث، لماذا لم تتصلا بتلك الفِرق؟ ولماذا لم يعثر أي فرد من القبائل المحلية عليهما، وكيف استطاعتا البقاء متخفيتين حتى مع إجراء بنما عمليات بحث واسعة النطاق؟

برزت فكرة أخرى مفادها أن الفتاتين ربما تعرضتا لعملية خطف، لكن إن كان ذلك صحيحاً، فلماذا سمح لهما الخاطف بالاحتفاظ بالهاتف الجوال والكاميرا، حيث استمرت الفتاتان بالاتصال والتقاط الصور. لماذا سيقوم الخاطفون أيضاً بترك حقيبة (كريس) التي تحوي كل تلك الأدلة بدلاً من حرصهم على عدم اكتشاف الجريمة؟ لذا من الواضح أن نظرية تعرضهما للخطف ليست صحيحة ولا منطقية.

هناك نظرية أكثر إزعاجاً مفادها أن الفتاتين لاقتا حتفهما على يد مفترس ضخم، وأن صور الكاميرا الملتقطة، والتي استُخدم فيها الفلاش، ربما كانت محاولة يائسة من الفتاتين لإبعاد المفترس عندما اقترب منهما، لكن من غير المعروف ما هو هذا الحيوان. هناك احتمال آخر يأخذنا إلى الرجلين الذين شوهدا بصحبة الفتاتين سابقاً، لكن لا دليل يدعم هذه الفرضية.

هناك أيضاً عدد من الفرضيات الخارقة للطبيعة، خاصة مع وجود تلك الصور الغريبة في الكاميرا، حيث ادعى الناس أن قوة خارقة تدخلت، حتى أن الخبراء أجروا تحليلاً على الصور ليبحثوا عن أي دليل على وجود كائنات غريبة، لكنهم لم يعثروا على شيء منطقي.

في نهاية المطاف، اتُفق على أن التفسير الوحيد لغياب الفتاتين هو أنهما ضاعتا، وربما لاحقاً سقطتا أو جرفهما تيار النهر، لكن ليس بالإمكان ربط جميع الدلائل المعقدة والمنفصلة عن بعضها.

ما حدث لـ (ليزاني فرون) و(كريس كريميرس)؟ ما السر وراء بقاياهما العظمية والمكالمات الهاتفية الغريبة والملابس المنزوعة والصور المرعبة وغير القابلة للتفسير؟ هناك الكثير من الأسئلة العالقة، ويبدو أننا لن نجد حلولاً لها.