6,769 اجمالى المشاهدات,  13 اليوم

رواية جنون المطر(الجزء الأول )


جنون_المطرالجزء الأول (1)
للكاتبة/ برد_المشاعر
~~~~~~~~~~~~~~~~

بـــــسم الله الـــرحمن الرحــــيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكل عام والجميع بخير بمناسبة عيد الفطر المبارك أعاده

الله علينا باليمن والبركة وجعل كل أيامكم أعياد

ها قد عدت لكم من جديد كما كان الوعد بيننا وأتمنى أن تجد

تجربتي الجديدة أيضا مكانا في قلوبكم الرائعة وأن تكون خطوة

جديدة ناجحة لي ورحلة قصيرة ممتعة لكم نبحر فيها في عالم

جديد ومختلف من الخيال المستمد جذوره من الواقع وأن أدخل

بكم لعالم جديد وممتع رغم غرابته

تجربتي هذه المرة ستكون مختلفة كل الاختلاف عن سابقاتها

سترون فيها برد المشاعر بطابع جديد ومختف تماما من نواحي

عدة وكل أملي أن تكون تجربة ناجحة وممتعة لكلينا وأن نصل

بها لبر الأمان معا أخوة متحابين كما عهدتكم وعرفتكم

وقبل أن نخوض في أغوار وخبايا روايتنا الجديدة أحب أن أنوه

لأمر مهم جدا ومحوري فيها وهوا ارتباطها بواقعنا , حيث أنها

كما عرفتم عني سابقا رواية مستمدة من الخيال مهما تشابهت مع

الواقع , قد تتحدث عن مآسي عشناها ويعيشها الكثيرين في نقاط

متفرقة من أحداثها لكنها لا تمثلني أبدا ولا تمثل بلادي

التقسيمات فيها كلها خيالية كما أسماء المدن والمناطق , شرق

البلاد في الرواية لا يمثل شرق البلاد في ليبيا أبدا بلا أي وجه

كان فشرق البلاد لدينا يحضن مدن باسلة أناسها شرفاء خلت

حتى من النزاعات القبلية خلافا لما شهدت أغلب البلاد

وكذلك غرب وجنوب بلاد روايتنا لا يمدان لليبيا بصلة ولا لأي

دولة عربية كانت أو غربية مهما تقاربت الوقائع فكل شيء فيها

مستوحى من الخيال مهما شابه الواقع , لذلك علينا أن نسير معا

في الأحداث على هذا المنوال وأن نسبح في الخيال حتى نجدها

انتهت على خير وأصبحنا في أرض الواقع ولا وجود لأحداث

هذه الرواية سوا في ذاكرتنا الجميلة
الرواية طبعا من جزأين فلا يخبركم خيالكم أنها مجرد تمهيد ممل

للقصة الحقيقية وأن الأحداث المهمة ستكون في جزئها الثاني فهذا

الجزء يعد رواية مستقلة بذاتها ستجدون المتعة وكل ما تتمنونه فيها

مهما كانت ذات طابع دموي قاتم , وهي مرحلة أولية للبعض فقط

من أبطالنا المستقبليين وستأخذ حيزا كبيرا من أحداث القصة

غلاف الرواية من اختيار وتصميم الغاليتين لامارا وبحر الندى

الرواية مهداة مني لحبيبتي الغالية فيتامين سي

وبسم الله نبدأ

جنـــــــون المــــطر

الفصل الأول

مررتْ أصابعها في عتمة شعر النائمة على فخذها مغمضة

العينين وهي تنظر لها بصمت مبهم حتى قالت بقلق ” عليك

أن تعلمي شيئا قبل أن تفكري في اقتحام حدود تلك القبائل

يا غسق ”

لتفتح تلك المستلقية بهدوء جوهرتاها السوداوات ونظرت لها

بعبوس واجم ، عينان تشبه بحرا أسود شق قارة جليدية لا

شيء فيها سوا تلك الثلوج مهما علت وانحدرت تضاريسها

هذا كان الوصف الوحيد الذي استطاعت مخيلة المرأة الخمسينية

أن تستشفه في غمرة انبهارها الدائم بهذه الحسناء وهي تسبح

بأناملها في ذاك الحرير فكيف ستصف صورة لعينان سوادهما

غريب وكارتي ترتسم في بشرة ناصعة البياض وإن تدلى الشعر

على نحرها وكتفيها معانقا لخاصرتها حِرت في ماذا تركز بين

ثلاثتهم فبين البياض والسواد حكاية عندما يتجاوزان حدهما

المعقول ، حورية من حور الجنة هكذا وصفها البعض فسبحان

الله كيف سيكون شكل حور جنته ولما أصاب الرجال كل هذا

الغباء كي لا يسعوا فقط للنظر بفضول لشكلهن وركضوا خلف

نساء الدنيا ، كل تلك الأفكار كانت تجول في ذهن من كانت

لسنوات تعرف بعمتها وهي وشخصان فقط كانوا يعلمون حقيقة

أن هذه الطفرة لا يمكن أن تكون لعائلتهم بل لقبيلتهم أجمعها

فكيف تكون هذه ابنة لعائلة من قبيلة عرفت بسم قبيلة ( صنوان )

لحكاية قديمة لجدهم الأول حين لقبه الناس بالصيني لقصر قامته

وصغر حجم عينيه الذي توارثته الأجيال بعده ابن عن أب وحفيد

عن جد حتى أصبح لقبا كرهه الجميع وشنوا المعارك الفردية بحق

كل من ناداهم به في وجوههم , وحين خاف الناس منهم أصبحوا

ينادونهم بـ ( صنوان ) بدلا من صيني أمامهم واعتادت عليه الألسن

وألفته القبيلة , فمن يصدق أن صاحبة هذا القوام الممشوق والعينان

الساحرة أن تكون فردا منهم لكن يبدوا أن الناس كان لها الظاهر فقط

وصدّقوا أن هذه الحورية ابنة لزعيم القبيلة الذي تزوج بوالدتها وقت

فرارها حاملا بها في شهورها الأولى وأنجبتها عنده ولحسن والدتها

الذي لم ينافسها فيه سوا هذه الابنة صدّق الناس أنها ابنته وأنها أول

تحسن في نسل القبيلة فتأملوا أن يكون له تابعات لكن أملهم مات مع

مرور السنين فحتى إن تزوجوا بمثيلتها فعرق القبيلة باق للأبد , قد

يكون رجالها اكتسبوا بعض الطول والهيبة مع مرور الزمن وتعاقب

الأجيال لكن الملامح بقت تميزهم عن باقي القبائل الكبرى في البلاد

قبيلة ( هازان ) وقبيلة ( صنوان ) وقبيلة ( الحالك ) وباقي القبائل مجرد

توابع وفروع لهم ، ابتسمت لها بود وقالت ” عمتي لن يثني قراري

شيء مهما حكيتِ لي ”

أبعدت خصلات شعرها عن جبينها الثلجي الصغير وقالت بضيق

” غسق أنتي تري بعينك حال البلاد في حرب بين ثلاث محاور فيها

وبكل جنون تريدي أن تدخلي حدود تلك القبيلة التي لا تعرف سوا

الدماء , عليك أن تقتنعي أن بلادك تقلصت لثلثها فقط والباقي منها

لم يعد وطننا ولا أرضنا ولا يحق لنا دخوله ”

جلست مبتعدة عن حجرها نصف جلوس ليتدلى ذاك السواد القاتم

مغطيا الفراغ ما بين ذراعها وفخذها حاضنا لكتفها من الخلف

وقالت بضيق مماثل ” لن أخاف من كلامك عمتي فلا تتعبي

نفسك ولا طريقة أخرى لأعلم إلا بزيارة تلك العجوز التي

تعيش تحت قبيلة الحالك , لا حل أمامي ”

هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار ” لن أسمح بهذا يا غسق

فماذا إن علم والدك وجبران أقسم أن يقتلاني قبلك فجبران كان

يعد الدقائق لتنجلي حقيقة أنك لست شقيقته فنصدمه بفرارك

لتعرفي حقيقة لن تؤثر في الواقع شيئا , فإن كانت ذا معنى

لقالتها والدتك لشقيقي حين جاءته ”

عدلت جلستها ورمت شعرها للخلف وقالت باستياء ناعم ” كم مرة

سأعيد عمتي أن جبران ليس أكثر من شقيق لي , هذه حقيقة عشت

عليها لتسعة عشر عاما , وإن كان هوا يعلم خلافها منذ صغري فأنا

لا ولن أستطيع إقناع نفسي أن يكون زوجا لي وأريد أن أعرف

من هم أهلي , من حقي هذا أم ليس من حقي ؟ ”

تنهدت بيأس من عناد هذه الحسناء الصغيرة ثم مسحت على

فخذها وقالت ” عودي لحجري لأحكي لك حكاية قد تعنيك معرفتها ”

عادت للنوم على فخذها رغم الضيق الذي لازال واضحا على

ملامحها لتعود تلك الأصابع للغوص في ذاك الشلال الأسود

الحريري وقالت بهدوء ” ألا يكفيك ما أخبرك به والدك شراع

عن حقيقة عائلة والدتك وأنها من صلب هذه البلاد وتعرفيهم جيدا ”

تنهدت غسق بضيق وقالت ” عمتي لا تقولي هذه البلاد منذ متى

كنا بلادا لوحدنا ؟ لما تريدون تقسيم الدولة وهي لم تقسم بأي

حدود دولية ”

عقبت على كلامها بحزن ” لكنه واقع يا غسق فكيف مع كل هذه

الحروب والفرقة والدماء تري أن البلاد لازالت واحدة وكل واحد

ممنوع من تجاوز حدوده والمعارك طاحنة وكل قبيلة تريد أن

توحدها بفرض سيطرتها على كل شبر من أراضيها ”

أغمضت عيناها مجددا وقالت بحزن ” هل هذا ما كنتِ

تودين قوله ؟ ”

لتزفر تلك نفسا قويا ومررت أصبعها على رموش عين النائمة على

فخذها في حركة تعشقها كلاهما وقالت مبتسمة ” أريد أن أعرف

فقط زوجك ما سيفعل وأنتي تنامين في حجره هكذا ؟ أنا المرأة لا

أتحكم في يداي من أن تسافرا في هذه التفاصيل فكيف برجل ! ”

فتحت عيناها سريعا وقالت بضيق يخالطه الحياء ” عمتي

ما هذا الكلام الذي تقولينه ؟ ”

فابتسمت تلك بمشاكسة وقالت ” لا شيء أنا خائفة فقط على

عقل الرجل من الجنون ”

أغمضت عينيها مجددا وقالت ” لا تقلقي فلن أتزوج أبدا , ومن

هذه التي تتزوج في هذا الوضع ليزفوا لها خبر موت

زوجها في أي وقت ”

ثم ما لبثت أن عادت وفتحتهما مجددا وقالت ” احكي الحكاية

التي تريدين قولها لي فقد أصابني الفضول أخيرا ”

ضحكت عمتها بشفافية وقالت ” مادامت غسق وصلت

لحالة الفضول فقد أنجح في ما أنوي ”

نظرت لها باستغراب لتكمل كلامها قائلة وقد غابت بنظرها

للبعيد وأصابعها لا زالت تعبث بذاك الشعر الحريري ” ما

سأحكيه لك يا غسق عمره قرابة الأربعين عاما حين كان لرجل

من قبيلة الحالك يدعى شاهين ابنة من زوجة توفي كل طفل تحمل

به بعدها وتزوج عليها مرتين وكانت الحال ذاتها يموت الجنين

قبل أن يولد حتى زاره عجوز وقتها يدعى ( قطاط ) لم يكن ذاك

اسمه لكنه عرف به من كثرة ما كان يدّعي أنه يعلم المخفي والمستور

ويقرأ الطالع والغيب , والحقيقة أن هؤلاء الدجالين لا شيء لديهم سوا

بعض الرجال من الجن يتجسسون على السماء ليسمعوا ما تكتبه

الملائكة في الألواح ويزيدوا عليه من الكذب الكثير , ذهب ذاك الرجل

للمدعو شاهين وقال له أنه رأى له رؤيا في منامه وأنه لن ينجب أبناء

إلا من امرأة من قبيلة معينة وأن أحدهم سيكون بست أصابع في يده

اليسرى وأن ذاك الابن سيحكم ثلث هذه البلاد ومن ستكون له القدرة

على حكمها كاملة فكبُر الموضوع في رأس الرجل وقال له سأعطيك

بشارتك حين يولد فزاده من العيار وقال (وعليه أن يحذَر فهزيمته

وهوا على مشارف نصره تكون من أهلك من دمك ومن أقربهم لك )

فركبت الهواجس عقل ذاك الرجل وفرحته الغامرة كانت أن يولد له

ذاك الابن الذي سيحكم القبيلة بل وجميع قبائل البلاد وهوا يتخيله كيف

سيكون وبدأ يطلب النساء من تلك القبيلة ويتزوجهن ومن تحمل وتظهر

صور الأشعة أن الابن يده سليمة ينزله فورا ويطلقها لأنه كان يسفرها

خارج البلاد فقط من أجل أن يكشف على المولود ولأنه كان صاحب

جاه ومال في تلك القبيلة كانوا يزوجوه دون تردد وهم يعلمون نواياه

فالخير الذي سيأتيهم منه كثير حتى إن طلقها فكيف إن أصاب الظن

وحملت بذاك الابن المنتظر , وفي مرة صدفت تلك الكذبة وحملت

إحداهن بابن له ست أصابع وفي اليد اليسرى أيضا وكان الجميع

ينتظر ذاك الخبر ليروه بأعينهم فمن يصدق أنّ تكهن قطاط البعيد

ذاك صدق حقا حتى ظنوا أنه رؤيا بالفعل ولم يكذب فيها ”

قاطعتها غسق بفضول ” ولما كان يقتل باقي الأبناء ؟ ”

نظرت لها وقالت مبتسمة ” لا تستعجلي فالخير قادم وكثير ”

اكتفت بالصمت لتتابع عمتها حكايتها وهي تنظر لوجهها وتمسح

بإبهامها على الحاجب المرسوم كالسيف ” ولد ذاك الابن أخيرا

في ليلة ماطرة بل كان أشد مطرا نزل على تلك البلاد ولم تشهده

من قبل وعجزوا عن إيصال والدته للمستشفى فأحضروا لها القابلة

لتوليدها ودخلت لها تحت تهديد منه أنه إن أصاب ابنه شيء قطع

عنقها وقضت أغلب الليل تحاول توليد تلك المرأة التي تعسرت

ولادتها بشكل لم تعهده تلك العجوز طوال سنوات عملها وذاك

يصرخ من الخارج أن تشق لها بطنها وتخرجه قبل أن يموت

فعظم الأمر على تلك العجوز فكيف تقتل بشرا لتخرج آخر ! كيف

تُجري لها عملية قيصرية بلا أدوات فتفتحها وتتركها تنزف حتى

تموت ؟؟ وعند اقتراب الفجر كانت المرأة بدأت تلفظ أنفاسها

الأخيرة مما لم يخفى عن تلك القابلة أنها تحتضر ففعلتها وشقت

لها رحمها وأخرجت الصغير قبل أن تموت الأم ويتبعها بوقت

قليل لأنه من سابع المستحيلات أن يصلوا بها للمستشفى في ذاك

الطقس المخيف , فخرجت تلك الليلة روح من جسد تخرج روحه

وكأنها خرجت منها روحين معا وماتت المرأة فورا وخرجت تلك

العجوز بالطفل لوالده الذي استقبله بقبلة لجبينه الناعم الصغير

الأزرق وقال ( وُلدت يا مطر في ليلة تشبهك ) وسماه ( مطر )

وعاش يربيه على الجَلد والقوة وهوا يرى فيه حاكما لكل هذه القبائل

فأركبه الخيل ابن العام وعلمه السلاح ابن الخمس سنين وأجلسه في

مجالس كبار شيوخ القبيلة وكان يأخذ رأيه أمامهم في كل ما يقال إن

أخذوا به أو لم يأخذوا والجميع لاحظ حنكة ذاك الفتى وذكائه وسرعة

بديهته بل أصبحوا يأخذون برأيه وهوا لم يتجاوز الخامسة عشرة

وكانت له هيبة في أقرانه وكلمته ترتفع عليهم فلم يره أحد يركب

الدراجات ويلعب بالمزاليج في كثبان الرمال لا يعرف السهر عند

المقاهي والمطاعم , كان أكبر وأكبر بكثير من عمره بل حتى في

طفولته كان يضربه والده إن رآه يلعب مع الصبيان ويقول له

( أنت لم تخلق لتلعب أنت خلقت لتحكم وتأمر فجهز نفسك

لذلك واترك عنك حركات الفتيات )

كان ذاك رد والده إن لعب مع أحد الصبيان في سِنّه فكيف سيكون

الوضع إن رآه مع فتاة ! لذلك كان احتكاكه بهن من سابع المستحيلات

رباه جَلدا قويا وزاده ذكائه وحنكته الفطرية ليصنع منه رجلا لم

ترى القبيلة مثيلا له , وفات ذاك العجوز أنه هوا سبب ما صار

فيه ابنه وليس ترهات ذاك الخرِف قطاط ”

توقفت عن الكلام فجأة وابتسمت برقة وهي تسافر بإبهامها

للخد الناعم وقالت ” لا تقولي أن فضولك أصبح يقودك لرؤيته ”

هزت غسق رأسها نفيا من فورها وقالت ” كيف أرى رجلا لم

يعرف الفتيات ولا في صغره ! مؤكد سيقطع عنقي فقط لأني

قابلت وجهه ”

ضحكت بخفوت ولم تعلق لتسهب غسق بعفوية

” وهل هوا متزوج ؟؟ فستكون زوجته تستحق الدعاء

لها بالرحمة ”

عادت العمة للضحك مجددا وقالت ” لا , وهل تري شخصا

مثله لم يعرف النساء ولا في صغره سيفكر في الزواج ؟ أو

قد يكون مثلك يرى أنه لن يربط نفسه بامرأة وهوا على

مشارف الموت ”

حركت غسق شفتيها الرقيقتين بتلقائية ثم همست

” رجل بقلب صخرة ”

فابتسمت عمتها وقالت ” وكم من صخر أذابه عشق امرأة ”

لم تفهم غسق ما صبت له عمتها التي أكثر ما تخشى على هذه

الفتية هوا ذاك الرجل فإن أصبحت في قبضة رجاله أصبحت

في قبضته وإن أصبحت في قبضته وقع ما تخشاه حقا أكثر من

موتها على يديهم , قالت غسق ويدها تحضن يد عمتها التي

تلامس صفحة وجهها الغض ” لم تخبريني حتى الآن لما

قتل ذاك الرجل جميع أبنائه ”

تنهدت وقالت بحزن ” بل لم يكن بطشه لهم فقط لأنه تخلص

من جميع الرجال في عائلته وبطرق مموهة ”

جلست غسق فزعة وقالت بصدمة ” قتل أهله !! ”

هزت رأسها بنعم وقالت ” تصوري وكله خوفا على ذاك الابن

من باقي كلام العجوز من أن هزيمته على أعتاب نصره

تكون من شخص من دم والده سيولد بعد رؤاه المزعومة ”

هزت رأسها بصدمة غير مصدقة كل ما سمعت فكيف يصل

به ذلك لأن يقتل أشقائه وكل من يقرب له من أجل كلام لا

يعرف صحته ! لكن من يلوم مجنونا مثله حدث معه نصف

ما قال له ذاك العجوز فبالتأكيد سيفكر أن النصف الآخر

سيحدث , قالت بحيرة ” هذا يعني أنه لم يبقى لابنه أحد ”

هزت رأسها بنعم وقالت ” شقيقته من زوجة والده الأولى

فقط لأنها وُلدت قبله وهوا خشي حتى أن يولد لأشقائه ابن

يهزمه ولأنه كان الأكبر تخلص من شقيقه الذي عصاه قبل

أن يتزوج والآخر لم يتزوج حتى الآن ولا شقيقته أيضا

التي من حبها لابن شقيقها تخشى أن تنجب ابنا يكسره

ويقتله وضحت بأن يكون لها زوج وأطفال من أجله ”

جالت غسق بعينيها السوداء الواسعة الطويلة في ملامح

عمتها بنظرة ملئها حيرة ثم رفعت شعرها خلف أذنها وقالت

” كيف هذا !! كيف تصدّق هي أيضا ما قال ذاك الدجال ؟ ”

تنهدت العمة وأردفت ” لم يعد يستطيع أحد التكهن بشيء

وهم يروا أن الابن بالست أصابع ولد فعلا وحكم القبيلة

بأكملها وكل مجاوراتها وفي أراضيها فيبدوا أنه صَدق

وكانت رؤية وليس تكهنا ”

زحفت مقتربة منها أكثر وقالت بفضول ” وهذه قصة

حقيقية أم من الخيال وفي أي جيل من قبيلتهم ”

ابتسمت على جملة صغيرتها التي ربتها في حضنها وها

قد فاتها ذكائها الفطري أن تعرف من تقصد وقالت

” بل الآن في هذه البلاد ”

لتشهق غسق بصدمة وقالت ” هنا !! هل هوا …. ”

ثم رفعت شعرها ولفته بعشوائية وغرست فيه مشبكا فضيا

وقالت بصدمة ” لا تقولي أنه زعيم قبيلة الحالك ؟ ”

هزت رأسها بنعم دون كلام فتابعت غسق بحماس ” ظننته

عجوزا فلم أره يوما ولا تحدث عنه أحد سوا بابتعدوا عن حدوده

حتى بعدما دارت الحروب بيننا وبينهم لازال الجميع يخاف

الهزيمة على يديه ولم يكن أحد يذكر اسمه وجميعهم ينادونه

بزعيم قبيلة الحالك أو ابن شاهين زعيم منطقة الجنوب ”

ثم أمسكت يد عمتها وقالت برجاء يقارب للطفولة

” صفيه لي عمتي كيف يكون ؟ ”

لتشد يدها منها وقالت بحدة ” غسق ما هذا الكلام ؟؟ أعرفك

لا يحرك فضولك إلا شيء تمكن من عقلك فلما تريدي معرفته ؟ ”

تأففت برقة وقالت ” أنتي السبب حكيتِ لي حكاية أقرب للخيال

منها للواقع عن رجل لم أرى مثيلا له فكيف لا يجتاحني الفضول ”

نهرتها مجددا قائلة ” لا تنسي أن العشرات من رجال قبيلتنا ماتوا

على يد رجاله وأنه يريد انتزاع الأرض منا ”

قالت بتذمر ” ونحن لسنا بأقل منه قتلنا رجاله ونريد

انتزاع أرضه منه ”

قالت العمة بصدمة ” غسق ما هذا الذي تقوليه ؟ ”

فعقبت بحزن وقد هدأ حماسها ” متى سينتهي هذا الحال عمتي ؟

هل حقا اعتدنا أن يموت الناس وأن نعيش في سكون لليلة

لتعقبها حرب لليالي ؟؟ ”

وكان الجواب منها أن هزت رأسها بيأس وقالت ” ومن سينسى

الدماء يا غسق ؟ كلٌ أصبح يحمل الحقد في قلبه ولن تتصافى

النفوس إلا بأن يحكم أحدهم بالقوة بعدما يدمر ثلثي البلاد الباقيين ”

غزى الحزن ملامحها وعلقت بعبوس ” وما بِنا هكذا ! خرج الاحتلال

من بلادنا ليتركنا نذبح بعضنا البعض ولسنوات ونعاني ويلات

الحرب الأهلية , متى سنتحرر من أنفسنا متى ؟ ”

مسحت عمتها على شعرها بحنان وقالت ” والآن عليك محو فكرة

الذهاب إلى هناك من رأسك لأن الأرض أرضه وإن أمسكك رجاله

سيسوقونك له , ولك أن تتصوري كيف أن رجل يمسك رجاله بامرأة

يسلموها له دون أن يلمسوها وهم رجال كيف ستكون سطوته وقوته

وسيطرته عليهم حد أن يهابه المحاربين من الرجال وهوا ليس معهم ”

برقت عينيها السوداء وقالت بحيرة ” يا الله كيف يكون هذا

الرجل المخيف ! ”

فاشتعلت النار في فخذها التي قرصتها عمتها ونهرتها قائلة

” غسق ماذا قلنا ”

عدلت جلستها تفرك فخذها بتألم وقالت بتذمر ” عمتي هذا

مجرد كلام فلن أراه ولن يمسكني رجاله ولن أذهب

اطمئني فقد أرعبتني منه بجدارة ”

لتبتسم قائلة بحب ” جيد المعلومة وصلتك إذا وأتمنى أن

لا تكون مجرد تصريفه لي لأسكت ”

هزت غسق رأسها نفيا وهي موقنة من أن ما فيه لن يغيره شيء

فإصرارها لمعرفة والدها وعائلته وابنة من تكون وصل لأبعد

نقطة في عقلها لأنها كرهت حديث عائلتها منذ أن علم المقربون

بقصتها وأنها ليست ابنة هذه العائلة , وما خفف كلامهم هوا

معرفتهم بعائلة والدتها العريقة وبقي نسب الأب لغزا تتداوله

الألسن وفي كل حين يرموها على شخص مما جعل إصرارها

على معرفته يكبر يوما بعد يوم لتخطئ عمتها الخطأ الأعظم

وتذكر لها اسم من كانت ولادتها على يدها ووحدها من ستكون

تعلم به لأنه كان من عاداتهم أن تخبر المرأة القابلة وقت توليدها

عن اسم أب ابنها وتحفظه تلك حتى الموت ولا تتفوه به إلا في

الضرورة القصوى ولو كان فيه موتها , ولأن تلك العجوز تسكن

أراضي الحالك فالوصول لها أشبه بالمستحيل والمخاطرة كبيرة .

انفتح حينها باب الغرفة لتنظرا كليهما معا للداخل دون إذن مسبق

وكان من ابتسمت له العمة بحب وقفزت غسق ناحيته ووقفت على

رؤوس أصابعها حتى قبلت رأسه قائة ” صباح الخير أبي ”

مسح على خدها بحنان وقال ” صباح الخير , ما يوقظ

ابنتي الحبيبة قبل الفجر بساعة ”

نظرت للخلف وقالت بابتسامة ” عمتي حكت لي حكاية

أخافتني ولم أنم بعدها ”

ضحك كثيرا وقال ” خذي حذرك من حكايات عمتك

فمخيلتها واسعة جدا ”

فنظرت لعمتها بطرف عينها بخبث وقالت بنبرة مقصودة

” هكذا إذا ؟ هي تعبث بخيالها كثيرا ”

لتقف تلك تعدل لباس الصلاة على صدرها وقالت ببرود

” لا تضحكي على نفسك فكل ما قلته حقيقة ”

ثم نظرت لشقيقها وقالت بقلق ” أراك باللباس الرسمي !!

هل ستخرج من البلاد ؟ ”

هز رأسه بنعم وقال ” مؤتمر صغير وسأعود اليوم ”

تنهدت بأسى وقالت ” تعبنا من هذه الاجتماعات التي

لا نخرج منها بشيء ”

غطى السكون الواجم على ملامحه وقال بشبه هدوء

” على الأقل نتبادل الأسرى حتى يأتي الله بفرجه

على الجميع ”

قالت من فورها وبضيق ” هل تظن زعيم قبيلة الحالك سيقبل ؟

ففي المرة السابقة خرج بأسيرين مقابل كل أسير ”

تحدثت حينها الواقفة تتنقل بنظرها بينهما ولا تشارك في

الحديث بشيء كعادتها وقالت بعفوية ” وكيف خدعكم هكذا ؟ ”

أجاب شراع بجمود ” لا يحظر اجتماعا إلا وخرج منه بما

يرضيه فسيطرته كما نعرفها تتحكم في العقول , وما يعزينا

أنه لن يحظر اليوم فقد نكسب شيئا من غيابه ”

قالت غسق باندفاع ” ولما لن يحضر ؟ ”

لينهرها الصوت الحازم من خلفها ” غسق ”

فلاذت بالصمت ونظرت للأرض قائلة بهدوء ” ترجع لنا

سالما يا أبي واعتني بنفسك جيدا ”

وكان الرد منه قبلة صغيرة لجبينها تحمل كل معاني المودة ثم

قال بدفء ” جبران سيوصلك للمدرسة اليوم ”

حاولت إخفاء ضيقها خلف النظرة الحنونة التي تغمره بها وحده

وقالت ” لن أذهب وكرهتها أيضا , لما أدرس أنا وغيري

الكثيرات بلا دراسة ؟؟ أريد أن أكون كغيري هنا ”

تنهد وقال ” غسق كم مرة سنتحدث في هذا فلستِ وحدك من

تدرس , بنات خالاتك وأخوالك يخرجون أيضا للدراسة حتى

بنات شقيقي يكملن تعليمهن , هل ستبقي وحدك متأخرة عن

الجميع ؟ يكفي ما ضاع منك بسبب هذه البلاد التي لن

تنتهي حروبها ”

تنهدت باستسلام وقالت ” حسنا لكن اليوم لن أذهب

ستأخذني أنت غدا ”

لتُظلم الغرفة فجأة وتدخل في سواد قاتم وتحركت العمة لكشاف

النور في الجدار وشغلته ليعطي المكان نورا أصفرا خفيفا ونظرت

غسق من حولها وقالت ” قطعوا الكهرباء من الآن يعني لن

ترجع حتى منتصف النهار ”

فخرج شراع قائلا ” أفضل من انقطاعها في الليل , اذهبي

لمدرستك يا غسق إن كان رضاي عنك يعنيك ”

ثم أغلق الباب خلفه لتزفر بضيق فهوا يعلم من أين يأتيها

ويحاصرها , التفتت لعمتها وقالت ” اذهبي معنا أنتي ”

قالت وهي منشغلة بتثبيت الضوء ” وهل سيأكلك مثلا ؟

جبران كان يوصلك أغلب أيام العام المضي ”

تأففت بصمت ثم قالت ” ذاك حين كان شقيقي ولا أعلم

أما الآن الأمر اختلف والرحلة طويلة ”

التفتت لها بصدمة وقالت ” هل يضايقك بشيء ؟ ”

لتنتفض بجزع وقالت مستنكرة ” حاشا لله عمتي فلم يكن يتجنبني

أحد من أخوتي مثله , حتى عينيه لا يرفعهما بي إلا للضرورة

لكنه لا يجوز فهذا سفر لثمانين كيلو مترا بالسيارة , لا أعرف

كيف كنتم توافقون عليه ”

تنهدت وقالت ” للضرورة أحكام وحين تتزوجا لن

يصبح سفرا وخلوة ”

لوت غسق شفتيها بعدم رضا بما أن عمتها لن تلحظ ذلك في ضوء

الكشاف الخفيف , فقد كرهت مناقشتها في هذا الأمر وتعلم أنها لن

تخرج منه بنتيجة ولن تخشى شيئا مادام والدها حيا فهوا لا يرفض

لها طلبا وحين تبرر له اعتراضها على ابنه لن يجبرها عليه

فكل ما تفكر فيه الآن أصلها ونسبها فقط لا شيء غيره

*

*

*

في تلك المدينة التي لم يعد يسكنها سوا أشباح خفافيش الليل المتراقصة

على أنغام صوت الهواء وهوا يصفر في مبانيها المهجورة المظلمة نزلوا

ما أن اجتمعت سياراتهم عند الخط الترابي المشهور بسم ( خط حفار )

لكثرة ما كان يستخدم هذا الطريق لنقل مواد البناء التي يتم استخرجها

بحفر الجبال ، المكان الذي لم يعد موجودا فيه سوا المنشئات الخالية

وآلات الحفر الضخمة المعطلة فلم يبقى من حفار سوا صور ثابتة

ساكنة ميتة مخبأ للأفاعي والثعالب , وهذا ما تخلفه الحروب مناطق

مهجورة لأنها كانت في يوم قريب جدا وإن في ذاكرة أهلها فقط

نقطة للهجوم أو الدفاع وقد تعود كما كانت في أي وقت فلا يفصلها

عن خط الحرب سوا منطقة واحدة فقط تشبهها في كل شيء .

بعد رحلة دامت لساعات وصل الرجال الستة بسياراتهم المفتوحة

المخصصة بنقل الجنود , قديمة الطراز لكن وحدها التي تفي بهذا

الغرض هنا ، بلاد قُسمت لثلاث أجزاء شرق وغرب وجنوب

فالاحتلال لم يخرج منها قبل أكثر من خمسين عاما إلا وهوا واثق

من أنه خلّف بعده شبه بلاد , فرقة ودماء وثأر متأصل , فقد عُرف

جنوبها بالتمرد وحارب الاستعمار بكل استماتة وخسر الآلاف من

رجال قبائله ولم ينحني , حتى أن قائد قوات جيش ذاك الاستعمار

اعترف وقت خروجهم أن الجنوب كان مصدر رعب لرجالهم

وأنهم خسروا في حروبهم معه الكثير ، أما غربها فكان مقرهم

الأساسي انتهك بالغصب فكان مقرا لمساكنهم ومنشئاتهم العامة

ومرافقهم الصحية , أي كان نقطة استقرارهم الأساسية لأنه

يربطهم بالبحر وأما شرقها فعرف هنا ببؤرة الشر فهوا أرض

الخونة من قبائل البلاد درجة أن جميع الثكنات العسكرية لؤلئك

الجنود كانت فيه وبعض أبناء القبائل كانوا يعملون جواسيس لهم

بين قبائل بلادهم الأخرى , ومن هنا لعب ذاك المستعمر لعبته

وأصبح يسلم بعض المناطق لهؤلاء القبائل ويعيد تقسيم البلاد

كيف شاء ونشب الحرب بين شرقها وغربها وجنوبها وبث

الفرقة والأحقاد التي امتدت لسنوات فبعد خروجه طالبت قبائل

الجنوب بحكم البلاد واسترجاع أراضيه لقبائلها وتعويض أهل

ضحايا الحرب وجاء الرفض من الثلثين الآخرين , غرب البلاد

أرادوها انتخابية ومجالس وبلديات وأن لا يسلبوه من مرافقه

شيئا وهوا النقطة المعمرة الوحيدة في البلاد فالجنوب شبه مدمر

بالكامل والشرق أشبه ما يكون بثكنة عسكرية , وآخر ما اقترحوه

أن تقسم البلاد لثلاث ولايات تحت حاكم واحد ورفضت باقي

الأطراف أما الشرق فكان من أعلنها حربا وأنه سينتزع المدن

بالقوة ودخلت البلاد في حرب أهلية دامت لسنوات وسنوات

ومات الآلاف بالمئات وأصبحت قضية دم وليس أرض فقط

وقد فشلت جميع الجهود العربية لحل النزاع أما الغرب فكان

غرضهم الوحيد أن تبقى البلاد في حالة فوضى , أغراض

سياسية يغطونها بمؤتمرات واجتماعات لا تخرج بأي حلول

ومن تحت الطاولات يمولون الجماعات الإرهابية لتقوى

شوكتها في الداخل ويدخلون بحجة محاربتها .

اقتربت منهم سيارة أخرى ونزل من فيها واقترب أحد تلك

الخيالات التي تتحرك في سكون هذا الليل ليقف أمام صاحب

المعطف الطويل والعمامة الزرقاء وقال بجدية ” كل ما أمرت

به جاهز سيدي , خسرنا أربعة رجال خلال الخمس ساعات

الماضية ، مصدر الرصاص والقذائف اليدوية مباني

الردم الطينية القديمة ”

تحرك حينها باتجاه السيارة قائلا بحزم ” هذه المرة لن نرجع

لأهالينا إلا والردم والحويصاء أصبحت ضمن حدودنا

أو نموت دون ذلك ”

لترتسم ابتسامات الرضا على وجوه رجاله فكم انتظروا هذا

القرار منه , القرار الذي أجّلته المحاولات الدولية الفاشلة لجبر

ما لن تجبره إلا القوة ، وبعد حوالي خمسون كيلو مترا كانوا

في منطقة السد لينزل القائد الملثم المجهول وخلفه أقرب رجاله

القائد الذي وصوله هنا وفي هذا الوقت له معنى واحد فقط

وهوا أن وقت التحرك قد حان وسيتحول الجميع من وضع

الدفاع للهجوم فهذا القائد أوامره سارية على جميع قادتهم

ولا أحد يحق له أن يسأل من يكون ، ومن هناك طلعت

شمس الصباح لتتخلل تلك النافذة المكسورة وتتسرب أشعتها

على الخارطة الورقية التي تتوسط الطاولة الخشبية الكبيرة

التي ترتكز عليها يدان بقفزات سوداء وحوله القادة من رجاله

بعضهم يحار في هذا الملثم صاحب النظرة الصقرية الحادة

والشخصية القيادية الواثقة والبعض لا يستغربه أبدا لأنهم

يعرفون من يكون وأنه الرجل الذي يضن جميع من هنا أنه

نائم الآن في منزله ينتظر أن تأتيه الأخبار ، حرك أصبعه

على خط حدود مناطقهم ونظر لهم وقال بثبات ” هنا نقطة

الانطلاق , هم مستعدون لنا بالتأكيد وقد وضّحت لكم نقاط

الهجوم والتراجع والأهم من كل ذلك نقاط الالتفاف فتلك

الثغرة نقطة ضعفهم الوحيدة , سنكون على اتصال وأنا

سأكون في الخط الأمامي وإن مت عثمان حداد

سيكون مكاني مفهوم ”

أشاروا له بالطاعة التامة فعدل وقفته وقال بحزم

” الإمدادات ستصل تباعا ولا تَوقف لنا حتى نصل لحدودنا

الجديدة , التراجع إن حدث سيكون بالتحرك غربا حتى

منطقة غويطاء ونرجع هنا , وهذا في حال فشلنا طبعا ”

وتحرك الرجال مع بزوغ الفجر لتدخل البلاد نقطة محورية

جديدة بين شرقها وجنوبها وهي انتزاع الأراضي بالقوة بعدما

فشلت آخر محاولات التهدئة الخارجية لأن الشرق بدأ بخرقها

*

*

*

وبعد ساعات ذلك الفجر الجديد وفي مكان آخر بعيد وأبعد ما

يكون عن تلك الحروب الدائرة وعن تلك البلاد الممزقة كان

اجتماع لرجال ببدل رسمية وربطات عنق أفكارهم لا تشبه

لباسهم أبدا , أناس اجتمعوا في مبنى زُخرفت أعمدته الضخمة

بالفضة والنقوش الذهبية العريضة , طاولة اجتماعات طويلة

أكواب كريستالية موزعة ورجال الفصائل المتنازعة من تلك

البلاد في الصفقة الثالثة لتبادل الأسرى بينهم .

مال جهته قليلا وهمس ” كما أخبرونا حضر عمه وبعض

رجال قبيلتهم وهوا لم يأتي ”

بادله شراع الهمس بجدية وهوا يحرك قلما على الطاولة

أمامه ” إن لم نخرج من هنا ونسمع أخبار تخصه لا أكون

شراع صنوان فغيابه عن هذه الصفقات التي يسترجع فيها

رجاله سيكون لغرض أهم منها فلا تنسى أنه في اجتماعنا
الثاني هنا أخذ عشرة رجال مقابل واحد لأنه ابن عمك

وقمنا بتعويض عشر عائلات أخرى بدية عن أبنائهم فلن

يترك جولة يعلم أنه رابح فيها إلا لسبب أقوى منه ”

جال ابنه بنظره بين الحضور وهمس له مجددا ” زعيم

قبيلة هازان غادر الاجتماع سريعا يبدوا توقعك كان

في محله واستقبل هدية من ابن شاهين ”

لم يخفي شراع ارتجاف يده ووقوع القلم منها لوقع همس

ابنه على أذنه فأن يتحرك ابن شاهين بغثة شيء لا يُطمئن

بالنسبة له ولكن ما يطمئنه أن ذاك الزعيم لن يخاطر بالتحرك

وقت اجتماع عقدته دول صديقة تحاول جاهدة إيجاد حلول لتلك

النزاعات فسيضع نفسه في موقف حرج أمام المساعي الدولية

عاد لإمساك القلم بذهن شارد يتردد صداه ككلمات في رأسه

المشوش ( لن يفعلها أبدا إلا إن جُن مطر حقا وضرب جميع

مساعيهم عرض الحائط وهم يسعون لتهدئة ولو جزئية )

*

*

*

بعد رفض عمتها القاطع للذهاب معها غادرت مع جبران لمدينة

النور من أجل المدرسة كي لا يغضب والدها فيما بعد , ولأنهم

اليوم درسوا شبه نصف الحصص فقط غادرت وقت الفسحة لأن

جبران لن يغادر وكان سينتظرها , خرجت وركبت السيارة

وعادا مغادرين من هناك في صمت تام كرحلة مجيئهما إلى

هنا فجبران كان طبعه معها دائما قلة الكلام وهوا يعلم أنها

ليست شقيقته وتجهلها هي والآن بعدما علم الجميع زاد صمته

حتى تحول لصمت أموات فلا يحدثها إلا للضرورة القصوى

كان يبني الحواجز بينهما لأنه على علم بالحقيقة ولأن مشاعره

نحوها تجاوزت الأخوة بكثير فأتقى لنفسه وأبرئ لها أن يبقى

بعيدا عنها , بعيدا عن امرأة حتى صوتها الناعم يفتنه لأقصى

النخاع فكيف برؤية حسنها كل يوم وفي كل حالاتها حتى وهي

مستيقظة من النوم , بعد مسافة مد يده لمسجل السيارة وشغل

المذياع ليشغل نفسه حتى عن سماع أنفاسها , بحث في تردداته

حتى ثبت على قناة إخبارية محلية وقال المذيع من فوره

” … ومؤتمر الإمارة ألغي بسبب خبر هجوم قبيلة الحالك

على مدينة الردم والمعارك لازالت في أوجها ”

وضعت غسق يدها على صدري ونظرت لجبران

وقالت بصدمة ” تقاتلوا !! ”

قال ونظره على الطريق ” منذ الفجر واستولوا على

الردم , والحويصاء تبدوا في الطريق ”

غصت العبرة في حلقها ونزلت دمعتها رغما عنها فمسحتها

سريعا لكن الذي كان يقود لا يفوته شيئا من تحركاتها فقال

بصوته الجهوري الهادئ ” آن لك أن تعتادي يا غسق

فلسنا حديثي سنة بالحروب ”

تجددت العبرة التي تحاول بلعها وأناملها تقبض بقوة على

الحقيبة في حجرها وقالت بأسى ” ومتى سينتهي هذا

متى ؟؟ بل أرى دورنا سيكون القادم ”

قال ببرود ممزوج ببعض بالجدية ” هم جلبوه لأنفسهم واخترقوا

التهدئة الجزئية من أجل الرهائن مع زعيم قبيلة الحالك وجاءهم

رده القاطع فصمته اليومين الماضيين لم يكن عبثا وكما عرفه

الجميع يضرب مباشرة وبلا حِيل ”

كانت الملايين من الأسئلة تدور في ذهنها لكنها لن توجهها

لجبران فقد اعتادوا أنها تسمع كل شيء ولا تتدخل إلا إن

تحرك فضولها بشكل قاتل وهذه النقطة لن تفوته أبدا , ثم هي

تحترم أنه لا يريد الخوض في الكلام معها وتراه أفضل لهما

مد يده وأغلقه مجددا فسماع أنفاسها بات لديه أرحم من بكائها

وصوتها الحزين , ليغلق على أفكاره بزفرة قوية علّه يبرد بها

حر جوفه ( متى ستقرر يا أبي وترحمني من الانتظار متى ؟؟ )

*

*

*

وعلى الأصعدة الأخرى كانت شرق البلاد في حالة فوضى

وخبر استيلاء الحالك على الردم ودخوله لتخوم الحويصاء قلب

الدنيا رأسا على عقب خصوصا أنه لا أحد يعلم عند ماذا

سيتوقف وأين قرر أنه ستكون حدوده الجديدة لتختلط معمعة

الناس بسيارات الجنود والعتاد التي بدأت تملأ الطرقات ووجهتها

أقصى الشرق جهة الجنوب لتعزيز المقاومة هناك والدفاع عما

تبقى واسترجاع ما يمكن إرجاعه , بينما دخل غرب البلاد في

حالة من الترقب الشديد فلا أحد يعلم ما يفكر فيه ذاك الزعيم ومن

دوره سيكون القادم ؟ فبالرغم من أن قوتهم تكاد تكون متساوية

إلا أن الرهبة من خطط والتفاتات رجاله وجنوده أمر أصبح

يشكل هاجسا للجميع , فالغلبة تكون للأدهى قبل الأكثر مهما

قيل أن الكثرة تغلب الشجاعة فإنها لا تغلب العقل والتخطيط

فوضى كبيرة عمت ذاك الاجتماع حال انتشار الخبر فرد قبيلة

الحالك على الخرق الذي أقدمت عليه الهازان كان غير متوقع

وهز ذاك الاجتماع , فكيف يكون عمه وأكابر قبيلته هناك من

أجل تبادل الأسرى والتحاور حول التهدئة الجديدة وهوا يدك

حصون الشرق وينتزع مدنها وكأن ما يحدث في ذاك

الاجتماع أبعد ما يكون قد يعنيه أو فكر فيه .

أما في جبهة القتال فكان وقوع الردم يسيرا عليهم لأنها جاءت

على حين غفلة بخطة حربية متقنة أما الحويصاء فيعلمون أنها

لن ترضخ لهم بسهولة فقد شد أولئك الرحال لها وعدوا العدة

والعتاد لدعم الجنود هناك , أما في الخط الأمامي على تخوم

الحويصاء كانت صرخة قائدهم الوحيدة ” إن لم نأخذ

الحويصاء لم نجني شيئا ”

وهوا أعلم بغيره أن الردم لن تكون ذرعا حاميا لجنوده فيما

بعد فهي أرض مكشوفة سيتعرضون فيها للهجمات المتسلسلة

التي ستخسرهم الكثير أما الحويصاء فستكون منطقة دفاعية

أكثر لمتاخمتها لمرتفع شهير لديهم , فإما الحويصاء أو العودة

للسد من جديد ، وبالفعل كانت الحرب فيها شرسة مستميتة

فهي أصبحت نقطة محورية لكليهما إن أخذتها الحالك تمركزت

فيها وسيصعب إخراجها وإن صمدت فيها هازان أعادت الردم

بسهولة ، ومن يوقف شلال الدم حين يبدأ بالجريان ؟ حين يرى

الشقيق شقيقه عدوا له وكل واحد له الحق في الدفاع عن نفسه

وأرواح قبيلته , ويصبح لا صوت أعلى من صوت الحرب

ولا طريق للحياة إلا من خلال الموت .

نهاية الفصل

أتمنى أن تكون البداية حازت على رضاكم وإعجابكم

موعدنا القادم مساء الثلاثاء إن شاء الله

ودمتم بكل حب

جنون المطر ( الجزء الأول )

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثانى

الفصل الثاني

ما أن كان أول المساء طرقت عليها باب غرفتها ودخلت

لتُصدم بأنها لازالت بثياب المنزل تجلس عند نافذة الغرفة

يدها على خدها تهيم بنظرها للسماء بشرود فاقتربت منها

وقالت باستياء ” رمّاح ينتظرنا في الأسفل وأنتي

لازلت مكانك ولم تجهزي نفسك ”

أبعدت غسق يدها عن خدها وقالت وكأنها تخاطب

صورتها في زجاج النافذة ” عمتي بالله عليك

كم مرة قلت أني لن أذهب ”

تنهدت تلك وقالت ببرود ” لا تخافي فبعدما علمت عائلتنا أن

أبناء شقيقي شراع ليسوا أخوتك لن يجرؤ أحد على التحدث

في موضوع الزواج فلن يفوتهم أنك لن تكوني إلا لأحد

أبناء زعيم القبيلة ”

وهذا ما كان ينقص غسق الآن حديثها عن زواجها الذي

لا تفكر فيه أساسا ولا يريد أحد أن يفهم وجهة نظرها فيه

وقفت والتفتت ناحيتها وقالت بضيق ” البلاد في ماذا وأنتي

وهم في ماذا يا عمتي ، تذهبين لحضور حفل زفاف ورجال

بلادنا يموتون في الحويصاء كل دقيقة ، بأي قلوب

أقاموا هؤلاء المتحجرين أفراحهم ”

هزت تلك رأسها بيأس وقالت ” ومن مات من أجل من ؟

ثم نحن عشنا كل حياتنا في الحروب ما تغير الآن ؟ وإن كنا

نحن مكانهم لأقاموا هم أفراحهم وما اكترثوا بنا ، هل

نحن ضربناهم على أيديهم وقلنا تقاتلوا ؟ ”

غصت العبرة في حلقها لتخرج بحشرجة وصوت مختنق

بائس وهي تقول ” كانت مناوشات بسيطة أفراد يُختطفون

أو يموتون على حدود المناطق وليس دماء تسفك هكذا وقبيلة

تزحف على حدود قبيلة بالبارود والنار , لا أستطيع أن أكون

هناك عمتي حيث الغناء والرقص فاللذين يموتون في

الحويصاء أبناء بلادي جميعهم ”

هزت رأسها بيأس منها لتنقطع الكهرباء حينها وقالت

ببرود ” ها هوا ألغي الحفل الآن فلن أذهب أنا أيضا ”

ثم غادرت الغرفة على ضوء الغروب الخفيف الذي بدأ

يغادر الأفق لتهمس التي عدت تحضن خدها وتهيم بنظرها

للسماء ” لم أفرح يوما بانقطاعها كما اليوم ”

وقفت بعدها وطرحت سجادتها رغم أنها صلت المغرب للتو

لكنها عادت للصلاة والدعاء لعل جروح بلادها أن تضمّد

قريبا فالله وحده القادر على كل شيء , وليسافر بها الليل تحاكي

الظلمة الحالكة ولم تشغل ولا حتى كشاف الكهرباء ولم تتناول

عشائها الذي رفضته تنتظر أخبارا عما يحدث هناك وهي تعلم

أنها لن تأتيها لغرفتها لذلك زحفت من على سريرها ونزلت منه

وأشعلت شمعة كانت موجودة على الطاولة بجانب السرير إن لزم

الأمر لإشعالها وحال تعطل كشاف الكهرباء , لبست لباس الصلاة

الذي أصبح لا يفارق شعرها منذ علمت حقيقتها وخرجت من الغرفة

بخطوات بطيئة كحجم النور المنبعث من شمعتها حتى وصلت السلالم

حيث تسمع حديث والدها وأبنائه في الأسفل فتركت الشمعة على مسافة

منه لتهتدي بها لطريق عودتها وجلست على أول عتبات السلالم من

الأعلى واتكأت على حاجزه الخشبي العريض بملامح حزينة تسمع ما

حدث بعدها ولا تعلمه ولن تستطيع النزول والسؤال فالجميع سيقول

أنها ليست عادتها كما قالت عمتها منذ قليل , كان حديثهم واضحا

لها لسكون الليل وهدوء المنزل وانعدام الكهرباء ليصلها صوت

رمّاح قائلا ” كنت أعلم أنها ستسقط وأن الحالك سيأخذونها ”

ليعقب عليه رعد بسخرية ” وزعيم هازان خرج منذ ساعات يتحدث

في المذياع أن هزيمتهم ستكون على يده وأن الردم ستعود قبل

المساء ولم يتخيل أحد أن تسقط حتى الحويصاء في ذات اليوم ”

جاء حينها صوت جبران الهادئ ” لا تنسى أنها أكثر من

أربعة عشر ساعة من القتال دون توقف ”

ليعقب رعد بصوته الساخر ” زعيم الهازان ذاك جعل

الجميع يسخر منه بخروجه يتبجح بنصره عليهم وكسر

ابن شاهين شوكته دون كلام ”

خرج والدهم من صمته أخيرا وقال ” ومنذ متى كان زعيم

الحالك يتحدث وقت قتال جنوده ؟؟ ما سيغيره الآن ”

قال حينها جبران باستغراب ” الجميع لاحظ ذلك وبعض

الشائعات تقول أنه يشارك في القتال مع رجاله ”

لتجد غسق نفسها ترهف السمع حينها فعمتها عرفت كيف تجعل

فضولها يتحرك ناحية ذاك الرجل الذي كانت تتخيله في عمر

والدها أو كزعيم قبيلة هازان وليس شابا في منتصف الثلاثين من

عمره ولم تسأل نفسها هل هذا فضول فتيات أم أنه قد يتعدى

ذلك يوما وبكثير , لكن ما سمعته كان صوت خطوات والدها

تقترب من السلالم قائلا ” ناموا الآن لا وقت للتفكير في

زعيمهم أين يكون فعلينا سحب الهدنة منه فيبدوا خطره

أكبر مما يتوقع الجميع ”

وقفت غسق سريعا وتوجهت لشمعتها وحملتها من الأرض

لحظة ظهور والدها بعد صعوده وتوجه نحوها مبتسما وقال

” ما يوقظ صغيرتي الحبيبة حتى الآن ؟ ”

قالت بحزن ودمعة تلمع في عينيها الواسعة على ضوء الشمعة

المرتجفة بين كفيها المرتعشان ” سقطت الحويصاء ؟؟ ”

مسح على رأسها وقال بحنان ” نعم من أقل من ساعة ”

قالت وقد نزلت دمعتها الأولى ” وكم ماتوا منهم ؟ ”

أنزل يده من رأسها لكتفها وقال بابتسامة مغصوبة

” من فيهم تعني ؟ ”

قالت بعبرة ” أبناء بلادي ”

تنهد حينها بحزن ومسح دمعتها من فوق خدها قائلا

” لا تتعبي رأسك بهذا يا غسق , ومن قضى أجله

فسيموت بأي سبب كان ”

هزت رأسها برفض ودموعها تزداد انهمارا ليحضن وجهها

بكفه الكبيرة وسحب رأسها ليتكأ على كتفه وقال ” هذا ما

كان سيحدث إن عاجلا أو آجلا يا غسق وعلى هذه

الحرب أن تنتهي بانتصار أحدهم ”

قبضت على معطفه بقوة وقالت ببكاء ” لا تقل هذا

يا أبي فهل سيأتي مطر لقتلكم أيضا ”

ابتسم بحزن وهوا يمسح على رأس صغيرته المحببة لديه

وقال ” ومن هذا الذي أخبرك عن اسمه ”

ابتعدت عنه حينها وقالت ماسحة لدموعها لتخفي

ارتباكها ” سمعتهم قالوه مرة ”

أمسك كفها بين كفيه وقال بهدوء ” لابد أن يأتي اليوم الذي

سنتواجه فيه ومنا الغالب ومنا المغلوب يا غسق , هذه

حقيقة عليك إدراكها كي لا تُصدمي بها فيما بعد ”

هزت رأسها رفضا بقوة تتطاير معها دموعها وارتمت في

حضنه لتسقط الشمعة من يدها دون أن تكترث لها وتركتها

تتدحرج على الأرض حتى انطفأت وقالت ببكاء

” ألا حل غير الحرب ؟؟ ألا حل غير الدماء ”

طوقها بذراعيه وقال بهمس ” الله قادر على كل شيء يا

غسق فعليك فقط بالدعاء يا ابنتي ”

*

*

” علياااااء أنتي التي اسمك علياء ”

كان هذا صوتها الصارخ وهي تنزل بخطوات سريعة من

السلالم تنادي إحدى خدمهم في ذلك المنزل الواسع الكبير

ليتردد صدى صراخها عاليا من شدة اتساعه وخلوه من

الساكنين فبالرغم من اتساع مساحته لا يعيش فيه سوا امرأتان

ورجلان ومجموعة من الخدم وبالكاد يظهر كل هذا العدد

في مساحته الكبيرة وغرفه الضخمة بشرفاتها الواسعة

ركضت الخادمة مسرعة نحوها وقائلة ” نعم سيدتي ”

قالت مبتسمة ” أين عمي صقر هل عاد ؟ ”

قال الخادمة بهدوء واستغراب ” عاد منذ أمس ”

هزت رأسها بتأفف وقالت ” أعني من المسجد وليس

من الاجتماع ”

قالت من فورها ” سيكون على وصول فالفجر أقيم منذ وقت ”

وما أنهت تلك كلامها حتى انفتح الباب ودخل منه رجل رغم

أنه في الستين من عمره إلا أن صحته وقوته تعطيه أصغر من

ذلك بكثير , تقدمت جوزاء نحوه مسرعة وقالت بسعادة

” سقطت الحويصاء يا عمي فعلها مطر , فعلها ابن والدي ”

هز رأسه مبتسما وقال ” وما خرج إلا وهوا متأكد من ذلك

فليتعلم أولئك الخونة الدرس هذه المرة ولا يخرقوا تهدئة

وقّع هوا عليها ولو كانت مشروطة ”

عقبت جوزاء حينها بابتسامة انتصار ” تمنيته تقدم أكثر ودكّ

حصون مدن قبيلة الهازان وأرانا فيهم يوما كالذي أرونا سابقا ”

ربت على كتفها وقال بهدوء ” أنتي تعلمي وجهة نظر

شقيقك في هذا جيدا ”

قالت بلا مبالاة ” مطر طوال حياته يراعي من يستحق ولا

يستحق فكم كان يؤجل هذا اليوم متأملا في الوعود الدولية

التي يقدموها للجميع وكان عليه فعلها دون انتظار لأكاذيبهم ”

هز رأسه دون كلام وتقدم نحو الداخل وهي تتبعه وتعدل من

وشاحها الصوفي على كتفيها وقالت بحماس ” غرب البلاد لا

كهرباء عندهم من ساعات , لو كنت مكانه لاقتحمت مدينة

العمران التابعة لقبيلة صنوان كما احتلها هازان منهم بحجة

أنها من حقهم فموقعها لا يقدر بثمن وأصبحت محاصرة

بمدننا بعد الردم والحويصاء ”

التفت لها وقال ” لن تفكري أفضل من شقيقك ورجاله ولو

أرادها لأخذها الليلة فيبدوا أنه يدبر لشيء ما ”

نظرت حينها للساعة على الجدار وقالت ” لم يرجع بعد

هل به مكروه يا ترى !! عمتي لا تتوقف عن السؤال عنه ”

قال صاعدا السلالم ” اتصل بي منذ قليل وهوا بخير ولن

يترك رجاله والمدن الآن بالطبع حتى يطمئن أن الأمور

ستستقر لنا هناك ”

وصعد السلالم وتركها خلفه تضم يديها لصدرها وتهمس

بانتصار ” لو فقط يأتي اليوم الذي تأخذ فيه الشرق كله يا مطر

وتدك مدن الغرب بعده , لو يأتي ذاك اليوم فقط وأراكم يا

صنوان تبكون دما كما أبكيتموني على طفلاي ووالدهم

وأنكرتموني وحرمتموني منهم فقط لأني ابنة الحالك

وهم أبناء صنوان , لو يأتي ذاك اليوم سريعا ”

*

*

*

بين حركة وضجيج الطالبات وأصواتهن المرتفعة والضحكات

العالية كان ثمة من تجلس مستندة لأحد الجدران يداها تعبث

بشيء ما فيهما ولا تشارك بشيء سوا الاستماع لبعض تعليقات

الطالبات , كان الجو أشد بردا من باقي كل أيام الأسبوع ولأن

المدرسة مخصصة للإناث فقط فهي استبدلت الحجاب بالقبعة

المصنوعة من الفراء الطبيعي التي جلبها لها رمّاح في آخر مرة

خرج فيها من البلاد , بل ولبست حتى القفازات التي صنعتها لها

عمتها ورفضت مرارا لبسها لأنها تضايق حركتها , كانت تحاول

جمع صورة المكعب في يدها وتعيد وتكرر , اللعبة المحببة لها

ولا تفارقها أبدا , ليست مناسبة لسنها لكنها مرتبطة بماضيها

وذكريات طفولتها بشكل كبير , اعتزلت الجميع اليوم وهي ترى

فيهم عالما مختلفا عنها وهم في حديث مستمر عن الحرب التي

دارت بالأمس , عن سقوط الردم والحويصاء فبعضهن يتناقل

أخبارا سمعنها من أبائهم وإخوتهم عن تفاصيل ما حدث في

جبهة القتال والبعض الآخر يصحح معلومات وصلت بالأمس

لهن وبعض الضحكات الساخرة شمتت في قبيلة هازان وقلن

أنهم يستحقون ذلك وبعض الأحاديث المتفرقة عن خبر أن زعيم

الحالك كان في الخطوط الأمامية وأنها ليست المرة الأولى التي

يشارك فيها مع جنوده فقد قاد المعارك دوما , وبين مكذب ومصدق

للخبر لازالت تلك الأصابع الثلجية التي احمرت مفاصلها وأطرافها

من البرد بعدما نزعت قفازاها تعبث بذاك المكعب المقسم لمكعبات

مرتبطة ببعضها وتحاول أن تفسر فقط لما لا يفكر الجميع مثلها ؟

لما صرنا كالأعداء ؟؟ لما لم يفكر أحد أن من ماتوا بالأمس جميعهم

أبناء وطن واحد والأقسى أنهم أبناء ! وطننا فهل لأننا تأذينا يوما

وبشكل كبير من قبائل الشرق يعطينا ذاك الحق في أن نشمت في

موتهم ودمار مدنهم ؟؟ وإن كنا نحن مكانهم هل سيشمتون فينا هم

أو الحالك ؟؟ هل كل ما أصبح يعنينا الآن رد الدين ولو على يد

غيرنا والتسابق لجلب الأخبار الصحيحة حتى أصبحت التعليقات

التي تذكرنا بأنها مأساة تعيشها البلاد تقل وتقل مع زوبعة تناقل

أخبار الجبهات ؟ حرّكت المكعب بقوة كقوة مشاعرها وأفكارها

وهي تهتف في داخلها بألم ( هل أصبحت بطلا يا مطر حد أن

يفرحوا هنا بانتصارك وأنت قد تدك مدنهم أيضا في أي وقت

أي سلطة لك على أفكار الجميع حولك تحولك من عدوا لبطل )

وفي غمرة كل تلك الأفكار أخرجتها من ذاك العالم اليد التي

أمسكت بكتفها والصوت الهادئ الذي اخترق سمعها قائلا

” ما بها حسناء صنوان جالسة لوحدها اليوم ”

دست مكعبها في حقيبتها وقالت بهدوء ” لا رغبة لي

بمشاركتكم حديثكم هذا ”

جلست أمامها وقالت مبتسمة ” هذا حدث الساعة وسينساه

الناس بالتدريج , فكيف لأخبار قوية كهذه أن يستقبلها

الناس وكأن شيئا لم يكن !؟ ”

أغلقت حقيبتها بعنف وقالت ” لا أحد يقول خسرنا أبنائنا

وأرواح شباب بلادنا , لا أحد يكترث يا جليلة ”

حركت تلك يدها بتلقائية وقالت ” أنتي فقط عاطفية كثيرا يا

غسق فمن عاش حياته هكذا في الكر والفر والحرب وشبه

السلم سيكون اعتاد وتأقلم ولا تنسي أننا كنا مكانهم يوما

وهم يغيرون علينا ”

وقفت حينها لتنهي هذا الحديث وقالت ” سأرى

والدي إن أتى لأغادر ”

وتحركت لتتبعها تلك قائلة ” غسق انتظري هل

ستأتي لمنزلنا اليوم ؟ ”

قالت وهي تضع حقيبتها على كتفها ونظرها على باب

المدرسة ” لا أعتقد فلا مزاج لي ”

أسرعت جليلة الخطى حتى وصلت عندها وأوقفتها قبل أن

تخرج وقالت ” وثّاب أوصاني بشيء لك ”

تأففت في وجهها دون أن تخفي ذلك عنها فقالت تلك مبتسمة

” لا تقلقي يا ابنة خالتي فالجميع بات الآن مقتنعا أنك ضعت

من أيديهم , فبعدما ظهرت حقيقة أن أشقائك ليسوا بأشقائك يئسوا

من حلم الزواج بك فبالتأكيد لن تتركي أبناء زعيم القبيلة من

أجل أي كان ولا هم سيتركونك بالتأكيد خصوصا أن ثلاثة

منهم أكبر منك سنا ”

قالت بضيق ” جليلة لا أريد الحديث في كل هذا أرجوك ”

أخرجت ورقة مطوية من حقيبتها ودستها لها في جيب الحقيبة

كي لا ترفض أخذها وغادرت قائلة ” أصبح لدينا أمل أن

تلتفت النساء وأبنائهم لنا ”

فهزت غسق رأسها بيأس من أفكار هؤلاء الفتيات التي لا أمل

أن تتغير أبدا ولا أحد يريد أن يقتنع أن آخر ما قد تفكر فيه

الزواج فهي ليست على استعداد أن تترمل وتيتم أبنائها والبلاد

بهذا الوضع بل كيف تفرح وتقيم زفافا والناس تموت بل وأخوتها

آخر من قد توافق أن يكون أحدهم زوجا لها , سرقت نظرة للشارع

لتلمح سيارة والدها تقف للتو فأخرجت الوشاح الصوفي الطويل

ولفته على عنقها لتستره أيضا وخرجت لوالدها , فبالرغم من أنه

زعيم القبائل هنا إلا أنه لا يطمئن عليها إلا وهوا يأخذها بنفسه

حتى أبنائه لا يتركهم يوصلونها إلا في الضرورة فكيف بسائق

حافلة أو سائق خاص , وصلت السيارة وفتحت الباب وركبت

فشغّلها مجددا وقال مبتسما ” نسينا شيئا أم لم ننسى ؟؟ ”

التفتت نحوه وقبلت خده وقالت مبتسمة ” بلى لم

أنسى وحقيبتي السبب في تأخرها ”

وما كانت غسق ستنسى تقبيل أعز الناس لديها إلا بانشغالها بأمر

مهم فهي كانت منشغلة بالورقة التي تذكرتها وهي تركب وتأكدت

منها مخافة أن تقع ويراها والدها أو تنساها هنا ويجدها جبران فيما

بعد , تحرك بالسيارة لتبدأ الرحلة التي ستأخذ منهم قرابة الساعة

والنصف لأن هذه أقرب مدرسة لهم بعدما قلصوا عدد المدارس

لأكثر من النصف بسبب الأوضاع والإمكانيات المادية ولأن

زعيم القبيلة تصرف بعدل فهوا اختار المدارس الكبرى لديهم

واستثنى حتى المدرسة القريبة لهم في نفس مدينتهم كي لا ينحاز

من أجل ابنته التي ضاع عليها عامان في السابق لتدرس الآن مع

من يصغرونها بعامين , وليس حالها أفضل من غيرها فمعها

يدرسن من هن أكبر منها حتى لثلاث أعوام فقد أصبح كل

الغرض إنهاء الدراسة ولا أحد يسأل هنا عن سن الطالبات

مضت الطرق سريعا كالعادة لأن هذا الرجل بوجود ابنته

يصبح شخصا آخر ولا يتوقف عن الحديث معها في كل شيء

باستثناء الحروب والسياسة كعادتهما فلشدة حبه لها ولمعرفته

مدى تأثرها بهذه الأمور وكرهها التحدث عنها لا يفتح هذه

المواضيع معها أبدا لذلك فهذا الجليس بجوارها بالنسبة لها

يساوي الدنيا وما فيها , عندما اقتربا من المدينة التفتت له

وقالت ” أبي هل نحن من أخرجنا الاحتلال أم خرج لوحده ”

قال ونظره للطريق ” الحكاية متشعبة ومعقدة لكني سأبسطها لك

كان الجنوب مقاوما شرسا للاحتلال , نحن غرب البلاد تمكنوا

منا واستوطنوا لدينا فكل ما كان بوسعهم تقديم المعونة

والمعلومات لإخوانهم هناك ”

ابتسمت حينها بحب وقالت ” كم هي رائعة منك كلمة

إخوانهم هناك يا أبي , نعم جميعنا إخوة أليس كذلك ”

قال مبادلا لها الابتسامة ” نعم ومهما طال الزمن وتقاتلت

الناس سيعود كل شيء كما كان ونرجع أخوة وبلاد واحدة ”

عادت للصمت وعاد هوا لمتابعة حديثه قائلا ” كانت قبائل

الجنوب تقاوم باستماتة والجد الثاني لشاهين والد زعيم الحالك

الحالي كان يقودهم وكان مشهورا جدا لكن الاحتلال يا ابنتي

لا أحد يقدر على إخراجه , بعض الدول رفضته وحاربته وإن

كان لا أمل في إخراجه من بلدانهم والبعض الآخر انصاعوا له

وعاش بينهم حتى أنهم درسوا لغته , ومع تعاقب الأعوام بدأت

الدول الكبرى بسحب نفسها من الدول العربية في قانون دولي

يمنع أي دولة من أن تحتل أخرى وألغي الاحتلال وخرج

الاستعمار من جميع الدول العربية ونحن من ضمنهم ”

نظرت ليديها في حجرها وقالت بحزن ” لكني أرى بعض

البلدان لازالوا يحتلونها تحت مسميات أخرى ”

نظر لها ثم عاد بنظره للباب الذي فتح لسيارتهم وقال وهم

يعبرون خلاله ” نعم فبحجة محاربة الإرهاب أصبحنا نرى

أشكالا للاحتلال تعود وما باليد حيلة يا ابنتي ”

وقفت حينها السيارة أمام المنزل ونزلت منها بعدما قبلت

جبينه ودخلت ليغادر هوا من فوره , فبالرغم من أنه يستقطع

ثلاث ساعات في اليوم من أجلها وهوا بحاجة لكل دقيقة لتسيير

أمور مدنه ومتطلباتها إلا أنه على استعداد لفعل الأكثر لو فيه

مصلحتها , بينما دخلت هي وصعدت لغرفتها فورا ورمت حقيبتها

والقبعة والشال الصوفي ثم معطفها الشتوي ودخلت الحمام لتستحم

وتصلي الظهر وتدعوا الله أن ذاك الأمل الذي غرسه فيها والدها

بالسلام قادم يوما ما وأن يكون حقيقة ولا يتأخر كثيرا

*

*

*

بعد يومين آخرين وفي غمرة ما كان لكل قطر من تلك البلاد

نصيبه من التوتر والترقب كان أكثرها توترا تلك الحدود الجديدة

وهي لازالت تعيش بين الدفاع والهجوم وبعد ثلاث محاولات فاشلة

لاسترجاع الحويصاء والردم وعند أعلى صخرة في ذاك المنحدر

كان جالسا وعيناه تراقب من منظاره اليدوي تجمعات تلك الجنود

وحركتها البعيدة ثم أنزل المنظار ووقف ونزل وهوا يزيل لثامه

بإنزال طرفه للأسفل لتحضن العمامة ذقنه محيطة بوجهه كاملا

فلم يعد من داع لإخفاء هويته بعدما أصبحت الناس تتناقل

أخبار وجوده مع الجنود وستصبح تحركاته مراقبة وقت القتال فيما

بعد , نزل وسار بثقته المعهودة بين الأعين التي تنظر بدهشة كبيرة

للقائد الذي كشف عن نفسه أخيرا بل لأنه زعيم قبائلهم وليس سواه

وقف بينهم وقال بصوته الواثق الحازم الممزوج بتلك البحة ” تحولوا

لوضع الدفاع , نجحنا يا رجال وهذه أصبحت حدودنا الجديدة ”

ثم تجاوزهم على صوت الهتاف والصراخ ابتهاجا بالنصر وسار

مبتعدا عنهم واثنان يتبعانه وقال دون أن يلتفت لهم ” سأرجع

لحوران وسأعود لكم قريبا فكونوا متيقظين ”

قال أحدهما وهما يجاريان خطواته السريعة الواسعة ” ماذا عن

مدينة العمران سيدي ؟ ضننا أنها حربنا القادمة بما أنها

أصبحت بين فكينا وهم يتمترسون فيها ”

قال متابعا سيره ” ليس الآن تلك لها جولة أخرى ”

ليركب بعدها السيارة ويغادر وتركهما واقفان خلفه دون حتى

أن يوضح معنى كلامه فهوا عُرف هكذا دائما حتى أجوبته

على الأسئلة أوامر ملقاة وعليهم الطاعة ودون نقاش ولا استفسار

ركب السيارة وغادر المكان وأخرج هاتفه الذي يعمل عن طريق

الأقمار الاصطناعية فهذه البلاد بسبب الحروب لم تصلها تقنية

الهواتف المحمولة , فأي شركة اتصالات ستعمل هناك وكيف ؟ ولا

وسيلة لديهم سوا الهواتف الثابتة في المنازل والمكاتب والأماكن

العامة والتي تكون اتصالاتها مقطوعة أغلب الأحيان بسبب

انقطاع الكهرباء , ما أن وضع الهاتف على أذنه حتى قال

من في الطرف الآخر ” مرحبا سيد مطر شاهين معك مكتب

وزارة الداخلية لـ…. نود إعلامك بأهمية حضوركم لمؤ… ”

فقاطعه حينها قائلا ببرود ” بلغهم رفضنا الحضور ”

قال من فوره ” لكن سيدي … ”

ليقاطعه بصرامة ” قلت لن أحضر وليفعلوا ما يحلوا لهم , أين

كانوا حين بدأت هازان بخرق الاتفاق وقتل رجالي على الحدود

ونحن في صفقة تبادل الأسرى المزعومة والتهدئة المؤقتة , قلت

لن أحضر فليجتمعوا وحدهم , والحويصاء أصبحت حدودنا

الجديدة وفي حال طالبوا بتفاوض من أجل مدينة العمران

سأفكر أن أكون هناك وغيره لا ”

ثم أنهى المكالمة وأعاد الهاتف مكانه وتابع طريقه الطويل يضغط

بقبضتيه كل حين على المقود بقوة وأفكاره تأخذه لتلك السنين ومن

بينها خرقهم للهدنة حين ضربوه بل طعنوه في ظهره وهوا من

ظن أن الجميع مثله يحترم العهود والمواثيق الدولية , فأين كانوا

وقتها ومن أخذ بحق الجنوب من الشرق ؟ فهذه القبضتان القويتان

لم تعودا تريدان شيئا سوا فتح باب آخِر بيت في مدنهم وسيحدث

ذلك لا محالة ( سيحدث إن قريبا أو بعيدا ) تلك هي الجملة التي

يأمر بها عقله كلما أسهب في التفكير كي لا يضع حدا له يوما ما

فخطوته الجديدة أشد حسما وستحدث بلبلة أشد من هذه بكثير

*

*

*

أغلقت النافذة تدعوا الله أنّ رش هذا المطر لن يقوى أكثر ويعيق

رجوع والدها فهي لا تطيق أن تحجزه الأمطار عنها لأيام , كانت

تراقب السحابة السوداء الداكنة وتحاول أن تقلد عمتها حين تُقدّر

كم سيطول بقائها وقوة مطرها من كثافة لونها وسرعة حركتها

لكنها وجدت تفكيرها يأخذها لما تتمنى هي وباتت تراها خفيفة

وسريعة الحركة , طرق أحدهم بابها طرقات خفيفة فأسرعت

لوشاحها وغطت به رأسها فلابد أنه أحد أخوتها , وما أن انتهت

من لفه وهي تتوجه له حتى انفتح الباب وكان شقيقها الأصغر

كاسر فابتسمت له من فورها تبادله ابتسامته الرقيقة وهوا يقول

داخلا ” أين الأميرة الحسناء تسجن نفسها عنا اليوم ؟ ”

وماتت ابتسامتها وهي تنظر للباس العسكرية الذي يلبسه

وقالت بحزن ” يبدوا أنك ذاهب للحدود ؟ ”

مسح بيده على وجهها وقال ” نعم وجئت لأراك , وأخويك

الآخران ينتظرانك في الأسفل ”

ترقرقت حينها الدموع في عينيها وقالت بعبرة

” جميعكم ذاهبون ؟ ”

أمسك أنفها وقال مبتسما ” نعم ولا تبكي سنتفقد الأحوال

هناك ونرجع , لن نحارب ”

احتضنته متعلقة بعنقه وقالت بحزن ” كم أكرهكم بهذا اللباس ”

ضمها لحضنه بقوة وقال مبتسما ” تكرهين اللباس وليس نحن

ولن تؤثر فينا كلماتك فنحن رجال والرجال لا يخافون

الموت يا غسق ”

كان تعلقها بأخوتها كبيرا لكن كاسر له المكانة الأكبر فقد كان

أقربهم لها فهي تصغره بعام ونصف فقط ومن صغرهما كانا

مرتبطان ببعظهما كثيرا وزيادة على ذلك أن والدتها أرضعته

فور ولادتها فأصبح الشقيق الوحيد لها في هذه الحياة وإن

كان بالرضاع فقط , أبعدها عن حضنه قائلا بابتسامة

” على هذا الحال لن أغادر فاتركيني يا متطفلة ”

مسحت عينها وعلى شفتيها ابتسامة حزينة فكم كانت تكره

في صغرها مناداته لها بالمتطفلة حين كانت تتبعه لكل مكان

وتريد معرفة ما سيفعل , قال وهوا يمسح على خديها

” انزلي فشقيقاك ينتظرانك ”

خرجت حينها ركضا وتركته خلفها ونزلت السلالم مسرعة

تمسك وشاحها على رأسها حتى أصبحت خارج باب المنزل حيث

يقفان رمّاح ورعد في انتظار شقيقهم لينظم لهم وشقيقتهم لتوديعها

قبل ذهابهم لأيام لحدود مدنهم الشرقية والجنوبية , وقفت أمامهم

والبدل العسكرية تحضن أجسادهم وأكتافهم العريضة ودموعها

تمسح تلك الأجساد تنزل متناثرة كرشات المطر فوقهم , قبّل

رمّاح جبينها وقال مبتسما ” يكفي بكاء نخاف أن تغار

منك السحابة وتقوي ضخها علينا ”

ضحكا معا لتشاركهما ضحكة كاسر الخارج خلفها للتو وقبّل

رعد أيضا جبينها وقال بهدوء ” ما الداعي لكل هذا الآن

وكلها جولة تفقدية وسنرجع ”

وغفل الجميع في غمرة مزاحهم محاولين تبديد حزن شقيقتهم الواقف

هناك عند السيارة تحت المطر ولا يعجبه شيء مما يحدث ناحيتهم

( لما يقبلان جبينها يكفيهم توديعها ويغادرون ) حيث لم يكن يحترق

إلا وحده فهم يعتبرونها شقيقتهم الصغرى , ولو كان لهم شقيقة ما

أحبوها مثلها , وليزيد اشتعاله احتضان كاسر لكتفيها لتتكئ برأسها

على كتفه فها هوا ثالثهم يمارس ما يشغف هوا له ومحرّم عليه من

قبل حتى أن تعلم هي حقيقة أنهم ليسوا أشقائها لأنه كان يعلم

ما لا يعلموه , قال رعد مازحا ” يكفيكما يا عصافير كلها

جولة تفقدية وسترجع لشقيقتك ”

ابتعدت حينها عن كتفه وقالت ” إن حدثت أي مواجهات

فاهربوا سريعا وعودوا ”

لينفجر ثلاثتهم ضاحكين وسط نظراتها الغاضبة لهم ثم تحرك

رمّاح قائلا ” هيا يا شباب سنتأخر ويأتي والدي ويجدنا هنا

ومن ينجينا من توبيخه حينها فمدللته هذه لن يقول لها شيئا ”

فتبعه رعد أيضا وركبا سياراتهم وقبّل كاسر جبينها ولحق بهم

ولم يبقى سوا جبران الواقف هناك , الأخ الرابع والأكبر والغير

راض أساسا على بقائه وذهابهم بدونه لكن والده يعتمد عليه كثيرا

في شئون الداخل فهوا أقربهم له في جميع جولاته داخل المدن

والقبائل , وعلى الطرف الآخر بقيت الواقفة تحت مضلة الباب

تراقب عيناها الدامعتان سيارات أخوتها تخرج تباعا من الباب

الكبير لسور المنزل ثم رفعت عينها للسماء ترجوا الله في حديث

صامت أن يحفظهم حتى يعودوا , ثم دخلت ركضا وصوت عمتها

يناديها دون حتى أن تنتبه لمن كانت عيناه تراقب أدق حركة لها

وتصهره حتى بمعانقة بحرها الأسود للسماء , دخلت مسرعة

تمسح عينيها حتى وصلت للسلالم تستقبل النازلة من هناك

التي قالت فور أن وصلت لها للأسفل ” هل غادر شقيقك

وأخويه ”

قالت حينها غسق مصححة لها ما تقصد من كلامها

” نعم غادروا أشقائي الثلاثة منذ قليل ”

أمسكت يدها وقالت ” تعالي إذا هناك ما أود أن نفعله معا ”

فتبعتها متأففة وهي تعلم جيدا ما تريد فعله في غياب الجميع

أجلستها في غرفتها وبدأت بتحريك تلك المبخرة حولها والدخان

يتصاعد منها وعينا غسق تتبعان حركتها ثم قالت بضيق

” عمتي كم مرة قال لك والدي لا أريد هذه الرائحة في المنزل ”

قالت وهي لازالت تلف بها حولها ” هذا لأنه لم يرى أعين

النساء تلتهمك البارحة في منزل خالتك , لو علمت أنهم جمعوا

جيرانهم ما تركتك تذهبين متأنقة هكذا , ظننتها هي وبناتها

فقط , الله أكبر من أعينهم كادوا يأكلونك بها ”

قالت غسق ببرود ” أخشى أنك بعد عام ستصبحين كقطاط ذاك ”

وضعت المبخرة جانبا وقالت بضيق ” غسق إنسي كل ما قلناه

يومها , العِبرة من الحكاية ووصلتك والحديث في

كل ذلك ممنوع مفهوم ”

تنهدت وقالت ” مفهوم عمتي مفهوم ”

نهاية الفصل الثاني


رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثالث

مدخل
بقلم الغالية: همس الريح

انا ….
ابحث عن نفسي في من حولي و لا اجدني

ابحث عن رائحة امي ، عطر ابي ..و عبق اهلي ..

انا غسق ..

******

وسط سكون ذاك المنزل الكبير والإضاءة المسائية الخفيفة

التي يعتمدها الجميع هنا من أجل توفير الكهرباء ، كانت جالسة

تتسلى بهوايتها المفضلة ورغم نصائح الأطباء لها بأن تتجنبه

قدر الإمكان بسبب تحسس جهازها التنفسي منه لازالت هدايا

مشغولاتها الصوفية تصل للمقربين لها دائما ولازال عمها

لا يلبس شتاءا سوا الجوارب الصوفية التي تحيكها له بيديها

وحتى شال عمتها تجدده لها كل عام .

تنسج ومع كل حركه لمسمار الحياكة ولف للخيط بين يديها تحكي

عيناها له ذكرى صُنعها لهذه الأشياء لابنيها وزوجها اللذين حرمها

منهم تجدد الحروب وخرق الهدن من عشر سنين ولأنه من صنوان

وهي من الحالك كان مصيرها كالعشرات غيرها أصبحت هي في

مكان وزوجها وابنيها في مكان آخر لا يمكنها حتى تقصي

أخبارهم والسؤال عنهم , وهذا دائما مصير الأنساب بين القبائل

حين تتحول البلاد لحرب دامية , فمن أكثر من عشرة أعوام

تزوجها أحد كبار قبيلة صنوان كإثبات لعودة وحدة البلاد ولو

جزئيا ليفتحوا الأبواب لزيجات أخرى ممن تحركت فيهم النخوة

لتقليد ذاك الرجل وكان الخبر بالنسبة للجميع فرحة لا توصف

وأمل أشرق حديثا في دعوة لنسيان الدماء والأحقاد لكن النتيجة

كانت مدمرة لهذه العائلات حين دارت رحى الحرب مجددا بسبب

قبائل الهازان في الشرق لتدفع تلك النساء الثمن سريعا بأن حرمن

من أطفالهن صغارا وأغلبهن تُركن هكذا معلقات لا فرصة لهم ولا

في الزواج من جديد ، كهذه المرأة التي أصبح ابنيها الآن في

العاشرة والحادية عشرة من العمر وهي لم تراهما من عشر سنين

توقفت أفكارها مع توقف حركة يديها وأنزلتهما لحجرها حين

سمعت حركة عجلات الكرسي المتحرك خلفها وهي تقترب

ناحيتها فالتفتت للخلف وابتسمت للجالسة عليه تدفعها به إحدى

الخادمات حتى أوصلتها عندها وغادرت لتبتسم لها قائلة

” من علّم عمتي السهر على غير عادتها ”

فبادلتها عمتها الابتسامة محركة مسبحتها بيدها لتفك التشابك

البسيط في خرزاتها وقالت ” ومن يأتيه النوم مع صوت

هذا المطر القوي ”

ثم أردفت قائلة ” هل عاد شقيقك ؟ ”

هزت تلك رأسها بلا وقالت وقد عادت بنظرها ليديها اللتان رفعتهما

تنهي حياكتها ” سيكون وصل لحوران منذ الصباح وتعرفي ابن

شقيقك جيدا سيمر بجميع حقول مدننا الشمالية بما أن المطر

وصل لأقوى حالاته وقد لا يرجع قبل الفجر ”

انفتح الباب حينها ودخل محور حديثهما للتو وأغلقه خلفه بقوة

كقوة الرياح الماطرة التي تحاول فتحه لتتسلل معه للداخل وتابع

طريقه للسلالم المجاورة له فورا وصعد قائلا بصوت وصلهما

بوضوح رغم انخفاضه

” السلام عليكم ”

وتابع صعوده دون أن ينظر ناحيتهما ولا أن ينتظر ردهما

لسلامه فقالت عمته بابتسامة تشاكس بها الجالسة أمامها

” علمتُ الآن لما جعل السلالم قريبا من باب المنزل

كي يصعد مباشرة ولا يرانا أنا وأنتي ”

هزت جوزاء رأسها بيأس وقالت ” وكأنه لم يكن في

حرب وغائبا عنا لأيام ونحن نأكل أنفسنا انشغالا عليه ”

تنهدت الجالسة أمامها وقالت وهي تدير إحدى خرزات

المسبحة بين أناملها ” تعرفين طبائع شقيقك جيدا فما

سيغيره فجئه ؟ ”

قالت بامتعاض ” بل ما أعرفه أن والدي صنع منه ما

يريد وقتل فيه ما نريد نحن وهذا يكفي ”

هزت العمة رأسها وقالت بهدوء ” جيد أنك لست

زوجته فما كنتِ ستصنعين بنا ؟ ”

ضمت مساميرها مع بعض ولفت حولهما باقي خيط الصوف

ثم لفتهم في القطعة التي تحيكها وقالت وهي تضعهم على

الطاولة بجانب كرسيها ” فليرضى هوا ويتزوج وليفعل بها

ما يحلو له وإن وضعها أمام الباب وداس عليها وصعد ”

ضحكت عمتها وقالت ” شقيقك هذا لن تغير أفكاره ناحية

الزواج والنساء ولا حتى حسناء صنوان ”

لوت جوزاء شفتيها وقالت بتذمر ” يا حسناء صنوان هذه

التي أصبحت مضربا للمثل حتى هنا في الجنوب ”

قالت تلك محركة لخرزات المسبحة ” وكيف لا يصفون ابنة

زعيم صنوان بحسنائهم وهي فاقت جمالا كل نساء قبائلهم

وفيها كتب أحدهم قصيدة حفظها الكثيرين وطردوه أشقائها

وأبناء عمومتها من البلاد بأكملها متوعدين بقتله , وتذكرين

مثلي حين رأيناها في اجتماع المهادنة ذاك من أربع سنين

وأقسم أنها تستحق ما يقال فيها ووصفها بالحسناء قليل ”

رفعت حينها جوزاء نظرها في النازل آخر عتبات السلالم

ولم يشعرا به يحمل في يده مجموعة أوراق فتح باب المنزل

وخرج منه ويده الأخرى لازالت تمسك الباب يُحدّث أحدهم

في الخارج ولم يفته طبعا حديثهما الذي وقع في أذنه مباشرة

لكن عقله لم يعر الأمر أي اهتمام ليس لأنه كلام سبق وسمعه

عن تلك الابنة ومن رجال من أكابرهم بل لأن هذه الأحاديث

بمجملها آخر اهتماماته فلم يعرف الخوض فيها منذ ولد ويكره

تحدث الرجال في أمور هامشية مثل مفاتن النساء ويرى أن

الحرب والنساء لا يجتمعان على رجل إلا وخرج دون كليهما

وهوا يرى نفسه رجل حرب ورجل الحروب لا حاجة له بالنساء

أغلق الباب وصعد مجددا ونظرات الجالسة مقابلة له لازالت

تراقبه وقالت بضيق ما أن صعد ” انظري لعمامته تقطر ماءً

على جبينه وفكيه ولم يكلف نفسه عناء نزعها بعد صعوده

لو كانت له زوجة لنزعتها منه رغما عنه ”

حركت المقابلة لها عجلات كرسيها للخلف قليلا قائلة بابتسامة

وبنبرة تقصد بها إغاظتها ” قد تكون حسناء صنوان لم تتزوج

بعد فلنقنعه بها يجعلها صفقة مهادنة معهم ويتزوجها

لتنزع عمامته كلما تبللت ”

وقفت حينها جوزاء وأمسكت بمقابض كرسيها وقالت وهي

تحركها به ” يبدوا أن النعاس بدأ يداهمك وبدأت تخرفين

لن يكون ابن والدي الذي أعرفه إن ربط مهادنة بزواجه

بامرأة وإن عرضها عليه زعيم صنوان عرضا ”

*

*

*

نزلت السلالم بهدوء بعدما علمت من الخادمة أن والدها

وصل منذ قليل وأنه في الأسفل , وما أن وصلت منتصف

السلالم وجدت جبران جالسا معه فجلست حيث وصلت حتى

يغادر ابنه أولا فحديثهما كان يدور عن شؤون قبائلهم ومدنها

ومؤكد لن يطول ولا تريد النزول وجبران هنا تجنبا لتجنبه

لها وقد حالفها الحظ أن نزولها لم يكن قبل ذلك بقليل حين كان

جبران يخير والده بين أن يزوجها له أو يتركه يذهب للحدود

دون عودة , قال شراع بجدية ” الحال لن يدوم هكذا ومع ترديه

قد يتحول للأسوأ , إمداد الكهرباء أصبح محاطا بمخاطر كبرى

ولن تقدم الدول المجاورة الدعم دائما , محاصيلنا في تناقص

ولدينا مشاكل معقدة في المستلزمات الطبية وجرعات لقاحات

المواليد الجدد , يرى مشايخ أجواد جمع المال من الناس رغم

أن الناس أحوج منا للمال , سأسافر اليومين القادمين لبحث حلول

لهذه المشاكل قبل أن تستعصِ أكثر خصوصا بعد إغارة ابن شاهين

على الهازان فقد أصبحت المواقف الدولية في تذبذب وقد رفض

حضور الاجتماع الطارئ الذي كانوا سيعقدونه من أجل ما

حدث ويطالب بالمفاوضة على العمران ”

قال جبران ” تفكيره أبعد مما توقعنا !! ثم العمران لنا

لا هي للشرق ولا للجنوب ”

تنهد واتكأ لظهر الأريكة وقال ” كانت لنا ويبدوا أنها ستصير

له إلا إن قدّم له الهازان تنازلات ترضيه ليتركها , العمران

نقطة محورية إن أصبحت في قبضة ابن شاهين سيكون دورنا

أيضا في التحرك على حدودنا لأن نواياه حينها ستكون غير

متوقعة وعلينا أخذ الحيطة والحذر , ولا تنسى أنه في الشرق

بؤرة للإرهابيين في جبال أرياح وإن رأى المجتمع الدولي

أن ابن شاهين قادر على دحرهم أيضا سيقفون في صفه

في زحفه على الشرق وإن من تحت الطاولات ”

قال جبران بنبرة استغراب ” أريد أن أفهم فقط كيف

يديرون مدنهم ونحن هنا الذين في شبه سلم معهم نكاد

نجن ولا نجد حلولا لكل مشاكلنا !! ”

قال شراع بهدوء ” كل منهم تجد له ما يكدره , ومسئولية

إمساك بلاد تعاني حربا ليس بالأمر السهل ولا يستلمها إلا

من كُتب له الشقاء ”

وقف حينها جبران وقال ” هل تأمرني بشيء ؟ ”

هز رأسه بلا دون كلام فقال مغادرا ” فكر فيما تحدثنا

فيه إذاً لأني بالفعل أريد أن أكون معهم هناك ”

ثم غادر مبتعدا ونزلت حينها التي أتعبها الجلوس هناك وسماع

أخبار الحرب والموت , وما أن شعر بها شراع حتى قال مبتسما

” تعالي هنا وأخبريني ما سبب رفضك للطعام الليلة ”

قبلت رأسه وجلست بجواره وقالت ” لا رغبة لي

في تناوله ولا سبب آخر ”

قال مبتسما ” في عينيك كلام فقوليه بسرعة

فوالدك يريد أن ينام ”

هزت رأسها بحسنا وقالت ” سأقوله لكن لدي شيء

غيره نتحدث فيه أولا ”

أمسك خدها بكفه وحرك إبهامه تحت جفنها لتتابع حديثها

فقالت ” لما لا تتزوج بدلا من هذه الوحدة فوالدة

أشقائي رحمها الله مر عامان على وفاتها ”

ثم تابعت مبتسمة ” أريد طفلا أتسلى به وقت فراغي ”

أبعد يده عن خدها وضحك وقال ” طفل في هذا العمر وزواج

ويفترض بي أن أزوج أبنائي اللذين أصغرهم أصبح

في منتصف الثانية والعشرين ”

قالت بإصرار ” وإن يكن , أنت لست كبيرا ومن

حقك أن تتزوج ”

أمسك كفها بين كفيه وقال بهدوء ” وأجلب لك من تكدر

صفوك من جديد وتضع رأسها من رأسك وتغار منك

هل هناك من تجلب الهموم لنفسها ؟ ”

ضمت يده بيدها الأخرى وقالت باستياء ” ولما ستغار

مني ؟ أنا ابنتك ولست زوجتك ”

ضحك ورفع يديه وقبل كفها الناعم ثم قال ” وزوجتي رحمها

الله كانت تغار منك وهي تعلم أنك لست زوجتي ”

عقدت حاجبيها وقالت برجاء ” ذلك كان بسبب والدتي التي

نزلت عليها ضرة وليس غيرة مني فلا تغلقها من

جميع أبوابها أبي أرجوك ”

هز رأسه بلا وقال ” ما كانت غيرة من والدتك وهي ترفض

حتى أخذك للحفلات معها وتتضايق من جلوسي معك ومن

حديث الناس عنك , لن أتزوج بأخرى تضايق صغيرتي أبدا ”

تنهدت بيأس وقالت ” وإن تزوجت أنا وخرجت

من هنا هل تتزوج أنت ؟ ”

ضحك وقال ” هل ستوافقين على الزواج فقط لأتزوج ؟ ”

رفعت خصلات غرتها خلف أذنها وقالت ” نعم من أجلك أفعلها ”

قال مبتسما ” حتى إن كان الزوج أحد أبنائي ”

ماتت حينها ابتسامتها ولاذت بالصمت فمسح على شعرها وقال

” وصلني الجواب يا غسق وبغيرهم لن أزوجك والبلاد في هذا

الوضع المتذبذب , فلن تحصي عدد من يخطبونك مني حتى في

مجالس شيوخ القبيلة , منهم من أراد نسبنا ومنهم من أراد حسنائنا

ورفضتهم جميعهم ولن أسلمك لأي كان فقط لكي أتزوج , وأحترم

نظرتك لأبنائي على أنهم أخوة لك لا أكثر فالذنب كان ذنبي

منذ البداية ”

تنهدت حينها براحة لأن جبل الزواج انزاح من على كتفيها

أخيرا رغم الحزن الذي غمرها برفضه فكرة أن يتزوج ثم

قالت بيأس ” ألا أمل أبدا في أن تغير رأيك ؟ ”

أدخل يده في جيبه وأخرج منه شيئا وضعه في كفها وأغلقه

عليه بيده وقال ” لا أمل , وعلمت من عمتك أن ابنة إحدى

أخوالك ستتزوج وأعلم أنك لن تطلبي مني ”

قالت محاولة إعادتهم لكفه ” أبي أقسم أني لا أحتاج

شيئا فاترك النقود معك أفضل ”

استل كفه منها وقال ” أنا أعطيتك فلا ترديني , وأخبريني ما

هوا الموضوع الآخر الذي تريدين الحديث معي فيه ”

قبضت على النقود في يدها بقوة ونظرت للأسفل وقالت

بهدوء حذر ” لم أعد أريد الذهاب للمدرسة ”

لم يعلق ولم يتحدث فرفعت رأسها ونظرت له وقالت

” أرجوك أبي لا أريدها , هي ضاعت مني من عامين ثم ما

سأفعله بشهادة ثانوية والبلاد لا جامعة فيها , وأنا كرهتها حقا ”

وقف حينها ليرتفع نظرها ورأسها مع وقوفه وقال ” كما تريدين

فقط لأني لاحظت تعب نفسيتك هذه الفترة بسبب ما يقال فيها

لكن الامتحانات ستذهبين لها ”

وقفت حينها مبتسمة وقبلت خده وقالت ” شكرا أبي أعدك

أن أدرس هنا وأذهب لها وقت الامتحانات ”

سارت برفقته وصعدا معا حتى دخلت غرفتها وتابع هوا سيره

لجناحه وعيناها تراقبه بحزن , كم تخشى فقده يوما وكم تخشى

البعد عنه وكم تخشى من ظلمه لنفسه وهوا يضحي بكل شيء

من أجلها , اتكأت بيدها على إطار الباب واتكأت بجبينها عليها

وقد اجتاحتها ذكريات أوقظها والدها الليلة حين كانت زوجته

والدة أشقائها على قيد الحياة فكم كرهتها وعاملتها بسوء في

غيابه وكانت هي تتستر على أفعالها كي لا تضايقه حتى أوصل

له أحد أخوتها كل ما يحدث من ورائه بعدما اكتشف المستور

وما كان ذاك إلا جبران الذي عصى والدته وأغضبها منه لسنوات

حين أخبر والده بما يحدث معها وتسبب ذاك الأمر بما خشيته هي

كثيرا وسكتت من أجل أن لا يحدث وهوا خصومة كبيرة بينهما

جعلت كل واحد منهما ينام بعيدا عن الآخر لأشهر , كم كانت تلك

الأيام صعبة وكم كان حنان والدها وحب أخوتها لها داعما أساسيا

لتصبر وكان قدوم عمتها فيما بعد بصيص نور جديد في حياتها

فأصبحت تجد فيها حنان الأم تجد فيها النصح والتوبيخ المفعم بالحنان

والخوف , لو كان لها عائلة والد ما تمنتها أفضل من هذه العائلة لكنها

لا تستطيع أن تتجاهل الأمر , من هوا والدها ؟ من أهلها ؟؟ أعمامها

عماتها أخوتها وهل لها شقيقات تمنتهن كل حياتها أم لا ؟ والأهم لها

نسب لها عائلة يقال أنها ابنتها وترحمها الناس من الهمز الذي تسمعه

وهم يتعمدون إسماعها إياه , تنهدت بأسى قد قطعت به تلك الأفكار

ودخلت لغرفتها نظرت لكتبها على الطاولة وتوجهت نحوهم وحملتهم

ورمتهم في خزانة أغلقتها للأبد فهي حفظت هذه المناهج من كثرة

الفراغ والوحدة والهروب من التفكير في واقع البلاد كما كرهت أن

تكون طالبة في الثانوية وهي على مشارف العشرين من عمرها

ويفترض أنها الآن في الجامعة فكم هو سخيف أن ترى نفسك

في مكان أقل من عمرك فهي تريد أن ترى نفسها شابة ناضجة

تخطت مرحلة الثانوية فلما يريدون إرجاعها للوراء ؟؟!!

وقفت أمام مرآة الخزانة وفكت شعرها ليغطي ظهرها وتدلت جوانبه

كستائر حريرية عل كتفيها حتى نزل مغطيا كامل ذراعيها وخصلاته

المقصوصة تعانق جبينها ونحرها وذقنها وهي تتذكر كلمات جليلة

لها يومها في منزل خالها وهي تقول لها ( يا حظك يا غسق يقولون

أن الرجال يحبون الشعر الطويل والناعم وأنتي اكتسبتِ الصفتين

وستسحرينه من نظرة واحدة لوجهك فكيف بشعرك معه ؟؟ لن

ألومه إن عسكر عندك أسبوعا ولم يخرج لأحد )

جمعت شعرها بسرعة وابتعدت من هناك ودخلت سريرها وهي

تستغرب من سيطرة كلمات جليلة عليها الليلة فكم سمعت المديح

ولم تعره أي اهتمام فما تغير بها هذه الآونة لتصبح تهتم بما يعجب

الزوج وما سيجعلها بهية في نظره وما سيسلبه لبه ما أن يراها

دست رأسها تحت اللحاف وهي تردد في نفسها ( لن تتزوجي يا

غسق , ما تصنعيه بالزواج وحتى والدك يرفضه ؟ هل ستتزوجين

برجل مدني ينام في حضنك ويترك الدفاع عن أهله وقبيلته كي لا

تترملي ويتيم أبنائك أم ستتزوجين بأحد رجال الحدود تريه يوماً

بعد عشرة أيام فقط لأنه يدافع عنك وعن غيرك وفي نفس

الوقت يقتل أبناء بلاده )

تأففت من جديد وتقلبت كثيرا حتى غلبها النعاس أخيرا وتمكن

منها فعلى الأقل هي تخلصت من همين هم الزواج بأحد

أخوتها وهم الدراسة

*

*

*

في ذاك المجلس الأرضي الواسع بالسجاد العجمي السميك

المزركش بالنقوش وأباريق القهوة والشاي ومياه الشرب

الموزعة في كل متر فيه والمليء بكبار رجال القبيلة ومشايخ

القبائل التي تحتها , جالس نصف جلوس ناصبا ركبته ويده

اليمنى ممدودة عليها بإهمال ينظر للسجاد بشرود وعقله مع

الذي ينتظر قدومه في أي لحظة رغم أن سمعه مع كل ما يقول

له صاحب الصوت الجهوري الجالس مجاورا له

” آخر ما توصلوا له تسوية بشأن الكهرباء والمحروقات , البنك

المركزي يرفض الفكرة أو على الأقل يخفضوا من سقف المطالب

و صنوان يقترحون الضرائب وهازان يطالبون بنصف ما يدفعه

البنك للعوام , ولجنة الرقابة ترفض وقد زادوا عددهم للضعف كي

لا يحدث أي خرق ولا تُصرف الأموال في غير مكانها الذي

حددوه هم ”

نطق أحد الجالسين في آخر المجلس تعقيبا على ما قيل

” البنك المركزي يخضع لرقابة دولية مشددة ولن يخضع لمطالب

الهازان فغرضهم أكل أموال الناس بالباطل خصوصا أنه يُمنع

صرف الأموال على السلاح والعتاد ويقسم على العوام شهريا

وعلى المرافق التعليمة والصحية سنويا وبدقة ورقابة ومحاولتهم

العبث مع السلطات الدولية يعني حرمانهم البتة من نصيبهم

السنوي من مال ثروة البلاد ”

وقال آخر ” يبدوا أنهم سيقلصون الإرادات لهذا العام ويتحججون

أن السبب إغارتنا على الهازان لتسببها في تذبذب كبير في

المواقف الدولية ”

خرج حينها من صمته وقال وعيناه لازالت في شرودها

” هل رصدوا الميزانية ؟ ”

قال ثالث الجالسين على يساره ” هذا الشهر حد

علمنا من مصادر موثوقه ”

شد على إبهامه بين أنامله وقال بصوته الجاد ببحّته الواضحة

” لن نساوم ولن ينقص الناس شيئا ”

ليفهم الجميع هنا رده القاطع ورأيه في الأمر دون توضيح

ولا شرح كعادته التي ألفوها واعتادوا عليها منه فقد وصلت

المعلومة … ميزانية العام ستصرف كالسابق ورواتب الناس

ستعطى لهم دون نقصان أي لن يسلك طريق صنوان في أخد

الضرائب من الناس لسد النقص ولا طرق هازان الملتوية

لأخذ نصف الميزانية لشراء السلاح والعتاد وحجتهم

الوحيدة محاربة الجماعات الإرهابية

” السلام عليكم ”

كان ذاك الصوت الرجولي الذي دخل عليهم مجلسهم والذي

جعل نظره يرتفع من معانقته للسجادة طوال الوقت مهما دخل

وخرج منهم فميزة تذكر الأصوات وتمييزها لديه جعلته يعلم

فورا أنه الغائب المنتظر , نظر له بهدوء أقرب للجمود مثبتا

نظرته الصقرية الحادة على عينيه وقال ذاك بعدما أخد نفسه

” يطالبون بالتفاوض على العمران والاجتماع صباح غد ”

وقف حينها من فوره ليقف جميع من في المجلس مع وقوفه

فأشار لهم بيده ولازال نظره على الواقف هناك وقال بجدية

” عشائكم هنا الليلة , عمي على وصول ”

ثم أنزل يده وقال مغادرا جهة الباب ” حين أرجع أريد ما

تحدثنا عنه بخصوص ترميم السد تحول لأفعال ”

وخرج من هناك ووجهته باب المنزل الملاصق لذاك

المجلس الواسع , دخل مناديا بشدة ” جوزااااء ”

لم يجبه أحد فكرر النداء وهوا يصعد السلالم لتخرج تلك من

غرفة عمتها مسرعة ولحقت به صاعدا للأعلى فقال

” حين يرجع عمي أخرجوا العشاء للمجلس وأخبريه يزور

الحقول ويراقب سير زرع المحاصيل بدلا عني ”

دخلت خلفه لغرفته قائلة ” وأين ستذهب أنت ؟ ”

فتح الخزانة وأخرج الحقيبة الصغيرة منها ورماها على السرير

قائلا ” سأسافر خارج البلاد ليومين أو ثلاثة , فلا أحد

وأولكم عمي ينام خارج المنزل مفهوم ”

مطت شفتيها من جملته المكررة دائما ثم قالت

” دعني أرتب لك ثيابك إذا ”

قال متجها للحمام ” لا تلمس الخادمة شيئا سأستحم وأخرج ”

قالت قبل أن يدخل ” وماذا بشأن عقد قران أ…. ”

قال وهوا يغلق الباب خلفه دون أن ينظر ناحيتها

” لا داعي له ”

فمدت هذه المرة شفتيها أكثر وحركتها بامتعاض فها هوا رفض

ذهابهما هناك بما أنه لن يكون هنا وطبعا كي لا يباتا خارج

المنزل وهوا غير موجود ولا يحق لها النقاش أو الاعتراض

على أوامره , فتحت الحقيبة وبدأت بترتيب بعض الملابس

الداخلية والبذل فيها لحساب ثلاثة أيام ورتبتها بعناية واهتمام

أغلقتها بعدما انتهت وقالت بضيق وهي تغلق السحّاب

” لا أعلم لما لا يتزوج ويرحم نفسه مادام لا يريد أن

تلمس الخادمات شيئا يخصه بدلا من أن يفعل

كل هذا بنفسه ”

ثم رفعت رأسها فجأة عندما سمعت حركته قريبا منها

فوجدته عند طاولة التزيين ببذلته الرسمية وربطة العنق

الموضوعة على عنقه بإهمال دون ربط يفتش عن شيء

ما في أدراج الطاولة , بلعت ريقها فيبدوا كان هنا وسمع

ما تقول , أغلق الدرج بقوة فخرجت مسرعة وتركته فهي

تعلم كم يكره الحديث عن الزوجة والزواج وقد سبق وحذرها

من فتح الموضوع مجددا , نزلت السلالم فستعود ما أن يغادر

لتنظف غرفته والحمام وتعطي الخادمات ملابسه لغسلها

دخلت مجددا لغرفة عمتها التي قالت ما أن رأتها

” ما به شقيقك ؟ ولما تأخرتِ هكذا ! ”

عادت للجلوس أمامها ورفعت كوب قهوتها وقالت

” سيسافر لأيام وأوصاني أخبر عمي ما يريد قوله له ”

هزت رأسها بحسنا دون كلام فقالت جوزاء بامتعاض

” ومشوارنا ألغي طبعا بأوامر من ابن شقيقك ”

قالت بهدوء ” هكذا أراد الله , ثم لا تنسي أنك

ستستقبلين بعض الزائرات غدا ”

وضعت الكوب على الطاولة وقالت ” مللت منهن لا شيء

لديهن سوا الطلبات , هل يضنونه سيستمع لكلامي وأؤثر

عليه ! حتى إن كنت زوجته لن ينصت لي فكيف بشقيقته

التي لا تراه إلا صاعدا لغرفته ونازلا منها ”

ضحكت تلك بخفة وقالت ” ولما لا تخبريهم بذلك وترحمي

نفسك وترحميهن بدلا من تمثيل دور شقيقة زعيم القبيلة
المسيطرة التي لها كلمة عنده , وتوقفي عن شرب القهوة

الباردة واتركي الخادمة تسخنها لك مجددا ”

*

*

*

مررت أناملها البيضاء على ورقات الأزهار الندية وهي جالسة

على الأرض بجانب الشتلات المغروسة بعناية , تحضن ركبتيها

بذراعها الأخرى وتتكئ بذقنها على ركبتها وتتابع حدقتيها حركة

أصابعها بشرود وعينان منسدلة للأسفل بحزن حتى شعرت باليد

التي لامست كتفها ووصلها صوت عمتها الهادئ

” غسق ادخلي عن البرد هيا ”

لم تتكلم ولم تتحرك من مكانها فتنهدت تلك وأبعدت يدها

وقالت ” لمصلحتك قلت ما قلت يا غسق فلا أريد لتلك

الليلة أن تتكرر ”

أبعدت أناملها عن الأزهار وحضنت ركبتيها بذراعها الأخرى

ولازالت سجينة صمتها ليدخل عليهم الصوت الرجولي

” ماذا تفعلان هنا في هذا البرد ؟ ”

التفتت لشقيقها الواقف خلفها وأشارت له بعينيها على الجالسة

لم تغير وضعيتها ولم تتحدث فأشار لها أن تدخل وتتركهم لكنها

أبت فهي تعلم مدى تدليله لها وأنه سيقف في صفها وستفعل

ما تريد هي حتى إن كان خاطئا , قال بحزم

” جويرية ادخلي واتركينا ”

تنهدت بضيق ومرت بجانبه ووقفت وأمسكت يده بقوة

وقالت بهمس ” قدّم مصلحتها على حبك لها يا شراع

فهي لم تعد طفلة وعنادها يزداد بسببك ”

دخلت بعدما لم يجبها بشيء وعيناه على الجالسة خصلات شعرها

الحريري تلعب بها الرياح الباردة الشديدة وبخار تنفسها يخرج

بين الحين والآخر دليل أنها تتنفس من فمها , قبض على يده بقوة

وعيناه لازالت تراقب الجسد المنكمش على نفسه تحتضنه برودة

الأرض فهي تشبه والدتها حتى في هذا فحين كانت تحزن تنطوي

على نفسها وكم كان يتكرر ذلك فلم يعرف تلك المرأة إلا حزينة

وشاردة الذهن وكل تفكيرها كان في جنينها ومستقبله ولم تطلب

منه سوا أمرين ( إن كان مولودا ذكرا فلا تخبر أحد عن حقيقته

حتى يموت ابن شاهين وإن كانت أنثى فسموها غسق ولا تزوجها

إلا من قبيلتها )

فلطالما استغرب الجميع أسمها الذي لم يعتادوه لديهم كما استغربوا

حسنها الذي فاقت فيه حتى قبيلة والدتها ولم يعلموا أي مزيج هوا

من عرقين أخرجها بهذا الحسن , تنهد بأسى فأكثر ما يتعبه هذه

الأمانة وهذا الحمل الكبير على كتفه فهذه الجالسة بحزن حملها

على قلبه أعظم من البلاد والقبائل وشئون المدن ( لو تعلمي أي

أمانة أنتي يا غسق وأي حمل وضعته والدتك على كتفي ولن

أرتاح في نومي ولا يقظتي وتلك العجوز لازالت على قيد الحياة

فوحدها تحمل سرك وإن علم به ابن شاهين فلن يرضيه إلا أنتي

أو رقبتي , وما رفضت زواجك حتى الآن إلا خوفا منه إن علم )

اقترب منها حتى وقف خلفها مباشرة وقال ” غسق عمتك

خائفة عليك فلا هي ولا أنا نريد لتلك الليلة أن تتكرر ”

خرجت حينها من صمتها وقالت بحزن ” وأنا لم

أعد أريد الذهاب ”

تنهد وقال ” وكيف لن تحضري زواج ابنة خالك ”

ضمت نفسها أكثر وقالت ” أبي لا تجبرني أرجوك قلت لن

أذهب ولن أغير رأيي حتى لو سمحتم لي بارتدائه والتزين ”

هز رأسه بيأس وقال ” أدخلي إذا قبل أن تصابي بالزكام ”

خبأت وجهها في ركبتيها وقالت ” قليلا وسأدخل ”

فتركها مستسلما ودخل ليجد جبران في وجهه وقال من

فوره ” لم تدخل ؟؟ ”

قال بهدوء ” أتركوها ستدخل وحدها ”

قال حينها وبضيق ” ولما تمنعوها مما تريد , لا أرى

عذركم منطقيا أبدا فهذه الأفكار نستها الناس من سنين ”

قال مارا من أمامه وهوا يتبعه ” ونحن لم ننسى تلك الليلة التي لم

تنم فيها ولم ينم أحد منا حين تعبت ولو لم يحضر رعد ويقرأ عليها

لكانت فقدت عقلها , فقد عاهدتْ عمتك نفسها أن لا تتركها تتزين

في حفلات الزواج مجددا فإن سلمت الأمور مرة لن تسلم دائما ”

ثم جلس وقال جبران ” لهذا إذاً ترفضون أن تحضر

زواجا لشخص لا يقرب لها أو لنا ”

هز رأسه بلا ونظر للأرض وقال ” بل هي من ترفض

وأنت تعلم السبب جيدا ”

جلس حينها بجانبه وقال ” أخبرها عن والدها إذا إن كنت

تعلم من يكون وأرحها لترحمها الناس ”

قال شراع ببرود ” قلت لا أعلم وانتهى ”

تنهد بقوة وشجع نفسه لفتح ذاك الموضوع مجددا وقال

” وماذا بشأن ما تحدثنا عنه ؟ ”

قبض حينها شراع على أنامله بقوة وقال ” سيأخذ كاسر

مكانك هنا وغادر أنت للحدود ”

وقف حينها على طوله من صدمته ثم قال

” رفضت ”

اتكأ على ظهر الأريكة وقال ونظره للفراغ ” ذلك من حقها

فإن كنت أنت تعلم ومن صغركم أنها ليست شقيقتك فهي لا

ثم حتى لو وافقت هي فأنا لم أعد موافقا ولن أزوجها ”

قبض على يديه بقوة وقال بغيظ يحاول كتمانه قدر الإمكان

” ولما يا أبي لما ؟؟ فلو ربطت الأمر برضاك لوافقت

أم لا تراني كفئا لها ”

نظر له للأعلى بسرعة وقال بحزم ” أصمت لا تكرر هذا

الكلام أمامي وقلت لن أزوجها وانتهى الحديث في الأمر ”

غادر حينها جبران يشتعل غضبا وحزنا وترك خلفه الجالس ينظر

له بحيرة ورحمة , يعلم مدى تعلقه بها ورغبته فيها لكنه سيخطئ

إن فعلها سيخطئ خطئا كبيرا فوالدتها ما طلبت تزويجها من قبيلة

والدها إلا خوفا على مستقبلها في هذه البلاد كي لا يكون مصيرها

مشابها لها أو للكثيرات ممن حرمن من أزواجهم وأبنائهم لأنه زواج

فاشل من بدايته حين جمع شخصين من قبيلتين متنازعتين لوقت لا

يعلمه إلا الله وقد يكون حتى تفنى الأرض , فليحترق الآن أفضل من

أن يحترق أكثر حين يأخذوها من حضنه وهي زوجته ويحرموها

هي من أولادها , وقد قرر قراره النهائي ووقف مغادرا لغرفته

ليرتاح ( إن تحسنت الأوضاع وتهادنا مجددا أزوجها لأحد

رجال قبيلتها وبعدها حتى إن علموا من تكون لن يضروها

ولا زوجها في شيء )

*

*

*

أنهى لبس بذلته وربطة العنق , الملابس التي لا يلبسها إلا
خارجا من البلاد لحضور إحدى تلك الاجتماعات أو زيارة

أحد المسؤلين , لبس المعطف الشتوي ولف شالا أبيض حول

عنقه وحمل حقيبته ونزل وخرج من المنزل حيث تنتظره سيارة

بسائقها أمام الباب فستستغرق رحلته لساعات ليخرج برا للبلد

المجاور لهم ثم ينهي رحلته بالطائرة , خرجت سيارته تتبعها

ثلاث سيارات لحرسه الخاص عند خروجه وحده بدون أي فرد

من قبيلته فهوا اعتاد السفر لهذه الأغراض وحده كما اعتادوا

هم على رؤيته وحيدا لا يناقش أحدا في قراراته التي يقررها

أمامهم إلا إن كان اجتماع مهادنة تحضره رؤوس القبائل .

بعد خمس ساعات من السير برا في رحلة سيدها الصمت

المميت سوا من بعض الاتصالات المهمة التي أجراها وصلت

السيارات للحدود وتمّ إدخالها فورا لتسرح عيناه ككل مرة

فيما جد هنا في هذه البلاد , يمعن النظر بفكر شارد للبعيد

لتلك المباني العالية والتطور العمراني المهيب , وهوا يرى

أن لبلاده الأحقية أن تصبح مثل غيرها وأفضل بكثير .

وبعد مشوار الساعة والنصف كانوا في العاصمة ووقفوا أمام

المبنى المرتفع بطوابقه العالية وفتح له أحد الحارسين الواقفان

عند الباب باب سيارته ونزل وأخذ منه حقيبته الدبلوماسية ودخل

يتبعه مع حرسه لتستقبله المرأة الثلاثينية بقصة شعرها المدرجة

وبذلتها الرسمية رصاصية اللون بتنوره ضيقة تصل لنصف

الساق وقالت وهي تسير بجانبه ” حمدا لله على السلامة سيدي

بشأن الاجتماع الطائرة خاصة وتوجد رحلة لليوم وللغد

أيضا فيمكنك أن ترتاح اليوم وتصعد على رحلة الغد ”

قال متابعا سيره ودون أن يلتفت لها ولا بطرف عينه

” بل اليوم , هل أعطيتم السيد عثمان خبرا بوصولنا ”

قالت وهي تسبق خطواته وتفتح له الباب أمامه

” نعم وهوا في انتظارك ”

مخرج
بقلم الغالية : lulu moon

أخوة .. ومن ربوع وطننا عشنا ..x
فهل بمرور سنوات كالأعداء صرنا
ولدنا.. أكلنا..; شربنا… لعبنا.x

ولرسالة العلم ادينا..
في وطن واحد وتحت علم واحد .
فهل الآن أعداء بتنا.
يدك بيدي ….
وحلمكx على حلمي …
من أجل اجمل ما في وطني …
أخوة وسنبقى ..
لا فرق بين غربه وشرقه ..
ولا بين شماله وجنوبه …
فكلنا نعيش تحت سقفه وبين حدود أرضه ..
فسلاما عليك وطني سلاما….
خاطرة بقلمي
أسعد الله صباحكم أحبتي …
لولو العراقية ..

نهاية الفصل الثالث


رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الرابع

المدخل : اهداااااء لكاتبتنا الراااائعة برد المشاعر
بقلم الغالية : نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء
رَحيقُ الزهورِ ومسـكُ الخواطر .. وروحُ القصيـــدِ بها ألفُ شاعرْ
حنــانٌ ودفءٌ وهمــسٌ وخفقٌ .. وصدقٌ شــــذاهُ مع الدّم سـائرْ
سجايـاً تنامتْ وفيـــكِ أقـــامتْ .. كصرحٍ مجيدٍ تليــــدِ المـــآثــرْ
فخُطّي الحروفَ سلمتي ودمتي .. سناً في دُجانا وقَطراً تنــــاثرْ
فأنتـي الرُقـيُّ وكــلُ رُقِــــيٍّ .. سموتي وكنتي..”برد المشاعرْ”
*****
اليوم أعلنت غضبها من الجميع بعيدة عن الجميع ومستاءة حتى

من الكلام فلم تتحدث مع أحد ولم تخرج من غرفتها منذ أمس

إلا للضرورة , علمت من بعض ما سمعته منهم أن شقيقها كاسر

سيأتي اليوم أو في الغد , لم تسأل لما ومتى سيذهب لكنه الشيء

الوحيد الذي أسعدها بعد يوم أمس فكم كرهت معاملتها كطفلة لا

يحق لها اتخاذ قرار يخصها , وبّختها عمتها لأنها قررت ترك

الدراسة وقالت أمامها أن والدها يخطئ دائما وأنه رضخ لرأيها

ولم يفكر في مصلحتها التي لا تعلمها هي حسب كلامها وفي

النهاية هي من تخطئ ووالدها يشجعها وسؤالها الوحيد

( لما ليس العكس ؟؟ )

انقلبت على الجانب الآخر لتقابل النافذة التي تركتها منذ البارحة

مفتوحة ليوقظها ضوء النهار المتسرب منها واكتفت بإغلاق

زجاجها فقط , بحثت بعينيها في السماء عن الطائرة التي تسمع

صوتها بوضوح حين عبرت فوقهم , وهي طائرة مدنية بالتأكيد

فلا طائرات حربية تحلق هنا , جالت بحدقتيها السوداء الواسعة

في تلك السماء الملبدة بالغيوم وهي لازالت تسمع صوتها رغم

يقينها أنها لن تراها ليس بسبب تلك الغيوم السوداء المتلاصقة

ولا العلو الكبير لتلك الطائرة ولكن لأنها ما سمعت الصوت إلا

لأن الصورة سبقته لكنّ شيئا ما في قلبها ضل يتساءل ( ترى

من فيها من أين أتت وإلى أين تذهب ؟؟ ) وهي موقنة من أنها

قادمة من بلدان الجنوب متجهة حيث الشمال من اتجاه صوتها

كم شعرت أنها تحمل أمانيها تحمل حلما بعيدا جدا ولا تعرف

لما !! بل شعرت أن من على متنها تعرفه جيدا ولا

تعلم كيف ولا أين ؟؟

أغمضت عينيها برفق وشدت من احتضان الوسادة في حضنها

وعادت لحزنها من جديد ( لما لا يرون أني كبرت وأنه من

حقي أن أقرر وحدي ما أريد ؟ والدتي في عمري كانت حاملا

بي خرجت من أهل زوجها اللذين الله أعلم من يكونون وجاءت

إلى هنا , لقد قررتْ ونفذت وحدها وقال والدي بلسانه أنها فعلت

الصواب حينها فلما أنا لا أعرف مصلحة نفسي !! لما والدي في

نظرها يقف معي على الخطأ وليس يساندني فيما يرى فيه

مصلحتي ويريحني ؟ لما أدرس وآخذ من وقته ساعات لأخذي

وجلبي يوميا وغيري تركوا الدراسة والآخرون يركبون الحافلات

الصغيرة التي تقلهم ليومين فقط في الأسبوع وستأخذهم يوميا

للامتحانات فقط لأن المحروقات لا تكفي لنقلهم , أنا لست أفضل

منهم ولا أشعر بالراحة هناك وكرهت كلمة ( أنتي ابنة زعيم القبائل

ولستِ مثلنا ) فمن قال أني لست مثلهن أم لأن بنات أشراف قبيلة

صنوان يرين أنفسهن أفضل من الجميع سأكون مثلهن , ثم ها أنا

ظهر أني لست ابنته ولا شيء من ذلك بل كما يقول البعض مجهولة

النسب , وما يُهون الأمر شهادة والدي أمام رجال القبيلة أني ابنة

شرعية بزواج شرعي وموثق )

انقلبت للجانب الآخر مجددا فالتفكير في ذاك الموضوع يزيدها

أرقا وحزنا فكيف تقتنع برفض والدها شراع التصريح بسم والدها

الحقيقي وقبيلتها وقال أنه لا يعلم من يكون ذاك وأنه احترم رغبة

والدتها التي لا تريد إخباره ثم يشهد لها وهوا لا يعلم ؟؟ لا تصدق

ذلك ولم تقتنع به وترى رفضه تزويجها ورائه سر آخر فإن علمت

من تكون ستعلم أسباب كل هذا , سبب رفض والدها الإفصاح عن

الحقيقة وسبب رفض تزويجها حتى يصطلح حال البلاد , ولازالت

تذكر حتى الآن حين كان يلاعبها في صغرها قائلا ( يا حسناء

غزير وحسناء من شهدوا بالحسن لنسائهم ) ولم يقل أن من يقصده

قبيلة والدتها فقط فنسائهم الأجمل بين قبائل صنوان جميعها لأنها

تنحدر من أقصى جنوب غرب البلاد وهم قبيلة غزير فقد عرفوا

بهذا اللقب لغزارة شعور أبنائهم وخاصة النساء فلا امرأة في

القبيلة شعرها أجعد أو طوله أقل من خاصرتها فلكل قبيلة من

اسمها نصيب وسميت لصفة متعاقبة فيها وهذا حال القبائل في

كل مكان من الأرض وضل السؤال الذي يحيرها ( من هي

القبيلة التي قال أنها اشتهرت بحسن نسائها وأنا فقتهن )

تنهدت بقوة وجلست تجمع شعرها للخلف فهي تكره الوصول

لهذه النقطة من التفكير لأنها ترهقها حقا وتجعل فكرة زيارة

تلك العجوز تكبر في رأسها أكثر رغم المخاطرة وصعوبة

الأمر عليها , مدت يدها للمذياع بجانبها ولأول مرة تفعلها فلا

أحد هنا يشغله سوا عمتها حين تجلس معها فهي برفقتها أغلب

الوقت فكل واحدة منهن وحيدة هنا وليس لها سوا الأخرى , وما

أن بدأ صوته يملأ سكون الغرفة وقفت وتوجهت للنافذة وفتحتها

ووقفت أمامها لتسمح للرياح الباردة أن تحرك خصلات شعرها

الحريري الطويل في حركة انسيابية لتداعب كتفيها وذراعيها

واكتسبت عيناها لمعانا غريبا من لفح ذاك البرد لحدقتيها السوداء

المظلمة , بل قد يكون السبب شيئا آخر يتسلل لأذنيها الآن فعلى

غير عادتها فتحت اليوم المذياع الذي تكرهه وتسميه بجالب

أخبار السوء والدماء , وعلى غير عادتها أرهفت السمع لكلام

المرأة فيه بإنصات وهي تتحدث عن شيء لم تعره يوما أي

اهتمام , فكل شيء في حياتها أصبح مخالفا لعاداتها القديمة

منذ لا تعرف متى ولا لما ؟ ضمت ذراعيها بيديها وحضنت

نفسها ورفعت عينيها للسماء ليزداد بريقهما ويزداد تطاير ذاك

الشعر المظلم مع حركة الريح الباردة التي جعلت من خديها

لهيباً أحمراً يروي فصول حكاية أخرى من الحسن , ثم جمدت

كصورة رسمتها أنامل لا تتقن الرسم سواها وزادت دقات قلبها

في نغمة لم تعرفها من قبل , وشيء من التوتر الغريب غزى

أطرافها وهي تستمع باهتمام لصوت المذيعة في ذاك المذياع

وهي تقول ” يبدوا أن الاجتماع انفض بسرعة لم نتوقعها جميعنا

فهل حسم زعيم الحالك أمره سريعا أم رفض عروضهم

أم رفض الهازان طلبه ؟؟؟ ”

أغمضت عينيها برفق ولازالت تنظر للأعلى فما تعلمه أن ثمة

تسوية ستتم بينهم واتفاق على مدينة العمران , إما أن يقدموا له

عرضا يرضيه بدلا عنها وسيكون باختياره طبعا أو يأخذها منهم

لأنها أصبحت بين قبضته الآن ويستطيع أخذها في ساعات قليلة

فقط فتلك المدينة يعرف الجميع أهميتها ففيها توجد مجموعة أنهار

شالوف الصغيرة وتصب في بحيرة رقراق في آخرها وتذكر

وهي طفلة حين زارتها مع والدها وأخوتها حين كانت تابعة

لصنوان وتذكر جيدا جمال تلك المنطقة الذي لا يصفه شيء

أنزلت رأسها لتعانق خصلات شعرها وجهها وأغمضت عيناها

بقوة وهي نفسها تستغرب حالتها هذه وتلك المذيعة تقول بصوت

يؤكد أنها تكاد تركض جهة أحدهم ” يبدوا لحسن حضنا سنعلم

ما حدث في الداخل من زعيم الحالك تحديدا ولأول مرة تلتقطه

قنوات الأخبار لخروجه من الباب الرئيسي وليس الباب الخاص

بهم … سيد مطر سيدي سيدي دقيقة نريد فقط ملخصا

لما توصلتم له ”

ازداد رنين تلك الطرقات الغريبة في قلبها حتى أصبح يدوي في

أذنيها وارتجف جسدها ارتجافا خفيفا حين سمعت ذاك الصوت

الجهوري البارد المثقل بالكثير من الحزم والشدة مع رنة بحة

رجولية غريبة قائلا ” اسألي غيري ”

كان ذاك فقط ما سمعته وذاك فقط ما قاله وذاك ما جعلها تضع

يدها على قلبها وقالت برجفة وهمس ” يا إلهي ما به

صوته مخيف هكذا ”

وما لا تعلمه أن الاختلاف لم يكن في صوته بل في مشاعر الرهبة

لديها منه , التفتت سريعا جهة المذياع وكأنها ستراه وستلحقه قبل

أن يذهب وأنصتت باهتمام للتي أكملت حديثها مع غيره قائلة

” سيد عثمان هلاّ أطلعتنا على ما حدث في الداخل , لما

انفض الاجتماع بسرعة ولما خرج زعيم الحالك من

هنا ويبدوا مستاءً فمن ماذا ؟؟ ”

تكلم الآخر بأريحية قائلا ” أما لما انفض سريعا فالسيد مطر ما

ترك مجالا للمقدمات والشروحات واختصر الأمر عليه وعليهم

بأن تكلم أولا وأنصت الجميع دون اعتراض , أما لما خرج من

هنا فوجّهي هذا السؤال له وليس لي فلست أعلم , أما أن يكون

مستاءً فلست أجزم بذلك فشخصيته هكذا ولم يحدث ما يجعله

يستاء والاستياء كان من نصيب زعيم قبائل الهازان ”

قالت من فورها ” الأهم لم تطلعنا عليه سيد عثمان وهوا

ماذا حدث في الداخل ”

قال بنبرة وكأن فيها سخرية أو استهزاء ” السيد مطر طالبهم

بالديجور مقابلا لها وأمهلهم حتى مطلع الربيع ”

لتفتح الواقفة بجمود هنا عينيها على اتساعها وقالت

بهمس مصدوم ” يريد ديجور مقابلا ”

هزت رأسها غير مستوعبة ما سمعت ثم ركضت جهة الباب

تعدل من حدائها المنزلي في قدميها كي لا تقع وفتحته سريعا

لتقف فجئه وهي تكاد تصطدم بأحدهم أمامها رافعا يده وكان

سيطرق الباب للتو , أمسكت شعرها بيديها للخلف لتناثره أمام

وجهها بسبب ارتدادها المفاجئ وقالت بصدمة ” جبران !! ”

أنزل يده ومعها نظره وقال بهدوء ” آسف لقد أرسلت لك

الخادمة وقالت أنها طرقت كثيرا ولم تفتحي لها ولم

تجيبي وكنت سأطرق للتو وأناديك لتخرجي ”

جمعت خصلاتها خلف أذنيها بأصابع مرتجفة ومرتبكة

وقالت ” لا عليك يا جبران الخطأ ليس منك ”

رفع نظره لها ونظر مجددا للشعر الليلي الحالك الذي حُرم

من رؤيته لوقت طويل منذ علمت بحقيقتها , نظر للحسن

وهوا مكتمل أمامه لا يحجب شيء عنه أي تفصيل من

تفاصيله ثم سرعات ما هرب بنظره للأرض وقال

” جئت لأراك قبل أن …. ”

وسكت عن تكملة جملته وعن قتل نفسه بالسلاح الذي اختاره

هوا رغم علمه أنه لا راحة من العذاب بعذاب أشد منه , غصت

الكلمات في حلقومه وتحجرت حين نزلت هي بنظرها لما يلبسه

بعينين تترقرق دموعا يراها حزنا كحزنها ذاك اليوم على فراق

أشقائه ليس أكثر من ذاك الشعور وليس كما يحمل هوا لها بين

هذه الأضلع , عادت بنظرها لعينيه التائهة فيها وقالت بعبرة

” هل ستذهب أنت أيضا ؟ ”

نظر للأرض مجددا وقال بحزن ” سيأتي كاسر وأذهب

أنا فبقائي أصبح موجعا لي يا غسق ”

ركزت حينها نظرها فيه بصدمة ودهشة وفهمت أن والدها بلّغه

رفضها بالتأكيد وها هوا يخبرها الآن أن مغادرته بسبب قرارها

ذاك , هزت رأسها رفضا لِما سمعت ودموعها تغطي حدقتيها

السوداء وقالت بحزن ورجاء مكسور ” لا تترك والدي يا جبران

فهوا يعتمد عليك في كل شيء , لا تجعلوني عبئا فوق ما أنا

عبء عليه ويخسرك بسببي ”

قبض حينها على يديه بقوة وقد فقد السيطرة الكلية على حركة

عينيه ولم يعد بإمكانه إبعادهما عن هذه العينين الدامعة مهما حاول

وبعد صراع طويل مع نفسه رفع كفيه لوجهها وحضنه بهما برفق

وانحنى له وقبّل جبينها وقال بهمس موجع ” هناك سيكون أفضل

لي حتما وأحترم قرارك يا غسق فقط عديني أن هذا قد يتغير يوما

وأن ثمة فرصة أخرى لي , عديني وأعيدي حب الحياة لي يا غسق ”

رفعت حينها يديها وحضنت يديه المحتضنة لوجهها ورفعت نظرها

له وقالت والدمعة الأولى قد تدحرجت من إحدى عينيها

” لا تترك المنزل بسببي يا جبران , حلفتك بالله أن لا تفعلها ”

قال بجدية وإصرار ” عديني يا غسق أريد وعدا فقط

لأرجع يوما من أجله ”

نظرت لعينيه بحزن شديد وتمنت أن حققت له ما يريد تمنت
حينها أن تنظر له كنظرتها لأي رجل آخر غير أشقائها أو

والدها ولكن مستحيل كيف لأي واحدة مكانها أن تتخيل فقط

أن شقيقها الذي عاشت معه سنين حياتها شقيقا لها تكتشف

فجأة أنه ليس كذلك وأن عليها أن تقبله زوجا وتنام معه

على سرير واحد كيف !! هذا جنون لا يمكنها حتى تخيله

أنزل يديه بخيبة أمل حين طال صمتها وفقد الأمل فيها وفي

العودة هنا قبل أن تتزوج وتغادر المنزل فهوا وهي وقلبه لا

يمكن أن يجتمعوا في مكان واحد لأن الغلبة ستكون للغبي الذي

أحبها ولحبها المدفون فيه ولن يقدر لا هوا ولا تجاهلها هي

لمشاعره على جنون هذا القلب بها ولن يهزم أحد عناده

غادر بعدها وتركها تمسح الدموع من خديها كما مسح والده

الحلم من عالمه الملون وتركه باهتا بلا قيمة فكم علّق الآمال

على إقناعه لها لتوافق ومن ثم حين ستصبح له وفي حضنه

سيعرف كيف يجعلها تحبه وتراه زوجا وليس شقيقا , وعلّق

أملاً جديدا كاذبا في فرصة أخرى له ولها لكنه اكتشف أنه لا

شيء يحي الحلم الميت ويبدوا أن الأحلام المستحيلة لم تُخلق

إلا لتبقى مستحيلة للأبد كما لم يُخلق الأبد إلا ليكون أبديا

غادر من أمامها في صمت لا يشبه ضجيج قلبه المتيم ونزل

عتبات السلالم الأولى يدوس في كل خطوة منهم قلبه وحلمه

ويقبض يديه بقوة يمنعهما من ضرب خشبه بقبضته ليفرغ

شيئا مما يكبته ويحرق قلبه ثم تسارعت خطواته حتى أوقفه

الصوت الرقيق الباكي خلفه مناديا ” جبران ”

فوقف والتفت لها دون شعور وهي تقف أعلى تلك السلالم

ولازالت تمسح الدموع الغالية بكفها الذي لطالما حلم أن

يحضنه بكفيه أن يدفنه في صدره قبل أن تتبعثر جميع تلك

الأحلام بكلمة منها وقرار من والده , نظر لها بقلق وقال

من فوره ” غسق توقفي عن البكاء وقلت وأعيد

وأكرر أنني أحترم قرارك ”

نزلت أول عتبتين في السلالم ليصبح ما يفصلهما القليل

منهم فقط ثم وقفت مجددا وأمسكت بخشبه وقالت بغصة

” قد يكون ثمة أمل فكل شيء مرتبط بمشيئة الله يا شقيقي ”

كانت كلماتها قاتلة أكثر من كونها باعثة للأمل في نفسه فها

هي وعدته وذكّرته في ذات الوقت أنه لازال شقيقها لكن قلب

العاشق لا يستطيع إلا أن يكون عاشقا فهوا كالبحر تماما يقبل

الزيادة دون رفض وإن نقص منه شيء فلن يؤثر فيه , نظر

لعينيها بابتسامة لم يخفيها وقال ” لن آخذ من كلامك

إلا أوله وسأبقى على الأمل ”

ثم تراجع خطوة للخلف وهوا لازال ينظر لها وقال بشبه

همس ” لأني أحبك يا شقيقة شقيقي ”

وغادر بعدها مُكْملا باقي عتبات السلالم وتركها خلفه تشهق

الدمعة والوجع وتبكي أول كلمة حب سمعتها في حياتها وكانت

من شفتي من رأته شقيقها طوال العمر رغم أن رسائل وثّاب

ابن خالتها مليئة دائما بكلمات الغرام إلا أن هذه سمعتها بصوت

رجل ولم تقرأها وتمزق الورقة وترميها وكأن شيء لم يكن

وليثه كان أي رجل إلا هذا إلا شقيقها الأكبر الذي أنقدها يوما

من مكر والدتهم بها وحرم نفسه من موتها راضية عنه وكم

كان يدافع عنها في صغرها والجميع يعلم أن من سيبكيها

سيكون عليه مواجهته لأن رده سيكون قاسيا

حائرة وضائعة ولم تعد تعرف كم سيدفعون أثمانا لراحتها

لرضاها ولتحقيق رغباتها فأول ما جال بذهنها هل هي حقا

أنانية كما قالت عمتها وهل ترى مصلحة نفسها فوق الجميع ؟؟

هل هي مخطئة في كل ما تراه من حقها ومن أجل راحتها

أغلقت فمها بيدها تمسك شهقاتها وقد عاهدت نفسها أنه ما أن

تعرف حقيقة أهلها ستقبل به , ستضحي من أجله كما ضحى يوما

من أجلها وترغم نفسها من الآن أن تتقبل فكرة أن هذا الرجل ليس

شقيقها , ركضت عائدة للأعلى ودموعها تنسكب على يدها لتوقفها

رؤيتها للشخص الذي كان موجودا ويسمع كل ما دار هنا وما

كانت إلا عمتها لتزيد قتلها بتلك النظرة التي رأتها في عينيها

نظرة لم تعرفها يوما من هذه المرأة الحنون المحبة لها , نظرة

تشبه نظرات زوجة والدها الذي رباها غير أن ما غلب على هذه

العتاب وليس الكره فهي لا تصدق أن عمتها قد تكرهها يوما

اجتازتها مسرعة لتدخل غرفتها وتهرب من كل هذا لكن كلماتها

سبقتها قائلة ” نامي قريرة العين الآن يا ابنة أميمه بعدما كسرت

قلبه وأخرجته من المنزل وحققتِ رغباتك التي لا تنتهي ”

وقفت مكانها حيث عتبة الباب ونظرت لها بصدمة ليس من عتابها

لها على ما حدث لابن شقيقها ولا من طريقة كلامها بل من مناداتها

لها بابنة أميمه وليس ابنة شقيقي كعادتها حتى بعدما علمت بحقيقتها

أنزلت غسق يدها من فمها وقالت بصدمة ” عمتي لا تلو…. ”

لكن تلك لم تعطيها مجالا بل نزلت السلالم وتركتها واقفة مكانها .

ومرت الأيام تحيك بعضها وتنسج أسابيع تعاقبت وأصبحت شهراً

وتلاه آخران واستقبل الجميع بشائر الربيع الأولى وبراعم الأوراق

الصغيرة وأصوات عصافير السماء مبتهجة برحيل البرد والمطر

وشُحّ الغداء بسبب تحول الأشجار لأشباح من الأغصان اليابسة

مرت تلك الأيام صعبة على البعض في تلك البلاد وشبه جيدة على

الآخر وكما هي عليه على الكثيرين , الحالك كما حال الجميع هناك

ينتظرون قرارا حاسما لطلب زعيمهم الذي خنق به الهازان والهازان

يحصون الأيام على أمل أن يحدث شيء يغير ذلك القرار المجنون

في نظرهم قبل أن تنتهي المدة وإن كان بموت ابن شاهين , كاسر

أصبح ذراعا لوالده في مدنهم كما كان جبران وإن بالتدريج , بل

وأصبح مصدر تسلية لغسق بوجوده معهم ولو ليلا فقط في أغلب

أيام الأسبوع , رعد ورمّاح لازالا عند الحدود ويزوران منزلهم

وعائلتهم من حين لآخر ويستقران هناك خصوصا بعد قرار الحالك

وطلبه الغريب فقد زادوا من تعزيزاتهم ووجودهم هناك , أما

جبران فلم يروه من ذاك الوقت أو ذاك اليوم فقد اختار دفن

نفسه هناك كما دفن مشاعره وكما ينتظر إحيائها من جديد

غسق أنهت امتحاناتها للتو ولازالت عمتها في حالة جمود حيالها

ولا تبادلها الأحاديث إلا للضرورة أما هي فقد قررت قراراها

النهائي وأرسلته لجبران في ورقة مع رمّاح , الورقة التي تكاد

تتمزق لديه من كثرة ما يقرأنها كلما فتش أغراضه وأخرج شيئا

وكأنه لم يحفظ أسطرها فهوا يعتبر تلك الكلمات القليلة آخر أمل

له في العودة هناك ( جبران أنا موافقة فقط أعطني وقتا

واترك قراره بيدي أرجوك )

كلمات قليلة لكن معانيها كثيرة وكبيرة بالنسبة له خصوصا أنه

علم من والده عن الحديث السري والخاص الذي دار بينه وبينها

ولا يعلمه أحد كما هذه الورقة وما فيها فقد أخبره والده أنه وافق

بعد ضغط كبير منها وعلى أن يكون القرار في وقت زواجهم

بيدها هي وأن يكون كل هذا سرا بين ثلاثتهم , وما لا يعلمه أن

والده اشترط عليها أنه إن ظهرت حقيقة أهلها وكانوا خارج

قبائل صنوان وحدودها وطالبوا بها أن تعلم منذ الآن أنها ستُحرم

من أبنائها وأن أحفاده لن يتربوا إلا تحت سقف منزله وهي وافقت

ليس من أجل شيء إلا ذاك الشقيق الذي فعل الكثير من أجلها

وأصبحت تحاول غرس أفكار تخبر فيها عقلها قبل أن تجبره

بأن ذاك الرجل هوا مستقبلها ولن يكون إلا معه وهوا وحده

من سيكون والد أبنائها الذين قد تفقدهم يوما وتتركهم هدية له

وعلّقت أمالا كثيرة بأن أهلها قد يكونوا من هنا وتكسب على

الأقل أن تبقى تحت سقف هذا الرجل الذي تدين له بعمرها وهوا

والدها الذي لم ينجبها وأن يربي أبنائها كما رباها وربى أبنائه

حتى إن أصبحت بعيدة عنهم , وها هي على الأقل أصبحت تتقبل

ممازحة والدها لها في الأحاديث التي لا يفهمها سواهما وهوا

يحاول إحراجها بذكره لأبنائها وأنهم سيتربون في حضنه , وليست

تعلم هل باتت كلماته مستساغة لديها لتقبلها الفكرة ولو قليلا أم

أنها فقط أحبتها من حبها له ولأن مصدرها شفتي هذا الرجل الذي

لو طلب عينيها ما بخلت بهما عليه ولا ترددت في إعطائهما له

ورغم صعوبة الفكرة عليها إلا أنها لازالت تحاول ولم تيأس فلا

يفصلها عن تقرير موعد زفافهما إلا معرفة من يكونوا عائلتها

فهي لا تريد الزواج وهي بنصف نسب , لا تريد أن تبني حياة

وأسرة وهي لا أسرة لها , لا تريد أن يكون لها أبناء وهي لا

تعرف ما ستقول لهم حين يسألوها عن أهلها وما ستبرر لهم

حين يصلهم ما سيقول لهم الناس عنهم , أما في ذاك الثلث من

تلك البلاد فلازال مطر ينتظر حسم الهازان لقرارهم ليحسم هوا

قراره ولازال هدفه الوحيد الذي يطارده في يقظته ونومه هوا بلاد

واحدة تنعم بالسلام وتتقدم للأمام كغيرها , ولازالت جوزاء تنسج

من أمومتها المجروحة حقدا دفينا على صنوان كما تنسج الصوف

بين أناملها ببراعة وسهولة , ولازالت عمتهم الشبه مقعدة تحيط ابن

شقيقها بدعواتها حينما يسلم عليها من وقت لآخر بعيد جدا بالنسبة

لشخصين يعيشان في منزل واحد لأنها تعلم جيدا أطباع ابن شقيقها

وما صنع منه والده ولم تلمه يوما على جفائه نحو الجميع فهي

تعلم أكثر من غيرها أن شقيقها بجنونه الغير مسبوق قد صنع

منه آلة حرب أكثر من كونه مخلوقا بشريا والنتيجة كانت رجلا

بعقل متصلب لا يقبل ولا حتى المزاح , وعينا قائد لا تريان شيئا

غير أتواب الرجال وعمائم الحرب , وقلب محارب لا يعشق إلا

دوي المدافع والرصاص , فقد بنا منه بالفعل آلة حرب متجسدة

في رجل لم يعرف العواطف يوما , لم يهبها لأحد ولم يطلبها ولم

يرى نفسه يحتاجها بل مقتنع تماما أنها ليست للرجال , وعلى

هذا عاش وعلى هذا اعتادوا رؤيته والعيش معه

نظرت من النافذة لتتأكد مما سمعته وما أن رأت سيارة شقيقها

كاسر تدخل المنزل حتى ركضت من فورها خارجة من الغرفة

ونزلت السلالم ركضا وشعرها يتطاير مع قفزاتها عليه وتقابلت

معه عند الباب الداخلي فقفزت لحضنه وتعلقت به وضمها هوا

لصدره قائلا بضحكة ” من يراك يضنني مسافرا لأشهر

وليس أيام قليلة لم أخرج فيها من حدودنا ”

ابتعدت عنه ولكمت صدره بقبضتها وقالت بابتسامة حزينة

” كيف تغيب هكذا لأيام دون أن تراني وتخبرني كعادتك ؟ ”

أمسك أنفها وقال مبتسما ” لأني كنت في الحدود ولم

أخبرك كي لا أرى دموعك ككل مرة ”

شهقت وقالت بصدمة ” ماذا !! هل جد شيء هناك ؟ ”

ضحك وحضن كتفيها بذراعه وقال سائرا بها للداخل

” جبران مرض قليلا وذهبت لأحضره لكنه رفض ”

وقفت مقابلة له وقالت بقلق ” ما به ؟؟ ”

ضحك كثير ثم غمز لها وقال ” حمى بسيطة ونزلة برد

بسبب تقلبات الربيع فلا تقلقي ”

دفعته من كتفه وقالت بخجل من مقصده ” أحمق إن

كنت أنت مكانه أو رعد أو رماح لقلقت ”

قرب شفتيه من أذنها وهمس فيها ” قوليها لغيري وليس

لمن أوصل ورقة منك له وأحضر اليوم واحدة منه ”

وكزته بمرفقها وقالت بهمس وعينها على عمتها المتوجهة

نحوهما ” أنت لا أحد يستأمنك على شيء أبدا ”

ضحك ودس لها شيئا في جيب فستانها ثم ضمها لكتفه ينظر

مبتسما للقادمة نحوهم والتي قالت ما أن وصلت عنده

” عدتَ الآن ؟؟ ”

نظر للتي تحضن خصره بذراعيها متكئة على كتفه وقبّل

رأسها وقال ” نعم وشقيقتي المشتاقة دائما لم تتركني أرى

أحدا فها هي قد استلمتني من عند الباب ”

أما هي فنظرت بحزن لعمتها التي لم تعلق بشيء ثم رفعت

رأسها له وقالت ” أحمد الله أن لك شقيقة تشتاق لك

ولست كإخوتك ”

قال مبتسما ” أنكري أنك لا تشتاقين لهم مثلي تماما ؟ ”

نظرت له بحب وقالت ” أشتاق لكل من يغيب عنا منكم

وشقيقي شيء آخر طبعا ”

قالت حينها الواقفة أمامهم ببريد ” من يأتي ونراه

شيء ومن لم نره لأشهر شيء آخر ”

نظرت حينها غسق للأرض بصمت وحزن من تغير

عمتها وغضبها الذي لن ينتهي وتابعت تلك بجدية

” أين جبران ؟ لا أراك أحضرته ”

ضم غسق له أكثر ماسحا على ذراعها وقال ” رفض

المجيء معي وقال أن حالته أفضل الآن ”

قالت مغادرة من أمامهم ” أتمنى فقط أن يرتاح بما

يفعله الآن ويرتاح غيره منه ”

وغادرت وتركت خلفها أنامل رقيقة تمسح الدمعة قبل أن

تسقط ويلاحظها أحد وعينان أخرى تتبعها باستغراب وعدم

فهم , نظر كاسر لها وقال ” ما بها عمتي تغيرت معك يا غسق ؟ ”

ابتعدت عنه حينها وقالت ” لا شيء أنت تتوهم فقط وهي

مستاءة من الجميع هذه الفترة ”

رفع كتفيه بعدم اهتمام وقال ” يبدوا ذلك ”

ثم قال متوجها جهة السلالم ” سأنام الآن إن جاء والدي

أخبريه أن جبران أصبح أفضل ”

ثم صعد السلالم وتبعته هي بخطوات بطيئة وحزينة ونظرها

للأرض حتى وصلت غرفتها ودخلت وأغلقت الباب خلفها

وارتمت على السرير ثم أخرجت الورقة من جيبها ووضعتها

أمام وجهها ولا تشعر برغبة في فتحها ولا قراءتها , لا تعرف

متى ستقتنع بفكرة ما وافقته عليه , تشعر أنها كمن يلعب بمشاعر

غيره وهوا موقن من أنه سيخذله في النهاية , جلست تستغفر الله

بهمس وتتعوذ من الشيطان وكلها إصرار أن تحاول للنهاية , ثم

مدت أناملها للورقة ورفعتها وفتحتها ببطء ونظرت للمكتوب فيها

كان خط جبران لكنه يبدوا متعرجا قليلا ومتغيرا ففهمت فورا

أنه كتبها الآن وأن حالته ليست أفضل كما قال لكاسر , تتبعت

بحدقتيها الأسطر تقرأها ببطء ( اشتقت لك غسق واحتجت الآن

تحديدا لشرابك الساخن ذاك عندما أصاب بالزكام , بل يبدوا أن

رؤيتك كانت سبب شفائي , كلمة واحدة منك تفصلني عن

منزل والدي يا غسق وسأصبر لآخر العمر مادمتِ

وافقتِ أخيرا …. أحبك )

قبضت عليها بيدها وضمتها لصدرها بقوة تمسح دموعها باليد

الأخرى وتشعر بضياع لم تشعر به حياتها ( ليثك تفهمني يا جبران

ليثك ترحمني وترحم نفسك قبلي , يا رب ألهمني للصواب لأفعله

يا رب لا تجعلني أندم يوما على أي قرار أقرره )

انفتح حينها باب الغرفة فجأة ودون استئذان أو طرق فانتفضت

بجزع تحاول إخفاء الورقة ومسح دموعها وما كان الداخل سوا

عمتها التي اقتربت منها ومدت يدها لها وقلت بجدية ” أعطني

الورقة التي خبأتها في جيبك ”

أمسكت غسق جيبها بقوة وقالت ” هذه أمور تخصني

عمتي ولا أريد أن يراها أحد ”

قالت تلك بحدة ” أعطها لي أو أريت سابقاتها لوالدك ولكاسر ”

نظرت لها بصدمة وقالت ” أي سابقات ؟ ”

كتفت ذراعاه لصدرها وقالت ” رسائله السابقة طبعا ابن خالتك

المتيم , من تركتِ جبران وهجّرته من هنا لأجله ”

رفع بيده إحدى الأوراق الموضوعة أمامه على مكتبه ينظر لها

بتمعن وأصابع يده الأخرى تتحرك على جبينه وقد سقطت بضع

خصلات من شعره الأسود الناعم بلمعته الواضحة الغريبة وهوا

يستمع لأحد الجالسَيْن أمام مكتبه يقرأ ورقة في يده قائلا

” الحقل الثالث للشعير أنتج العام مائتا شِوال وبعد موسم الحرث

والغرس بقي أكثر من ثلثي الكمية , أي أصبح بإمكاننا ملء ثلاث

مخازن كاملة في قُرى ذِمار , وإن استثنينا منها ما سيطحن ليغطي

مع القمح ما سيوزع على القبائل سنوفر ضعف كمية العام الماضي

فِزقين أنتجت خمس مئة شوال من القمح ومئه وخمسون من الأرز

هذا إذا ما استثنينا الحقول التي جرفتها السيول بسبب مطر آخر الشتاء

رغم أن الخسائر قلّت عن العم الماضي لإتباعنا فكرتك في جبال

الرقاع إلا أن باقي الحقول تضررت , هذا بالنسبة لحقول الشعير

والقمح والأرز أما الفواكه ….”

وواصل حديثه حتى أنهى جَرده لمخازن مئونة المدن التي في عهدتهم

ووضع الورقة على الطاولة ثم رفع نظره للجالس خلف المكتب في

صمته المعتاد وقال ” وهذا العام كما أشرت سنقتطع جزئا أكبر

للمحاربين في الحدود خاصة جهة الشرق أما باقي الحقول سيبدأ

القطاف فيها قريبا وأهالي القرى ينتظرون فقط أوامرك ”

هز حينها رأسه بحسنا ونظره لازال على الورق أمامه

فتابع قائلا ” وثمة أمر آخر سيدي ”

أشار له بأصابعه التي كانت تحتضن جبينه ليتابع دون أن يرفع

نظره به فقال ” حقول الرمان في قرية حَجور لازالت تتعرض

لتسلل ذاك الفتى المدعو ( تيم ) ولا يجب السكوت عنه أكثر

فكيف يحفر خندقا يُدخله للحقل ويسرق من هناك

ونتركه يفعل ما يريد ”

رفع حينها رأسه لتعانق تلك الخصلات طرف جبينه وقال بنبرة

باردة جامدة ” قلت اتركوه هل سأكرر كلامي مرتين ”

نظر ذاك للأرض ملتزما الصمت وتابع مطر حديثه بحدة شقّت

برود نبرته المبحوحة ” قلت إن تخطت سرقته لكميته المعتادة

فأمسكوه أما إن بقيت كما هي فلا أحد يعترض طريقه وليس

من مصلحتكم أن أكرر كلامي مرة ثالثة ”

هز حينها رأسه مطأطئا له للأسفل وقال ” حاضر سيدي ”

ثم وقف قائلا ” هل تأمرني بشيء آخر ؟ ”

هز رأسه بلا مشيرا له ليغادر وما أن خرج حتى تحدث عمه صقر

الثالث في الجلسة من لم يُسمع صوته إلا الآن وقال ” إن كنا

سنسكت عن كل يتيم يسرق من الحقول سينتهي المحصول على

أيدي اللصوص , وصِغر سنه لن يكون سببا لتسكت عنه يا مطر”

فوقف حينها المقابل له وجمع الأوراق التي كانت أمامه وقال

مغادرا بها وبذات نبرته الباردة ” ليس السبب ما ذكرت ”

وغادر المكتب تاركا الباب مفتوحا بعده بل وترك عمه يهز رأسه يئسا

منه لأنه لم يكلف نفسه عناء توضيح السبب له ورغم أنها عاداته منذ

عرفوه لكن أملهم في تغيره يبدوا لا يموت , بينما نظر من تابع طريقه

بخطواته الثابتة سالكا الممر متوجها للخارج ونظره على وجهته للأمر

من منظور آخر تماما , فتى في الحادية عشرة يحفر خندقا صغيرا يدخله

للحقل ويسرق رمانتين فقط يوميا وحتى قشورها تختفي فهذا ليس لصا ولا

عقل فتى طبيعي في ذاك السن يوصله لتلك الطريقة , ولم يرى فيه مطر

سوا أنه شيء يجب أن يُترك هكذا للمستقبل فسيكون رجلا يستحق

إعطاء فرصة له بدلا من زجه الآن في السجن وتدمير ذاك

المستقبل خاصة وأنه ابن ذاك الرجل ( شاهر كنعان ) تحديدا

*

*

أصابع نحيلة مجعدة بالكاد تمسك بتلك العصا التي تسندها

على الأرض وبقع بنية متفرقة على ذالكم الساعدان المكشوفان

من كمين لفستان رفعا للأعلى قليلا , تتنهد بين الفينة والأخرى

وعيناها الشبه مغمضتين تنظران لأوراق تلك الشجرة التي بدأت

تورق بسرعة وكأنها تسابق الربيع , لازالت تملك ذاك السواد

القاتم رغم مرور السنين على هذا الجسد إلا أنها عينان سوداء

واسعة تعرف حسنها في صباها دون أن تسأل عنه , وكيف لا

وهي تنتسب لهذه القبائل الجنوبية وكيف إن كانت والدتها تنحدر

من قبائل إزميم من جهة الأم , أنزلت نظرها للطبق المصنوع

من السعف الموضوع أمامها يحوي تمرا وكوبا من حليب المعز

ثم قالت بصوت مرتفع منادية لأحدهم من بعيد ” روحاء تعالي

الذباب شبع من الحليب , ألم أقل خذيه لا أشتهيه ”

لتخرج من أحد أبواب الغرف الطينية في ذاك المنزل القديم امرأة

تظهر من خلف تلك النخلة الصغيرة المغروسة وسطه وهي تنزل

فستانها الطويل المصنوع من الكتان بعدما فتحت ربطته التي كانت

ترفعه بها للأعلى كي لا يعيق طوله حركتها وهي تعمل وقالت وهي

تسرع بخطوات مَصدرها شبشبها المصنوع من الجلد الصناعي

” قادمة يا أمي ”

لتصل لها في ظرف ثواني وجلست أمامها وشربت ذاك الكوب

دفعة واحدة ومسحت فمها بظهر كفها ثم مسحته في فستانها وكأنها

تحكي حكاية من حكايات تلك المدن القديمة وبساطة عيش أهلها

تخللت ملامحها ابتسامة صغيرة وهي تقول ” لم أترك له شيئا ”

لتعقب الجالسة أمامها بشيء من السخرية ” من ؟؟ زوجك ”

لتجعل تلك الابتسامة تموت في مهدها فهي تدرك أنه لم يكن

محض سؤال عادي ولا مزاح فلا تجلب والدتها سيرته إلا لتنتقد

حياتها معه فقالت مغيرة مجرى الحديث ” لم أصطد تيم اليوم في

الشارع لأعطيه نصيبه من الخبز ونجح في الهروب مني ”

تنهدت الجالسة أمامها تقبض بوهن على عصاها التي رافقتها لسنين

وقالت ” جميعهم سيحملون إثم ذاك الفتى , وزوجك واحد منهم

وأخشى أن عقاب الله سيكون في الدنيا قبل الآخرة وعلي يديه ”

تنهدت روحاء بقلة حيلة فها قد ساقت نفسها لموضوع زوجها

مجددا رغم موافقتها لوالدتها في هذه النقطة بالتحديد وهوا الفتى

اليتيم ( تيم ) وما يلقاه من عائلته , وقفت ورفعت طبق السعف

من أمام والدتها وتحركت بخطوات بطيئة فأوقفها صوتها قائلة

” عندما يرجع زوجك ليلا أخبريه أن يرسل في طلب ضرغام ”

فوقفت مكانها والتفتت لوالدتها بنظرة مصدومة وقالت

” وما تريديه من ضرغام يا أمي ؟ ”

وقفت هي الأخرى ليظهر انحناء ظهرها وتحركت بخطوات بطيئة

مستندة على عصاها لتصل لأحد الغرف وقالت قبل أن تدخلها

” أريد مغادرة الجنوب وسأدخل لمدن صنوان ولن أرجع ”

ليقع الطبق من يديها وتتدحرج حبات التمر منتشرة أمامها من

هول ما سمعت وما قررت والدتها

المخرج
بقلم الغالية : lulu moon

ظلمة ايام حياتي كليلك يا وطني
ولم يزينها سوى اهلي ..
فابيx قمري وأخواتي نجومي ..
وزادها بهاء معنى اسمي ..
رحماك رحماك ربي….
لمن شرف في الحياة اعطوني ..
رحماك لأمي….
رحماك لوطني…
رحماك لكل شهداء بلدي …
مع تحياتي الحارة
لولو😘

نهاية الفصل الرابع

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الخامس

أشكر الأخوات الغاليات الهرة . بنت ليبيا . أم فهد الفهد . دفء المشاعر . همس الأمومة . ابتسامة بغداد . one million. خربشات بقلم واحد . دودي المزيونة . mee4 . شكرا على تشجيعكم لي وأعتذر عن تأخري ,,, والشكر كل الشكر لحبيبتي الغالية لمارا على مجهودها معايا ومعاكم الله لا يحرمنا منها

المدخل
بقلم الغالية : lulu moon
قال:أحبك يا نور القلب والعيون…
وحياتي دونك أبدا لن تكون…

فسال الدمع على الوجنات ومن العيون..
وله قالت أبدا ستكون..
ليس حبا ولا رغبتها به تكون…
لكن جميل لقلبه العاشق المجنون ..

لأناملها الرقيقة راقب وتمنى بد لها أن يكون..
في مسح الدمع وإعادة إشراقة تلك العيون …

تهور!!!نعم يعرف …
ولألم قلبه يدرك …
وكونها مجبرة؟!أيضا يدرك..
لكن تخيل البعد أمر مقرف …

سار بالخطى .. واحد وإثنان …والعين تراقب ليل الغسق المنان ..
وبالقرب من ليلها .. الذي عشق منذ كان …
وحرم من رؤياه بأمر المنان…
ها هو يقف هنا الآن …
متجاوزا كل الأعراف والأديان..
ولوجنتاها يحتضن بأمان .. بقربها دوما لقلبه أمان..
وزاد من الجنون أميال…
وأنحنى ع الجبين مودعا كل الآمال ..
وأمله بقلبها الصغير الذي كان ولا يزال … مغرم بهم كأل…
ورسالته على الجبين وصلت .. وأن لقلبه من الراحة أن ينال ..
نظرة الوداع تكفيه ألما .. إذا استدار دونها مودعا كل الآمال…
لحقت به الخطى…
ويا ليتها كالذي بالبعد بقى …
نادته بقلبها المحب:كن لي عونا يا رفيق الدرب …فأنت أخي وهذا ما أحب …
استدار وعتاب عيناه يهفو:أحبك….وغير هذا في قلبي أبدا ما كان …محترم لقلبك وما يحمل من إمتنان ..لكن قلبي عنيد يأبى الإبتعاد بأمان…إذا بأمل في الغد أنا طمعان..

انحنى قلبها قبل الحس :انتظرني.. فربما ما في القلب سينام د.. وأخي ستتحول إلى زوجي حبيبي كما تتمنى الآن ..
إبتسم بأمل وحنان …
إبتسمت بألم وإمتنان…
وشتان بين موقع الحرف في الكلام ..
فما نصيبك غسق الليل من حرف منان؟!!!!

*******

نظر بضيق وعتب وخيبة أمل للواقفة بجانه وهو يقبض بأصابعه

على الورقة المطوية في يده ويطرق باليد الأخرى باب الغرفة

قائلا ” غسق افتحي أو غضبت منك وذهبت للحدود ”

ولا مجيب ككل مرة فمنذ أكثر من ربع ساعة وهو على هذا

الحال واقفا يحاول إقناع التي تسجن نفسها في الداخل أن تفتح

الباب وبلا فائدة , هز رأسه وهو يزيد من قبضته على تلك

الرسالة التي أصبحت في يد الجميع وقال بصوت منخفض أغلبه

توبيخ ” عمتي هل أعجبك هذا الآن ؟ بأي حق تتدخلي في أمر

يخصها وحدها ”

قالت هامسة باستياء ” وما أدراني أنها من جبران ظننت أنـ … ”

وسكتت فجأة ليقول الواقف أمامها باستغراب ” ظننتها ماذا ؟ ”

تأففت وقالت ” أين ذهب والدك ؟ وحده من يمكنه إخراجها ”

عاد للطرق مجددا قائلا ” في الرجلاء فقد وصله خبر

عثورهم على خمس جثت هناك ”

وضعت يدها على فمها قائلة بصدمة ” ضننت أننا نسينا

هذه الأحداث من أكثر من عامين ”

أبعد يده بيأس عن الباب وقال مغادرا ” البَركة في البلبلة

التي أحدثها ابن شاهين والقادم مؤكد سيكون أكثر سوءا ”

وغادر نازلا السلالم وتركها واقفة هناك وحدها تنظر للباب بتأنيب

ضمير فلم تقسوا عليها إلا لمصلحتها , لا تريد أن يتزوجها رجل

يعيرها بأصلها المجهول , وتعلم أن أبناء شقيقها وحدهم من ستكون

مع أحدهم محمية من كل ذلك وخشيَت عليها من ابن خالتها الذي

اكتشفت رسائله لها فهو يُعرف بسوء لسانه وإن كان العيب الوحيد

فيه إلا أنه سيتحول لأكبر سيل من العيوب إن كان الذي سيواجهه

هي غسق , تنهدت بقلة حيلة وتوجهت لغرفتها تتمتم لنفسها بضيق

( لو تقلعين عن عادة سجن نفسك يا غسق وعن كتمك الأمور وتحمل

أضرارها فلِما لم تخبرني من قبل أنها وافقت على جبران ؟؟ هي لن

تتغير أبدا فكم تكتمت عن سوء معاملة زوجة شراع لها لسنوات حتى

كشف جبران الأمر ثم عن إحدى خالاتها وما تقول لها عن حقيقة

أصلها المجهول بعدما انكشفت الحقيقة للجميع , وغيرها الكثير والكثير

والآن وضعتني أنا محل اتهام من الجميع ولازال لي حصة كبيرة من

شراع ما أن يرجع لأنه خرج ونظرته لي تنذرني بسوء ما كتمه في

نفسه لأنه استعجل الخروج )

دخلت غرفتها وأخرجت الأوراق التي أخذتها من درج مكتب غسق

وعادت لباب الغرفة ودستهم لها من تحته وغادرت نازلة السلالم

وهي تعلم ما سيحل مشكلة غسق ومطمئنة ( مؤكد ما إن يرجع

شراع سيخرجها هذا إن عاد اليوم ولم تبات سجينة الغرفة بلا

طعام للغد أيضا وسيتضاعف لومه لي )

*

*

رفعت عيناها من على مسبحتها لتتدلى خرزاتها تتبع بعضها وهي

تضعها في حجرها ببطء جالسة على السرير الذي يحتضن جسدها

أغلب ساعات النهار واستقبلت بابتسامة صاحب اليد التي دفعت باب

غرفتها ببطء ودخل يرتدي معطفا خريفيا يناسب الطقس الحالي وصل

طوله لما يقارب ركبتيه بعمامته الداكنة تحتضن وجهه لتزيد من دكون

لون عينيه وحدتها بل لتبرز لمعان شعر لحيته ومنابت شعره لتصف

زعيم تلك القبائل في الصورة التي لا يعرفه فيها سوى المحاربين في

حدود مناطقه , حاجبين مستقيمان يحفان تلك العينين بسبب النظرة

المقتضبة القوية المسيطرة , وصل عندها ومرر يده وأصابعه

الطويلة على رأسها قبل أن ينحني ويقبّله فرفعت نظرها له ما

أن وصلها صوته الجاد المبحوح قائلا ” قالت جوزاء أنك

تريدين رؤيتي ”

قالت ناظرة له ” نعم ويبدوا أنك مستعجل فأين بعمامتك

هل ستوسع الحدود مجددا ؟ ”

دس يده في جيب معطفه وسافر بنظره للنافذة الواسعة المفتوحة

فأكثر ما يكره سؤاله عما سيفعل وما يريد وفيما يفكر ويكره أكثر

الإجابة عليه لكنه تنهد ونظره لازال يعانق السحب البيضاء التي

أخفت الشمس وقال ببرود ” لمناطق التدريب ”

فهزت رأسها بحسنا وقالت ” أريد أن ترسل من يتقصى لي عن

أمر العجوز عُزيزَة التي كانت تُوَلد النساء في الماضي في قرية

حَجور, لقد سألت عنها وعلمت أنها لازالت هناك لكن يبدوا

أن منزلها تغير فأريد أن ترسل من يأتي بها دون أن تعلم أين

أو زرها بنفسك واسألها ما أنجبت أميمه غزير لديها فتاة أم

مولودا ذكرا ؟ فوحدك من ستنطق أمامه ”

نظر لها دون كلام لتفهم استغرابه للأمر فقالت ” لأمر

مهم قد أطلعك عليه يوما لكن ليس الآن ”

بمجرد أن أنهت حديثها استدار مغادرا بخطوات ثابتة بطيئة

حتى وصل الباب وتخللت أصابعه الطويلة مقبضه وقال وهوا

يخرج ساحبا له خلفه ” أعطني بعض الوقت حتى نحسم

أمر ديجور أولا ”

*

*

ما أن تناصف الليل وتيقنت من دخول شقيقها كاسر غرفته

وتيقنت أن والدها لن يرجع اليوم أما عمتها فمن عادتها النوم

مبكرا فما أن تصلي العشاء تنام وتستيقظ قبيل الفجر بوقت

فتحت باب غرفتها وخرجت منه ونزلت للأسفل حيث الهاتف

الوحيد في هذا المنزل وكل ما تخشاه انقطاع الكهرباء في هذا

الوقت ليس لأجل الرؤية لأن المنزل كان شبه مظلم فقد تعلّم

أهالي هذه البلاد أن يوفروا قدر الإمكان وقت عدم احتياجهم

لها لكن ما كانت تخشاه أن تنقطع الإتصالات بإ
نقطاع الكهرباء

ولن تستطيع التحدث به , نزلت السلالم ببطء ويصل لمسامعها

صوت المذياع المرتفع الذي يخرج من جهة غرفة شقيقها كاسر

والحوار فيه في أوجه عن طلب زعيم الحالك مقابلا للعمران وتأخر

رد الهازان والاحتمالات المطروحة أمامهم وموقفهم وتداعيات أي

خيار قد يختاروه من طلب ابن شاهين , وكادت أن تجلس على عتبات

السلالم تستمع لهم وتنسى ما جاءت من أجله لولا أنها هزت رأسها

وأبعدت سمعها وتفكيرها عما يقال هناك وتمتمت وهي تخطوا

جهة الهاتف مسرعة ” منذ متى كانت هذه الأمور من

اهتماماتك يا غسق !! تبا لك توقفي عن هذا ”

وما أن وصلت حيت الهاتف حتى جلست بجانبه ووضعته في

حضنها ورفعت السماعة واتصلت فورا بمنزل خالتها وطال

انتظارها وكلما انقطع الاتصال ولم يجب أحد أعادت المحاولة

مجددا حتى أجاب عليها الصوت الرجولي قائلا

” مرحبا من معي ”

فبلعت ريقها وعيناها تجولان بين ممرات الطابق بتوتر ( سحقا هذا

وثّاب ما الذي جعله يجيب الآن ؟ بل ظننته ليس هناك في مدينتهم )

أعاد السؤال مجددا فحمحمت وقالت ” أنا غسق أعطني جليلة ”

وصلها حينها صوته مسرورا ” غسق !! ليلة سعيدة

هذه التي عادت بي للمنزل وللمدينة ”

تنهدت بضيق تمط شفتيها ثم قالت ونظرها على ممر غرفة

كاسر ” توقف عن هذا واعتبرني جليلة هل ترضى

أن يخاطبها أحد أخوتي هكذا ”

قال من فوره ” لكنك تعلمين أني أحـ … ”

قاطعته بضيق ” وثّاب اقسم أن أمرك سيصل لأبي وأخوتي

إن لم تسكت الآن ”

تأفف حينها وقال ببرود ” انتظري لأناديها لك ”

وسمعت بعدها خطواته المبتعدة فتنهدت براحة ويدها على صدرها

فلم تتخيل أن تجد القوة لتصده هكذا فكم تهربت من لقائه وجها

لوجه عند أي مناسبة تذهب فيها لمدينة عائلة والدتها ولم تتخيل

أن يكون هوا من سيجيب عليها الآن , بعد قليل وصلها صوت

ابنة خالتها قائلة ” مرحبا غسق ”

فقالت من فورها وبضيق ” لما لم تخبريني حين اتصلت المرة

السابقة أن شقيقك سيكون معكم هذا الأسبوع ”

قالت تلك ضاحكة ” ولا نحن نعلم بمجيئه , مفاجئة

سارة أليس كذلك ”

تأففت وهمست ونظرها على ذاك الممر ” أخبريني ماذا حدث

بشأن ذهابك لقريبة تَوْز لكي أتحدث مع والدي ”

قالت جليلة بشيء من القلق ” غسق أخاف أن نتسبب بمشاكل وإن

حدث لك شيء وأنتي تعبرين تلك الحدود فلن يرحمني أحد ”

تنهدت بضيق فهي مهما حاولت إقناعها والشرح لها لا تزال خائفة

قالت بذات الهمس ” كم مرة سأشرح لك يا جليلة سأذهب لزيارة

تلك العجوز وأرجع لن يلحظ أحد شيئا ”

قالت في محاولة جديدة لردعها عما تفكر فيه ” لا أعلم كيف

تبسطين الأمر هكذا يا غسق ؟ تذكّري أنك ستتسللين لمناطقهم التي

يحرسها رجال قبائل الحالك من جانب ورجالنا من الجانب الآخر

لتعبري منها ذهابا وإيابا أي أن فرصة نجاتك منهم صفر ”

قبضت على سماعة الهاتف بيدها بقوة وقالت بتصميم ” بل سأذهب

وسأدخل هناك وأصل لتلك العجوز , فأخبريني كيف يتسلل البعض

دائما ؟ ثم لا أحد يمكنه تأمين كل شبر في حدوده ولا خوف من أن

يمسك رجال والدي بي فإخوتي هناك أما رجال الحالك سأعرف

كيف أعبر منهم المهم الآن أن أصل للحدود ولا حل غير الذهاب

معك في زيارتك لجدتك فهي وحيدة وتنسى ولن تلحظ شيئا ”

تنهدت جليلة باستسلام وقالت ” أمري لله رغم أني أعلم العواقب إن لم

ترجعي , ولستِ توافقين على أخذي معك كي نواجه نفس المصير , المهم

أن الزيارة تأجلت ويبدوا لوقت بعيد قليلا , حاولت جهدي ولم أنجح فعليك

بالصبر أو أخبري والدك الآن وحين نكون مستعدين للذهاب

سأخبرك ”

قالت من فورها ” لن ينفع ذلك فعليا أن أتحدث معه قبل ذهابنا بيوم

أو اثنين كي لا يُقلِّب الأمر كثيرا ويشك بي ويمنعني فأنا أعرف

جيدا كيف يفكر , ثم عمتي ستكشفني بسرعة ”

نظرت بعدها للأعلى بريبة وتجمدت ملامحها وهي ترى الخطوات

التي تنزل السلالم فأغلقت السماعة من فورها ووقفت ناسية أن الهاتف

في حجرها فوقع أرضا مصدرا ضجيجا واضحا لحظة وصول عمتها

للأسفل فحملته بسرعة وتوتر ووضعته على الطاولة لتكتشف أن سماعته

التي تحاول من وقت وضعها في مكانها وتقع منها في كل مرة كانت

مقلوبة فوضعتها جيدا على صوت عمتها المستغرب قائلة

” غسق مع من تتحدثين هذا الوقت ؟ ”

سوت وقفتها وأنزلت رأسها وقالت ونظرها على أصابعها التي

تعبث بطرف بيجامتها ” كنت أتحدث مع جليلة ويمكنك التأكد

من الرقم المخزن ”

قالت الواقفة أمامها من فورها ” ما هذا يا غسق هل تضني

أني سأكذبك ؟ ”

لم تعلق ولازال نظرها على أصابعها الثلجية الرقيقة التي تبرم طرف بيجاتها

وتفتحه في حركة متكررة فتنهدت الواقفة تراقبها بتأني وتفحص من شعرها

المجموع في ضفيرة تتدلى على صدرها وقد وصلت لخاصرتها وبيجامة

من الكتان بيضاء اللون متناسبة مع جسدها الضئيل النحيل وكأنها خيطت له

خصيصا , ركزت نظراتها على عينيها التي تخفيها غرتها المقصوصة وقالت

” أنا استغربت فقط يا غسق وخفت أن مكروها أصاب أحد أبناء شقيقي ”

هزت رأسها بلا بقوة وتحركت مسرعة غير مصدقة أنها لم تسمع ما دار

بينهما فذاك وحده يكفي ليجعلها تفر بفرحتها هربا لكن يد عمتها كانت

أسرع لها وأمسكت برسغها وأوقفتها مكانها وقالت بهدوء ” تعالي

اجلسي يا غسق لنتحدث قليلا ”

أنزلت رأسها للأسفل أكثر وقالت بصوتها الناعم المنخفض

” إن كان حديثا طويلا فلنتركه للغد لأني أشعر بالنعاس ”

تركت يدها من فورها وقالت ببعض اللوم ” غاضبة مني لهذا الحد يا

غسق ولم تعد أحاديثي التي تعشقي منذ طفولتك تهمك ؟ ”

رفعت رأسها من فورها لتبتعد خصلات غرتها معانقة لطرفي وجهها

كاشفة عن بحر عينيها الأسود الهادئ الذي تلألأت مياهه في ظلام المكان

وقالت من فورها ” لا عمتي ليس هذا ماأقصد فأنا لم ولن أنسى كل ما

فعلتيه من أجلي لكني حقا أشعر بالنعاس ”

أمسكت يدها مجددا ساحبة لها معها للأريكة الطويلة بقماشها البني الغامق

الذي تحول لما يقارب الأسود بسبب النور الخفيف وطغي الظلام على

المكان , وقالت وهي تجلس وتُجلسها أمامها ” لن يطول بنيتي ”

ثم تابعت وقد حضنت كفها الصغير الرقيق بين كفيها الأكبر حجما منه رغم

صغرهما ” غسق أعلم أن تصرفي كان خاطئا لكنه من خوفي عليك بنيتي فلا

أريد لابن خالتك ولا غيره أن يهينك بسبب جهله لعائلة والدك ونسبك , وأبناء

أخي شراع وحدهم من لن يفعلونها فكيف إن كان جبران أكبرهم وأعقلهم

وأكثرهم حكمة واتزانا , بل وهياما بك ”

أنزلت رأسها بسرعة تحجب ملامحها عنها ليس لتحاول إخفاء حيائها من

كلماتها ولا هربا من نظراتها المتفحصة لردة فعلها بل لعض شفتها بقوة في

حركتها المعتادة منذ طفولتها حين يكون لديها كلاما لا تريد قوله , امتدت

أصابعها لذقنها وأمسكته ورفعت لها وجهها ببطء لتحرر تلك شفتيها سريعا

كي لا تراها لكن الجالسة أمامها قالت مبتسمة وهي تبعد يدها ” قولي ما لديك

يا غسق فقد فجرتِ الدم في لون شفتك وقد فاتك أنها تشبه حبة الكرز عطبُها

يخرج لونها أكثر , أو أنك نسيتِ أني أعرفك منذ كنتِ ابنة العشر سنين ”

عادت للهرب من نظراتها وخرج صوتها وقد طغى على رقته وهدوئه نبرة

الأسى والخذلان قائلة بحزن ” كل شيء نسيته عمتي ولم أحمل في قلبي منه

لكن مناداتك لي بابنة أميمه بدلا من ابنة شقيقي لازالت تنحرني حتى الآن ”

ضمتها لحضنها فورا وقالت بحنان ” سامحيني بنيتي الخطأ كان خطئي

من البداية يا غسق ”

قالت وقد دفنت وجهها في صدرها ” وليس لأني وافقت على جبران ؟ ”

أبعدتها عنها وقالت بجدية ” مهما حدث يا غسق فقلبي كان سيأنبني عليك

فحتى الأم تغضب من ابنتها وقلبها لا يحمل ناحيتها شيئا ”

امتلأ بحر عينيها القاتم بالدموع وقالت تمسك عبرتها ” لكنك كنت غاضبة

مني طوال الأشهر الماضية ومنذ غاب جبران عن المنزل ولم ترضي

إلا اليوم بعدما قرأتِ رسالته ”

مررت كفها على طرف وجه الجالسة أمامها تمسك دمعتها بصعوبة وقالت

بحزن ” كلما فكرت فيه وفي قلبه المكسور حز ذلك في خاطري يا غسق وأنا

أكثر من يعلم بعشقه المزروع في نخاع عظامه لك , وكم كان يقول لي سابقا

( نفذ الصبر مني يا عمتي وقلبي ينفطر ولا أحد يعلم بحالي ولا يرحمه )

ولم يرتاح له بال حتى أخبرك والدك شراع بحقيقة أنهم ليسوا أشقائك ”

قالت بعبرة وقد تدحرجت دمعتها الأولى تتلألأ في النور الخفيف ” هل سأسعده

عمتي ؟ هل حقا هوا يستحقني ؟ أنا خائفة عمتي خائفة عليه وليس على نفسي ”

مسحت بكفها على الخد الذي أشتعل احمرارا وقالت مكفكفة الدمعة الجديدة

التي لحقت سابقتها ” الزواج يبدأ بالعشرة الطيبة يا غسق والتي ستتحول

لمحبة وود وتراحم , وبدون هذه القاعدة لن ينجح أبدا صدقيني ”

قالت بشفاه مرتجفة وكلمات ناعمة مبحوحة ” كم أتمنى ذلك وأن

لا يكون الندم حليفنا ”

وقفت وأوقفتها معها قائلة ” نامي الآن وارتاحي ولا تشغلي نفسك بأمر

ستجديه فيما بعد لا يستحق كل هذا القلق والخوف ”

وسارت بها جهة السلالم لازالت تمسك يدها حتى وصلتا لغرفتها ودخلت معها

وأجلستها أمام المرآة وقالت وهي تفك لها ضفيرتها ” ألم يعدك كاسر برحلة

لجيروان في الربيع ؟ فاقتنصيه غدا ليأخذنا لها فهي أجمل مناطقنا في

هذا الموسم من العام ”

رفعت رأسها ونظرت لها فوقها وقالت ما انتظرت الفرصة طويلا لقوله

” ولما ليس توز فمن كثرة ما حكت لي عنها جليلة أصبحت أتمنى رؤيتها ”

أنزلت الواقفة فوقها رأسها ونظرت لها وقالت وهي تمشط بأناملها الحرير الطويل

الأسود الذي فكته ” وأنا سمعت عنها الكثير لكنها بعيدة وعند حدودنا الجنوبية

وقد تتحول لمنطقة خطر في أي وقت ولن يرضى والدك ولا جبران قبله ”

وقفت على طولها وأمسكت يدي الواقفة أمامها وقالت برجاء عميق

” عمتي أريد الذهاب , وجليلة ذاهبة نهاية الشهر قبل خروج الربيع

حيث منزل جدتها هناك , وأريد حقا زيارتها معها لتريني كل

ما حكت لي عنه فأقنعي والدي معي ”

قالت بابتسامة وهي تسحبها معها جهة السرير ” إن لم تقنعه مدللته

الصغيرة غسق فلن أنجح أنا لكني سأحاول بما أن أبنائه هناك دائما

وإن قريبا منها , وهيا للنوم أم طار النعاس ”

دخلت سريرها ونامت على وسادتها الناعمة ولم تكلف نفسها عناء شد اللحاف

على جسدها فقد أصبح منسدلا عليه ويدي الواقفة فوقها توصله لكتفيها كعادتهما

لأعوام ثم قبّلت جبينها وقالت ” تصبحين على خير بنيتي ونامي ولا تفكري

في شيء فالسهر سيء للصحة ”

ثم أطفأت نور الغرفة الخفيف وخرجت بهدوء مغلقة الباب خلفها على نظرات

النائمة على السرير وقد ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيها , فهي تحبها حقا

ومهما غضبت منها كانت ستسامحها وكم أسعدها أن تجاوزتا كل ذاك الصمت

والبرود الذي كان بينهما من أشهر , وأنها قامت بنصف المهمة وأقنعت عمتها

بذهابها للحدود دون أن تشك بها وبقي والدها فقط الذي إن قال كلمته فلن

يناقشه أحد , مررت يدها من تحت رأسها ورمت شعرها الطويل الحريري

للخلف ليتناثر مغطيا المكان خلفها فهكذا اعتادت أن تنام وكلما تقلبت ليلا

رمته بعيدا عن كتفيها وجسدها

*

*

تحت الظل الممتد بسبب أشجار البلوط الطويلة المصفوفة على طول الطريق

الترابي الذي يشق تلك القرية الحدودية البسيطة , قرية ( حجور ) التي اشتهرت

بحقول الرمان الشاسعة مكونة أحد القلوب النابضة لتلك الجهة من البلاد , يجلس

ذاك الجسد الصغير النحيل منحني الرأس تراقب عينيه الحادة يده المرتجفة التي

يحاول تثبيتها وهوا يقص حواف أظافره بسكين حلاقة قديم مكسور كي لا يلقى

توبيخا جديدا من معلمهم وهوا يفتش أظافر الطلاب , نفض يده بقوة وخرجت

منه أنة متألمة متأففة وقد جرح أصبعه الثالث بنفس الطريقة فوقف بعدما مسحه

في طرف سترته السوداء التي تغير لونها من كثرة ما غسلها ولبسها فلم يعرف

من سنتين ثيابا غيرهم بعدما ضاقت على ابن العائلة التي يعيش ووالدته معهم

ولم يعد بإمكانهم الانتفاع بها لما كانوا تصدقوا بها عليه , رفع حقيبته ووضعها

على كتفه وتحرك بمحاذاة الظل الطويل للأشجار فلا ينقصه أن يتأخر أيضا عن

المدرسة , سار لخطوات قليلة يضرب جذع كل شجرة يمر بها بالغصن الذي

يحمله في يده ويردد آيات السورة التي سيقوم الطلاب بتسميعها اليوم , ليوقف

ترتيله الصوت الرقيق الطفولي الذي نادى على مسافة من خلفه

” تيييييم ”

ليخرج منه تأففا طويلا وهوا يتابع سيره دون أن يقف أو يلتفت لصاحبة

الصوت التي وصلت عنده بخطواتها الصغيرة الراكضة تمسك يداها بقوة

بالحقيبة التي تحملها على ظهرها بفستانها الربيعي البسيط المكون من بلوزة

صفراء صغيرة كحجمها وسنها البالغ خمس سنوات ونيف فوقها فستان بحمالات

عريضة وصل طوله لركبتيها وشريطة زهرية تمسك بها شعرها بفوضوية من

يراها سيعلم فورا أنها هي من ربطتها بنفسها وطبعا لتتجنب توبيخ مدرساتها

لمنعهم الطالبات من ترك شعرهم مفتوحا كي لا يضايقهن , شعر بني وصل طوله

لكتفيها وغرة بسيطة تحف حاجبيها الرقيقان وعينان بنية واسعة وابتسامة مرحة

لم تقتلها أحزان الحياة بعد لأنها لم تعرف شيئا منها سوا عائلة عمها التي احتضنتها

صغيرة بعد وفاة والديها وإن كانت تعاني الإهمال منهم , ولم يعي عقلها الصغير

بعد أنهم ما قبلوا بها إلا من أجل ما ترث من مال ولم يمسكهم عنه سوا قوانين ابن

شاهين الصارمة في ميراث الأطفال حتى يبلغ الشاب وحتى تتزوج الفتاة , نظرت

له ليبدأ ما يعرفه جيدا ويهرب منه منذ الصباح وهوا السيل الهادر من الأسئلة

والحديث الذي لا يتوقف إلا بابتعاده عنها لأي سبب كان , قالت بابتسامتها

الجميلة ونظراتها معلقة بملامحه الجامدة وعينيه الحادتين ” لما لم تنتظرني ؟

كنت أبحث عنك في المنزل وفي غرفة والدتك ”

قال ببرود ونظره على الغصن في يده ضاربا به جذع الشجرة

” ولما عليك الذهاب معي ؟ طريق المدرسة تعرفيها لوحدك ”

قالت من فورها مبتسمة وكأن هذا الكلام الذي اعتادت سماعه منه في

كل وقت وفي أي شيء كلام ترحاب ووعود أصدقاء وليس بكل هذا

البرود ” أنا أريد الذهاب معك ”

وتابعت بعبوس ونظراتها على قديها الصغيرتان اللتان تغوصان في

التراب اللين تحتها ” وبلال والشريرين اللذان معه سيمسكون بي

وسيضربني ويأخذان طعامي مني إن كنت وحيدة ”

تجاهل كل ما قالت وما سمع وتابع ترتيله للسورة التي يحفظها منذ صباح

أمس ونظراتها لازالت تراقبه وهوا يقطع وريقات الغصن ونظره عليه

ويردد الآيات ويعيد فكل ما يعنيها أن تذهب معه فوجوده يشعرها بالأمان

فالمدعو بلال لن يستطيع أن يقترب منها وهي معه فجميع الأطفال يعلمون

أنه لا يخشى إلا تيم وأن تيم لا يتدخل في أي شيء يفعله بلال إلا إن

كان يخصه أو شخصا معه ولا أحد يرافقه في هذه القرية سوا

الطفلة ( ماريه )

بعد السير لمسافة لا بأس بها وصلا للطرف الآخر من القرية حيث تشبه طرفها

الأول بمنازل أغلبها طينية بسيطة ولم يدخل التطوير إلا على القليل منها , وعلى

هذا اعتادوا العيش واعتادوا أن لا يتذمروا من حالهم , وسائل النقل فيها تعتمد على

العربات التي تجرها البغال أكثر من اعتمادهم على السيارات فلا تراهم يتنقلون

داخلها إلا بها , وعبور السيارات فوق ذاك الطريق الترابي المصفوف بالأشجار

لا يكون إلا لعابري السبيل أو سيارات الجيش وحاملات الجنود عابرة من هناك

للمدن المجاورة المعدة لتجميعهم , وصلا لباب المدرسة حديثة البناء رغم بساطة

تجهيزاتها ليتوقف حديث الطفلة الذي لا ينتهي بالنسبة للصامت طوال الطريق

والذي لا يُتعب ولم ينتهي بالنسبة لتلك الشفاه الزهرية الصغيرة , وما أن دخلا

حتى افترقت عنه سائرة جهة مجموعة من الفتيات ممن في سنها ويقاربه

ولوحت له مبتعدة ” أراك لاحقا يا تيم ”

حيث تابع هوا سيره موليا ظهره لها ولم يجبها بشيء كعادته فهكذا عرفته

وهكذا اعتادوا عليه جميعهم , ابن شاهر هازان الذي يعيش مع والدته وسط

أحد مدن الحالك ليصفه كلا الجانبين بابن الخائن المنشق عن قبيلته

*

*

نزل من سيارته ضاربا بابها بقوة وتبعته أصوات أبواب لسيارات وقفت

بعده تباعا وسار بخطوات واسعة ثقيلة وهم خلفه تدوس أقدامهم وأحذيتهم

الجلدية الضخمة أزهار الأرض التي اختلطت بين البنفسجية والصفراء تخللها

بعض أزهار البابونج برائحتها الزكية لتحكي فصل الربيع في تلك الأراضي

التي غادرها ذاك الشتاء الماطر من فترة ليست قريبة , اقتربوا من أصوات

الرصاص المتفرق وبدأ يتضح لهم مدى كثافته شيئا فشيئا وقال أحد

السائرين خلفه ” يبدوا عددهم قليل سيدي ”

قال السائر أمامهم يضغط قبضته بقوة ” عشر رجال وخمس رشاشات

في كل جهة , وأي قتيل آخر سيزيد من تأزم الأمر أكثر فعلى هاتين

العائلتين أن تتوقفا فورا ”

وصلوا لمنزل كبير عائلتهم حيث يخرج منه صوت نواح النسوة باكيات وما

أن لمحهم أول الخارجين من الباب حتى عاد للداخل راكضا ووقف وسط

الجالسين وقال من فوره ” الزعيم ابن شاهين هنا ”

فهب الجميع واقفين لحظة ما دخل وستة من رجاله خلفه وما أن وقف

عند مدخل باب مجلسهم حتى رفع يده لهم وقال ” لا يرحب بي أحد

ولن تقبلني داركم حتى تقبلوا بوساطتي لحل ما أنتم فيه ”

قال من اختلطت لحيته القصيرة بالبياض وظهر عليه القوة وقيادة كلمتهم

” شأنك أكبر من أن تكون وسيطا يا زعيمنا لكن الدم دم وساخن

وما من أحد يسكت عنه ”

جال بنظره بينهم حتى وقع على شيخ كبير وقال مثبتا نظره على عينيه

المجعدة ” أفهم من هذا أني مرفوض من عند الباب ”

انتفض العجوز من فوره وقال بحدة ” خسئ وهوا ابني أن يفعلها

وصدر المكان لك وعتابه لنا ”

قال من فوره ” إذا أرسلوا من يوقف وابل الرصاص هذا حتى

نجد حلا للأمر ثم لكم ما تختارون ”

نظر لابنه الذي برزا فكيه من كتمه لغيظه واشتعال قلبه على ابنه الشاب

الذي فقده من ساعات بسبب مشاكل تافهة في نظر من هم في سنه , أخفض

ذاك رأسه وقال بكلمات جامدة ” غادر يا لبيب وأخبر أخوك وأبناء

عمك أن يرجعوا ”

فخرج المعني بالأمر من فوره ودخل مطر بخطواته الثابتة ومن معه وسلم

على الجميع وعزاهم في ابنهم وقد قبلوا عزائه في أول إشارة لرضاهم

بحكمه فقد رفضوا منذ ساعات الجمع الذي يقوم بحل مثل هذه المشاكل

في مدنهم ولم يقبلوا تعازي أحد حتى يبرد ثأرهم ويراق دما مقابل دم ابنهم

جلس ورجاله حوله وقال من فوره ” سنجتمع بأهل قاتل ابنكم ونفض

الخلاف كي لا نصير في عشرة بدل الواحد وعداء داخلي نحن

في غنى عنه في هذا الوقت ”

لم يعلق أحد رغم أنه لا بوادر رضا على ملامحهم حتى نطق أحد الجالسين

وكان رجلا فيما تجاوز الأربعين بقليل ” القاتل مختفي وأول ما سيقولونه

أنه فر خارج البلاد ويضيع دم ابننا كما حدث مع الكثيرين ”

خرجت كلمات ذاك الشيخ ذاته حازمة حادة مسكته له قائلا ” ليس

ابني وليس حفيدي ولا أعرفه من يناقشه وهوا في مجلسي وقد جاء

بنفسه فابلع لسانك في حلقك ”

سكت ذاك كاتما غيظه وقال مطر ” هل يرضيك أن تدفن غدا بدل

الواحد ثلاثة حتى إن قتلتم منهم ستة أو عشرة ”

لم يستطع أحد الرد ولو أن أعينهم تحكي الكثير فقال وهويجول بنظراته بينهم

” أعلم أن الجواب هوا أن يبكوا مثلكم وأن يتذوقوا مرارة الفقد لكنه ليس

حلا وسيجلب لقبيلتكم مصائب أنتم في غنى عنها وتتحول الطرق لمذابح

بينكم ولن ننتهي عند اليوم ولا الغد , وبعد أشهر قليلة لن يكون في

استطاعتك حتى أن تخرج من منزلك كي لا تصيبك رصاصة غدر ”

لم يعلق أحد فتابع قائلا ” ما علمته أن الخلاف كان على أرض في جنوب

ينبع وهي ملك لهم ومستأجرة منكم وأنكروا محصولها هذا العام ”

قال والد المقتول ” بالفعل وقد أخذوا أجارها من موسم الصيف الماضي ونحن

من قام بحرثها وزراعتها مع أراضينا وطالبوا الآن بنصف محصولها مدعين

أن الأجرة لم تكن كافية , وليلة أول أمس أحرقنا المحصول ولا أحد له فيه شيء

فالمحصول محصولنا وأحرقناه , لنفاجئ فجر اليوم بحرقهم لثلاث أراضي

لنا وحين اعترضنا طريقهم عن تدمير الأرض الرابعة قتلوا ابني أمام أعيننا ”

قال من فوره ” هل من صك أو شهود على اتفاقكم ”

قال والده ” رجلان من قبيلة صيغار ”

قال حينها مطر بصوت جهوري ميّزته تلك البحة الواضحة ملأ سكون

المكان وكأنه يُسمعه للذي في الداخل والخارج ” دم ابنهم مهدور ومباح

لكم ولغيركم وسأبعث من يبحث عنه , وقطعة الأرض ستكون لكم ملكا

وسيعوضونكم في محاصيلكم التي أحرقت فهل هذا الحكم يرضيكم ”

نظروا لبعضهم يتبادلون أحاديث صامتة وقال أحد الشباب الجالسين

” وهل سيوافقون على كل هذا وهم بخلوا بترك المحصول لنا ؟ ”

وقف مطر ليتبعه رجاله فورا ثم جميع الجالسين وقال بحزم ” سيرضون

إن بالطيب أو أكرهتهم على ذلك فالخسائر كانت من نصيبكم أرواحا

وأرزاق وعليهم أن يرضوا ”

قال كبيرهم ” وإن قُتل منهم شخص بسبب ما حدث قبل قليل ؟ ”

قال من فوره ” إذا دم بدم وتحررت رقبة القاتل والأرض

والتعويض من حقكم ”

نظر لمن حوله ثم له وقال ” رضينا بحكمك ويكفينا شرفا أن

خطت قدماك مجلسنا ”

خرج بعدها من عندهم ورجاله خلفه وقال ما أن وصلوا سياراتهم ” لينطلق

اثنان منكم ومعكم عشر رجال من أكابر قبيلتي للقبيلة الأخرى وأبلغهم بما

صدر مني وأن مجلسي سيستقبل الطرفين بعد ثلاث أيام وأن لا يضطروني

على إكراههم على ما حكمت به فلا أريد أن تنشب حربا بين اثنان من

أكبر القبائل هنا , وإن رفض أي طرف منهم إيقاف وابل الرصاص

قبل ثلاث أيام فواجهوهم بالنار ”

أشاروا له بالطاعة ففتح باب سيارته وركب وغادر وسيارتان تتبعانه

وواحدة غادرت شمالا من حيث جاءوا

*

*

مد له منديلا آخر واستمر المقابل له في السعال حتى أصبح يخرج متقطعا

وكأن روحه ستخرج فسنده وأجلسه على السرير الخشبي وقال ” جبران

ضع عقلك في رأسك وعد معي للمنزل لتحضا بعناية أفضل فعلى

هذا الحال ستموت ”

رمى المنديل في سلة المهملات وقال بصوت مبحوح ” أخبرتك أني

سأكون بخير وسيأخذ العلاج وقته كما يأخذ المرض وقته أيضا

ولن أرجع هناك الآن ”

تأفف الواقف فوقه ويداه وسط جسده فرفع رأسه له وقال ” هل جلبت

شيئا مهما أم قادم فقط لتصرعني بإرشاداتك ”

قال كاسر ببرود ” لا تتوقع الكثير فأنا لم أراها بعد وصولي أبدا وقد

بقيت سجينة غرفتها حتى خرجت فجرا ”

نظر له باستغراب وكل مخاوفه أن رسالته السبب لكن كاسر بادر قائلا ما

أن لاحظ الوجوم على وجه شقيقه المتعب ” عمتك سببت لها مشكلة وأخذت

الورقة منها ولست أعلم ما كانت تظن بها وأخبرها عقلها , وحين اكتشفت

أنها منك كانت غسق سجينة غرفتها ورفضت الخروج والتحدث مع

أحد ووالدي غادر صباحا بعد محاولة واحدة فاشلة ”

عاد للسعال مجددا وبعدما هدأ قال بتنفس متقطع ” سترضى بسرعة

أعرفها لا أنقى من قلبها , وأنت ما أعادك كل هذه المسافة وأنت

غادرت فجر أمس ”

نظر جهة النافذة المفتوحة حيث التدريبات الصباحية لجنود حدودهم وقال

” هل نسيت أن مهلة ابن شاهين للهازان ستنتهي نهاية هذا الأسبوع والعمران

داخل حدودنا ولا أحد يتكهن بما يفكر فيه ذاك الرجل , لذلك طلب مني والدي

أن أكون مع الدعم والجنود وأن أرى رعد بما أن رمّاح انفصل عنه عند

قيروا وأنت هنا , أما تخوم العمران ففيها رعد فقط لذلك طلب أن نزيد من

عدد الجنود هناك ففكرت أن أراك في طريقي وسأرجع للمنزل غدا فجرا ”

اتكأ على السرير وقال ” إذا لا تُقلقهم عليا وأخبرهم أني بخير , ولا

أريد أن أرى والدي هنا بعد يومين يا كاسر مفهوم ”

تنهد ذاك بيأس وقال مغادرا ” ما أنا متأكد منه أني سأكون الملام الوحيد

ومن الجميع إن حدث لك شيء وتطورت حالتك ”

وغادر من هناك تاركا خلفه عينان راقبته حتى خرج وتمتم صاحبهما

” لا أقسى من مرض الشوق إلا مرض الحرمان يا شقيقي وكلاهما أشد من

مرضي هذا فبقائي سيكون أفضل لي حتى يحين الوقت الذي حدّدته بنفسها ”

*

*

نزلت السلالم تحاول ترتيب ياقة فستانها العريضة بحيث لا يشدها شعرها

للأعلى وكان هذا أكثر ما يضايقها فيه وتعلم أنه لن يرضى لها أحد بقصه

لكانت على الأقل تخلصت من جزء منه , وصلت للصالون الواسع الذي

حوا مالا يقل عن عشرة نسوة عمتها أحداهن في اجتماعات اعتادها هذا

المنزل , فهوا يمر بفترات لا يتوقف فيها عن استقبال نساء بعض كبار

رجال قبائلهم , وكما هوا متعارف لدى الجميع أن منزل زعيم القبيلة كما

يستقبل رجالها تأتيه وفود نسائها وكما تؤخذ الكلمة فيه من مجالسه فبعض

الأمور قد تتكفل بها الأم والزوجة والشقيقة وحتى الابنة , وقد كانت عمتها

تصر على حضورها لأغلب هذه التجمعات ولتتعلم كيف تقابل جميع مطالبهم

وما عليها أخذه منها فيما بعد ومناقشته مع والدها شراع وما عليهم تركه , فقد

حرصت عمتها كثيرا على حضورها معها لسنوات مضت وألزمتها حضور

جلساتها مع شقيقها شراع ومناقشتهما , وخلال السنتين الأخيرتين بعد اكتشافها

حقيقة أنها ليست ابنة هذه العائلة وليس شراع صنوان سوا زوج والدتها أصبح

حضورها لاجتماعاتهم يقل وينحصر تدريجيا وتضيق مدة بقائها فيه لأنها

كرهت أن ترى ذلك في نظراتهم حتى إن كانت مجرد وهم يصوره لها عقلها

عند البعض منهن , وعمتها احترمت ذلك ولم تتطرق للحديث مع شقيقها عن

الأمر بطلب من غسق كي لا ترى نظرة اللوم في عينيه والتوبيخ في كلماته

وهوا يذكرها بأنه شهد لوالدتها أمام الجميع وبأنها ابنة شرعية وما كان لزعيم

قبيلة أن يتزوج بامرأة عبثت بشرفها وسمعة قبيلتها , وقفن جميع الموجودات

عدى عمتها طبعا وسلمت عليهن بالواحدة وعلى ثغرها الجميل ابتسامة رقيقة

وبكلمات ترحاب شبه هامسة لا تسمعها غير المعنية بها كعادتها , ثم اتخذت

مكانا منفردا وجلست فيه , فلسن الموجودات من سنها ولا يليق أن تناقشهن

حتى إن كان لها رأي خاص فهكذا كانت العادات والأصول فالحديث في هذه

الاجتماعات لزوجة زعيم قبيلة ووالدته وشقيقته إلا في حال كان لا أحد له

سوا تلك الابنة , كانت أحاديثهن تمتعها أكثر من أحاديث أشقائها ووالدهم بعد

اجتماعهم برجال القبيلة لأنها لا تخلوا من ذكر الحروب والنزاعات وتناقل

أخبار الدماء في البلاد , كانت تدقق على كل ما يقال وتحب ملاحظة الفوارق

في الأفكار وأساليب طرح الرأي ولازال على ثغرها الصغير الجميل تلك

الابتسامة الحريرية الجميلة التي تزيد من لفت نظر أغلبهن لها وأعينهن لا

تفارقها كلما سمحت لهن الفرصة , وهؤلاء النسوة وبسبب مراكز رجالهم في

القبائل يتمتعن باللباقة في الحديث وحسن الإنصات وترك المجال لمن تتحدث

ويستمع لها الباقيات , حيث لا يتسم مجلسهم بالفوضى التي تُعرف عادةً في

مجالس النساء وهذا أول ما حرصت عمتها أن تعلمه لها .. الاستماع إن تحدث

أحدهم والصمت إن قاطعها حتى ينهي كلامه وعدم مقاطعته , حين خفت موجة

الأحاديث وبدأ يغلب عليها الصمت بعض الفترات نظرت لعمتها فورا ففهمت

تلك نظرتها وقالت مبتسمة ” غسق لا تنسي ما طلب منك والدك من أجل مكتبه ”

لتبادلها الابتسامة وقد أومأت لها برأسها إيجابا ووقفت معتذرة بكلمات منخفضة

لكنها كانت مسموعة بوضوح من الأعين المحدقة بها بصمت وهي تغادر وقالت

أول من شعرت بابتعادها ” ألا يفكر شقيقك في تزويج هذه الحسناء الجميلة ”

وجاء جواب شقيقته سريعا وقالت بابتسامة واسعة ” بالتأكيد سيفكر في

تزويجها وأبنائه ثلاث شباب عدا شقيقها , ثم هي لم تدخل

العشرين بعد ولا تزال صغيرة ”

قالت مبادلة لها الابتسامة ” بالتأكيد , أنا فقط أردت التأكد مما سمعت

وأنه الزعيم شراع قرر تزويجها لأحد أبنائه لأجد جوابا لأسئلة كثيرة

تردني عن فكرة إن كان والدها يسمح بخطبتها ”

قالت المجاورة لها بذات ابتسامتها الواثقة ” إذا الجواب جاهز

وابنته لابنه ولن يستحقها أفضل منه ”

أما المعنية بكل ذاك الحديث فما كان يشغلها أكبر بكثير وبعيد عن أفكارهم

وتساؤلاتهم وهي تدخل مكتب والدها الذي اعتادت أن تقضي فيه ساعات طويلة

تقرأ الكتب الكثيرة المصفوفة في الأرفف التي تطوق مكتبه قد جُمعت على امتداد

أعوام وأجيال , وكانت تلتهم تلك الكتب التهاما وتحفظ أماكن أغلبها إذا ما استثنينا

كتب التاريخ التي لم تكن تقربها , فقط لأنها في نظرها تتحدث عن الحروب وعن

الموت لذلك تبغضها أما البقية فلم تترك شيئا لم تتطلع عليه السياسة الأدب الشعر

وحتى الاقتصاد وكان والدها وشقيقها رمّاح يجيبان على جميع تساؤلاتها حول أي

شيء لم تفهمه فأكثر من كان يشاركها هذا المكان هوا رمّاح وعلى الرغم من أنها

تطّلع على كل هذه الأمور لم يعتادوا أن تناقشهم فيها , لكن دخولها اليوم كان لأمر

مختلف تماما فلم تشدها تلك الكتب كالمغناطيس كعادتها ولم تفكر وخطواتها تقترب

من هذا المكان ماذا ستقرأ اليوم وعن ماذا بل كانت وجهتها مكان آخر تماما وهي

تغلق باب المكتب وتتوجه للّوحة البيضاء المثبتة على أحد الجدران بما أن عمتها

مشغولة حاليا ووالدها وجميع أخوتها خارج المدينة , سحبت الكرسي ووقف فوقه

وشدت الحلقة المتدلية من الخيط الأبيض المبروم لتنزل الخارطة الكبيرة مغطية

تلك اللوحة الضوئية ثم ثبتت الحلقة في مكانها ونزلت من الكرسي وأخرجت ورقة

وقلما اعتادت أن تجده هنا مكانه ولا أحد يلمسه مثلما اعتادوا وجود الخطوط التي

تتركها في بعض أسطر الكتب لتسألهم عنها , ورغم أهمية مكتبتهم وما تحوي لا

أحد يزعج مدللتهم الجميلة حين يتعلق الأمر بشيء تعشقه وتجد فيه التسلية وقت

وحدتها وفراغها , وقفت أمام اللوحة وشغلت الإضاءة لتظهر معالم الخريطة

بوضوح تام , خريطة بلادها التي تنهدت بأسى ما أن رأت الخطوط العريضة

المتعرجة التي تقسمها لثلاث أجزاء ( شرق وغرب وجنوب ) بحثت بنظرها

فورا في خط حدودهم الجنوبية مع شمال الجزء الجنوبي حيث قبائل الحالك حتى

وقع نظرها على ما تبحث عنه وهي قرية توز من جهتهم ومقابلا لها قرية حجور

في الجانب الآخر تماما لا يفصلهما إلا حدود وهمية صنعتها الحروب والدماء .

بدأت تدون في ورقتها كل ما كان إشارة بين القريتين من حيث المساحة بينهما

وتكتل جنود والدها وجنود الحالك من جانبهم والثغر المفتوحة التي تأخذ علامة

اكس حمراء , ولم تترك شيئا لم تكتبه في خارطتها المصغرة تلك على الورقة

حتى مبنى مقر الجنود , ثم دستها في جيبها وأعادت قلمها مكانه والخارطة مكانها

وأخرجت لها كتابا وجلست تقرأ فيه وتلك الورقة داخله تريد حفظها عن ظهر

قلب قبل أن تكون هناك فهذه وسيلتها الوحيدة لتدخل حدودهم وتخرج منها

عائدة لتوز دون أن يمسك بها أحد

المخرج ~

بقلم الغالية : نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء

ما معنى الغسـقْ؟
معناه سحـرٌ حالكٌ ..ولهُ الـقْ..
معناه لونٌ اسودٌ سـدَ الافـقْ..
مامعنى الغسـقْ؟
معناه في قاموسنا ان يتسـقْ..!
كل الجمال معانقاً وهج الشـفقْ..
ما معنى الغسـقْ؟
معناه بوحُ العاشقين بما يجدُ ويُختـلقْ..
وقد يشوبُ عيـونهم بعض الارقْ..
ما معنى الغسـقْ؟
معناهُ شـوقٌ وحنينٌ وقلـقْ..
يغزو فؤاد متيـّم وله اخترقْ..
ما معنى الغسـقْ؟
معناه ان الليل ارخى سترهُ..سادَ الافـقْ..
وان سيرحلُ لا مفـرّ حين ينبلجُ الفلـقْ..
ذاكَ في قاموسـنا معنى الغسـقْ..

نهاية الفصل الخامس

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل السادس

مدخل~
بقلم الغالية : lulu moon

جاءت برد الينا جاءت
وبحلة جديدة كالبدرx إنارة
فبعد العاصفة والحصون
ومن قبلها أشباه ضلال و منازل القمر التي سبق أن هلت ..
تأتينا اليوم بالمطر المجنون …
وكم يوجد من تشابه بين جابر العاصفة و مطر المجنون ..
وأحببت غسقها كما أحببت من قبلها قمر المصون ..
ومتشوقه لها كما سبق أن عشقتx كتاباتها بجنون ..
فيا اهلا بالحامل والمحمول …
ولكن برد المشاعر سؤال عن الاسم يبقى سر مكنون.
على الرغم مما تعطي من دفء في الحرف الحنون …

هدية بسيطة لكي برد المشاعر .. اتمنى ان تنال اعجابك

” تيم ”

كان ذاك الصوت الغليظ الأجش الحازم الذي جعله يرفع رأسه من كتابه حيث

كانت تراقب عيناه الأسماء التي زينت حوافه القديمة فقد اعتاد أهالي المدن على

نقل الكتب بين أجيال أبنائهم كما اعتاد أولئك الأطفال كتابة أسمائهم على الهوامش

وكأنه يقول لمن سيستلمه بعده ( هذا الكتاب كان لي قبلك ) ونظراً لظروف تلك

البلاد وحال أهلها فقد كانت قوانين ابن شاهين صارمة على تعليم الأبناء فالذهاب

للمدرسة كان فرض واجب يحاسب عليه ذويهم حال التقصير فيه والكتاتيب ودور

تخفيض القرآن ألغيت بأمر منه كي لا يتخذها الناس بدائل ويقدموا أولويات أخرى

على تعليم أطفالهم وقد خُصص وقتا واسعا في المدارس لتحفيظهم القرآن مع تعلم

الكتابة والرياضيات والتاريخ والعلوم بنوعيها تسلسلا حسب سن الطلاب .

عاد ذاك الصوت الجامد والنظرة الباردة للحديث مجددا وقال بفظاظة

” اسرح في منزلكم أو في الشارع وليس هنا ”

ثبث نظره ونظرته الحادة على عيني من كان رحبا مع جميع الطلاب

ومبتسما إلا معه ولم يعلق , لم يقل اليوم درس تسميع فلما الانتباه وما

الضير إن سافر بتفكيره والطلاب يُسمّعون حفظهم وهوا منشغل معهم

فلمن سينتبه , قال ذاك وقد تحولت ملامحه للحدة ” كم مرة قلت لا

تنظر لي بهذه الطريقة وكأنك من سني ”

وبدلا من أن يخفض نظره للأسفل أشاح به جانبا , فليس من العدل

أن يعامله بما لم يعهده عليه بقية الطلاب وهوا لم يفعل شيئا ولم

يقصر في واجباته كطالب

” اقرأ هيا ”

تخللت تلك الكلمات الآمرة الغليظة مسمع الفتى ابن العشر سنين وكأنها

قطار مر بين أذنيه أخلفت طنينا لم يعد يسمع معه شيء وخرجت كلماته

مقتصرة جافة ” لم أحفظها ”

وكان ذلك الزر الذي ضغطه لينفجر الواقف فوق مقعده الصغير وكأنه

أعطاه مناه فنزلت يده الضخمة على الطاولة الصغيرة للمقعد وخرج

صوت صراخه الغاضب قائلا ” ولما تأتي وأنت لم تحفظ يا

حبيب والدتك ”

اكتفى الجالس تحته بالصمت والجمود عن أي ردة فعل بينما صرخ

الذي امتدت كرشه أمامه ” لست أعلم يرسلون أمثالك للمدرسة لماذا

ونكلف أنفسنا دفع وإهدار المال على أشكالك ”

لم يعلق الصغير الجالس ولم يزح عيناه ونظراته الحادة عن طرف طاولة

المقعد أمامه وكأن لسان حاله يقول ( ليس المال يدفع من جيبك أنت ) لكن

الجواب واحد ويعرفه ( لما يدفعون مالا على ابن الهازان ليدرس عندهم )

صرخ ذاك مجددا ” اقسم لولا أن ضرب الطلاب ممنوع لسلخت لك

قدميك حتى تعجز عن المشي عليها , قف غادر من أمام وجهي الآن ”

ليقف ذاك الجسد النحيل من فوره وخرج من مقعده متبعا ليس طريق الباب

بل مسار الأصبع الكبير الذي يشير له عليه وغادر من هناك مجتازا الممر

الضيق على صوت صفق ذاك للباب بقوة خلفه وسار متابعا طريقه يديه في

جيوبه لازال يحتفظ بتلك النظرة الباردة والملامح الجامدة حتى كان في ساحة

المدرسة الصغيرة الخالية , وأخذته قدماه فورا لخلف تلك الفصول الصغيرة

المتراصة وصعد فوق ذاك المبنى وجلس مكانه المعتاد حين يكون عليه مغادرة

المدرسة قبل الوقت المحدد لجميع الطلاب فيها فلا يريد أن يرجع مبكرا وتسأله

والدته المريضة عن سبب عودته , جلس في زاويته المعتادة حيث يلوح لنظره

من بعيد تلك الساحة الواسعة والمبنى مبهم المعالم ورجال بلباس الجيش يتدربون

لوقت طويل ويتحركون دون توقف , فهناك تكون نقطة تجمع جنود قبائل الحالك

على الحدود الشمالية حيث يفصلهم ما يقارب الخمس كيلوا مترات عن حدود صنوان

جلس محتضننا لساقيه ومثبتا ذقنه على ذراعه يراقب تدريبات الجنود على الرماية

ببعض الأسلحة الخفيفة والمتوسطة حيث دوي أصواتها أمر معتاد جدا في هذه القرية

وأشباهها من قرى الحدود كما رؤية الجنود وسياراتهم , وكحال أي طفل ما كان ليكل

أو يمل من مراقبتهم ففي أي أرض وأي مكان أحلام الفتية لا تتجاوز قيادة سيارة

والضرب بالأسلحة كما حلم كل طفلة أن تصبح كبيرة كوالدتها وتلبس كعبا عاليا

*

*

نظر للأجساد الشابة ببذلهم العسكرية وأذرعهم الصلبة تحضن أسلحتهم

لصدورهم يركضون بخطى ثابتة في مجموعات منتظمة تسير أمامه تباعا

يديه وسط جسده وعينيه تراقبان كل حركة لهم عاقدا بين حاجبيه مضيقا

لهما وقد لمع شعره الأسود تحت أشعة الشمس الربيعية الخفيفة لتنسج تناغما

بينه وبين لحيته السوداء المشذبة بعناية تحضن وجهه , يمسك بأكتاف بعضهم

من حين لآخر جاعلا ذلك قفزاتهم تشتد قوة وأعينهم تلتهب حماسا وعلى وقع

خطواتهم القوية على الأرض تخرج زفراتهم بوضوح في جيل نشئ ليدخل

حربا لا يعلم أين ستأخذه وإن كان سيفوز فيها أم لا

تحدث أحد الواقفين بجانبه من وقت محتفظين بصمتهم وقال بثبات

” هذه الدفعة تحتاج لثلاثة أشهر أخرى فقط وستكون جاهزة ”

قال مباشرة ونظره لازال عليهم ” بل ستدخل قتالا حقيقيا قريبا

وستستقبلون الدفعات الأخرى الجديدة ”

نظر له بصدمة وقبل أن يعلق أو يسال أسكته قائلا

” هذا أمر ”

تنفس بقوة ونظر للمتدربين على يديه وقال ” كثر عدد المتطوعين

للقتال بعد نصرنا في الردم والحويصاء والجميع متفائل بأن

الزحف عليهم سيستمر ”

تحرك حينها مطر وقال بصوت عال أبح وهوا يجتاز صفوفهم

المتحركة ” ستنتقلون للحويصاء وخسافة يا رجال ”

وتابع طريقه على صيحاتهم الحماسية الموحدة سائرا جهة المبنى المقابل لهم

داخل ذاك السور الواسع وعيناه تراقب الضلال التي ترك أصحابها خلفه لازالت

تتحرك تباعا ( سنوحد البلاد وسنأخذ المدن واحدة بعد الأخرى إن بالسلم أو الحرب

ولن أكون ابن شاهين ولن أرتاح حتى تصبح بلادا واحدة تتجه للمستقبل كغيرها

وليس يعنيني أن أكون رئيسا ولا حاكما فيها كما يدعي الهازان فحريتك ووحدتك

يا بلاد أجدادي هي الغرض ولن تضيع دمائهم التي سكبوها فوق ترابك يحاربون

الأعداء هذرا ولن أكون مطر ابن شاهين ابن الحالك إن لم أفعلها )

ما أن وصل المبنى ودخله حتى ركض أحدهم في الممر خلفه قائلا

” سيدي ”

وقف مكانه والتفت له فقال المتوجه نحوه بابتسامة واسعة ونفس لاهث

من الركض ” وافق الهازان على تسليم ديجور وبدئوا بإخلائها ”

لترتسم ابتسامة النصر على شفتيه ودار من فوره حتى وصل الغرفة

التي ما أن دخلها وقف له جميع من كانوا فيها وقد وجه نظره لأحدهم

وقال بحزم ” جهزوا عشر سيارات وحاملات جنود وسننتقل

للحدود الجديدة فورا ”

خرج ذاك من فوره منفذا الأوامر فوجه مطر نظره للبقية وقال ملقيا

باقي أوامره ” سنطوق العمران وريهوة الليلة وما أن نستلم ديجور

سندكهما دكا وننتزعهما سلما أو حربا بعدما يخلوهم ساكنيهما ”

ثم قال مغادرا الغرفة ” أريدكم أمامي في الحدود لنتم الخطة بإحكام ”

وغادر مخلفا خلفه أفواه فاغرة على وسعها مما سمعت , فهل أخذ الديجور

مقابلا للعمران ليسلبهم العمران أيضا وزيادة عليها ريهوة !! وديجور لن

تكون له إلا وقد سلموه ثبيران معها , وما كانت إلا دقائق وقد خرجوا

جميعهم منفذين للأوامر ليروا ما توقعوه وهي سيارات تحمل جنودهم

حديثي التدريب لينتقلوا لأرض المعركة التي ستحتدم مجددا خلال

أيام إن لم تكن ساعات

*

*

وبعد أربعة أيام تكتم فيها كل من كان في ذاك الاجتماع عن تحركاتهم وعن

مكان زعيمهم وقائدهم الدائم , وحشدوا الجنود والعتاد على حدود الحويصاء

وخسافة تحديدا في أمر ضل مبهما على الجميع حتى أعلنت الهازان عن فتحها

الممر لهم لديجور لأخذها وثبيران معها تحت مراقبة دولية عربية مقابل تخلي

ابن شاهين عن العمران النقطة المحورية التي خسارتها بالنسبة للهازان تعني

خسارات متتالية متفاقمة لذلك سلبتها من صنوان سابقا وبالقوة وغطت بعض

الدول عليها بحجة أن تلك المدينة تشكل ممرا حساسا للجزء الشرقي من البلاد

وأن تكون تحت سيطرة الهازان فذلك سيدرأ العديد من المشاكل المحتمة مستقبلا

وفي تلك الليلة السوداء المظلمة التي هجرها القمر ولا ضوء فيها سوا لسيارات

الجنود والكشافات اليدوية الكبيرة ولا أصوات إلا لحشرات الليل وحشرجة

الأغصان بسبب الأجساد التي تمر ملامسة لها وهمس رجال من أماكن متفاوتة

كان تجمع رجال الحالك في الحويصاء وخسافة بدلا من دخولهم لمدنهم الجديدة

التي تم تسليمها لهم وكله كان ضمن خطة محبوكة عملوا عليها لأربعة أيام

متتالية بلا نوم ولا انقطاع , وعند ساعات الفجر الأولى تم إدخال سيارات بأجساد

وهمية لديجور عن طريق ثبيران في حركة عشوائية لسيارات جنود وكما توقع

من وضع كل تلك الخطة شنت جيوش الهازان هجوما كاسحا على ديجور فورا

وكان الفخ الذي نصبوه لجنود الحالك الذين اعتقدوا أنهم دخلوا تلك المدينة وكان

مخطط الهازان شن هجوم كبير عليهم من داخل تلك المدينة وخارجها ومن ثم

وفي نفس الوقت الهجوم على الحويصاء والردم وإعادتهما منهم , وكانوا موقنين

من أن المراقبة العربية سلاح ضعيف جدا فلطالما فشلوا في حل أي شيء يخص

بلادهم وغيرها ولطالما كانوا فزاعة لا قدرة لها على شيء ولا اعتبار لها بدون

دعم غربي لذلك نقضوا الاتفاق , أما رجال الحالك في ذاك الوقت فكانوا يتسللون

كأرانب الليل للعمران وريهوة اللتان احتوتا على العدد الأقل من الجنود والكثير

من العتاد من أجل إكمال الخطة ليفاجَئوا بهجوم بدلا من أن يكونوا هم المهاجمين

وقد وقع جنودهم في ديجور بين فكي كماشة وقد سُلبت منهم العمران وريهوة في

طرفة عين وتعالى صراخ الجنود ودوي الرصاص والمدافع في مواجهة العدد القليل

الذي واجههم من الهازان بعد هروب الأغلبية بسبب المفاجأة ماعدا من دخلوا ديجور

وحوصروا فيها , ومن قاوم قُتل ومن استسلم كان أسيرا لتنقلب تلك الليلة لصخب

في الجزء الشرقي من البلاد والناس تفر من منازلها في المدن القريبة لهجوم الحالك

مخافة زحف جيوشهم , واختلط الخوف والهلع والمفاجأة بالشائعات , بينما كانت ليلة

هادئة في الجزأين الغربي والجنوبي من تلك البلاد وأغلب الناس لا علم لها بما يجري

هناك بينما البعض أفسدت نومهم تلك الأخبار التي وصلتهم في جنح ذاك الليل الربيعي

الهادئ عن استيلاء ابن شاهين على خمس مناطق دفعة واحدة وفي ليلة واحدة من

حدود الهازان لتصبح حصيلة ما أخذ منهم من منتصف الشتاء لآخر الربيع سبع

مناطق , منها ما أخذ بالقوة ومنها بالحيلة ومنها برد الغدر بالغدر

وعند مطلع الفجر كان الهازان يحشد لشن هجوم معاكس واسترداد ولو جزء

من كرامته قبل أراضيه وكانت جيوش الحالك قد تمركزت في مواقعها الجديدة

يتلقون الأوامر من الأرفع مكانه فالأرفع حتى تصل للذي يمسك بهاتف سلكي

يدوي في إحدى غرف المراقبة والتخطيط في الحويصاء يتلقى الأخبار عن

تحركات الهازان ويلقي الأوامر على قادة جنوده , ومع أول خيط للشمس رمى

ذاك الشيء من يده وحمل رشاشه ليوقفه أحد مرافقيه ممسكا ذراعه بقوة

وقال ” ابق هنا سيدي أفضل لنا ولك ”

ربت مطر بيده على كتف أحد أذرعه ورجاله المخلصين وقال بجدية

” لن يرتاح لي بال إلا وأنا معهم ولم يتغير شيء عن السابق يا ضيغم”

ثم تابع متوجها للباب بخطوات سريعة ” تولوا باقي المهمة أنا أعتمد

عليكم وسنكون على اتصال ”

وخرج للسيارة التي في انتظاره بعدما اختار أن يكون قائدا ميدانيا ومحاربا

بدلا من أن يقودهم عن بعد فما يعلمه الجميع أن الساعات القادمة ستحمل

الكثير من القتال الكثير من الدماء والكثير الكثير من الدمار وكان الأمر

كذلك بالفعل

*

*

” تيم ألم تذهب للمدرسة بني ؟ ”

رفع نظره عن الكتاب في يديه جالسا على الأرض متكئ بظهره على

السرير الخشبي خلفه ونظر للأعلى حيث الوجه المتعب الشاحب وقال

” لا مدرسة اليوم يا أمي , نامي الوقت ما يزال مبكرا ”

عادت للاستلقاء جيدا وقالت بصوت متعب ” اليوم ليس جمعة

أليس كذلك ؟ ”

عاد بنظره لكتابه وقال ” نعم لكن المدارس مغلقة ”

كانت ستتحدث لولا قاطعها السعال الذي هاجمها فجأة وتحول سريعا

لتنفس متقطع يخرج بصعوبة جعل الجالس على الأرض يرمي الكتاب

من يده للأرض ووقف من فوره وقال ماسحا على شعرها الأسود الناعم

” أمي ما بك ؟ تنفسي بسرعة ولا تتركيني أنتي أيضا ”

حاولت أن تتحدث ويدها المرتجفة ترتفع لوجهه لكن تنفسها كان يزداد

ضيقا كلما حاولت ذلك فتركها وخرج راكضا من تلك الغرفة الضيقة التي

تعتبر منزلهما هي والحمام الصغير المشترك معها , ركض بقدمين حافيتان

على التراب متوجها للمنزل الذي يشتركون معه في سور واحد ووصل الباب

الحديدي له وطرق بقوة طرقات متتالية حتى فتح له صاحب الصوت الخشن

الذي نادى من الداخل ” مهلك مهلك كسرت الباب ”

رفع نظراته الحادة التي تحولت لزجاجية من حبسه لدمعته وقال ناظرا

لصاحب الجسد الضخم فوقه ” أمي مريضة ولا يمكنها التنفس

خذوها للطبيب في حوران بسرعة ”

ورغم أنه يعلم الجواب الذي كان الرفض في كل مرة بحجة أنه لا مال

لديهم إلا أنه خمن أنّ تردي حالتها هذه المرة سيجعل هذا الجدار خالي

المشاعر يشعر بابنة عمه المرمية هناك في تلك الغرفة لا يزورها أحد

من أبناء عمها ولا يطمئنون عليها منذ توفي زوجها مقتولا ولم يترك لهما

شيئا لأنه خرج من قبيلته فارا بحياته ودخل الحالك مع مجموعة أخرى

عن رضا تام من ابن شاهين , تحركت تلك الشفاه العريضة المغطاة

بشارب كثيف قائلة بحنق ” كم مرة سنعيد ذات الكلام ؟ ثم إن كنت

لا تعلم فالبلاد في …. ”

وقطع كلامه الجسد الصغير النحيل الذي حاول أن يعبر من بين ساقه

والباب وخرجت صاحبته بصعوبة بالغة مستغلة الفرصة التي انفتح فيها

باب المنزل وخرجت الكلمات الرقيقة الصغيرة منها بصعوبة بسبب

كل ذاك الجهد للعبور ” تيم أنت هنا ؟ ”

لكن نظراته كانت ما تزال عالقة على ملامح ذاك الضخم معقود الحاجبين

الواقف مكانه , نظرات حادة ترسلها تلك العينان السوداء كما عُرف عن

قبيلة والده المنطوية تحت أشهر قبائل الهازان , حيث كانوا يملكون نظرة حادة

ثاقبة وذكية فهم يتصدرون العقول المدبرة في ذاك الطرف الشرقي من البلاد

ويعرفون بحنكتهم ودهائهم , خرجت الكلمات مجددا من تلك الشفاه الزهرية

الصغيرة التي علقت خصلة من شعرها البني في طرفها بسبب خروجها

المجهد ” تيم إنها الحرب هناك ولا مدرسة اليوم ”

قالتها مندفعة وكأنه لا يعلم وليس يدرس في ذات مدرستها , وتحدث

الواقف فوقه بذات نبرته الخشنة القاسية ” لا حل لدينا لها ”

وتابع بسخرية ” والأطباء جميعهم عند جبهات القتال حيث ندك

مدنكم هناك ونسلبكم إياها ”

بقيت نظراته الحادة متركزة على عينا الواقف فوقه من لا يعلم أن آخر ما

يعني هذا الفتى الصغير إن أخذوا مدنهم أم تركوها بعدما كان يسمع حكايات

والده في صغره عما لقي من قبيلته حين رفض أمرا يتعلق بمبادئه وأخلاقه

قال بنبرته الباردة ” أمي مريضة وستموت ”

لتشهق الواقفة بالقرب منه ويدها الصغيرة على فمها ونظرت من فورها

للأعلى حيث وجه عمها الواقف عند الباب بكل صلابة من جسده

لملامحه لقلبه وقال بلامبالاة ” يكون أفضل للجميع ”

ثم أمسك باليد الصغيرة للواقفة بجانبه ورغم اعتراضها وبكائها جرها معه

للداخل بخشونة وقسوة يشتمها بكل ما يملك من ألفاظ وضرب الباب خلفه

بقوة تاركا الواقف ورائه ينظر لمكانه بكره وحقد لا يمكنه إخراجهما كما لا

يمكن وصفهما , وعاد بخطوات ثقيلة غاضبة عكس الخطوات الراكضة التي

غادر بها ودخل الغرفة حيث يسمع سعال النائمة هناك من قبل وصوله , وما

أن هدئت نوبتها تلك حتى نظرت له مبعدة قطعة القماش عن فمها وقالت

” أنا بخير بني لا تتعب نفسك معهم فلن نشتري قلبا لمن لا قلب له ”

قبض يديه بقوة وقال بحقد ” يقولون دائما أنه لا مال لديهم وهم يكذبون

حتى المال القليل الذي يخصصه ابن شاهين للأرامل لا يعطونه لك يا أمي ”

نظرت للسقف ووضعت قطعة القماش البيضاء تلك على فمها وأنفها وكأنها

ترتجي أن تنقي لها هواء الغرفة الذي لم يعد بإمكانها تنفسه فتحرك الواقف

عند الباب حتى وصل حقيبته المدرسية وأخرج منها الرمانتين اللتان أحضرهما

من الحقول ككل يوم وأخرج السكين من تحت السرير وفتحهما وجلس على حافته

وبدأ ينتزع البذور بيده الصغيرة ويطعم التي لا ترى منهم هي وابنها سوا وجبة

واحدة وليست كل يوم والحجة ذاتها نفاذ المال وكأنهم لم يسرقوا أرضها ويضموها

لأراضيهم وكأنها ليست ابنة عمهم ولها ما لهم , أطعمها كل تلك البذور الحمراء

الصغيرة دون أن يبقي لنفسه ولا واحدة وكان يرفع نصف الثمرة فقط من الأرض

كي لا ترى كم أكلت , وحين انتهى سألته ككل يوم ” أنت لم تأكل يا تيم ؟ ”

فأجاب كالعادة ” حصتي في الأسفل سآكلها الآن ”

وجلس على الأرض تحتها بحيث لا تراه وككل يوم بدأ بأكل لب الرمان

متحملا كل مرارته تلك كي تسمعه وهوا يأكل ولا تحرم نفسها من الأكل

من أجله , ووصله صوتها المتعب معقبة على كلامه السابق ” هم على الأقل

يعطوننا وجبات مهما قلت ورمانتين كل يوم ويتركوننا نعيش في هذه الغرفة ”

ابتسم بسخرية وألم ولم يعلق يرمي القشرة القاسية التي ينزع اللب منها وكل

تفكيره بعد أن تُقطف الحقول من أين سيجد طعاما وكيف سيأخذ والدته للطبيب
في أسرع وقت كي لا تسوء صحتها أكثر من كل هذا , ضم ساقيه وخبئ وجهه

فيهما يستمع لأزيز رئتي النائمة خلفه على السرير وهي تحاول جاهدة البقاء ولو

من أجله كي لا يطردوه من هذه الغرفة ويصبح في الشارع لأنه لا أحد سيقبل به

بعد ذلك , رفع رأسه حين سمع همسا بعيدا متقطعا فأبعد يده وخبئ القشور تحت

السرير فورا قبل أن يقف وينظر جهة باب الغرفة المفتوح وظهر له الجسد الصغير

النحيل الذي لا يظهر منه إلا القليل وذاك الوجه الدائري بالعينين العسليتان يحيطه

الشعر البني الناعم , واليد البيضاء الصغيرة التي تناديه بها في صمت فتوجه

نحوها بخطوات بطيئة وملامح جامدة حتى وصل عندها وقال بصوت بارد

منخفض ” ماذا تريدين ماريه ؟ إن علموا أنك خرجتِ سيعاقبونك ”

أمسكت يده دون أن تتحدث ووضعت فيها شيئا وركضت عائدة جهة باب

المنزل الشبه مغلق ودخلت وأغلقته خلفها ليخرج صوت المرأة الصارخ

باسمها يصل لمسامعه بوضوح وما هي إلا لحظات وخرج صوت بكاء

الطفلة ذات الخمس سنوات ونصف فهز رأسه وقال بهمس

” غبية ”

ثم رفع يده وفتح كفه ناظرا لما وضعته له فيه فكان عملتين نقديتين ولم

يخبرها عقلها الصغير أنها لا تجلب طبيبا ولن توصل والدته للمستشفى

قبض عليهما مجددا ثم دسهما في جيب بنطلونه والتفت عائدا لوالدته

التي نادته تريد الماء لتشرب

*

*

نزلت السلالم بخطوات راكضة لتلحق الذي لم ترى منه سوا نصف جسده

خارجا من الباب وعمتها تقف خلفه تضم يديها أمام ذقنها بحزن متمتمة وكأنها

تستودعه خالقه وتخشى أن لا يعود , وما كان اختفى باقي جسده إلا وذراعه

في قبضت ذراعيها النحيلتان وشعرها الأسود الطويل قد تناثر على طرف

سترته العسكرية فنظر سريعا للجسد النحيل الصغير في تلك البيجامة الربيعية

البسيطة وهي تتشبث به وقد رفعت وجهها محتقن الوجنتين اللتان تتوهجان

احمرارا وعينين تنذران بانفجار وشيك لدموعها وقالت بغصة وصعوبة

” ماذا يحدث يا كاسر ماذا ؟ ”

مسح على طرف وجهها بيده الكبيرة طويلة الأصابع وقال بلمحة

حزن لم يجاهد أبدا لإخفائها ” ابن شاهين غار على شرق البلاد البارحة

وأخذ العمران وريهوة أيضا والحرب هناك في أوجها , هوا ورجاله يدافعون

عما أخذوا والهازان يحاولون استرجاع مدنهم والأخبار لا تسر يا شقيقتي ”

سقطت الدمعة الأولى من طرف عينها الواسعة وزمت شفتيها المرتجفتان

قبل أن تخرج منها الكلمات متقطعة ” وأيـ ن سيقف ”

شد بيده القوية على رسغها المتشبث بذراعه بقوة وقال ” لا أعلم ولا

أحد غيره يملك الجواب , وعليا المغادرة للحدود يا غسق فيكفي

بكاء لأن هذا لن ينتهي ”

هزت رأسها بقوة تناثرت معها دموعها وقالت صارخة بعبرة

” لن ينتهي وذاك المجنون يفعل كل هذا , فأوقفوه جميعكم ”

قال كاسر بشيء من الشدة ” كادوا له يا غسق , ولثاني مرة يفعلها الهازان

به ولم يحترموا الهدن يوما أبدا وكانوا يقتلون رجاله فرادا عند الحدود

باستمرار وغفلوا عن أنه كالبحر إن هاج أخذ كل شيء في طريقه ”

هزت ذراعه بقوة وكأنه المعني بكل هذا وقالت بغضب باكي

” لماذا تدافع عنه يا كاسر ؟ أليس دورنا بعدهم ؟

ألن تلقفنا أمواجه المجنونة أيضا ”

سحب ذراعه منها بقوة وقال بحدة ” غسق أنتي لم تعودي صغيرة وما

نحن فيه الآن كان سيحدث مهما طال الوقت , وإن قاتلنا سنقاتله لكننا

لن نزحف عليه وكلام والدي وقراراه وكبار رجال قبائلنا كان واضحا ”

تمالكت رجفتها بشق الأنفس وقالت بشبه همس ” العمران أخذها ؟

هل يفكر في غرب البلاد أيضا ”

أمسك وجهها بيديه وقبّل جبينها وقال بهدوء ” لا يبدوا ذلك يا

غسق فتوقفي عن تعذيب قلبك الصغير بأمور لن تحدث ”

ثم غادر تودعه دموعها التي لم تتوقف لحظة حتى خرجت سيارته

ثم نظرت للتي مسحت بيدها على ظهرها بحنان فقالت بعبرة

” وأين والدي ؟ ”

تنهدت الواقفة بجانبها بحزن وقالت ” أين سيكون برأيك ؟ لن تتوقف

اجتماعاتهم الطارئة أبدا حتى تهدأ الحرب , وقد غادر المنزل من

قبل الفجر ما أن جاءته أخبار شرق البلاد ”

تركتها وتوجهت راكضة جهة الهاتف وجلست على الأريكة المجاورة له

ووضعت سماعته على أذنها وضربت الأرقام فورا وكأنها مسجلة في

عقلها , وبعد محاولات عديدة كان الرقم فيها مشغولا كل مرة أجابها

صوت رجولي قائلا ” نعم من معي ”

قالت محاولة قدر الإمكان إخفاء الرجفة والعبرة في صوتها

” أعطني رمّاح شراع ”

سكت من في الطرف الآخر لوقت قبل أن ينادي والسماعة بعيدة عن

أذنه لكن صوته كان واضحا لها ” هيه أخبر ابن الزعيم شراع

أن المكالمة له ”

ثم سمعت جلبة وأحدهم قال مناديا ” تعال يا جواد أخبار مهمة ”

فشعرت بقلبها توقف وهي تسمع صوت رميه للسماعة على شيء صلب

ومؤكد الطاولة التي يوجد عليها ولم تعد تسمع شيئا بعدها , وكان قلبها

يغلي كالبركان وهي تنتظر والدقيقة تتبعها الأخرى ولا أحد رفع السماعة

مجددا ولا حل أمامها سوا الانتظار لأنها إن أغلقت الخط فلن تحصل عليه

مجددا وسماعتهم مفتوحة هكذا , بعد وقت بقيت فيه منتظرة على أعصابها

تحركت السماعة من صوت انسحابها على الطاولة في الطرف الآخر

وانسكبت دموعها مجددا وبغزارة وهي تسمع صوت رماح قائلا

” نعم أنا رماح شراع ”

قالت بعبرة ” رماح هل أنت بخير يا شقيقي ”

ابتسم من كان في الطرف الآخر وقال من فوره

” بخير يا طفلة لا تخافي ”

مسحت دموعها بقوة وقالت بذات عبرتها “هل يفكر ابن شاهين

في الإغارة عليكم ؟ كونوا حذرين يا رماح أرجوك ”

قال بذات صوته المبتسم ” ونهرب إن جاء أليس هذا ما توصيننا به ؟ ”

قالت بتذمر رقيق ” رماح ليس هذا وقت مزاحك السخيف , أين

رعد هل اتصلت به ؟ وجبران أيضا ؟ ”

قال بهدوء ” رعد في طريقه إلى هنا وجبران عند حدودنا مع الحالك

وجميعنا بخير لا تقلقي يا غسق وتُقلقي عمتي ووالدي معك ”

قالت من فورها ” ما أن يأتي رعد أخبره يتصل بي ”

خرجت ضحكته وقال ” ألا يكفيك أني لم أوبخك لاتصالك بي

ونحن من حذر عن فعل ذلك وأننا نحن من نتصل بكم فقط ”

قالت بعناد وقد عادت للبكاء ” بل سأتصل بكم طوال الوقت ”

قال بنبرة مازحة ” من أجاب عليك كان أحد المقربين لي هنا واستلمني

هوا ومن كان معنا وقال ( حبيبتك تريدك على الهاتف وتبكي ) ”

شعرت بكم مهول من الإحراج بسبب ما قال وخرجت منها

الكلمات هامسة ببحة ” وإن يكن … سأتصل بكما ”

ضحك من عناد صغيرتهم المحببة قبل أن تتحول نبرته للجدية قائلا

” غسق هذا المكان يعج بالرجال ولا أريد أن يجيب عليك أحد

أصحاب النفوس الملوثة شقيقتي , هل تفهمين قصدي ؟ ”

أنزلت نظرها وكأنه يقف أمامها الآن وقالت بصوتها الناعم

المنخفض ” اتصلوا بنا إذا ”

قال من فوره ” بالتأكيد سأتصل بك ”

قالت بعد لحظة ” إن لم تفعلها طلبت من عمتي أن تتحدث

مع من سيجيب ”

قال بصوت مبتسم ” سنتصل بك أعدك بذلك شقيقتي ”

وأغلقت السماعة بعدما ودعته هامسة بكلمات جلها دعوات بأن يحفظهما

الله , ولم تستطع بعدها الوقوف من مكانها إلا ويدها قد رفعت السماعة مجددا

وأجرت اتصالا آخر ولم تصدق نفسها حين أجاب عليها صوت الشخص

المعني ذاته وليس شخصاً آخر سيوصلها له كما خشيت فقالت تمسك عبرتها

ما أن سمعت صوته المبحوح من تأثير المرض ” جبران هل أنت بخير ؟ ”

لم تسمع منه ردا لوقت حتى ظنته لم يسمعها ولم تكن تعلم ما فعل وقع

كلماتها وصوتها العذب الرقيق الذي لم يسمعه من أشهر على قلبه العاشق

وكانت ستعيد كلامها لولا أن خرج لها صوته قائلا ” غسق !! ”

زمت شفتيها بقوة ولم تتحدث فقد خشيت أن يوبخها على اتصالها بمقر الجنود

خشيت أن يسخر منها كرماح لأنها تخاف عليهم من الموت لكنه قال بلهفة

ظهرت على صوته المتعب ” أنا بخير يا غسق توقفي عن البكاء أرجوك ”

قالت من فورها وقد عادت دموعها للتدحرج ” أنت عند حدود الحالك كن

حذرا جبران , كونوا جميعكم حذرين فقد يخدعكم بانتظاره من جهة

الشرق ويأتيكم من هناك ”

قال مطمئنا ” كوني مطمئنة نحن نراقب كل شيء ومستعدين لأي شيء ”

قالت بشفاه مرتجفة ” كاسر سيصل عندك كونا بقرب بعض جبران أرجوك ”

قال من فوره ” لا تقلقي حبيبتي وتوقفي عن البكاء وارحميني ”

قبضت على السماعة بقوة وقد شعرت بكل حرارة جسدها انتقلت ليدها تلك

التي تعرقت بشكل كبير كادت تنزلق السماعة منها بسببه وقالت بكلمات

خرجت بصعوبة ” اتصلا بنا دائما لنطمئن عليكما يـ ”

وأمسكت لسانها بصعوبة حين كادت تناديه بشقيقي كما اعتادت وساد

الصمت للحظة قبل أن يقول ” سيتصل بكم كاسر ويطمئنكم

وسنكون بخير لا تخافي ”

بلعت غصتها وكأنها تبلع معها ضربات قلبها الذي توتر من مقصده

و كلامه وأنه لن يتصل أبدا ولازال يصر على قراره وقالت بهمس

” ألن تتصل أنت ؟ ”

كانت تعلم أنها إن لم تعلق على جملته فستجرحه أكثر وسيضن أنها لا تهتم

إن اتصل بهم أم لا وإن سمعت حتى صوته وهوا يمنعها من رؤيته , جاءها

صوته بنبرة حملت معاني كثيرة قائلا بهدوء ” حتى تقرري أن تفكي

أسري يا غسق من هذا المكان الكئيب ”

أغلقت فمها بيدها وانهمرت دموعها أكثر وأكثر وكأنه ينقصها الآن أن

يذكرها بأن كل شيء بيدها هي وبأنه تحول لسجين لتلك الحدود والمعاناة

في كل شيء حتى النوم على الأسرّة القاسية بسببها وسينهيه كلمة واحدة

منها , تنفست بعبرة وخرج صوتها ضعيفا قائلة ” لن يتأخر الأمر

طويلا جبران أعدك ”

كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تجعل قلب من في الطرف الآخر يقفز من

مكانه فرحا وجعل الجالسة على ذاك الكرسي تمسح الدموع التي وصلت

لشفتيها تعتصر ألما وهي تخشى أن لا تسعده أن لا تهبه ما يستحق كل ما

يحمله لها من حب لكنها باتت مقتنعة بكلام عمتها بأن الأمر بعد زواجهما

سيتغير وأن مشاعرها نحوه لن تكون مشاعر شقيقة لشقيقها ولربما

أحبته فيما بعد حبا مختلفا عن حبها له منذ كانت طفلة

*

*

خلال الساعات الأولى من ذلك النهار العاصف بالأحداث كانت جبهات

القتال تحترق من قصف الدبابات وجميع أنواع الأسلحة الثقيلة ورغم أن

المناطق التي احتلها الحالك تحدها من جهة الشرق جبال أرياح التي تعرف

بؤرا للجماعات الإرهابية وهي خارجة حتى عن سيطرت الهازان فقد تقلص

هجوم جيوش الهازان على الجهة الشمالية فقط حيث ديجور وريهوة والالتفاف

عليهم سيكون سهلا من قبل الحالك لكن الهازان حاولت الهجوم وإعادة ما سُلبَ

من أراضيها وإن كان هجوما غبيا وبخسائر فادحة لهم ضعف خسائر الحالك

وفي نقطة الدفاع الثانية وهي الحويصاء حيث تعد ممرا للإمداد بكل ما يلزم

للمدن في الخطوط الأمامية , كانت المدينة الخالية من ساكنيها تعج بسيارات

الجنود والعتاد وسيارات الإسعاف لأن تلك المدينة تعد حلقة الوصل الأقرب

لكل ما يجري هناك على بعد كيلوا مترات قليلة فقط

دخل ذاك المبنى الواسع حيث تختلط الأصوات ما بين صراخ طالبي يد

العون وأنين الرجال المصابين وركض البعض خروجا ودخولا , عبَر

الممرات وقد ثبت سلاحه الرشاش على ظهره بحيث احتضن حزامه الجلدي

عضلات صدره العريض يسير بخطوات سريعة ونظرة ثابتة لهدفه وقد

ابتعد عن طريقه كل من لمحه فاسحين له المجال للمرور , وصل لغرفة

معينة فتح بابها ودخل ليقف له الموجودان فيها من فورهما وقال ما أن

وقف عندهما ” ما هذا الذي سمعته ؟ ”

لم يخفي الجالس خلف الطاولة توتره فلم يتوقع مجيئه بنفسه بل أن

يرسل أحدا غيره من آلاف الرجال حوله هناك فقال باحترام بالغ

” مطهرات الجروح بدأت تنفذ سيدي وبعض المضادات الحيوية ”

قست تقاسيم وجهه وقال بنبرة تشوبها بعض الحدة ” هل هذا وقت

قولها ؟ لما حين قدّمتم لي طلباتكم لم تكتبوا ما تريدون بالتحديد ”

قال ذاك من فوره ” حدث يا سيدي وقدّرنا كل شيء ووصل ما

أردناه لكن بعض الممرضات هنا جدد وحدث استهلاك للكميات

بشكل مفرط مع البعض خاصة مع أصحاب الإصابات البليغة ”

تنفس بقوة وقد برزت عظام فكيه دليل كتمه لعبارات قد تؤذيهم

إن خرجت منه وقال بجدية ” المطهرات هناك بدائل لها

أليس كذلك ؟ ”

قال الآخر خارجا من صمته ” أجل سيدي وهذا ما بدأنا

الاعتماد عليه ”

قال مغادرا ” المضادات سأجد من يزودكم بها خلال ساعات

لنرجو أن تكون قليلة ”

ثم خرج من عندهم وسلك ممرا آخر حتى دخل تلك الصالة الواسعة التي

عجت بأسرّة المصابين وحركة الممرضات بمعاطفهن البيضاء وبدأ يتجول

في ذاك المكان قبل خروجه مقيّما الحالات والعدد ومحاولا رفع معنويات

الجرحى بعبارات شكر وطمئنه هامسة لكل من وقف عنده وكان في وعيه

التام والتقى بعض الأطباء ليلقي أوامره واتصالاته بشأن نقل بعض المصابين

للمدن الداخلية وجلب ما نقص هنا , وغادر بعدها سريعا حيث المكان الذي

لم يترك فيه جنوده فقط بل وعقله هناك معهم مخلفا ورائه همس الممرضات

عن الرجل الذي مر بهم قبل قليل كثورة قوية من الجاذبية وكتلة من الرجولة

المتجسدة في كل تفصيل من تفاصيله حتى صوته المميز بتلك البحة وهو ينتشر

في صمت ذاك المكان حين يلقي أوامره , في تحركاته وخطواته الواثقة وحتى

أمواج الأنفاس القوية التي تتحكم في حركة أضلع ذاك الصدر العريض

كانت تذيب قلب أي أنثى يقف أو يمر قريبا منها وإن لم يراها

*

*

جلست بجانبها على الأرض حيث البساط القديم في تلك الحجرة الطينية

الضيقة تحيط به أفرشة بسيطة , تُخرج ثيابها القليلة وتضعها في الحقيبة

اليدوية القديمة متوسطة الحجم المصنوعة من الجلد , أمسكت بيدها النحيلة

المجعدة وقالت برجاء ” أمي بالله عليك فكري مجددا , أين ستذهبين في

حدود صنوان وكيف تتركيني وحدي لا وسيلة لدي حتى لأعلم كيف

أنتي وما يحدث معك ”

مسحت بيدها المجعدة على يد ابنتها التي بدأت الدموع تغلبها وقالت

” حوراء بقائي لا خير فيه لك ولا لي , وأنتي هنا مع زوجك وسترزقان

بمولود بعد ثمان أشهر وحياتك لن تتوقف على عجوز مثلي ”

قالت ودموعها قد وجدت سبيلا للنزول ” لا غنى لي عنك يا أمي

وإن كان لي عشرة أبناء , ثم من قال أن عمار قد يرجع حيا من

هذه الحرب التي الله وحده يعلم متى سينتهي ”

أغلقت سحاب حقيبتها الحديدي العريض بيدين قد وهنت قواهما مع

شدته قائلة ” هل ذهبت لابنة عم زوجك ورأيتها كما طلبت منك ؟ ”

تنهدت حوراء بحزن وأخذت الحقيبة من والدتها تغلق باقي السحاب الذي كان

أقوى من عزيمة العجوز الواهنة وقالت ” تعلمين يا أمي أن شقيقه وزوجته لا

يتركون أحدا يزورها وقالوا أن الطبيب يمنع عنها كثرة الأنفاس حولها وتلوث

الهواء ولا يتركون معها إلا ابنها , وتيم كما تعرفيه إن أمسكتِ به عنوة لا

تخرجين منه بشيء , كلماته وكأنه يشتريها بالمال ولا يجيب على

أسألتك مهما سألته ”

وقفت تستند بعصاها قائلة ” سيحملون ذنبها وعليهم أن لا يغفلوا أن الزمن

ممتد والطفل يكبر وأبناء قبيلة كنعان هازان لا يسكتون عن الضيم

وانتقامهم أحر من لسع الجمر المتوهج ولن يلومه يومها أحد ”

نظرت حوراء باستغراب للتي خطت بخطوات وهنة جهة باب الغرفة تتحدث

عن أمر يحتاج لسنوات طويلة ليحدث والله وحده يعلم إن كانوا سيعيشون لها

قالت قبل أن تخرج ” لن أغادر قبل أن تخف الحرب القائمة فحاذري

من أن يسمع بهذا أحد يا حوراء ”

*

*

غطت برفق جسد النائمة على طرف السرير متنهدة بحزن , فها قد غلبها

النعاس أخيرا والهاتف ما يزال بجانبها تنتظر اتصال والدها شراع الوحيد

الذي لم تطمئن عليه اليوم ولم ترضى أن تنام حتى يتصل بهم لكن النوم كان
أقوى من عنادها خاصة في مواجهة عينان لم تناما منذ الفجر وقد أجهدهما

البكاء المستمر , مسحت على شعرها وقبلت جبينها الصغير تراقب الوجنتين

المتوهجتان احمرارا والجفنان المرهقان بقلة حيلة فكلاهما لا تملكان سوى الدعاء

والانتظار , أطفئت نور الغرفة الخفيف حيث أن الكهرباء لم تنقطع اليوم عنهم

وهذا هوا المعتاد في الأوقات التي تشتد فيها الأحوال داخليا لا يقطعون عنهم

الإمداد الكهربائي حتى تخرج البلاد من أزمتها الشديدة ولو جزئيا , أغلقت باب

الغرفة بهدوء وقد حملت الهاتف في حضنها لترجعه مكانه في الأسفل , وما أن

خطت بضع خطوات نحو السلالم حتى ابتسمت للذي ظهر أمامها صاعدا منه

وقالت بصوت منخفض ” حمدا لله أنك أتيت يا شراع , غسق كادت تجن

من انشغالها عليك وقلبي كان يحترق معها في صمت ”

وصل عندها بملامح متعبة عابسة وقال بهدوء ” لم أستطع المجيء إلا

الآن ولم أجد وقتا لأتصل بكم , فلما القلق ونحن لا شيء لدينا هنا ؟ ”

تنهدت بحزن وقالت ” وإن يكن فلن نطمئن عليك ونحن نعلم أن البلاد

تتحول لفوضى كلما مرت بظروف مشابهة ولسنا حديثي سنة بحرب

لتخفى عنا هذه الأمور ”

تنفس بقوة وهز رأسه وكأنه يوافقها ما تقول ثم قال ” هل نامت ؟ ”

هزت رأسها بنعم وقالت ” ماذا حدث معكم ؟ وما أخبار الشرق ؟ ”

هز رأسه بأسى وقال ” كما هوا عليه , مرت ساعات هدأ فيها دوي

المدافع ثم عاد الهازان لمحاولة الهجوم وعادت الأمور كما كانت ”

جالت بنظرها في ملامحه لوقت ثم قالت ” والحل يا شراع ؟ هل

سيستمر هذا حتى يكملوا بعضهم ؟ ”

نظر للأرض وقال بهدوء ” نحن نسعى جهدنا وهناك تحرك دولي بهذا

الشأن لنتوصل لتهدئة جزئية على الأقل حتى يتم حل النزاع سياسيا

وهذا المتوقع في وقت قريب إن شاء الله ”

هزت رأسها بأسى وقالت ” ويجلسون على طاولة مفاوضات طبعا

والنتيجة لن يرضى أحد بما سيقول الطرف الآخر , لقد سئمنا

من هذا يا شراع ولم يكن حلا يوما ”

تحركت خطواته مجتازا لها وقال بصوت ظهر عليه التعب بوضوح

” على الأقل يصلون لحل مع ابن شاهين وإن بالضغط عليه ”

التفتت مع حركته قائلة ” إن قلت شخص آخر لقلت يجوز ذلك لكن

ابن شاهين ذاك فاق جبال أرياح صلابة وعنادا ”

وقف مكانه وقال ” لنأمل من الله خيرا ”

قالت من فورها ” ونحن يا شراع ؟ وغرب البلاد ما نظرة

ذاك البحر الهائج لنا ”

التفت لها نصف التفات وقال ” لن يفتح على نفسه جبهتين حاليا

ومهادنة تبادل الأسرى بيننا لن تنتهي إلا بنهاية الصيف القادم

أي بعد أربعة أشهر ولا أراه يفكر في الزحف علينا حاليا ”

قالت المحتضنة الهاتف خلفه بقلق ” وهل سيأخذ شرق البلاد

ويقف هناك ؟ هل فكرتم في هذا ؟ ”

تحرك مجددا قائلا ” ليس الشرق مدينة واحدة ولا يؤخذ بسهولة

ولكل حادث حديث حتى وقتها ”

ثم تابع وهوا يبتعد جهة غرفته ” سأستحم فاجلبي لي أي شيء

يؤكل سريعا لأنام فسأخرج مجددا بعد الفجر ”

واختفى عنها خلف باب غرفته فتنهدت بأسى وتوجهت للسلالم نازلة منها

متمتمة بالدعاء الذي لم يتوقف لسانها عن ترديده طوال ساعات هذا اليوم

توجهت للمطبخ ولم تفكر في إيقاظ إحدى الخادمات في هذا الوقت المتأخر بل

نظرت ما يمكنها أخذه له سريعا بينما يكون أنهى استحمامه ثم صعدت للأعلى

وفي يدها صينية تحوي بعض الأطباق مما وجدته سريع التحضير ودخلت

الغرفة بعد طرقات خفيفة على الباب وكان شقيقها جالسا يحرك كتفيه ورقبته

بتعب فوضعت الصينية أمامه ووقف ضامه يديها لبعضهما وقالت ناظرة له وقد

مد يده سريعا لما جلبته ” أرى أن تطلب من أحد أبنائك أن يكون هنا ولا

تضعهم الأربعة حيث قد يتحول المكان لجبهة قتال في أي وقت ”

وضع اللقمة في فمه وقال وهوا يمضغها ” أبنائي ليسوا صغارا ولن يمسك

أحد عنهم الموت , ومن جاء أجله يموت حتى في فراشه وليسوا أفضل

ممن هناك ولست أفضل ممن يقدمون أبنائهم للقتال ”

قالت مصرة على رأيها ” وإن يكن فوجودهم هناك في هذه الفوضى

أمر خاطئ , أترك واحدا لنا يا شراع فمن يعلم الزمن ما يحمل لنا

ونحن امرأتان وحيدتان ”

لم يعلق على ما قالت مستمرا في أكله فتابعت قائلة ” اطلب من جبران

المجيء فهوا اتصل بنا اليوم مرتين على غير عادته مؤخرا وهوا

من بين أبنائك من يفكر في غسق كزوجة ”

نفض يديه حامدا الله بهمس ووقف وقال متوجها لسريره ” أجلي الحديث

وحتى التفكير في هذا الأمر حاليا فالعجوز عزيرة أرسلت لي سرا من

أخبرني أنها تريد دخول أراضينا والعيش فيها ”

نظرت له بصدمة لم تستطع تجاوزها بسهولة ثم قالت ” عزيرة التي

ولّدت والدة غسق لا غيرها ؟ ”

دخل سريره وسحب الغطاء على جسده المرهق وقال ” نعم وقالت

أنه ثمة من يبحث عنها ومن داخل عائلة ابن شاهين ”

المخرج ~

بقلم الغالية : نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء

احكــي لنــــا عن آسـرٍ .. وعن بطــولـةِ جابــرٍ
عن بؤسهم عن عشقهم .. واسهبي في وصفهمْ
ف رائدٌ عشق القمــــرْ .. وجميــلةٌ انتـي دررْ
لا تخبريــنا عن اديـــمْ .. ف ليانه عشقت وسيمْ
و سما نزار حبيــبتـي .. والترجـمــانُ أميــرتي
عجزت حروفي يا اياسْ .. احببتكَ حقـاً..أواس!!
حب الطفولةِ يا انيـــنْ .. وقصينا سرق السديـنْ
يكفي غموضا يا مطر .. من انت؟من اي البشر؟

تحياتي الحارة 😘 ..نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء

نهاية الفصل السادس

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل السابع

الفصل السابع

المدخل ~
بقلم/ الغالية همس الريح

قاتلتي بلا سلاح
معذبتي بلا ذنب
حبيبتي بلا امل

ابتعدت عنك لاهدئ خفقات قلبي النابض باسمك
فزادني الشوق شوقا
اتراني احلم بك ليلة ؟؟
او اصل اليك حقيقة ؟؟

احبك ..
يا شقيقة شقيقي

جبران
******
حلم بقلبي لم يزدني الا صمود
ان تنتهي كل الحروب و تلتغي كل الحدود
ان اعيش في وطن لا تقيده القيود

غسق

*******

في إحدى أراضي شرق البلاد وفي عمق قبائل الهازان , في تلك البلدة

الخضراء الصغيرة المرتفعة ( خُماصة ) التي تميزت أراضيها بزراعة

نباتات الصفصاف حيث الخصوبة التامة والأمطار الموسمية التي تزورها

حتى أواسط الصيف , وقد اعتمد أهلها على بناء المنازل من الطوب لأن

المنازل الطينية لا تصمد فيها لذلك كانت مقرا لقبيلة خماصة تحديدا ومنها

استمدت اسمها منذ أمد بعيد وهي من القبائل المنضوية تحت الهازان , وهي

قبيلة اشتهرت بتدرج اللون الأزرق في أحداق أعين أبنائها حتى باتت سمة

تميزهم عن الكثيرين فتجد الجد وأبنائه وأحفاده حوله جميعهم لهم نفس تلك

الزرقة المتفاوتة ولم يقضي عليها ولا اختلاط الأنساب بالقبائل الأخرى وإن

قل ذلك في عاداتهم , وتروي الحكايات أن جذور تلك القبيلة كما في العديد

من القبائل منحدرة من بلدان ليست عربية وأغلبهم ما يسمون بالمستعربين

الذين نزلوا البلدان العربية من مئات السنين والبعض ينحدرون من السكان

الأصليين للبلاد قبل أن تمر بها الفتوحات الإسلامية فتجد فيهم كل هذه

السمات من لون العينين للحمرة في البشرة البيضاء وميلان لون الشعر

لتدريجات البني كافة رغم أن الدم العربي واللهجة النظيفة موجودة فيهم

بوضوح فقد تداخلت الأنساب من أجدادهم الأوائل وتحولوا لعرب لا نقاش

لاثنين في أمرهم وجميع ما ذكر يعد تاريخ مضى لا أحد يذكره الآن .

( بلدة خُماصة ) في هذا اليوم لا يفصلها عن خط الحرب الدائرة شرق البلاد

سوى بلدة واحدة , أي تبعد مسافة قرابة الثلاثين كيلو مترا عن خط الحرب في

ريهوة وكان دوي المدافع يصل للمنازل الأقرب لتلك الجهة بوضوح , وحيث

أن بعض أهاليها غادروا من أيام ما أن دارت رحى الحرب هناك فالبعض منهم

اعتصموا في منازلهم ورفضوا المغادرة لأسباب عدة ومختلفة كما أضطر

من لديهم أطفال للرحيل حاليا عن تلك الجهة للذعر الشديد الذي سببته لهم

تلك الأصوات , حتى تتوقف رحى الحرب أو تهدئ قليلا

وفي أحد منازل تلك البلدة بل وعلى أطرافها الأقرب لدوي الدبابات والمدافع

وفوق تلك الثلة الصغيرة التي أحيطت بسياج من الأسلاك الشائكة حيث كان

يقع ذاك المنزل الصغير نسبيا المبني من الطوب الأبيض وقد غُطي سقفه

بالآجر الأحمر المتعرج ليتناسب مع أجوائها وأمطار شتاء تلك البلدان

الجبلية المرتفعة , كانت قد افترشت الأرض تجلس على بساط غليظ فوقه

فراش سميك مخصص لذلك وقد ضمت ساقيها وجلست متربعة ليتسنى لتلك

الصغيرة ابنة الأربع سنين أن تتكئ على ركبة جدتها تنظر للفراغ وأصابع

تلك المرأة ذات الثماني والأربعين عاما تمسح على الشعر البني الحريري

برفق تستمع للمذياع بجانبها وقد تناغم الصوت الذي يصرخ خارجا منه مع

صوت دوي تلك الأسلحة الثقيلة التي تهتز نوافذ المنزل لدوي بعضها إن

اقترب , رفعت تلك الصغيرة عينيها ونظرت بحدقتيها الزرقاء التي تشبه

بحرا في يوم صيفي قد صفت فيه السماء وعكست عليه زرقتها البهية محدقة

بجدتها المنتبهة مع ما يقول زعيم قبائلهم مهددا ومتوعدا من وصفهم بالخونة

الحثالة وهم قبائل الحالك ثم عادت بنظرها للفراغ مجددا تنظر للشيء الأسود

الصغير الذي يقترب منها وكأنه لا وجود له حتى أبعدته تلك اليد طويلة

الأصابع رامية له بعيدا وقالت للتي لازالت تتوسد ركبتها ” زيزفون يا

صغيرتي هذه الحشرة خطرة لا تتركيها تقترب منك ”

نظرت لها تلك الطفلة وكأنها تترجم وتحلل ما تقول وقد كررته جدتها

ثلاث مرات متتالية وقالت حينها تلك الصغيرة بهدوء ” خطرة ”

مسحت تلك على شعرها وقالت مبتسمة ” نعم صغيرتي خطرة

وعليك أبعادها عنك كلما اقتربت ”

لتعود تلك العينين الزرقاء لتهيم في الفراغ وهي تردد بهمس

” خطرة , أبعدها عني ”

لتخرج تلك التنهيدة الحزينة من بين أضلع التي كلما تقدمت في العمر يوما

فكرت أكثر في حفيدتها التي لا أحد لها غيرها , ابنة ابنها الوحيد الذي توفي

وهي لم تخرج للعالم بعد وتركتها والدتها من أجل أن تتزوج بآخر ولا تربط

نفسها بابنة مريضة تحتاج لعناية ورعاية تتمثل في المراقبة طوال الوقت لإبعاد

أي شيء يكون عاديا بالنسبة للجميع يتحول لخطر بالنسبة لتلك الطفلة , كلما

فكرت في حفيدتها أكثر كلما لعنت ذاك اليوم الذي تزوجت فيه من ذاك الرجل

الغريب عن قبيلتهم وهي ابنة السبع عشرة سنة لتكون أم لإبن لم يعترف أنه

من صلبه وأنكره مثلما أنكر زواجه السري بها وكانت النتيجة ابن نُسب لجده

والد أمه بدلا من أن ينسب لأبيه , والنتيجة الأخرى هي هذه الطفلة التي

مات والدها في تفجير إرهابي من أربعة أعوام وبقيت لا أحد لها سوا هذه

الجدة الوحيدة مثلها , وقفت مبعدة لها عنها ونظرت لها وقالت ممسكة

كتفيها الصغيران ” زيزفون سأدخل للحمام فلا تفتحي الباب

وتخرجي بنيتي حسنا ”

بقيت تلك العينان الزرقاء الواسعة تتفحص عينا جدتها التي تشبهها في

كل شيء وككل مرة تحاول ترجمة كل كلمة على حدا حتى كررت لها

” زيزفون لا تفتحي الباب حسنا ”

هزت تلك الصغيرة رأسها بحسنا وقالت بصوتها الرقيق الهامس

” لا تفتحي الباب ”

فابتسمت لها ابتسامة لم تصل لعينيها وغادرت من عندها هامسة بأسى

” لا يقلقني شيء أكثر من سؤال جدك ضرار ذاك عنك مرة أخرى

لا بارك الله في اليوم الذي عرفناه فيه ”

*

*
دفع باب الشرفة ببطء شديد مخرجا رأسه أولا ونظر مبتسما للمتكئة

بذراعها على حافتها وقد نامت برأسها عليها تقف بفستانها الزهري الذي

حوّلها لشيء أشبه بأزهار الكاميليا الرائعة وهي هائمة بنظرها لما انشغلت

أصابعها الثلجية بفعله بوريقات أزهار شجرة السنديان , الشجرة التي فاق

طولها تلك الشرفة وقد تساقطت أزهارها حمراء اللون ذات الشكل الثلاثي

الغريب الأقرب منه للأوراق من الأزهار وكما يعرف عنها فهي تتساقط

طوال الوقت وقد انتشرت في كل مكان حولها حتى على خصلات شعرها

الأسود الحريري المتطايرة مع رياح بداية الصيف العذبة , اقترب منها

بخطوات خافتة حتى كان خلفها وهمس مبتسما

” كيف هي شقيقة كاسر الجميلة ”

ليقفز ذاك الجسد النحيل مفزوعا وبعثرت يدها تلك الزهرات وقد أخذت

نفسا قويا ويدها على صدرها وقالت بهمس ” أفزعتني يا أحمق ”

ضحك بصوت مرتفع ناظرا للأعلى ثم نظر للتي تحولت نظراتها له

للضيق وقال غامزا بعينه ” هل أفهم ما ذاك الشكل الغريب الذي

كنتِ ترسمينه بالأزهار جعلك سارحة هكذا ؟ ”

لينتشر ذاك اللون الزهري أعلى وجنتيها وقد هربت بأصابعها خلف

جسدها تقبضهم ببعض وفرت بنظرها للأرض ثم شعرت بإصبعه

الكبير وهوا يلامس وجنتها وخرج صوته ضاحكا ” وما سر

هذه الأزهار البرية التي نبتت هنا فجأة ”

أبعدت يده وأولته ظهرها ناظرة للخارج حيث حديقة منزلهم الواسعة

وقالت ” لا شيء طبعا فلا تتوهم أمور ليست موجودة ”

وكيف لها أن تعترف بما كانت تكتب بتلك الأزهار وهل كان سيصدقها

إن أخبرته أنها كانت تفكر فيما يحدث في شرق البلاد والقرار المصيري

الذي سيصدر اليوم وأنها كتبت اسم ذاك الرجل دون شعور منها رغم أن

تفكيرها كان منصبا على الحرب هناك لا عليه هوا ذاته , التفتت له

بسرعة وقالت ” كيف هم جبران ورعد ورماح ؟ ألن يأتوا ؟ ”

هز رأسه بلا فقالت بحزن ” يعني أن أبن شاهين رفض ”

قرص خدها بقوة وقال مبتسما ” بل وافق وتمت التهدئة اليوم ”

قالت بصدمة ” حقا توقفوا !! ”

قال باختصار ” جزئيا أو لنقل حاليا فقط ”

عبست ملامحها وقالت بأسى ” ثم ماذا ؟ ”

رفع يده ونظره للأعلى وقال وأصابعه تلعب بأوراق السنديان الكثيفة

المصفوفة ” سيتم إيقاف إطلاق النار من الجانبين ويجتمعون بابن

شاهين خلال أيام للتفاهم معه ”

تأففت برنة رقيقة بالكاد خرج معها تنفسها وقالت

” وطبعا ما سيقوله سيحدث ”

نظر لها وحرك كتفيه وقال ” الهازان أرسلوا يطلبون أن نغزوا

على الحالك ”

شهقت فيه بقوة فاغرة فمها الصغير قبل أن تزم شفتيها وقالت

” ما هذا الغباء الذي أصابهم ”

ضحك وقال ” لو كنتِ تقرئين التاريخ أيضا يا فأر الكتب لفهمتِ

أنهم يريدون أن نحاصره بفتح جبهتين عليه ”

شعرت بشيء ما تغلغل في حلقها أخرج صوتها متقطعا

قائلة بصدمة ” تحـ ـاصرونه من الجانبين ”

هز رأسه بلا وقال ” رفض والدي وكبار قبائلنا ”

رفعت خصلات غرتها خلف أذنها وقد قبضت يدها الأخرى على طرف

فستانها بقوة وقالت بتوجس ” ألم تكن طريقة مناسبة لردعه عما يفعل ؟ ”

قال بجدية ” بلى لكن الخيانة في دم زعمائهم يا غسق فقد خانوه مرارا

وغدروا بالمعاهدات معنا أيضا وما أن تتحقق مآربهم سيغدرون بنا ”

عبست ملامحها قبل أن تردف بحزن ” دخلنا الأسبوع الثالث

فما الحل يا كاسر ؟ متى سينتهي كل هذا ”

ابتسم مراقبا ملامحها الجميلة وسط أوراق السنديان الخضراء البراقة

بأزهارها شديدة الحمرة وقد تمركز ذاك اللون الزهري فوق وجنتيها

مجددا جاعلا من ذاك المشهد لوحة لا يشوبها سوا تحرك الأوراق

وخصلات شعرها مع الريح الخفيفة , لتعلوا ابتسامته تلك نظرة

مشاكسة وقال ” الحل لدي وسهل جدا ”

نظرت له باستغراب من قوله ذلك بكل بساطة مع تلك النظرة والنبرة

اللتان لم تحملا الجدية أبدا وقد تابع وتلك التسلية في ملامحه تزداد مكرا

” نرميك في حديقة منزله وأقطع ذراعي إن غادره بعدها قبل عام

وستصدأ عظام رجاله من الانتظار ”

ليتفجر ذاك اللون الزهري متحولا لحمرة انقلبت سريعا من الخجل

للغضب وقد توجهت نحوه تلكمه بقبضتيها على صدره قائلة بحنق

” سأقطع لسانك أن قلت هذا مجددا ”

ضمها لصدره مطوقا بذراعيه جسدها الصغير بالنسبة له وقال ضاحكا

” حسنا توبة يا من تكره أن يتغزل فيها الرجال ”

ابتعدت عنه وقالت بحنق ” لو لم تكن شقيقي لعلمت من سأخبره

ليقطع أذنيك ”

وضع كفيه على أذنيه وقال مبتسما ” لا كله إلا جبران فإن سمع ما

قلت لدفنني جثة عند الحدود هناك ”

عادت وجنتيها للتوهج مجددا وها قد فهم من قصدت بشكل خاطئ

فدفعته من أمامها وقالت وهي تدخل غرفتها ” أحمق ”

فضحك وقال لاحقا بها ” أقسم أني أتوق لأرى امرأة تسلب ذاك

الجبل لبه وتكسر عنفوانه هذا لتجعله ضحية حرب بدلا من

المنتصر الدائم فيها ”

ثم سرعان ما عاد للشرفة مغلقا الباب ضاحكا ليتصدى للوسادة التي

رمته بها وقال صارخا بضحكة ” لم أتحدث عنك أنتي يا عدوة

ابن شاهين بل قصدت أي امرأة منا أو من الهازان ”

*

*

خرج من المنزل ولف خلفه ووضع حقيبته هناك ثم توجه لمنزل معين

وهوا لأحد كبار القبيلة هناك وطرق الباب وما هي إلا لحظات وفتحه

له بنفسه , ذاك الشيخ ذو الثمانين عاما بلحيته الطويلة البيضاء وقميصه

الأبيض الطويل نظر له مستغربا لبرهة ثم قال ” تيم ألم تذهب للمدرسة ؟ ”

فمن المعروف هنا وبما أنه مضى على الحرب أيام واستأنفت المدارس

عملها فجميع الأطفال هذا الوقت يكونون فيها , أجابه من فوره بصوته

البارد المنخفض ” لم أذهب لها ”

مسح بيده على الشعر الأسود الكثيف تحته ودفعه من مؤخرة رأسه

قائلا ” ادخل يا تيم ”

ودخل به لمجلس منزله الصغير فهوا يعرف هذا الطفل جيدا فلن يأتيه

إلا لأمر جلل ولن يتحدث مع أحد عبثا وهوا من اشتهر هنا بقلة كلامه

وبعباراته المقطوعة التي لا تخرج منها بما تريد مهما حاولت , جلس

وقال ” اجلس وأخبرني ما جاء بك وقت المدرسة ”

نظر للأسفل وقال ” لا أستطيع جلوس مجالس الرجال وأنا طفل

شكرا لكرمك ”

ابتسم مراقبا ملامحه الجامدة فهذا التقليد اشتهرت به قبائل الهازان ورغم

أنه ولد هنا وعاش معهم إلا أن والده يبدوا أنه غرس فيه ما يحب من

طباع قبيلته وإن كان أنكرها سابقا وخرج منها , قال مبتسما

” حسنا ما جاء بك يا تيم ”

رفع نظراته الحادة وركزها على عينيه وقال ” أمي مريضة وعلينا

أخذها لحوران ”

قال الجالس أمامه مستغربا ” ألم يأخذوها للطبيب وهي تتلقى العلاج حاليا ! ”

نظر جانبا ولاذ بالصمت فهوا يعلم أن البوح بما يحدث معهما هناك

سيكون مصيره عقابا قاسيا وأن تحرم والدته حتى من اللقمة الشحيحة

التي يعطوها لهم وقد يرموهما في البر بدم بارد ويقولان بأنهما ماتا

قال الجالس أمامه عندما طال صمته ” هل ساءت حالتها أكثر ؟ ”

نظر له وقال ” أصبحت تأتيها نوبات سعال شديدة تفقدها القدرة

على التنفس لوقت وستموت ”

قال مجددا ” ألم يأخذوها للطبيب فماذا قال ؟ ”

أخفض رأسه وقال بشبه همس ” لا أعلم ”

تنهد بأسى ووقف على ركبتيه وأمسك بكتفي الواقف أمامه وقال

” تيم قل شيئا واضحا ومفهوما لأساعدك ”

رفع نظره به وقال بجدية ” تساعدني إن أخذت والدتي للطبيب دون

أن تخبر أحدا أني من طلب منك ذلك ولا أن تسألني عن شيء ”

تنهد بقوة ووقف وقد فهم صمت الصبي وأسبابه وتمتم هامسا

” لا حول ولا قوة إلا بالله ”

ثم قال بجدية ” حوران بعيدة والرحلة لها ستتعبها لكن يوجد طبيب

عند مبنى الجنود في الحدود فسأرى طريقة نجعله يعاينها ويعطيها

علاجا دون أن يشك ابن عمها ”

نظر له فوقه وابتسم ابتسامة رضا لم يراها على وجهه سابقا وقال

” شكرا لك يا عم ”

مسح على شعره وقال ” ألحق بمدرستك بسرعة فما يزال هناك

بعض الوقت كي لا تتلقى توبيخا من أحد معلميك ”

هز رأسه بحسنا وغادر من عنده مسرعا وهز ذاك رأسه متنهدا بأسى

فابن الهازان سيبقى هازانا مهما اختلفت الظروف لأن الناس لا ترحم
*

*

خرج من عنده متفائلا بأن ذاك الرجل سيسعى جهده من أجل أخد والدته

للطبيب , فسيتحمل الضرب والعقاب والجوع وأكل قشور الرمان من أجل

أن تتحسن صحتها , مر بالمنزل مجددا أخذ حقيبته وفتح الباب الذي لم يغلقه

واطمئن على والدته التي لم تنم إلا بعد الفجر بسبب السعال وضيق تنفسها

ثم خرج راكضا ليدرك مدرسته فمازال هنالك بعض الوقت ويمكنه إدراكها

قبل أن يدخل الطلاب لحصصهم , ركض مسرعا تحت ضلال تلك الأشجار

الطويلة العالية ممسكا حقيبته على كتفه ليلوح لمسمعه صوت بكاء قادم من

بعيد يعرف جيدا هذه النبرة الرقيقة العالية لمن تكون , كان ذاك البكاء يقترب

أكثر فأكثر ليكتشف أن صاحبته كانت تركض أيضا لكن في عكس اتجاهه

وما أن وصلت عنده حتى وقف وقال بانزعاج ” أغلقي فمك واصمتي ”

لكن فمها لم يغلق وعيناها لم تفتح فنظر لها نظرة شاملة من شعرها المبعثر

لوجهها الملطخ بالتراب لثيابها المغبرة ثم قال صارخا فوق صوتها

لتسمعه ” ماريه أصمتي لنلحق مدرستنا ”

ولا حياة لمن تنادي فصرخ بعنف ” ماريااااا ”

فسكتت فجأة تنظر له بعيان دامعة تمسك فمها الصغير بصعوبة

عن البكاء فتأفف وقال ” توقفي أو ضربتك ”

مسحت على خديها الصغيران وقالت بعبرة

” أين أنت لم أجدك ؟ ”

قال ببرود ” ألهذا تبكي يا جبانة ”

قالت وقد عادت للبكاء ” بلال ضربني وأوقعني على الأرض

وضحك مني هوا ورفيقاه ”

سار مجتازا لها وقال ” إذا لا علاقة لي بك واذهبي لعمك وأخبريه ”

لكن تلك الخطوات الصغيرة تبعته راكضة تمسح عينيها

بكفيها الصغيران وهي تقول ” انتظر سأذهب معك ”

فتابع ركضه أمامها حتى كانا عند باب المدرسة ووقف وقال

” ادخلي بسرعة كي لا يعاقبوك ”

نظرت له ودموعها لازالت تعانق رموشها وقالت بحيرة

” ألن تدخل ! ”

دفعها للداخل قائلا ” بلى سألحق بك ادخلي ”

دخلت وتركته وفي كل خطوة تخطوها كانت تنظر للخلف حيث كان واقفا

خارج باب المدرسة ولم يدخل حتى اختفت وعاد حينها أدراجه وسار جهة

أحد الخرب القديمة التي لا يسكنها أحد بسبب انهيار أسقفها وهوا موقن من

أنه سيجده هناك فهوا يهرب غالبا من المدرسة أيام الامتحانات , ما أن وصل

وكما توقع وجده يلعب الكرة مع الفاشلين الآخران وما أن رأوه حتى توقفوا

عما كانوا يفعلونه وتراجع الاثنان للخلف فهم يعلمون جيدا سبب مجيئه لهم

وقف ذاك فارج بين ساقيه ويداه وسط جسده وقال ” ماذا تريد يا ابن الخائن ”

توجه نحوه بعدما رمى حقيبته جانبا بعنف وقال وهوا يدفعه للخلف بقوة

” اقسم إن ضربتها مجددا فسأقتلع عينك من مكانها ”

ترنح في وقفته قبل أن يستعيد توازنه مجددا ثم دفعه أيضا وقال محاولا

إيقاعه ” لا شأنك لك بها يا ابن الهازان ”

دفعه بقوة أكبر بطحته أرضا وبرك فوقه ممسكا بثيابه بقوة وقال بحدة

” تترك الجميع وتضربها هي يا جبان لأنها وحدها من يقترب مني

واجهني أنا بدل أن تضرب طفلة ”

ودخلا في عراك لا يُرى منه سوا غبار الأرض حولهما ولم يتدخل

أي أحد من الواقفين خلفهما اللذان لاذا بالفرار بعد قليل لأنهما يعلمان

نتيجة هذا العراك جيدا وقد يكون دورهما بعده

*

*

مسحت على ظهر الطفل ذو العامين المستلقي نائما في حجرها وقد

دفن وجهه فيه وقالت ناظرة للتي بجانبها تربط للطفل ذو التسع

أعوام حذائه وقالت ” متى قال عمي أننا مسافرون من هنا ”

رفعت تلك كتفيها منشغلة بحذاء إبنها وقد تساقطت خصلات شعرها

الأسود الناعم بسبب يده الصغيرة التي تستند برأسها رافعا قدمه لها

وقالت ” القرار قراره طبعا وقد يكون التنفيذ بعد عام من الآن ”

تأفف الجالس بعيدا على الكرسي ذو الظهر المرتفع وهوا يعلم جيدا

أنه المعني بنغزات كلامهن طوال الجلسة , نظر للثالثة التي

تخيط شيئا منشغلة به وقال ” هل ذهب ابنك للمدرسة ؟ ”

رفعت رأسها له ثم سرعان ما عادت لشغل عينيها بما تفعل وقالت

” ابنك لا مدرسة لديه ألم تعلم أن والدك منع ذهابه ووقاص

لها حتى تنتهي الحرب ”

تأففت الجالسة على الأرض مفترشة سجادا عجميا فاخرا سميكا

وقالت ويدها لازالت تعبث بشعر ابنها ” والحرب جنوبا ما أبعدنا

نحن شمال الهازان عنها أم يخاف أن ينقص من أحفاده واحدا ”

خرجت ضحكة ساخرة من التي غادر ابنها راكضا بعدما أحكمت ربط

حدائه وقالت وهي ترتب خصلات شعرها التي تبعثرت بسببه ” لكان

جلب عليك الرابعة حينها يا أم لسانين لتعوضه عن الحفيد الذي فقده ”

قالت تلك ببرود ” لا شيء جديد وقتها فقد جربتِ أنتي قبلي ”

وقف حينها الذي ذاق ذرعا منهن ثلاثتهن وهوا يعلم جيدا أن صراخه

وغضبه وحتى معاقبته لهن لن تجدي في شيء ككل مرة , فكيف سيكون حال

الذي لديه ثلاث نسوة لا يشغلهن شيء وليس لديهن سوا ابن واحد لكل واحدة

منهن سوا الشجار الدائم مع بعضهن وإن سئمن من ذلك استلمنه هوا كتسلية

وتغيير روتين , دخل غرفة مكتب واسعة صنع أثاثها من أجود أنواع الخشب

وداس بحدائه على السجاد الذي غاص فيه مغطيا حوافه وجلس خلف الطاولة

وبدأ بالدوران بالكرسي الجلدي الأسود وفكرة واحدة تزعجه في المستقبل

وهي أن هؤلاء الثلاث نسوة سيتضاعفن إن فكر والده بجنون كالآن وزوج

كل واحد من أحفاده بثلاث نساء لتنجب له كل واحدة طفلا ليصبح في المنزل

أثنى عشرة امرأة غير هؤلاء الثلاثة من أجل أن يزيد أثنى عشرة فردا في

عائلة ضرار سلطان وكله سيكون على رأسه هوا فالنساء زوجاته والأخريات

زوجات أبنائه , توقف عن دورانه فجأة ورفع رأسه للأعلى مغمضا عينيه

وقد عادت به الذاكرة لأربع أعوام مضت وفي هذا المكتب تحديدا حين كان

والده جالسا على هذا الكرسي وابنه الأول من زوجته المتوفاة وقاص واقفا

بجانبه مقابلان له وقال بحزم ماسحا بيده على رأس حفيده الأكبر ذو

العشر سنوات الواقف بجانب كرسيه [I] ” هل ولدت زوجتك ؟ ” خفض الجالس أمامه نظره وقال ” ليس بعد , قد تحتاج لبضعة ساعات أخرى ” قال بجدية … Continue reading

عاد من زخم أفكاره ذاك وضرب بيديه على حافتي الكرسي

ووقف مغادرا وتمتم بحنق ” والحفيدة الخامسة يبدوا قادمة

لتنضم للعائلة في أي وقت ”

وتابع خارجا وهامسا بسخرية ” لا وخرساء ومجنونة قد مات

والدها ورمتها والدتها على جدتها , هذه نتائج الزواج في

السر يا والدي يا ضرار سلطان ”

*

*
أدارت مقبض النافذة وفتحتها على وسعها لتدخل نسائم بداية الصيف التي

لا زالت تحمل عبق الربيع الذي غادر حديثا ورقة هوائه حيث كانت مطلة

على حديقة واسعة متراصة الأشجار فأكثر ما كان يهتم به الناس آن ذاك

حدائقهم وأراضيهم وقد اجتهدوا في الزراعة كل جهد بسبب المناخ المعتدل

أغلب الموسم والتربة الخصبة ولأن شح الغذاء لا يغطيه إلا زراعة الأرض

فقد وجدوا في ذلك المنجى الوحيد من الموت جوعا , اعتنت برفع الستائر

القماشية خلفها جيدا ليدخل النور لكافة أرجاء الغرفة ثم سرعان ما التفتت

للذي فتح الباب ودخل عليهما وتوجه للجالسة على سريرها من فوره وقبّل

رأسها وجلس على طرفه ممسكا يدها يسألها عن حالها ولا يترك تفصيلا

وكأنه طبيب يعاين مريضه وهي تجيبه بكل حب فعلاقته بشقيقته هذه كانت

كبيرة منذ صغره فهي من ربته وشقيقيه شاهين ودجى ومن ثم ربت أبناء

شقيقهم شاهين ( مطر وجوزاء ) باستثناء العناية الخاصة التي استحوذ عليها

مطر من والده لتقتصر مهمتها على غسل ثيابه والاهتمام بطعامه فحتى دروسه

كان والده من تكفل بها وقد كان ملازما له طوال الوقت تقريبا ما أن بلغ السابعة

توجهت جوزاء نحوهما وجلست أمام السرير على الكرسي الذي تتركه مكانه

لتكون قرب عمتها كلما اختارت أن تبقى ملازمة لسريرها وقالت ما أن

جلست ” ماذا حدث مع مطر ؟ ”

سبقته الجالسة أمامها قبل أن يتحدث وقالت مبتسمة ” قولي ما

حدث مع رجالنا عند جبهات القتال وليس مطر ”

قالت ونظرها لازال على عمها ” هل عقد الهدنة المؤقتة وأوقفوا

إطلاق النار ؟ ”

هز رأسه بنعم دون كلام ثم قال ” أضنكم سمعتم هذا في المذياع

فلقد توقفوا من يومين ”

نظرت جانبا وكأن الأمر لم يرق لها أو كانت تتوقع أن الواقع خلاف

ما قيل وقالت عمتها بهدوء ” مؤكد يريدون الضغط عليه ولن تسير

الأمور في صالحه بعدما خسر من أرواح وجرحى وعتاد ”

قال الجالس بجوارها وبكل ثقة ” هل تعتقدي أنه لم يفكر في أبعاد

كل هذا من قبل أن يقدم عليه ؟ هوا يعلم أن كل هذا سيحدث ”

قالت جوزاء بحيرة ” ولم يخبرك بما يفكر طبعا فما استنتجت

أنت من أفعاله وقراراته ؟ ”

ابتسم لمغزى كلامها وقال ” مطر في الحرب ليس مطر في باقي

حياته يا جوزاء ورغم قلة كلامه وكثرة تفكيره وتخطيطه إلا أنه

مفهوم جدا وقد أخد الأمر من منحى لا يدعوا للريبة ولا الخوف ”

نظرتا له بعدم فهم فتابع دون انتظار لتسألانه ” نزلت دباباتنا

وجنودنا قيعان جبال أرياح فجر اليوم ”

لتشهقا الجالستان معه معا تنظران له بصدمة وقالت جوزاء سريعا

” أوكار الإرهابيين في الهازان ”

قال من فوره ” من لا يعرفه سيفكر أنه يستغل هذه النقطة

لصالحه لكنه بعيد كل البعد عن التفكير بذاك المنطق ”

قالت شقيقته بشيء من التذمر ” صقر قل شيئا يفهمه عقل هذه

العجوز الجالسة بجوارك ”

قال مبتسما ” لا بأس ”

ثم تنهد ونظرت للفراغ بشرود وقال ” آخر حديث دار بيننا بالأمس قال

لي فيه ( حتى آخر نفس في صدري وآخر رجل من رجالي سندفعه

لتنظيف هذه البلاد فعلى الغمامة السوداء التي تركها الاستعمار خلفه لعقود

أن تنقشع , ومهما دفعنا اليوم من أبناء الوطن في كلا الجانبين سيكون أقل

خسارة من أن تعيش بلادنا في الظلام والموت طوال حياتها ) ومن كلامه

هذا فهمت ما يصبوا له مطر ولما رجاله مستعدون لدفع أرواحهم خلفه

دون تراجع ولا تفكير فلو سألنا أي شخص هل تموت مقابل أن تتخلص بلادك من حربها الأهلية لكان جوابه نعم ”

تنهدت الجالسة بجواره وقالت ” فهمت الآن مغزى كلام ذاك المجاهد

الذي حارب الاستعمار قديما وقاد الرجال وحين سؤل لما تفعل كل

هذا أجاب ( من أجل الأجيال القادمة ) ”

هزت جوزاء رأسها بنعم وقالت ” أول ما سيفكر فيه أي شخص

أموت ويعيش أبنائي وأحفادي في سلام أفضل من أن يكون

المستقبل كالحاضر وكالماضي ”

ثم قالت بتفكير ” لكن مطر لا ابن له فيها ولن يكون له حفيد فتحتِ

أي مبدأ يتحرك أم فكر كذاك المجاهد ”

قالت عمتها بابتسامة حب ” فكر فيك وابنيك البعيدان عن حضنك

فينا وفي جميع أبناء وطنه , ومن يدري قد يكون له فيها أبناء

وأحفاد فالغيب لا يعلمه إلا الله ”

تنهدت جوزاء وقالت ” فليعش أولا وهوا يقود رجاله في

الخطوط الأمامية وصدره مفتوح للنار والبارود ”

وقف صقر وقال ” لا يموت أحد قبل يومه يا جوزاء , ولا تنسوا أن

تبقوا عند المذياع فسيجتمع ببعض الرؤساء العرب والوزراء

منتصف اليوم ”

نظرت له للأعلى وقالت باستغراب ” الاجتماع اليوم ! ”

قال بابتسامة جانبية ” نعم واختاروا أن تبثه جميع القنوات وكأنهم

يريدون أن يُسمعوا رأيه لمن في هذه البلاد وخارجها ويضعوه في

الصورة التي يريدون أن يصوروها هم للناس ( الطامع في كل شيء

الراكض خلف إراقة الدماء ) ”

وقفت جوزاء من فورها وقالت ” وكيف ذهب دون أن يأتي ويطلب

مني أن أرتب له حقيبته وأن يغير ملابسه بتلك التي يسافر بها

خارج البلاد دائما ”

ربت على كتفها ثم قال مغادرا ” وهوا يفكر بنفس طبقة تفكيرهم

وغادر لهم بلباس الحرب ومن الجبهة فورا ”

*

*

فتح باب تلك القاعة الواسعة التي توسطتها طاولة شبه دائرية قد صنعت

من أجود أنواع الخشب وزينت بأكاليل الزهور الصغيرة وانتشرت الكراسي

الفاخرة حولها قد ملأ كل واحد منها رئيسا أو رئيس وزراء نائب عنه وخلفه

جلست مجموعة الوفد المرافقين له , تقدم ليكسر نقاشهم المحتد في الداخل قبل

حضوره وقبل أن يسمحوا لمراسلي القنوات بالدخول , والتفتت الرؤوس جميعها

للذي وقف على بعد خطوتين من ذاك الباب بلباسه العسكري وحضوره المهيمن

الطاغي ونظرة الثقة التي لم تفارق عينيه ونظراته بل وملامحه الجامدة , وخلفه

مباشرة يقف خمسة من رجاله يرتدون ذات اللباس مع اختلاف لونه عنهم ويقفون

ذات الوقفة الثابتة وتحمل أعينهم ذات تلك النظرة القوية المسيطرة وكأنهم يوجهون

رسالة موحدة لكل من يجلس هناك بأنها الحرب ولا شيء غيرها , نقل نظره بينهم

فردا فردا قبل أن يتقدم من الكرسي الذي تُرك له في رأس مجلس اجتماعهم

وكأنه مذنب ساقوه للمحكمة سوقا ليدلي بأقواله ويقدم أسبابه ومبرراته , وصل

لمكانه ووقف خلف الطاولة دون أن يجلس ولا مرافقيه أيضا وكأنه يبلغهم

رسالة واضحة بأنه لا وقت لديه لهم ولجلسات الأنس وشرب المشروبات

والعصائر الفاخرة واستنشاق عبير الأزهار والكلام في أمور لا جدال فيها

ليخرجوا بنتائج لن تتعدى باب مجلسهم هذا , انتشر الصحفيون ومراسلي

القنوات بعد دخوله متوافدين من الأبواب الثلاثة لتلك القاعة وقد تمركز

أغلبهم على بعد خطوات من طاولته وهوا يجمع مكبرات الصوت الرقيقة

المثبتة على الطاولة لتكون متقاربة جميعها ثم استند بيديه على الطاولة تحته

ينظر للجالسين في صمت , وقبل أن يتحدث أحدهم أو يبدأ من كلفوه بإلقاء

المقدمة وكأنه مدعي عام للمحكمة التي جلبوه لها تحت ستار ( نناقش مطر

شاهين ليتوقف عن أفعاله ) جال بنظره بينهم ولازال جسده منحنيا على

الطاولة المرتفعة أممه ورأسه مرفوعا لهم ثم قال بثبات ” طبعا لا داعي

للمقدمات فجميعكم يعلم أني أكرهها , ولا داعي لأن ألقي أنا عليكم

خطابا وطنيا سخيفا كمقدمة مماثلة ”

ثم سكت لبرهة يبادلهم نظرات باردة موازية لنظراتهم قبل أن يردف وقد

غزت نبرته العالية المبحوحة الواثقة صمت القاعة الواسعة التي تحولت

لمكان وكأنه لا يوجد به غيره ” جميعكم يعلم وأنا أولكم أننا هنا اليوم

من أجل ما تسمونه بإيقاف جنون ابن شاهين عند حده , اعترفتم بذلك

أم أنكرتموه أو سميتموه بغير مسمياته ”

بدأت نظرات الاستهجان تطفوا على السطح وبعض التمتمة الساخطة قبل

أن يسكتهم صوته الذي ارتفع مجددا ” لم يكن الأمر جنونا حين مات رجالي

على الحدود مع الهازان من أربعة أعوام , ولم يكن الأمر جنونا وبلادي

تقسم لثلاث أقسام وهي وطن واحد , ولم يكن الأمر جنونا وخيراتها تنهب

من خارجها ولا يصل لشعبها إلا القليل ”

ثم سكت لصوت أحد الرؤساء وهوا يقاطعه ” نحن هنا من أجل

الحاضر لا الماضي يا ابن شاهين ”

ضرب بيده على الطاولة ضربة دوت في المكان بأكمله وقال بحنق

” وما نحن فيه اليوم إلا نتاج ما كان في الماضي ”

ثم رفع يده ليسكت كل من حاول إبداء رأيه أيضا وقرب شفتيه من

الميكرفونات السوداء الرقيقة أكثر ونظره لازال عليهم وقد اشتدت نبرته

وملامحه وحدة صوته المبحوح قائلا ” هلاّ ذكرتم لي الآن وأمام مسامع

أبناء شعب بلادي كم برميلا من النفط يخرج من الحقول التي أبارها

داخل البلاد وهي في البلدان الموجودة على الحدود خارجها ؟ ”

ضرب بيده الطاولة بقوة مجددا وقال بنبرة أشد ” هل تعطوني نسب لمصافي

تكرير النفط وبلادي تعاني شحا في الوقود والبنزين ؟ كم تستخرجون من

الغاز الطبيعي من أراضيها ونحن نستخدم المدفئات والأفران البدائية طيلة

العام ؟ وكم ينتج هذا من كهرباء كفيلة بجعل حتى التراب في بلادي

يتحول لشحنات كهربائية ونحن نعاني انقطاعها طوال الوقت ”

بقت العيون محدقة به بصمت وهوا يمد يده لمن خلفه وقد ناوله مجموعة

أوراق وضعها أمامه على الطاولة وضرب عليها بيده وقال ناظرا لهم

” هل أنتم مستعدون لأن تقضوا اليوم بطوله هنا وأنا أقرأ على مسامعكم

أرقام الحسابات هذه واخرج الأخطاء والسرقة فيها ؟ قد يجهل الصغير ولا

يفهم الكبير من شعبي لكنكم أعلم منهم بما أقول , من الذي سيكون من

مصلحته أن تستقر البلاد وتأخذ خيراتها وحدها ليدفع لها المال مقابلها

وهوا يأخذها الآن بالمجان ”

تعالت صيحات الاعتراض ممن يرون أنه رماهم بالسرقة وهم يقولون

عن أنفسهم بأنهم من فتحوا أراضيهم لمنشآت كبيرة تعمل لصالحهم داخل

البلاد دون أن يدفعوا تكاليفها , لتسكتهم يده التي ضربت الطاولة مجددا

وقال صارخا ” من كان له اعتراض فليقرأ التقارير السرية التي تغطي

عليها الدول العظمى في الغرب ويضنون أننا سنبقى غافلون عنها أبد الدهر

فها قد آن لشعبي أن يفيق للجميع وأن يرى أبعد من مكانه الذي يقف فيه ”

نظر للأوراق وورقها بيد واحدة والأخرى لازال يسندها على الطاولة حتى

أخرج إحداها ورفعها لهم أمامه ليزداد صوت التقاط كاميرات الصحفيين

له وقال محركا لها مع حركة نظره عليهم ” ثلاثة ملايين برميل نفط يوميا

مقدرة بعشرة مليارات دولار في كل شمس تشرق على أراضينا التي تعاني

هذا غير نصف مليون لتر من البنزين والمحروقات ولن نتحدث عن الغاز

فهلا حسبها لي أحدكم منذ أن بدأ المشروع الدولي لاستخراج هذه الخيرات

من بلادي لخارجها تحت حجة تقديم رواتب لأبناء شعبها ونحن لا يصلنا

منها سوا القليل سنويا في ميزانية مضحكة يتوجب على كل ثلث من

البلاد تقسيمها على مواطنيه ”

كان لا شيء سوا الصمت والأعين المحدقة فيه وهوا يقلب الأوراق ويستخرجها

بالواحدة ويشرح على ما حوت قبل أن يرميها ناثرا لها أمامه لتلتقطها أيدي

الصحفيين بنهم يكادون يتشاجرون عليها وتابع قائلا بغضب ” ومشروعكم

السخيف الجديد وهوا سلب أبناء وطني آخر ما تبقى لهم وهي خيرات الأرض

التي يحرثونها ويزرعونها بأيديهم وبعرقهم تحت مسمى الغذاء مقابل الغذاء ”

ثم صرخ ضاربا الطاولة مجددا ” سحقا لأفكاركم فنحن لسنا بحاجة لمعلباتكم

الصدئة تلك فلم يكفي أنكم أخذتم النفط والغاز مقابلا لها لسنوات طويلة تحت

مسمى سخيف جديد النفط مقابل الغذاء مثلما كان النفط مقابل مال لا

يساوي عشر ثمنه ”

سوى بعدها وقفته شامخا ونظرهم عليه ومن خلفه لم يكونوا أقل منه ولوح

بإصبعه راميا له جانبا وقال صارخا ” بلادي ستتوحد وخيراتها سترجع

لها إن بالسلم أو بالحرب , وإن مات ابن شاهين فسيترك لكم خلفه الآلاف

مثله وأشد عزما منه , وبما أننا نقتل بعضنا في كل الأحوال ونموت

بالمئات يوميا حتى وقت المهادنات فلنمت من أجل شيء يستحق

ومن أجل مستقبل أفضل لأبنائنا ”

ثم أشار لهم بإصبعه حوله تباعا وقال ” ومثلما أصدرتم خرافاتكم

بالنفط والغاز مقابل المال ومقابل الغذاء فقد أصدرنا نحن قانونا أيضا ”

اشتد الانتباه له من الجميع وكأنهم يتلقون الصدمة تلو الأخرى قبل أن يقبض

أصابعه وقال صارخا ” الدم مقابل الحرية والدم مقابل الدم والدم مقابل بلاد

واحدة , فليبصق التاريخ على ابن شاهين فيما بعد فلا يهم عندي ما ستذكره

الكتب عن ابن شاهين مريق الدماء لأني سأكون راضيا بعشرة يعيشون

عليها بحرية وكرامة وراحة وأمان ”

تعالت الأصوات وتداخلت وكأن كل واحد يريد أن يبدي رأيه قبل الآخر

ليدوي صراخه عاليا ” من أرادها بالسلم ستكون بالسلم محفوظا دمه

وعرضه وماله ومن أرادها بالحرب فنحن لها ”

وكانت كلمات فهم الجميع أنها موجهة لقبائل بلاده وليس لهم , جال بنظره

فيهم مجددا وقال ” بعد ساعة من الآن سينزل رجالي جبال أرياح لعلنا

نخلص البلاد من شر يدعمه الجميع ليتفشى فيها , وإن كنتم حقا تشعرون

بنا كما تزعمون فقدموا العون لانتشالهم رغم أني أشك بذلك ”

وغادر طاولته والقاعة بأكملها مخلفا ورائه زوبعة من الاعتراضات

والانتقاد لما قال وكيف خرج دون أن يستمع لأحد وكأنه جاء ليلقي ما

لديه على مسامعهم ويغادر , وبدأ البقية بالمغادرة أيضا قبل أن تتلقفهم

أسئلة الصحفيين عن ادعاءات ابن شاهين والأرقام الموثقة عن السرقات

وعن الأعداد الحقيقية لإيرادات بلاده في فضيحة ستلتهمها الصحافة

لوقت يعلم الجميع أنه لن يكون قصيرا

المخرج ~
بقلم/ الغالية انجوانا

عندما رايتك تكبرين امام عيوني كزهره فواحه
تتفتح مع نسيم الصباح وتنشر عطرها ….كل يوم
بل كل ساعه لا كل دقيقه ادعوو الله ان تنظري لعيوني
لتري العشق يتلألأ بها لرؤيتك يا ياسمينه قلبي …
انظري لومره واحده فقط انعشي قلبي بابتسامتك
كل ليله اسافر بخيالي لعالم اخر لا حرب ولا دماء ولا احد
انا وانتي فقط نعييش ونتقاسم السعاده …ساعطيك قلبي وروحي
وكلي لك لأرى نظره الطفوله تشع منك …لا اريد ان اعيش بلا قلب فانتي قلبي ولا بلا روح فانت الروح ..اريد ان امسك بك ونحلق ونطيير الى الانهايه الى الاوجود ….انا وانتي فقط …بهماساتك ولمساتك …..بابتسامتك احيا انا فلا حياه بدونك ياياسمينه قلبي ….احبك حيث لا حب بعد وارغبك حيث لا عشق بعد …واعشقك حيث لا حدود لعشقي …كوني لي…….

ممكن نقول لجبران

نهاية الفصل السابع

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثامن

يسعد مساءكم بكل حب أحبتي

أحببت أن أوضح نقطة صغيرة وهي قصة ضرار , ضرار

متوارث في عائلته ولادة الابن الواحد يعني أنه ابن وحيد

لأباه وأباه الابن الوحيد لجده وهكذا حتى جد جد الجد مما

اعتبر لعنة لديهم وهوا تزوج من أم ابنه سلطان وطبعا

الخطأ كان مني في أسمه لأنه سلطان وليس رافد , ومن

ثم تزوج جدة زيزفون في السر وحين حملت بابنها إسحاق

والد زيزفون أنكر الابن بحكم أنه لا يولد له سوا ابن واحد

وطلقها فعاشت وربت ابنها وحمل اسم جده والد أمه حتى

تزوج وأنجب زيزفون , لكن بعد وفاة زوجة سلطان ابن

ضرار وهي أم وقاص تزوج من زوجة ثانية كزوجة فقط

ولم يتوقع لا ضرار ولا ابنه أن تحمل هي أيضا ومن هنا

دخل الشك لضرار من أنه يولد لهم ابن واحد من كل زوجة

فزوج سلطان رغما عنه من ثلاث نساء ليصبح لديه أربع

أحفاد بدلا من واحد وستتعرفون عليهم إن شاء الله , عندها

علم ضرار أن إسحاق إبنه فعلا وأن زيزفون حفيدته وحين

أرسل من يسأل عن ابنه وعائلته أخبرتهم الجدة أنه مات

وولدت له ابنة وأنها خرساء وتصرفاتها غير طبيعية

ليبتعد الجد عن طريقهم لأن زيزفون كانت تعاني بطأً في

الإدراك والفهم وقصتهم ستفهمونها تباعا أحببت فقط أن

أوضح لكم ولا تكون معقدة وشائكة , وطبعا زيزفون

ووقاص هم من أبطال الجزء الثاني لكنكم ستعيشون

قصتهم الآن مثل تيم وماريه

****

جنون المطر [II] الجزء الأول

الفصل الثامن

المدخل ~

بقلم/ الغالية نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء

لا تبتأس يا تيـم .. فالحزنُ لن يُقـيمْ
والظلمُ لن يدوم .. وستنجلي الهمومْ
***
ماريّـة الصغيرة .. لا تبكي يا أميرة
واكملي المسيرة .. يا دُرتي المنيرة
***
وانتَ يا جُبرانْ ..لا تبرح المكـانْ
لن تكـون لك .. فاشتري النسيانْ
***
ستنجلي الاسرار .. وتهطلُ الامطارْ
ف بُـح ايا شِراع .. وفجـّر الأخبـارْ

**********

ضمت ساقيها أكثر جالسة فوق سرير شقيقها كاسر وحدقتيها المليئة

بالدموع لازالت معلقة بالمذياع بجانب سريره رغم أنه لم يعد يخرج

منه إلا صوت النقاشات المتداخلة في تلك القاعة وقد تحول اجتماعهم

لفوضى بعد رحيل من اجتاحه كالإعصار المدمر مخلفا خلفه دمارا في

كل مكان وعقول لم تعد لصوابها بعد لتنظم ذاك الاجتماع كما يفترض

أن يكون وقد اختلطت أصواتهم بمقاطعات الصحفيين لهم لتوجيه أي سؤال

لأي شخص قد يجدون عنده إجابة عليه , أغمضت عينيها لبرهة وفتحتهما

مجددا ولازالت كلماته ترن في أذنيها وصوته الجهوري المبحوح يدوي

في دماغها بل ولازال ينتقل في جزيئات جسدها كالقشعريرة وكأنه لازال

يتحدث الآن فذاك الشعور لم يفارقها طوال حديثه الصارخ الغاضب الواثق

في ذات الوقت وما سمعته منه لأول مرة , فلأول مرة تعلم عن كل هذا

حالها حال أي شخص من تلك البلاد وهي تتذكر الأرقام التي كان يقولها

ومقارنته بها لحالهم الذي بقدر ما ذكر عنه لازال أسوء وهم يملكون كل

تلك الثروات التي تمتص من مجاوراتها من البلدان بكل ضمير ميت

وأكثر ما علق في دماغها جملته ( من سيرضى أن تستقر بلادنا وهوا

يرى عدم استقرارها كنزا يذر عليه بالأموال , من سيقول خذوا أباركم

وخزاناتكم ومصافيكم وحقول الغاز وهي تضخ له الملايين )

امتدت أصابع الكاسر أمام عينيها وضغطت ذاك الزر الذي أنهى

به ذاك الضجيج في الغرفة التي حوت ثلاثتهم بوجود عمتهما

ليقطع ذاك أفكارها ويعيد نظرها الذي غاب تماما في فتحات مكبر

الصوت في ذاك المذياع الخشبي وكأنها كانت تراه معهم وحُجبت

عنها رؤيته الآن , رفعت نظرها بشقيقها الذي بدا شاحبا بشكل

واضح لا تعلم بسبب ما علم مثلها أم بسبب تفكير ابن شاهين

ومقولته بأن الدم مقابل الدم والدم مقابل الحرية والكرامة

خرج صوتها ضعيفا وقالت هامسة ببحة

” ولما ليس بالسلم ؟ ”

هز كاسر رأسه بأسى وقال ” من سيرضى يا شقيقتي ؟ حتى إن قرر

والدي ذلك فلن ترضى له القبائل وسندخل في جدال بين موافق ومعارض

ومحتج وندخل في حرب داخلية بيننا , وابن شاهين يعلم ذلك جيدا لهذا قال
من أرادها سلما حفظنا دمه وماله وعرضه لأنه يعلم أنها لن تكون سلما

بحتا وستحتاج للحرب وستري بعينك ما سيحدث داخل الهازان من انقسامات

وحروب داخلية وتمرد لأن بعض المناطق والقرى ستسلم له طوعا وبعضها

ستعارض , وما فكر بمحاربة الإرهابيين أولاً عند جبال أرياح إلا لأنه موقن

من أنهم سيستغلون البلبلة التي ستحدث في البلاد تباعا وسيخربونها فوق

خرابها وسينتشرون في الشرق أكثر كالوباء المسموم لذلك يريد

محاصرتهم أولاً ليضمن أنهم لن يعثوا في الهازان فسادا

ما أن يتزعزع أمنها الداخلي أكثر من سابقه ”

جالت بحدقتيها السوداء الواسعة في ملامحه الشاردة بعيدا وقد ازدادت

شحوبا ورغم أنها لا تفهم كثيرا في أمور الحرب ولم تستطع تحليل أفكار

وكلام مطر كما فعل شقيقها لكنها نطقت بما جال في تفكيرها قائلة بحيرة

” زعيم الهازان قال أن ابن شاهين سيستغل حرب جبال أرياح لصالحه

وها هوا حدث ما توقع فلما تحليلك للأمر مختلفا يا كاسر ؟ ”

غاب بنظره للأرض أكثر وضغط قبضته بقوة وقال بشرود ” الكثيرين فكروا

كذلك يا غسق ويعلمون أن الغرب سيقفون معه وسيمدونه بالسلاح , والطيران

سيسانده مادام سيحاربهم على الأرض لكن تفكير ابن شاهين تفكير حربي

مدروس ويعلم كما الجميع أن الغرب يمسكون العصا من المنتصف دائما وبقدر

ما يحاربون الإرهاب يدعمونه وبقدر ما سيقفون معه في زحفه على الهازان

سيقفون مع الهازان وإن بإيهامهم أنهم معهم وسيقفون أيضا مع الدول المجاورة

لنا في سرقتهم لخيرات بلادنا ليكونوا في صف المنتصر في النهاية كان من

يكون فهم يعنيهم فقط أن الرابح لن يكون ضدهم ويقطع معهم الاتفاقيات

والعقود المبرمة ”
هزت رأسها بحيرة ونظرت لعمتها الصامتة طوال الجلسة وكأنها تريد أن

تشعر أنه ثمة شخص آخر هنا مثلها لم يفهم شيئا ويشعر أنه يدور في حلقة

مفرغة كلما شرحوا له أكثر كلما تعقدت الأمور لديه أكثر , ونظرت لها تلك

بنظرة أسى وحنان مراقبة دمعتها التي لازالت حبيسة حدقتيها السوداء الواسعة

وقد توهجت وجنتيها احمرارا وتنهدت باستسلام قائلة ” ما كتبه الله لنا سنراه يا

غسق ومثلما لا يريد أحد الحرب لا يرضى أحد بالذل وأن يصغره ابن شاهين ”

ضمت ساقيها أكثر ودفنت وجهها فيهما وكأنها تريد الاختباء من كلماتها تلك

تريد أن تكون عيناها حبيسة الظلام لتعلم أنه ثمة سواد أكثر مما هم فيه الآن

وتمتمت بهمس لا يسمعه أحد غيرها ” إن كان أنتي المرأة تفكيرك

هكذا فكيف بالرجال ؟ ”

*

*

ولم يكن حال أي فرد من تلك البلاد أفضل من ذلك وكأن الزمن توقف

وصورهم ثبتت على ما هي عليه جالسين بقرب كل مذياع توسط منزلا أو

سيارة أو مقر جنود وكل واحد يفكر فيما سيكون القادم ؟ أين سنكون نحن

منه وما ستصنعه بنا أمواج جنون مطر المفاجئ , ذاك الجنون الذي أخرجه

الهازان للسطح وهو كان يسيطر عليه لأعوام متجاهلا قتلهم لرجاله عند

الحدود كل وقت وكأنهم يسخرون منه وها قد داسهم بنعال دباباته في النهاية

ومثلما عمت الفوضى ذاك الاجتماع الذي انفض من وقت قصير فقد لعبت

دورها أيضا في كل قطر من تلك البلاد بين مندهش وغاضب ومعارض

ومؤيد وكلٌ يريد أن يبدي رأيه والتكهنات بالمستقبل من أفواههم كثيرة وهم

موقنون من أن ما سيجري لن يعلمه إلا الله , ودخل شرق البلاد في موجة

من الاضطراب الذي سيصعب على زعيم قبائلهم احتوائه وبدأ البعض ممن

تيسر لديهم الحال بمغادرة البلاد بشكل نهائي وحزم الكثيرين ممن لا حيلة

لهم ولا ملجأ أمتعتهم لعلهم يهربون من الحرب التي باتت وشيكة وإن

للجبال أو الحدود , ومهما حاول الهازان لم شتات الناس وإخماد ذعرها

فلن يستطيع , وكل تفكيرهم كان في منع أن تنموا بينهم مجموعات متمردة

ستعمل على جمع بعضها وتسليم المدن لابن شاهين طوعا وهم يرونه

بدأ في تنفيذ ما تحدث عنه والحرب طاحنة عند جبال أرياح وأصوات

دوي دبابته والراجمات يسمع عند بعض المناطق بوضوح وهو يمارس

ثاني جزء من ثوران بركانه على الخلايا الإرهابية المتمركزة هناك تضم

تحت لوائها قرابة الخمس مدن التي استولت عليها من زمن بعيد ولا أحد

احتج لذلك سوى محاولات ضعيفة من قبل الهازان لرد وصد زحفها أكثر

واستيلائها على باقي المناطق والمدن وأعتبروا أن ما أخذوه منهم غنيمة

ضاعت لا يفكرون في استردادها , ودخل غرب البلاد في حاله من التوتر

لا تخفى عن أي أحد وبينما سكت البعض لأنهم يرون أن ما يفكر فيه ابن

شاهين سيحتاج لزمن ليحدث ومن الاستعجال فعل أي شيء غير تقوية

أنفسهم عسكريا وأخذ البعض منهم يتناقلون سؤالا واحدا ( ماذا إن وصل لنا

وبتنا محاصرين منه شرقا وجنوبا ؟ ) وبالفعل تداخلت الآراء بين معارض

للسلم ومؤيد له , أما جنوب البلاد فلم يحضا بما حضي به قطريها الآخران

وجل تفكير الناس وقتها في كيف يمدون ويساندون رجالهم في جبهات القتال

ببيع كل ما لديهم وإخراج كل قرش يملكونه , ولم يتوانى الصغير قبل الكبير

في تقديم ما يستطيع عليه وكل عائلة قدمت من رجالها وإن واحدا ولم

تتباطأ العائلات في تقديم أبنائها قبل أموالها وطعامها
*
*

وضع الورقة الأخيرة أمام الجالس على كرسي بجانب تلك الطاولة الخشبية

يسند مرفقه عليها وتحتضن يده فكيه ينظر بتمعن وذهن صافي لما تحوي كل

تلك الأوراق والواقف فوقه يقول ” هذا آخر ما وصلنا والعدد الآن خمس دول

واجتماع مجلس الأمن سيبدأ بالإنعقاد قريبا فقد بدأت الأخبار تتناقل أياما متباينة

عن عقد أول جلساته والأمور فيه ستدور إما لصالحنا أو ضدنا وفي كل الأحوال

قد يكون مجرد غطاء سياسي وهمي وتمرر للقرارات من تحت الطاولات ونكون

الكاسبين في كلا الحالتين , وكما أشرت سيدي نحن لن نتراجع في كل الأحوال

وعزيمة الرجال قوية وتقدمنا ملحوظ في جبال أرياح , وزعماء الهازان كمن

يحارب الريح أصواتهم لا تتعدى حناجرهم وهجومهم المشوه ضدك لم يلقى

أي ترحيب في الحالك ”

أبعد يده عن فكيه وقال ونظره لازال على الأوراق ” وصنوان ؟ ”

سوى الواقف فوقه وقفته وقال ناظرا له ” لا شيء حتى الآن بعد رفضهم

مجددا عرض الهازان لشن الحرب من الطرفين علينا , ولم يصلنا أي خبر

عن تفكيرهم في إرسال وفد لنا خاصة أن المهادنة بيننا تحتاج لأكثر من

شهرين لتنتهي مدتها ويبدوا أنهم يثقون في وعودك وأنك لن تغدر بهم ”

هز رأسه بحسنا وهمس بشرود ” الوقت طويل أمامهم ليتخذوا قرارا

يجنبهم ما يحدث مع الهازان ”

انفتح الباب حينها ووجهت الأنظار للذي قال ما أن وقف أمامه ولازال

مقبضه في يده ” سيدي المبعوث الدولي والوفد وصلوا الحدود

وسيدخلون الآن ”

وقف حينها مطر وتحرك قائلا ” ها هوا الحوت طفا على

السطح يا رجال ”

وخرج ورجاله خلفه وهم موقنون من أن اجتماعهم بهذا الوفد سيكون

نقلة محورية في الأحداث وأنه كالعادة ما ستنقله الأخبار عن نتائج

اجتماعه بهم لن يكون كل ما دار في ذاك الاجتماع الذي ستكون

أهم محاوره سرية حتى وقت لن يكون بعيدا

*

*

طوت آخر قطعة من الثياب ورمتها فوق البقية وعادت لمحاولة رصهم

لتحويهم تلك الحقيبة متوسطة الحجم ولسانها لا يتوقف عن التمتمة بالدعاء

وطلب عون الله ولطفه في الأيام القادمة , وحالها هذا ليس بأقل من حال كل

فرد في الهازان بعد سماعهم لخطاب ابن شاهين منذ أيام وهوا يؤكد زحفه
المستمر عليهم وإن كانوا قد توقفوا حاليا وانشغلوا بجبال أرياح وساكنيها

أولئك سود الملابس والأعلام ميتين الضمائر المارقين من دين الله

نظرت للقدمين الصغيرتين التي دفعت الباب الخشبي ودخلت ثم سرعان

ما رفعت بصرها للسقف حين دوى صوت طائرة تعبر الأجواء بسرعة

حيث أن هدير محركات الطائرات الحربية أمرا معتادا لديهم من حين

لآخر والطيران الحربي الغربي يضرب مواقع الإرهابيين في جبال

أرياح ومناطقها لاقتناص قادتهم ومتى ما أرادوا هم طبعا

” جدتي ”

كان ذاك الصوت الطفولي الوجل القلق الذي خرج من حنجرة الطفلة

ذات الأربعة أعوام وهي تحضن دمية قماشية مصنوعة باليد

وقد قالت قبل أن تجيبها الجالسة خلف تلك الحقيبة

” نموت ”

مدت يديها لها وقالت بحزن ” تعالي بنيتي لن نموت من هذا

الذي قال لك ذلك ؟ ”

اقتربت منها بخطوات شبه راكضة وارتمت في حضن التي ضمتها

بقوة وقالت ” لا تستمعي لما يقول الجيران يا زيزفون أنتي لا

تفهمين معنى كل هذا كما يقولونه ”

أبعدت وجهها الصغير عن حضنها ونظرت لها بتلك العينان

الزرقاء الواسعة وقالت ” جدتي طعام ”

ابتسمت لها بحب وقبلتها بين عينيها ووقفت وقالت موقفة لها معها

” أجل بنيتي كيف نسيت أنك لم تأكلي منذ الصباح وانشغلت بجمع

أغراضنا عنك ”

وسارت بها جهة مطبخ المنزل الصغير البسيط وعقلها لازال مع حقيبتهم

تلك فأين سيهربون هم قبل أن يهربوا بها ولا مكان لهم غير هذه القرية ولا

أهل لهم غير سكانها الذين تفرقوا كلن ذهب في قطر من هذه البلاد , رفعتها

من ذراعيها وأجلستها على الكرسي قائلة ” سأعد لك بعض البيض هذا

أسرع وأوفر ما لدينا حسنا حبيبتي ”

ثم توجهت للثلاجة الصغيرة القديمة في زاوية المطبخ وفتحتها على

وقع تلك الكلمات الصغيرة التي تتردد كنغم غنائي ” بيض بيض

بيضة واحدة ”

تنهدت بأسى وهي تضع المقلاة على النار وشعور مُر حارق يذبح روحها

وهي موقنة بأنها تودع كل شيء في هذا المنزل وهذه القرية , المنزل الذي

عاشت فيه منذ طفولتها مع والديها وأنجبت فيه ابنها وربته وزوّجته وفيه

استقبلت حفيدتها الأولى وسيصبح قريبا كما كل منازل هذه المنطقة ملكا

للحالك ما أن يقرر زعيمهم ذلك ولأنه لا أحد استطاع أن يؤمن نفسه ويبقى

ويسلم منطقته كما طلب في خطابه ذاك لجأ الجميع للهرب وإن كان مكان

وجهات أغلبهم لا جواب عليها سوى بـ ( نرحل والله يجد لنا سبيلا )

وضعت البيض في المقلاة وحركته لحظة ما بدأ يتماسك متمتمة

بحزن وقهر ” لا وفقك الله يا ضرار غادرت البلاد بأموالك

وعائلتك ولم تفكر في التي تركتها خلفك وهي من صلبك ”

وبقدر ما كان الأمر صعبا وشديدا عليها فكرت فعلا في أن تسلمها له

ليأخذها معه فلن تستطيع حمايتها من الحرب والجوع والنوم في

العراء , لكنّ ذاك لم يسأل عنها ولم تصل هي له قبل رحيلهم

*

*

استل ما في يدها بقوة وقال مزمجرا بغضب ” أسماء تعقلي أو

قسما إن خرجتِ من هنا لا رجوع لك ”

لطمت خديها بقوة وقالت ببكاء ” أبني أعد لي ابني يا سمعان

أو قسما فعلتها الآن وذهبت ”

شدها من ذراعها بقوة وقال بصراخ ” ابنك ليس أفضل من غيره

ولن تكتب عليا أن لا يكون مع غيره في خطوط الحرب والقتال

هل تريدين أن تضحك الناس علينا ”

أبعدت يده عنها بقوة وقالت بصراخ باكي ” لازال في الخامسة عشرة

إنه طفل ألا رحمة في قلبك ؟ كل ما يعنيك كلام الناس فقط ”

لوح بيده قائلا بغضب ” أصغر منه قدموهم أهاليهم للتدريب والقتال

ولن يكونوا أفضل منه , حتى إن كان أصغر من سنه هذا لما توانيت

في أخذه هناك ولولا عرج ساقي لذهبت أيضا , وابن ابنة عمي الجالس

في تلك الغرفة لو لم يكن ابن شاهين منع من ينتسب للهازان من

خوض القتال لرميته هناك أيضا ”

قالت بحدة ” وما يفعلوه بطفل في العاشرة ”

لوح بيده مزمجرا ” في العاشرة لكن نظراته تكفي لقتل رجل ولا يوجد

طفل في هذه الظروف فجميعهم رجال , فإن مات ابنك مات بطلا وإن

عاد عاد بطلا ولسنا أفضل من غيرنا وهم يدفعون أبنائهم بالثلاثة

والأربعة للقتال مع ابن شاهين فتوقفي عن الجنون يا امرأة ”

نزلت على الأرض ولازالت في نديبها تضرب فخديها ثارة وتلطم خديها

ثارة أخرى ولم تعي ولا للطفلة ذات الثمانية أشهر التي تحبوا حتى وصلت

لها وتعلقت بثيابها ولا بالأخرى ذات الخمس سنين وهي تتسلل للمطبخ

مستغلة انشغالهما في الشجار وفي يدها كيس بلاستيكي صغير به رغيفي

خبز أحدهما مرت عليه ساعات النهار والآخر من البارحة نائم في ذاك

الكيس الصغير , فتحت الخزانة السفلية برفق كي لا يشعروا بها وأخذت

رغيفا آخر ووضعته معهم ثم خبأته في ثيابها وبعد زيارة قصيرة للثلاجة

كانت واقفة عند باب المطبخ تنظر خلسة لما وصلا له وقد خرج عمها

ضاربا الباب بقوة وغضب ووقفت زوجته وحملت ابنتها ودخلت بها إحدى

الغرف وضربت بابها خلفها أيضا وصوت نحيبها لازال يخرج من خلف

ذاك الباب , تحركت حينها بخطوات راكضة حافية القدمين حتى وصلت

باب المنزل وفتحته برفق وهدوء لن تسمعه التي مؤكد لا تسمع إلا صوت

نحيبها العالي وخرجت راكضة بخطواتها الصغيرة تقذف قدميها في الهواء

مرحا لتمكنها من الخروج أخيرا والوصول للغرفة الموجودة في سور ذاك

المنزل , وما أن دخلت لها حتى قابلتها الجالسة على السرير بوهن وملامح

متعبة وإن كانت أفضل من السابق بكثير بعد زيارة الطبيب وصرف الدواء

لها , توجهت نحوها مسرعة وأخرجت الكيس من ثيابها ومدته لها قائلة

بابتسامة طفولية وصوت رقيق ” خذي عمتي لتأكلي ”

ابتسمت لها تلك بتعب وقالت ” ماريه يا صغيرتي لما تخاطرين

وقد تتلقي عقابا قاسيا من أجل خبز جاف ”

أدخلت يدها الصغيرة في فستانها وقالت ” ليس خبزا فقط ”

ثم أخرجتها وقالت ” وطماطم أيضا ”

هزت رأسها مبتسمة بتعب وقالت ” لو شاهدك أحدهم لن يرحمونك ”

تحدث حينها الجالس على السرير الآخر كتابه في يده ونظره عليه

وقال ببرود ” ليمسكوها لعلها تتوب ”

نظرت له وقالت بكلمات رقيقة غاضبة ملوحة بيدها الصغيرة

” أنت لا تأكل أنا أحضرتهم لعمتي وليس لك ”

تجاهلها ولم يزح نظره عن كتابه على نظرات والدته التي قالت

مبتسمة ” أعانها الله عليك مستقبلا ”

نظر لها باستهجان وإن كان لم يفهم لما ترمي ومسحت هي

على شعر التي صعدت السرير وجلست بجوارها وقالت

” هل فعلا أحضرتهم لي وحدي ”

مدت شفتيها بعبوس وقالت بحزن ” بل وله أيضا ”

خرجت منها ضحكة صغيرة متعبة وقالت ناظرة للعينين العسليتان

الواسعة ” إذا تمني أن لا يحوجك الزمن له كي لا يتعبك ”

نظرت لها بعدم استيعاب لوقت فمسحت على طرف وجهها وقالت

بهمس لا يسمعه الجالس بعيدا ” حين تكبرين ستحتاجين لصبر أكثر

وقلب أكبر فالرجل إن كبر ازداد صلابة وبرودا والمرأة تزداد

رقة وحنانا واحتياجا ”

رمشت بعينيها لوقت وبعد محاولة جديدة فاشلة لفهم ما تقصد الجالسة

أمامها قالت ” عمتي أسماء تبكي وعمي خرج من المنزل غاضبا

ألن يرجع ظافر ! هل سيموت ؟ ”

تنهدت بحزن وقالت بشرود ” من يعلم يا ابنتي ؟ ستنتهي الحرب ونرى ”

نزلت حينها من السرير قائلة ” كليهم عمتي وسأحضر لك غيرهم غدا ”

قالت بهدوء ” لا داعي يا ماريه هم أصبحوا يعطوننا وجبة كل يوم

هذا غير الرمانتين بعدما خافوا من التهديد الغير مباشر من

شيخ القبيلة فتجنبي غضبهما عليك يا ابنتي ”

نظرت لها باستغراب قبل أن تلمس خدها بإصبعها الصغير

وقالت بحيرة ” يعطونكم رمانا !! ”

قفز حينها الجالس على السرير الآخر وأمسك بيدها وسحبها منها للخارج

قائلا ” تعالي ماريه هناك شيء سأريه لك وجدته في الأعشاب ”

وخرج بها على صوتها الطفولي المرح قائلة ” حقا !! هل هي

سلحفاة صغيرة أخرى ”

وما أن وصل بها للخارج حتى أدارها جهة الجدار وقال بحزم ونظرات

حادة موجهة لعينيها المتسعة باستغراب ” لا تذكري الرمان لأحد ولا

تسألي والدتي عنه وإن سألتك أخبريها أنك تأكلينه كل يوم

في منزل عمك مفهوم ”

هزت رأسها بحسنا تنظر له بخوف فرفع أصبعه أمام وجهه وقال

بتهديد ” إياك يا ماريه ثم إياك وأقسم لن أكلمك مجددا ولن أرافقك

للمدرسة إن أخبرتي أي أحد بشيء تفهمي ”

هزت رأسها مجددا وخرجت الحروف منها بعبرة مخنوقة وعينان

وجلة دامعة ” لما تخيفني يا تيم ؟ لن أخبر أحدا أعدك ”

سحبها من يدها لجانب غرفتهم قائلا ” إذا تعالي لتري السلحفاة

الأخرى إنها أصغر من السابقة ”

قفزت ويدها لازالت في قبضة يده راكضة لتلحق خطواته السريعة

وقالت بمرح ” رائع هل هي صغيرة جدا ”

*

*

جال بنظره بين أبنائه الأربعة الواقف منهم والجالس مجتمعين في غرفة

مكتبه في منزله وتابع بصوته الجهوري الجاد ” ليبدأالجميع بالتحرك في

المناطق وقيادة من سيعملون معكم بجد لضمان استقرار مدننا فما نمر

به قد يكون وبالا علينا إن تراخينا ولن أعتمد على أحد مثلكم ولا أبناء

زعماء القبائل فها قد حان الوقت لأجني ثمار تربيتي لكم رجالا ”

ثم استقر نظره على رعد الذي قال بهدوء ” أفهم من كلامك

أننا سنترك الحدود حاليا ”

قال بذات جديته ” نعم فالحدود مؤمنة حاليا وابن شاهين لا يفكر

في خرق هدنته معنا ولا الغدر بنا , ورجالنا هناك يفون بالغرض

ومستعدين لأي طارئ لكن الشأن الداخلي يحتاج منا لتضافر

أكثر وأنتم ترون حال البلاد ”

قال كاسر الجالس مقابلا له بجوار رعد ” وما الذي أثمر

عنه الاجتماع الأخير ؟ ”

تنهد شراع بعمق وقال ” الضغط على ابن شاهين كي لا يستمر في

زحفه على الهازان ولسنا نعلم سيتحقق هذا البند أم أنه لا وجود

له كالمعني به وهو يتجاهل حضور كل تلك الاجتماعات

المقررة ويقاتل مع رجاله في مدن أرياح ”

قال رماح الواقف خلفهما مكتفا يديه لصدره ” وها هو بالفعل

أخذ منهم منطقة ووصل لمنتصف أراضي الثانية من قبل

تكثيف الدعم الجوي فكيف بالآن ”

علق كاسر قائلا ” حتى إن سلبهم المناطق الخمس فسيفرون للجبال

ويحاربونه من هناك كعادة الإرهابيين في كل مكان فكيف بحدود

مفتوحة ستجلب باقي أشباههم من الدول الأخرى تحت حجة

مساندة أخوانهم في الدين ”

قال جبران الواقف بجانب كرسي والده مقابلا لأخوته ” وإن يكن ؟

فسيكون خطرهم أقل ولا تنسوا أنها ورقة قوية سيلوح بها ابن

شاهين في وجوه الجميع ويضمن أيضا أنهم لن يشكلوا

خطرا عليه مستقبلا ”

هز رعد رأسه بأسى وقال ” ويزج الآلاف من رجاله لقتلهم من

أجل حماية شيء لم يمتلكه بعد ”

قال شراع بسخرية ظهرت كالمرارة في صوته ” بل هم من يزجون أنفسهم

خلفه دون أدنى تراجع ولا تراخي , وآخر ما وصلنا أنه حتى من هم دون

الثمانية عشر عاما يخضعون للتدريبات المكثفة حاليا والأهالي في الحالك

يقدمون له أبنائهم وكأنهم يعطونه ثوبا من ملابسهم دون أن يرف لهم جفن

ولا أن يعترض أبناءهم مما يعني أنهم مستعدون للموت حتى آخر طفل

فيهم ولا يخذلوه فيما بدأ فيه ”

قال رماح بضيق ” جنون !! جن هذا الرجل وقبائله مثله وكأنه غسل

أدمغتهم يسيرون خلفه كالمنومين , إن كنا نحن مكانه لتوسلنا على

الأبواب لكي يصدقوا فقط أننا نفعل ما نخطط له لصالحهم

فكيف أقنعهم هم ! ”

قطع حديثهم الطرقات الخفيفة على باب غرفة المكتب وانفتح بعدها ببطء

وقد توجهت الأنظار له حتى دخلت منه التي ألقت السلام بصوت منخفض

تحمل في يديها صينية تحوي خمس أكواب شاي كبيرة تخرج منها

الأبخرة متصاعدة لوجهها الذي حضنه الحجاب الأبيض الجاهز

مبتسمة لهم من بعيد فقال رعد مبتسما ” تعالي لقد فاتك من

التشويق الكثير ”

اقتربت منهم وقالت مبتسمة ” أتركوا تشويقكم لأنفسكم وإلا

سأضع الشاي وأهرب ”

ضحك رعد وشراع وكاسر واكتفى رماح بالنظر لها مبتسما أما الخامس

فيهم فقد هرب بنظره للأرض ما أن دخلت , بعدما كسر قراراه بالفرار

بأوامر من والده وما كان سيرفض في وضع البلاد الراهن , وتحمل مغبة

النظر لها من بعيد وهوا يرى قلبه يحترق شوقا ولا شيء لديه سوا التمني

والانتظار , وضعت الصينية على الطاولة بينهم وجلست بجوار كاسر الذي

احتضن كتفيها من فوره وقبل رأسها ثم همس لها بشيء مبتسما جعل وجنتيها

تتوهجان خجلا وهي تنظر ليديها في حجرها ووكزته بمرفقها بقوة فضحك

في صمت فخطفت نظرها سريعا لجبران وكل ما خشيته أن يكون رآهما

لكنه كان ما يزال محتفظا برداء التجاهل بعيدا عن كل شيء في وجودها

هاربا بنظره للأرض وإن كان قلبه يصرخ ويصرح بأشياء تعاكس حاله

تماما , أرخت نظرها بحزن وهي تعلم سبب تجاهله حتى في النظر لها

وهي موقنة مثله أن القرار ما يزال في يدها وتعاتب نفسها على ذلك دائما

وقبل كل هذا على فشلها بالشعور ناحيته بأي شيء مختلف عن باقي

أشقائه , حتى شوقها له وشعورها وقت رؤيته كان موازيا لشعورها

ناحيتهم جميعا , لكنها لازالت تصر على قرارها وأنها ستحاول أن

تكون له الزوجة التي يريد , وهي تجهل تماما أنه مستعد أن يكون

لها فوق الزوج الذي تتمناه أي امرأة حتى إن كان شعورا من طرفه

وحده بعدما عاش لسنوات يتعذب من رؤيتها أمامه وهي تضنه شقيقها

قال رماح متابعا ما كانوا فيه ” بعض الدول المجاورة قرروا وضع

عقوبات على ابن شاهين ومنع الإمداد المادي عنه لكن البنك الدولي

رفض لأن ما يقدم من حق الأهالي في الحالك , والآراء الدولية في

الغرب لازالت في تماطلها وتذبذبها ولا يرددون سوا بأنه على ابن

شاهين أن يتريث وأن يكون الحل سياسيا ”

نظر له رعد فوقه وقال ” وطبعا يعطونه الفرصة ليفعل ما يريد ”

عقب كاسر من فوره ” خطابه ذاك في الاجتماع العربي كان مدمرا

وهوا يتحدث عن عشرات المليارات كحد أدنى تنتجها البلاد شهريا

فكيف بالسنة الكاملة ونحن لا نرى منها إلا القليل ونعاني من

النقص في كل شيء بينما نحن من ننتجه ”

قال شراع بهدوء وقد تخللت نبرته الكثير من العمق المفعم بالتوجس

” لم يعد هذا هوا المحور الأساسي الآن خاصة بالنسبة لنا نحن كالعائلة

التي تحكم صنوان فتفكيرنا يجب أن يكون فيما سيخفيه المستقبل ورأس

ذاك الرجل وتفكيره , خاصة إن خرج من حربهم في جبال أرياح حيا ”

ضغطت على أصبع كاسر بين أصابعها القابضة عليه دون شعور منها

وقد غزاها شيء يشبه خفقانا في جسدها علا معه توتر نبض كل عرق

يوصل الدم لقلبها ونظرت له وقالت بهمس خافت ” وإن مات على يد

الإرهابيين هل ستتفرق جيوشه ولن يحدث شيء مما يخطط له ؟ ”

ابتسم لها وأبعد يده وأمسك أنفها وقال مبتسما ” هل ستجتهدين في

الدعاء عليه ليموت إن كان الجواب نعم ؟ ”

تنهدت بأسى تنهيدة رقيقة وأبعدت نظرها عن عينيه هامسة ” ليته يوجد

حل لكل هذا يا كاسر وليته بيدي لفعلت أي شيء وما تركته يقتلكم يوما

وتموتون أمام نظري بسببه لأنه لا يوجد أي دعاء سيبرد نار قلبي

حينها ويشفي غليلي منه ”

ثم وقفت وغادرت معتذرة فقد سمعت ما يكفيها لأسبوع من النكد الدموي

كما تسميه , توجهت للمطبخ حيث كانت عمتها مع الخادمتان وجلست على

الطاولة واتكأت عليها بساعديها وأرخت ذقنها عليهما تراقبهم في صمت

حتى نظرت لها عمتها وقالت مبتسمة ” كم هوا رائع المنزل بوجودهم

لقد دبت فيه الحياة مجددا فبغيابهم بات كئيبا وهادئا ”

تنهدت بأسى ونظرت للطاولة تحتها وقالت بحزن ” أسأل الله أن

لا يغيبوا عنا عمتي لا أتصور الحياة وأحدهم ليس فيها ”

شاركتها التنهد الحزين الآسي وجلست على الطاولة أمامها ووضعت

صينية الخضار عليها وقالت بحزن أعمق ” أبعد الله عنا جنون

ابن شاهين , هوا القوي القادر على كل شيء ”

غابت بنظرها بعيدا مسدلة رموشها الطويلة للأسفل وقد ترددت كلماته

تلك في دهنها مجددا وهي التي لم تغب عنه لحظة وقالت بكلمات خرجت

ناعمة كالحرير وحزينة كليلة هجرها القمر ” أليس ما قاله من العقل ؟

ليته يحدث دون دماء وقتل عمتي يا ليت ”

هزت تلك رأسها بيأس وقالت ” لن يرضى أحد يا غسق , لا

هوا ولا أي طرف في البلاد ”

اتكأت برأسها جانبا على ذراعها وقالت بهمس حزين ” علها تحدث

معجزة , لعله يشعر بقلبي حين سيمزقه على أخوتي ووالدي ”

نظرت لها الجالسة أمامها رافعة رأسها بسرعة وقد وضعت السكين

من يدها وقالت بصدمة ” غسق ما معنى ما قلته للتو ؟ ”

سوت جلستها وقالت تجاهد دموعها ” لعله يشعر بنا عمتي , بكل

امرأة سيفقدها رجلا تحبه كما يفعل مع نساء قبائله الآن ”

قالت تلك بيأس وقد عادت لرفع السكين وإنهاء عملها ” أنتي قلتها

بنفسك لم يشعر ولا بنساء قبائله ولا بأهله اللذين قد يخسروه في

أي وقت فهل سيفكر بك أنتي أو بأي امرأة من صنوان أو الهازان ”

تمتمت بعبوس وصوت رقيق ” عل رؤيا قطاط يصدق بقيتها

ويخرج من سيهزمه على أبواب نصره ”

نظرت لها عمتها بضيق فقالت بعبوس قبل أن تتحدث

” أعلم عمتي عليا أن أنسى كل ما حكيته لي سابقا ”

قالت بضيق ظهر في صوتها أعمق من ملامحها ” بل عليك أن تعلمي

أنها إن كانت تكهنات من ذاك الدجال فهي لا صحة لها وإن صدق

بعضها , وإن كانت رؤيا حقا فليس بمقدور إنسان بعد نبي الله

أن يفسر الرؤيا دون خلل ”

هزت رأسها بحسنا فلا تريد الدخول مع عمتها في جدال محوره ابن شاهين

ذاك ثم نظرت سريعا للذي مر من باب المطبخ ويبدوا غادر مجلسهم الطويل

ذاك قبل الجميع فوقفت من فورها وغادرت المطبخ فلا أحد غيره سيلبي

لها ما تريد الآن تحديدا وفي هذا الوقت والوضع غيره , لحقته

بخطوات سريعة حتى اقتربت منه منادية

” جبران ”

فوقف والتفت لها فورا ودون شعور منه ولا أن يتلقى تنبيها من عقله

أو طلب أذن وقد سقطت آخر حصونه وهوا يراها مقبلة نحوه بخطوات

سريعة حتى وصلت عنده وقالت ونظرها معلق بعينيه ” لما غادرت

مبكرا وقبل البقية ؟ هل تشاجرت وأحد أخوتي ”

شع وجهه بابتسامة لم تخفى معانيها عن الواقفة أمامه وقال من

فوره ” هل يعنيك الأمر فعلا يا غسق ؟ ”

هربت بنظرها من عينيه وقالت ناظرة للأسفل لحركة أصابعها وهي

تشبكها ببعض ” جبران لا تشعرني أن أي شيء صادر مني كان

سيكون مستحيلا , علاقتي بك كانت رائعة طوال عمري ”

اتسعت ابتسامته وهوا يراقب الحياء الذي طفح على وجهها وهي تهرب

بعينيها منه , منظر لم يكن يراه مسبقا وهي تعتقد أنهم أخوتها وحتى بعدما

علمت بالأمر , رفع يده وبشعور منه هذه المرة وباختياره وبمراسلة واضحة

بين عقله وقلبه وهوا يبرر له أنهما يعدان مخطوبان الآن فهي موافقة ووالده

أيضا وبمباركة جميع أفراد عائلته ولولا رفض والده إشهار الأمر لعلم القاصي

قبل الداني أن زواجهما سيكون في أي وقت , وصلت يده لوجهها وأمسك بذقنها

الناعم الصغير ورفعه لتلتقي عيناهما مجددا وقال بنظرة تفضح كل ما يحمله

لها ” كان بالنسبة لك يا غسق كل شيء عاديا ورائعا أما أنا فكنت

أموت فقط وأراه لا يسير في مساره الذي أريده ”

ارتفعت الدماء في جسدها في شيء لا يشبه السعادة ولا التوتر ولا أي شيء

مما قد تختبره المرأة لأول مرة مع رجل فلازال شعور أنه شقيقها يسيطر عليها

بل وتشعر بأنها كمن ترتكب فاحشة عظمى مع أحد محارمها , أغمضت عينيها

محاولة أن تهرب من كل تلك الأفكار , أن تقنع نفسها أنها ليست سوا كذبة عاشت

فيها كل حياتها ويمكنها كما صدقتها سابقا أن تصدق خلافها مستقبلا , بعد برهة

فتحت عينيها ونظرت للذي لازال يتأملها في صمت وأصابعه لم تترك ذقنها بعد

وقال مبتسما ” إن كان ما أخرجك خلفي خوفك من السبب فلم نتشاجر

يا غسق ولم يكن ذاك طبعنا يوما ”

قالت من فورها ” أعلم لكن الأوضاع والأمور الآن متوترة وأعصاب

الجميع مشدودة ولم يكن ذاك ما أخرجني خلفك ”

شعرت على الفور أنها عادت لتعلقه بأمل جديد وهي تقرأ بوضوح في

ملامحه أنه فهم أنها ستخبره بموافقتها التامة على تحديد زفافهما فسارعت

لتقول قبل أن يتحدث ” أريد أن أطلب منك أمرا هوا طلب وأمنية أنت

من سيساعدني لتتحقق ”

نظر لها باستغراب وأصابعه تترك ذقنها لكنها لم ترجع لجيب سترته كما

ضنت بل سارت ملامسة لفكها حتى طرف حجابها وشعرت بتوترها تحرك

هذه المرة فعلا من لمسته التي لم يفعلها سابقا فلم يكن إلا متحفظا معها سواء

قبل علمها بأمر عائلتها أو بعده , تلمس خدها بظهر سبابته وقال بهمس مبتسما

” أمنية تتمناها غسق ولا تتحقق ؟ من هذا الذي يقف في وجهها وكل رجال

العائلة يلبون كل ما تنبس به شفتاك وتقولي فقط بأنه في خاطرك ”

أنزلت رأسها ليبتعد عن لمساته التي أثرت حتى على أنفاسها وقالت

بشبه همس ” هذه قد يعترض عليها الجميع رغم موافقة بعضهم

مسبقا لكني أريدها فعلا جبران ”

دس يديه في جيوبه وقلبه لازال يردد توبيخه لوالده الذي أرغمه على

المجيء والعذاب هنا رغم شوقه العارم لرويتها ولو من بعيد , قال

بنبرة حانية دافئة ” قولي ما في خاطرك يا غسق وأعدك أن أعمل

جهدي لأحققه لك ”

قالت بتردد ولازال نظرها على أصبعها التي تلعب بخيط فستانها المتدلي

من أعلى خصره ” أردت الذهاب مع جليلة لقرية عائلة والدها في توز

وقد وافقت عمتي وحاولت إقناع والدي لكنه اعترض لأنكم رجعتم من

الحدود ولأن توز على حدودنا مع الحالك وستحتاج عائلة خالتي لسنة

كاملة لتذهب هناك مجددا ”

ثم ضغطت على خيط الفستان بقوة وقالت بمرارة صعدت لحلقها

” هذا إن بقيت لنا بعد عام ”

قال بجدية ” والآن هل عليا أن أخبره أني سأكون في الحدود أم ماذا ؟ ”

رفعت نظرها له وقالت بتوجس ” تبدوا لست مقتنعا أساسا ؟ ”

تنفس بقوة واستسلام وقال ” عقلي يرفض الفكرة يا غسق لكن قلبي

لا يريد أن يرد لك طلبا ”

قالت من فورها ” إذا تحدث معه لتأخذني أنت وقت زيارتك للحدود

وترجعني وقت رجوعك فهم سيقضون شهرا هناك ولا أريد الذهاب

معهم في سيارة وثاب ولا البقاء هناك كل ذاك الوقت ”

*

*

ما أن وصل لسور المدرسة ودخلت التي أشبعته بأحاديثها التي لا تتوقف

طوال الطريق لف خلف السور الواسع لها ووقع نظره فورا على مركز

الجنود الموجود تحت المرتفع يظهر واضحا من الأعلى وكله عزم على ما

يريد فعله , رمى حقيبته بقوة لتطير وتستقر خلف السور لتصبح هي داخل

المدرسة ونزل من المنحدر بخطوات سريعة حذرة قاصدا ذاك المبنى وهو

على يقين من أن مدرسه لن يكلف نفسه بإخبار عائلته أنه لم يعد يأتي للمدرسة

كما يفعل مع بقية الطلاب حسب أوامر وتشديد ابن شاهين على تعليم الأطفال

وعدم تغيبهم , فهوا من بين الجميع لن يفتقده أحد ولن يصر أحد على ذهابه

لها عدى والدته التي لا تغادر غرفتهما ولا يراها أحد وماريه التي عليه أخذها

صباحا حتى باب المدرسة والمجيء لإرجاعها نهاية الدوام الدراسي أو أصبح

غيابه معلوما عند الجميع من بكائها المرتفع حتى تصل المنزل , وصل المقر بعد

صعوبة بالغة لم تؤثر بعزمه وهو موقن أنه سيواجه هذا الطريق يوميا نزولا ثم

صعودا , دخل من الباب فورا ونظره يتنقل بين من يتدربون لتنشيط أجسادهم مع

بداية الصباح ومن يتحركون بعشوائية فهذا أحد مقراتهم الحدودية وهوا ما يربط

الحالك بصنوان في واحدة من عشرة مناطق حدودية ليكون هذا المقر واحدا من

عشرة منها , ولأنه داخل حدودهم فأوامر ابن شاهين كانت تقضي بأن لا يُمنع

أحد من دخول مقراتهم ولا تغلق أبوابه في وجه أي شخص يحتاج من الجنود

هناك شيئا لذلك لم يستهجن أحد دخوله ولم يمنعه أحد , وصل للمبنى الذي يريده

والذي أصبح مكانا يزوره أغلب السكان في تلك المنطقة ومجاوراتها لأن أحد

الأطباء موجودا فيه فببداية زحفهم على الشرق تقلص عدد الأطباء بشكل كبير

لانتقالهم لمناطق المواجهات وأصبحوا يقتصرون على مقرات الجنود ليكونوا

قريبين منهم وليكونوا مرجعا للأهالي ويستفادون من تقليص ذاك العدد ولا

يهملوا المرضى من جنودهم الباقين في الداخل وأهالي قبائلهم في آن واحد

دخل الممر الضيق الطويل قليلا وهوا يسمع صوتا يخرج من إحدى الغرف

الشبه مغلقة لرجل يتحدث في الهاتف عن مشاكل نقص الأدوية وعن بعض

المساعدات الدولية القادمة فتجاهل ذاك الباب وسار للذي في نهاية الممر

وكان مغلقا فطرق عليه طرقات خفيفة حتى قال من في الداخل

” تفضل ”

ففتحه حينها ليقابله الطبيب الذي غزى الشيب رأسه رغم أنه بالكاد تجاوز

الخمسين عاما , متناسقا مع بشرته شديدة البياض جالسا خلف الطاولة البسيطة

القديمة ودفتره الكبير أمامه في الغرفة متوسطة الحجم تحوي سريرا وبعضا

من المعدات الطبية الضرورية والأجهزة القليلة البسيطة , أغلق الباب ودخل

على ابتسامة الجالس خلف الطاولة قائلا ” مرحبا يا تيم , ظننتك لن تأتي ”

اقترب منه وقال بهدوء ” لم أستطع المجيء قبل اليوم , هل

لازلت عند كلامك لي ؟ ”

ابتسم ووقف وخرج من خلف طاولته قائلا ” نعم , ولعلمك فقط أنا لست

مسئولا عن تركك للمدرسة لأني أعلم أن هذا وقتها وأنك ستعاقب إن علموا

أهلك وسيُعاقبون من الزعيم ابن شاهين وقد يشملني معهم في عقابه ”

نظر له فوقه وقال بجدية صرفة ” لا تقلق أخبرتك أني سأدرس

وسأذهب للامتحانات ولن يعلم أحد أني لا أذهب للمدرسة ”

ربت على شعر الواقف تحته وقال ” يبدوا أن هذا الرأس يحمل

الكثير فأخبرني لما لن يخبرهم أحد ولن يعلموا ”

نظر للأسفل حيث حدائه القديم المتهرئ وقال بجمود

” لا أحب فعلا الحديث عن الأمر ”

ضحك الواقف فوقه ومسح على شعره الأسود الكثيف وقال

” حسنا أخبرني كيف هي والدتك ”

نظر له للأعلى وقال ” أفضل من السابق ولم تعد تأتيها تلك النوبات ”

تنهد وأبعد يده عن شعره وقال بأسى ” لو كانت أحوال البلاد أفضل

ما وصلت لحالتها هذه فعلاجها كان سيكون سهلا وبسيطا في بداية

مرضها والحمد لله على كل حال ”

نظر جنبا وابتسم بسخرية فلم يكن تردي حال البلاد السبب بل إهمال

من لم يشعروا بها , عاد الطبيب خلف طاولته قائلا ” إذا كما اتفقنا

ستتولى تنظيف الحجرات والممر ورمي القمامة وجمعها من هنا

وسيكون أجرك على ساعات عملك ”

هز رأسه بحسنا فقال الذي استقر على مقعده متنهدا بضجر ” لن يكون

راتبا كبيرا يا تيم فأنت ستعمل هنا لنصف يوم على حسب تقديري وإذا

ما حسبنا تنظيفك للمكان يوميا فسيكون نصف راتب عامل النظافة

الثابت وكله سيكون حسب مجهودك طبعا فأنا تعبت من تولي مهنتي

التمريض وتنظيف هذا المكان ”

هز رأسه بحسنا وقال بثقة وإصرار ” سأعجبك سيدي أنت جربني فقط

وأهم ما لدي أن أحصل على علاج والدتي باستمرار وإن كان هذا

فقط أجري فأنا راض به ”

هز رأسه بحسنا متنقلا بنظراته المعجبة في وجه الطفل الواقف أمامه فلا

شيء يربطه بتلك الطفولة سوا طوله أما حديثه وملامحه ونظراته وعزيمته

تنتمي لعالم مختلف جدا عن عالم من هم في سنه وكأنه رجل في ثوب طفل

ولو لم يعده بأنه لن يترك دراسته نهائيا ما وافق أن يضيع مستقبل طفل مثله

اتكأ بساعديه على الطاولة وقال ناظرا له ” علاج والدتك سيصرف لها

باستمرار أو تقهقرت صحتها مجددا وأخشى أن ما سأعطيه لك من راتبي

لن يكفي , لذلك سأوفر لك العلاج مقابل عملك هنا هل أنت موافق هكذا ”

هز رأسه بنعم فورا وقال الذي لم يزح نظراته عن ملامحه

” المهم أن تجتهد في دراستك في المنزل وإن احتجت شيئا اسألني

عنه وادخل للامتحانات مع زملائك حسنا ”

نظر للأسفل وقال مثبتا نبرته كي لا تظهر المرارة في صوته

” بالتأكيد ”

وهوا أعلم من غيره أن ذاك الأستاذ لن يسمح له بدخول الامتحانات والحجة

أصبحت جاهزة لديه الآن وهي تغيبه المتكرر , لكن مقابل علاج والدته مستعد

لفعل أي شيء فما نفع أن يدرس ويتركها تعاني حتى تموت وهوا موقن من أنه

حين سيكبر سيلوم نفسه مثل غيره لكن دراسته لن يلومه أحد على ضياعها منه

ولا حتى نفسه بما أن المقابل هوا توفير علاجها الذي قال لهم الطبيب حين زاره

معها المرة الماضية وأصر أن يدخل أيضا أنه عليهم توفيره لها باستمرار

كي على الأقل لا تتقهقر صحتها أكثر , وحين دخلوا عليه استغربوا أنهم

وجدوه ينظف الأرضية بالمطهرات بنفسه وتذمر أمامهم واعتذر عن تأخره

عنهم قليلا لأنه لا عمال هنا يقومون بهذا عنه فحتى مبنى مقر الجنود هم من

ينظفونه بالتناوب , لذلك بعد خروج والدته وقبل مغادرتهم عرض عليه أن

يساعده مقابل أي أجر يعطيه له وهوا موقن من أنهم سيشترون لها الدواء

هذه المرة ولن يكرروها مستقبلا ولن يستطيع طلب ذلك من شيخ القبيلة مجددا

لأنهم عاقبوهما سابقا بحرمانهما من الأكل لأربعة أيام بسبب أنهم خمنوا بأنه

من أخبره عن والدته ولولا الرمانتين والأرغفة التي تسرقها لهم ماريه ما وجد

ما يطعم والدته واكتفى هوا بقشور الرمان الشديدة المرارة التي أصبحت قوت

معدته الخاوية حتى انتهت محكوميته وأصبحوا يتصدقون عليهما بوجبة واحدة

يوميا مهما كانت صغيرة وقليلة فهي أفضل من لا شيء , واضطر معها لأخذ

الرمان أيضا لأن والدته كانت تتعمد أن تجعله يأكل أكثر منها متحججة في

كل مرة أنها لم تعد تستطيع الأكل بسبب أحماض المعدة المرتفعة

حمل سلة المهملات محتضنا لها بذراعه الصغير وبدأ أولا بجمع الأوراق

الممزقة الخاصة بالحقن وشاش الجروح ليبدأ ساعات عمله هنا بجد كي

لا يخسره ويخسر بالتالي علاج والدته

المخرج~

بقلم / الغاليةهمس الريح

دعوه فاسمه مطر و سيكون المبتدأ و الخبر
و سيكون غصة في الحلوق لدي المعتدين بشتي الصور
دعوه و لا تمسكوا ساعده و لا تعدوه بوعد هذر
سئمنا الدعاوي لسلم ذليل و نصف الحلول لدي مؤتمر

نهاية الفصل الثامن

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل التاسع

الفصل التاسع

المدخل ~

بقلم/ الغالية همس الريح

انا مطر ….
عقلي لوطني .. و كل تضحية تهون لاجله

انا غسق ..
قلبي لوطني ..و كل قطرة دم تنزف عليه

انا مطر ..
عيني لهب ، فمي شرار
قولي رصاص و فعلي دمار

انا غسق ..
قلبي خفق ..عقلي وعي
روحي تئن ..كلي وجع

انا مطر ..
رايي سهام ..غضبي زؤام
قلبي ركام ..حزني حطام

انا غسق ..
المي سقام .. حبي حسام
رغم الظلام ..اري نور السلام

انا مطر
و انا غسق
حلمي الوحيد .. وطن سعيد
بعد الحروب ..يعلو النشيد
عاش الوطن ..عاش الوطن
عاد الشريد ..

***

فتحت باب الخزانة وبدأت بترتيب ملابس الذي لم يزر هذه الغرفة من أكثر

من شهر والتي أحيانا تخرجها وتغسلها وهي نظيفة ليس لشيء سوى لشعور

المسئولية والأمومة الذي تفرغه بحبها الكبير لعمتها واهتمامها بها ولعنايتها

بكل ما يخص شقيقها الغائب دائما حتى وإن كان موجودا , فهي تبقى أم ثكلى

مذبوحة فقدت زوجها وابنيها وهم أحياء تحاول أن تسلي نفسها بأي شيء

وأن تفرغ أمومتها المكبوتة بكل من هم حولها حتى بعمها صقر الذي يعتمد

على الخادمات أكثر منها , تنهدت بقوة وحمدت الله أن شقيقها مطر يمنع تدخل

الخادمات في أي شيء يخصه وتذكُر جيدا تلك الحادثة التي طرد بسببها خادمة

كانت لديهم وكيف خرجت تعرج من كدمات جسدها بعدما جرها على السلالم

جرا يسحبها كأنها قطعة أثاث حتى رماها في الأسفل ومنع بعدها جلب خادمات

يقل عمرهن عن الأربعين عاما بعد اعتراض كبير منها تلا قراره بأن لا تدخل

خادمة المنزل وقد عاندته وأصرت لأنها ستعجز وحدها عن الاهتمام بهذا المنزل

الواسع , ولم يفكر أحد طبعا أن يسأله عن السبب فهوا واضح لديهم فالخادمات

هنا يكنّ من نفس بلادهم لأنه لا عمالة تدخل لهم , ومن هذا الذي سيضحي

بنفسه ليدخل بلادا تعاني ويلات الحرب الأهلية والنقص في كل شيء .

وقفت على طولها قاطعة حبل أفكارها تلك لتدخل لدوامة جديدة منها وهي

تنظر لصورة والدهما الموجودة داخل الخزانة , صورة قديمة باللون الأبيض

والأسود زجاج إطارها مشقوق مقسوما لنصفين التقطت من أعوام خارج هذه

البلاد لرجل ينظر بشموخ وذقن مرفوع لكل من يقف أمام صورته وكأنه

يقول له أنا هنا وموجود , أنا كنت رجلا استحق أن يكون ما كان

تنهدت بأسى وهي تتذكر كم كان رجلا جلدا قويا قاس القلب بنا لنفسه مجدا

بسبب جنون ذاك الدجال وقصة تناقلتها الناس وهوا يتزوج النساء ويجهض

حملهن منتظرا الابن المنشود وبالفعل صنع منه ما يريد وما صوره له عقله

من كلام ذاك الرجل , لامست بأطراف أصابعها ملامحه من خلف الزجاج

مخرجة الحروف من شفتيها كالصقيع ” حطمت قلبي يا أبي ولم تكترث

كعادتك حتى حولتني لنسخة جديدة عنك أيضا ”

انفتح باب الغرفة حينها فنظرت سريعا للداخل منه من تذكّر أخيرا أن له

عائلة هنا كما تُردد هي دائما , ألقى عليها السلام بكلمات بالكاد خرجت

بهمس واثق حازم دون أن ينظر جهتها وقد انحنى فورا يفك خيوط حدائه

العسكري المرتفع فأغلقت باب الخزانة ونظرها لازال على المنحني عند

الباب ببذلته العسكرية وقال وهوا ينزع حدائه وبكلمات ثقيلة جادة

ونبرة مبحوحة ” كيف حالك يا جوزاء ”

قالت وهي تراقبه متوجها لسريره الواسع بأغطيته البيضاء

” بخير ”

ارتمى على السرير متنهدا بتعب تنهيدة طوية وكأن عظامه كانت

تنتظر من وقت طويل أن ترتمي على هذا الشيء وأغمض عينيه

قائلا بصوت قد ثقلت بحته بوضوح ” عمتي كيف حالها ؟ ”

قالت ونظرها لازال على الجسد المليء بالعضلات الملقى على

السرير ” نحن بخير ولا ينقصنا إلا أن نطمئن عليك ”

لم يعلق وهي تعلم جيدا أن ما قاله هوا كل ما ستسمعه منه فكيف إن كان

متعبا هكذا , تنقلت بنظراتها في ملامحه النصف مسترخية , في عينيه

السوداء الواسعة المغمضة وحاجبيها الرقيقان الحادان المستقيمان وشعر

رأسه ولحيته المشذبة الأسود الناعم الذي لا تغادره تلك اللمعة السوداء

حتى في غبار الحروب وبهذا اشتهرت كبرى قبائلهم ولهذا سميت

بالحالك , تنهدت بصمت ثم قالت بهدوء ” هل ستنام هكذا ؟ غيّر

ملابسك على الأقل لترتاح في نومك ”

قال بدون أن يفتح عينيه ” بل سأستحم فجهزي لي الحمام أريدها

مياها باردة جدا , صرفي كل المياه الدافئة في الأنابيب ”

هزت رأسها بحسنا وكأنه يراها ثم انتقلت للحمام من فورها وفتحت

جميع صنابير المياه ليخرج الماء الساخن بسرعة ثم خرجت للغرفة

مجددا وتوجهت للخزانة تخرج له ثيابا مريحة ينام فيها ومناشف

توجهت بهم للحمام فورا ووضعهم هناك وتركت الثياب عند طرف

سريره وما أن خرجت للغرفة مجددا حتى نظرت له وهوا على

حاله وقالت ” مطر هل نمت ؟ ”

غادر السرير واثبا من فوره ودخل الحمام مغلقا له بعده فخرجت من هناك

ونزلت للمطبخ لتأخذ له بعض الطعام وإن لم يطلبه فقد يخرج من الحمام

ويراه أمامه فيفكر بأن يأخذ منه ولو قليلا فهكذا اعتادت أن تفعل عندما

يتغيب لفترة طويلة عن المنزل , صعدت لغرفته مجددا بما قد وجدته

جاهزا وتبقى من طعام الغداء وسخنته جيدا لأنها تعلم أنه يفضل الطعام

ساخنا جيدا , دخلت الغرفة بصينية الطعام التي وضعتها على الطاولة

ونظرها على ملابسه المرمية على السرير بفوضوية فتوجهت نحوها من

فورها ورفعت السترة العسكرية أولا وأفرغت ما في جيوبها , مفاتيحه

وبعض الأوراق وثلاث رصاصات سلاح رشاش لم يتم استخدامها بعد

ومسدس شخصي صغير وثقيل قد دمج اللون الأسود مع لون الحديد

الفضي اللامع في الجيب الداخلي لها , ونزعت أيضا الهاتف الخلوي

الموجود في الحزام ووضعت أغراضه على الطاولة لحظة ما انفتح

باب الحمام وخرج منه لافا منشفة على خصره والأخرى متدلية

على كتفيه وصدره رافعا إحدى طرفيها يجفف به شعره مميلا

رأسه جانبا وقال وهوا يجلس أمام الطاولة حيث صينية الطعام

” لا يوقظني أحد مهما حدث , قبل المغرب بساعة إن لم أستيقظ

فأيقظيني سأصلي العصر وبعد المغرب سأغادر ”

تنهدت دون أي تعليق ونزلت للأسفل لتغسل بذلته سريعا فبما أنه

لم يحظر غيرها معه مؤكد سيلبسها مجددا ويعود هناك أو أي

كان مخططه القادم فيجب أن تكون جاهزة ونظيفة

*

*

كان يلوذ بالصمت أغلب باقي جلستهم وهم متحلقين حول والدهم بعدما
عاد من المشوار القريب الذي وكله به فتفكيره لم يكن في نفسه إن اشتدت

الحرب والفوضى أكثر في البلاد بل في غسق وعمته فأكثر ما يثقل كاهل

الرجال في الحروب هوا مصير النساء فيها وبعدها وحال أن اختاره الموت

وتركهم , وكان موقنا أن هذه الأفكار لم تكن هاجسه لوحده بل كل من كان

في تلك الغرفة قد فكر أو يفكر في الأمر ومع ذلك هوا يرى أنهم مهما فكروا

وانشغلت قلوبهم لن تكون مثله ورغم حبهم الشديد لها الذي لا يدخله الشك أبدا

في أنه لم يتعدى الحب الأخوي إلا أنه يراه لا يساوي شيئا أمام ما يحمله لها

ومهما قلقوا عليها في غيابهم أو حال موتهم لن يكون ذرة أمام ما ينخر في قلبه

ويصدح في كل زوايا عقله ( ما مصير غسق إن أصبحت وحيدة وهي لا أحد

لها ولا أهل سوا من جهة والدتها , وفتاة والأسوأ أنها أرق من النسيم العليل

تجرحها الكلمة البسيطة دون أن يظهر عليها فكيف قد تواجه الحياة

وصعابها وتلك الذئاب البشرية إن أصبحت وحيدة )

مرر أصابعه في شعره الكثيف ونظر جانبا لحظة ما وقف رماح وكاسر

مغادران لحيث سيغيبان لفترة لن تكون قليلة بالتأكيد لينفذا أوامر والدهم

وما هي إلا لحظات ووقف رعد أيضا قائلا ” كن مطمئنا ”

ليعقب شراع قائلا ونظره للأعلى حيث الواقف بينهما ” وما أن تنتهي

مما أوصيتك به تلحق وجهتك الأساسية في الدجلاء , لا وقت كافٍ

أمامنا وعلينا أن لا نضيع مزيدا منه ”

هز رأسه بحسنا وغادر أيضا ليحذوا حذو أشقائه ولم يبقى غيرهما

فنظر له جبران وقال ” يبدوا أنك نسيت أن ترسلني مثل البقية

وأنا أكبر أبنائك ؟ ”

تنفس نفسا قويا وكأنه يجهز نفسه لما سيقوله ثم قال بهدوء ونبرة ثابتة

” أنت ستبقى هنا , أمامك مشوار صغير فقط ثم ترجع لتكون مع

عمتك وغسق ”

نظر له مستغربا بل مصدوما وقد قال شراع قبل أن يتكلم ” يجب أن يبقى

أحدنا معهما وأن يهرب من الموت بأي شكل يا جبران ولا يخوض حربا

مع أحد إلا دفاعا عنهما أو عن نفسه طال الزمن أو قصر ”

قال ونظرة الصدمة لم تفارق عينيه بعد ” ولما أنا ؟ لماذا تحرمني

من الدفاع عن أراضينا وأهلنا ؟ ”

نظر للأسفل وقال بنبرة لم تخلوا من الكدر والحزن ” الخيار كان أنت

أو الكاسر بما أنه شقيقها وسيبقى محرما له للأبد لكن الزوج سيكون

سندا وعونا أكبر , ولا أحد يعلم الغد ما فيه ”

قبض على يده بقوة وقد كره هذا الحديث الذي مهما أنكروه فهوا واقع ومهما

طال الوقت والسلم بينهم وبين الحالك فسيكون مصيرهم مصير الهازان ولو

بعد أعوام خاصة بعد تصريح ابن شاهين وإقراره بأن البلاد ستوحد إن بالسلم

أو بالحرب , وها هي كل قبيلة تستنكر أن تكون أخرى فوقها وتحكمها ولا

سلم يلوح في الأفق كما لا حلول سياسية كتلك التي ينادي بها الغرب وليست

سوا ذر للرماد في العيون , أنزل رأسه أيضا وقد سافر في همومه وأفكاره

التي لا تنحسر كلما خلا بعقله وقلبه كحال كل فرد من ذاك الجزء من البلاد

وماجاوره , ليخرجه مما هوا فيه صوت والده قائلا ” ستزور مقرات الحدود

وإن في فترات متباعدة وسأوكلك ببعض المهام هناك ثم تبقى هنا ولا تغادر

فمن الغباء أن نجر أنفسنا جميعا للموت ولا نفكر فيهما خاصة بعد التوتر

الحالي وعمليات التصفية الممنهجة والسرية فقد تطالني وعائلتي في

أي وقت يا جبران هل تفهم ما أعني ؟ ”

هز رأسه بنعم وتكاد عيناه التي لم تعرف الدموع يوما أن تتفجرا أمامه

لتفكيره فقط في أن تطال الاغتيالات عائلته فهذه نقطة لن يغفل عنها والده

بالتأكيد وستحدث إن اليوم أو في الغد , وقف شراع فرفع نظره به وقال

” إذاً سأزور مقر توز أولا وأريد أخذ غسق فهي تلح على الذهاب مع

ابنة خالتها وسأرجعها معي ما أن تنتهي مهمتي في مقراتنا الحدودية

العشرة جهة الحالك فلن يأخذ الأمر مني أكثر من أسبوع ”

ثم سكت منتظرا الواقف أمامه أن يبدي اعتراضه الذي بدا واضحا في

نظرته وملامحه لكنه تنفس متنهدا باستسلام ثم قال ” تلك العنيدة

تعرف جيدا من أين تؤكل الكتف ”

ظهرت ابتسامة طفيفة على شفتي الجالس ناظرا له فوقه وقال

” كان أهون عليا أن أُغضبك على أن لا أحقق لها رغبتها فوافق

كلها أيام وأرجعها معي فقد لا تكون البلاد هادئة كما هي الآن

في أي وقت قريب ”

هز رأسه بحسنا ولا خيار آخر أمامه فطالما أنها ستذهب وترجع مع

ابنه الذي يثق به ويستأمنه عليها كنفسه فالأمر أيسر على قلبه , نظر له

ولازال نظره معلقا به وقال ” ما أن تنتهي مهمتك سنعقد لكما وسأقنعها

بنفسي , وإتمام الزواج أمر نؤجله قليلا حتى نرى ما ستستقر عليه الأمور ”

وقف من فوره ولم تخفي ملامحه أبدا فرحته التي قد قفزت من نظراته

وشفتيه المبتسمة من دون أن يتحدث , وخرج شراع دون أن يضيف شيئا

ولا أن ينتظر تعليقا منه تاركا خلفه قلبا حلق بأحلامه التي بات يراها

ستتحقق قريبا

*

*

سارتا جهة الطريق الرئيسي للمدينة في آخر أمل لهما للمغادرة كالبقية

يد صغيرة تمسك بقوة وتشبث بثياب الكبيرة التي لا شيء لديها تتمسك به

سوى الأمل في خالقهم وهي موقنة أنه لن ينساهم , بعد رحلة طويلة لفتا فيها

تطرق أبواب من لم يغادروا البلدة بعد تطلب مكانا يكونان فيه في سياراتهم

ليخرجا من المدينة كغيرهم وكان الرد واحدا أنه لا مكان لديهم لأحد وبالكاد

يجدون لبعضهم أمكنة جالسين فوق بعض فكل واحد يريد أن يأخذ معه ما

يمكن إخراجه حتى أصبحت السيارات أشبه بكومة أغراض متحركة من

كثرة ما كانت الناس تملأها من الداخل والخارج ولا مكان حتى صغير لهذه

المرأة وحفيدتها الصغيرة النحيلة وحقيبتهم الوحيدة , وصلتا حيث وقف العديد

ممن حالهم لا يقل عنهم يقفون عند قارعة الطريق بعائلاتهم على أمل أن يقف

لهم أحد المارة ممن قرروا ترك المدينة متأخرا ويقلهم معه لحيث لا يعلم

أحد أين ولا حتى لمتى , أمسكت يدها الصغيرة التي لازالت متشبثة بثوبها

ووقفت بها تحت ضل شجرة خروب بالكاد ظلل طولها على جسدها الطويل

ورمت الحقيبة بجانبها بتعب من لف الشوارع بها بدون فائدة , ليمر الوقت

عليهما وهما على حالهما ذاك وأي سيارة تسلك ذاك الطريق تكون محملة

بما لا يمكنها حتى استيعابه ومسرعة لا أحد يكترث لصراخ الواقفين طالبين

الوقوف لهم , نظرت تحتها حيث التي لا زالت متشبثة بثوبها بقوة تحرك

قدميها بالتناوب فقالت بصوت واضح وكلمات متفرقة بطيئة كعادتها دائما

في الحديث معها ” زيزفون هل أنتي متعبة صغيرتي ”

فرفعت تلك رأسها لتبعد الريح الخفيفة المغبرة خصلات غرتها عن جبينها

الصغير ونظرت لها بحدقتيها ذات اللون السمائي الصافي الواسعة ثم هزت

رأسها بنعم دون كلام , نظرت خلفها تفكر كيف يمكنهما الجلوس ولا شيء

معهما تجلسان عليه وقد فكرت حتى في إخراج بعض ثيابهما لتضعها على

الأرض وتجلسان فوقها ثم نظرت حولها حيث العائلات المتفرقة بعضهم قد

افترش الأرض وحتى بدأ بإعداد الشاي وكأنه في منزله وتنهدت بأسى فهذه

العائلات من حالهم هذا يبدوا مر عليهم أيام هنا حتى أن الأطفال اعتادوا النوم

في أصوات السيارات المنطلقة بسرعة وحاملات الجنود ولم يحرك مشهدهم

المزري ذاك أحد وهم مفترشين الأرض لا شيء تحتهم سوا حصائر قديمة

ولا شيء فوقهم سوا بطانيات رقيقة تحركها الريح في كل وقت , فعلمت أن

بقائهما هنا لا فائدة منه حتى إن عادت للمنزل وجلبت ما يجلسان وينامان

عليه فستحتاجان للأكل والشرب , انحنت للحقيبة ورفعتها مجددا وأمسكت

بيد حفيدتها وقالت متحركة بها من هناك ” دعينا نرجع لمنزلنا يا ابنتي

فالأجل واحد والموت لا شيء يمسكه ولم يبقى لنا خيارات أخرى ”

*

*

وقف مستندا بإطار الباب يده في وسط جسده والأخرى المتكئ بكتفها

عليه يحمل بها مجموعة كتب مدرسية مضمومة بعناية بواسطة حزام

جلدي مخصص , ينتظر الذي لازال يختصم ووالدته كعادتهم قبل

ذهابهما للمدرسة قبل أن تقف تلك على طولها ونظرت له عند

الباب وقالت ” وأنت يا وقاص هل أخذت معك طعامك ”

ابتسم ابتسامة جانبية وقال ” خالتي الطعام هنا يقدم في المدارس

نحن لم نعد في بلدنا هناك , ثم أنا في الرابعة عشرة هل سآخذ

معي حقيبة طعام ! ”

نظر له الوقف أمامها وقال بسخط ” أخبرها بالله عليك يا وقاص

أني أصبحت في السادس الابتدائي وستضحك مني الشقراوات

الصغيرات وأنا آخذ طعامي معي في كيس ”

أمسك ضحكته بصعوبة على نظراتها الساخطة لابنها الذي ركض

نحوه قائلا ” بسرعة يا وقاص سنتأخر عن المدرسة ”

وخرجا معا ضاحكين على نظراتها الحنونة المودعة فقد اعتادت أن تعامل

وقاص كابنها فوحده من بين أشقائه من لا والدة له وقد فقدها صغيرا فحين

تزوجت والده كان في الثالثة من عمره وقد عنت جيدا بتوطيد العلاقة بينه

وبين ابنها ( رواح ) كي لا تزرع في قلبه التحسس من شقيقه لأنه المفضل

لدى جدهم والأقرب لوالدهم , ( بريستول ) هي أحد ضواحي لندن الشهيرة

حيث انتقلت عائلتهم بعدما تركوا موطنهم الأصلي , وكانوا من الأوفر حظا

لأنه كان بإمكانهم السفر خارج البلاد لأنهم كانوا ممن قد عاشوا في الخارج

وبنو أنفسهم وثروتهم قبل أن يرجعوا لبلادهم في محاولة ممن مثلهم جنوا

ثروات في الخارج وعادوا لعلهم يساعدون البلاد وأبناء دولتهم وها هم

يعودون هنا بعد خمس سنوات من استقرارهم هناك ضمن حدود قبائلهم في

الهازان , ما أن غادرا نازلين من عتبات المنزل الفخم الخشبية الطويلة ومرا

بممرات الحديقة المقسمة لأحواض بيضاوية كبيرة سالكان الممرات المغطاة

بالحجارة حتى صارا خارج المنزل على الرصيف الواسع مرورا بالسياج

الخشبي الأبيض الذي يفصلهم عن الطبيعة الخلابة والأشجار العالية الخضراء

بأزهارها الملونة وسارا حيث مدرستهما التي لا تبعد كثيرا واختارا السير

لها على الأقدام رافضين السائق الخاص , نظر لوقاص سائران معا

وقال ” نجيب أخبرني أنه اكتشف مكانا قرب النهر لا

يريد أن نخبرك عنه ”

نظر جانبا ومرر يده على وريقات الشجر الخضراء المارين بها

وقال ببرود ” وهل يعتقد أني أكترث لذلك ؟ أنا لم أعد طفلا مثلكما ”

نظر له السائر بجانبه مضيقا عينيه وقال بضيق ” أنا لست

صغيرا , عمري إحدى عشر عاما ”

نظر جهته وقال دافعا جبينه بأصبعه ” وأنا أكبر منك بثلاث سنين ”

نظر رواح للأسفل حيث أقدامهم وخطواتهم السائرة بحركة واحدة مسرعة

وقال ” سمعت والدتي وخالتاي يتحدثن عن أن جدي سيشتري لك

سيارة العام القادم ما أن تدخل الثانوية ”

حرك يده المحتضنة لكتبه ملوحا بها جانبا وقال ” أجل لقد

وعدني جدي بذلك ”

قال رواح ولازال نظره للأسفل وبنبرة منخفضة ” خالتي أم نجيب

كانت متضايقة جدا من الأمر وحتى أم ضرار ”

حرك وقاص كتفيه ببرود ولم يعلق فنظر له رواح وقال

” ألا يضايقك الأمر ؟ ”

قال بلامبالاة ونظره على الطريق أمامهم ” زوجات والدي لم

يحببني يوما فلم يتغير شيء لأنزعج ”

قال رواح من فوره ” لكن والدتي تحبك ”

نظر له وقال ” أنا أتحدث عن الاثنتين الأخريين وليس عنها ”

قال السائر بجانبه بابتسامة ساخرة ” نجيب أخبرني أن والدته

قالت بأن جدي لا يحبنا وبأنه يحبك أنت فقط ”

ثم عاد بنظراته لخطواته وقال بشرود ” لكن والدتي لم تقل ذلك

كانت صيغة كلامها مختلفة ”

نظر له وقاص من فوره وكأنه يخشى أن يخسر الزوجة الوحيدة الجيدة

لوالده فنظر له رواح وقال قبل أن يتحدث ” حين أخبرت أمي بما قال لي

نجيب أخبرتني أن جدي يحبنا جميعنا وأنه يعاملك بشكل مختلف فقط لأنه

لنا أمهات وأنت لا ولأنك كنت أول طفل يولد لابنه وأننا لديه سواء ”

أبعد نظره عنه وقال ببرود ” لما لا نغير الموضوع لقد أصبح مملا جدا ”

رفع رواح يده وقفز ليصل لطول السائر بجانبه وضربه على رأسه

قائلا ” أنت ممل جدا هل تعلم ؟ ”

وتابعا سيرهما يتبادلان الضربات والضحك حتى ظهرت أمامهما فتاة

صغيرة شقراء الشعر مجموعا في ضفيرة قد وصلت لنصف ظهرها

تضع حقيبتها المدرسية على كتف واحد وتسير بخطوات بطيئة كسولة

فقال رواح ما أن اقتربا منها قليلا وبالعربية ” أنظر لشعرها

كأنه عود قش مضفور ”

وضحكا معا فالتفتت السائرة أمامهما , فالشخص وإن لم يفهم كلامك فهوا

يميز جيدا السخرية منه , كانت نظرات الشك تملأ عينيها قبل أن تعود

لسيرها الكسول البطيء وفي صمت فقال رواح بالانجليزية هذه المرة

فهما عاشا هنا ودرسا منذ صغرهم حتى قبل خمس سنوات ” أتعلم ؟

حين أكبر سأتزوج من واحدة شقراء وعينيها زرقاء ”

فرفع وقاص رأسه للأعلى ضاحكا بصمت بينما التفتت له الفتاة وابتسمت

هذه المرة قبل أن ترجع برأسها للأمام فقال رواح بضيق ” وقحة أنا من

قلت ذلك وليس هوا ولا يغرك طول قامته فهوا ما يزال يدرس في السادس

الابتدائي بينما أنا سأدخل الثانوية العام المقبل وسيشتري لي جدي سيارة ”

رمته هذه المرة بنظرة حارقة كاللهب وتابعت سيرها بخطوات سريعة

مبتعدة عنهما حيث أصبحت المدرسة قريبة جدا فضحك وقاص وقال

” لقد أزعجت الفتاة وقد تشتكيك للمدير ”

قال بلامبالاة ” لو كانت ليست شقراء ما أكترث لها فالذنب ذنبها ”

ثم ركض جهة باب المدرسة البعيد قليلا قائلا ” من يسبق هوا

الأسرع والأقوى ”

فضحك وقاص راكضا خلفه ولازال لم يفهم بعد قصة شقيقه مع

الشقراوات وتفضيله لهن تحديدا

*

*

فتحت باب المنزل على اتساعه ودفعت الكرسي بعمتها خارجة بها منه

فبما أنه قد حل الصيف ودخلت أولى أسابيعه الرطبة الحارة قليلا فقد بدأتا

بممارسة عادتهما الدائمة فيه وهي قضاء ساعات من آخر النهار وأول الليل

ما أن تبدأ الشمس بالزوال جالستان في الخارج حيث الحديقة ذات الأشجار

التي لا تفقد خضرتها طوال العام , جلستا فورا على الطاولة قرب أحواض

الريحان الصغيرة التي ملأت الأجواء برائحتها الزكية لأنه ثم ريها قبل قليل

ولازالت وريقاتها مبللة بالماء , قالت وهي تأخذ فنجان القهوة من يد

جوزاء التي مدته لها ” هل غادر مطر؟ ”

وضعت الإبريق بعدما ملأت واحدا لها وقالت ” قال أنه سيستيقظ

قبل المغرب بساعة وسيغادر بعد المغرب فتجديه مستيقظا الآن ”

هزت رأسها بحسنا وفي صمت فتابعت جوزاء ببعض الضيق ” حين أرى

حاله وإهماله لنفسه أتمنى فقط لو يتزوج لكن ما أن أرى إهماله لغيره

أيضا أحمد الله أنه لم يفعلها ولا يفكر في فعلها مطلقا ”

ضحكت الجالسة مقابلة لها وقالت ” وإن يكن فزواجه أفضل من

بقائه هكذا فبالرغم من كل ما تقومين به من أجله لازال هناك

أمور لن توفرها إلا الزوجة ”

هزت رأسها بيأس وقالت ” لا أراه يحتاج شيئا من ذلك لكان تزوج

فلا شيء يمنعه ”

تنهدت عمتها بقوة وقالت بجدية ” لا يوجد رجل يا جوزاء لا يحتاج

لاهتمام امرأة للمستها الحنونة لدفء صوتها وقربها , الله خلقنا هكذا

كل نصف يحتاج لنصفه الآخر ليكمله وشقيقك ليس مخلوقا فضائيا ”

قالت بمرارة ظهرت بوضوح في صوتها دون أن تجاهد لتخفيها ” لم يكن

مطر يوما كغيره من الرجال , أراه نسخة عن والدي رحمه الله الاختلاف

الوحيد في أن طبعه ليس قاسيا سريع الغضب مثله وباقي الصفات زرعها

فيه جميعها وزاد عليها أن أبعده ونفره من النساء بينما والدي حطم الرقم

القياسي في الزواج والطلاق ”

انطلقت ضحكة الجالسة أمامها دون شعور منها وقالت ” لو كان على قيد

الحياة ما تجرأتِ على قول كلمة مما قلته الآن , ثم لا تنسي أن شقيقك

في النهاية بشر مهما تصلب ومهما غرس فيه والدك من صفاته ”

تنفست بضيق مبعدة نظرها جانبا حيث الأشجار التي بدأ لون الغروب يعطيها

بريقا رائعا ومختلفا وقالت بكدر ” يبدوا أنك نسيتِ يوم جاء ونقل لي خبر

زوجي أو حين أخذوا أولادي مني وحين جاء بخبر عمي دجى ويوم أخبرنا

بموت والدي , قال كل فاجعة منها وكأنه يقول لنا صباح الخير ولم يفكر حتى

أن يضمني لحضنه ويحوي صراخي المفجوع في أبنائي ووالدهم , فما الذي

ستجده فيه امرأة ؟ ولا توجد زوجة في الحياة لا تريد رجلا يحتويها ويحبها

ويغمرها برقته وحنانه , فلما يظلم معه امرأة مسكينة فليتركها لعلها

تجد كل ذلك عند غيره ”

ضحكت الجالسة معها مجددا وقالت وهي تضع فنجانها في الصينية

بعدما أنهت رشف ما فيه ” يبدوا أن مطر هو من لو سمعك الآن

لعلقك في إحدى الأشجار ”

حركت يدها بلامبالاة وقالت مغيرة مجرى الحديث ” الناس بدأت

تشتكي من نفاذ المؤنة وكل ما أخشاه أن نمر بمجاعة عما قريب ”

قالت بهدوء ” عمك صقر قال أن لمطر مخططا ينقذ به كل هذا وقد

فكر فيه من قبل وقوعه فثقي به كما يثق به الناس هنا ”

هزت رأسها بحسنا وقالت مبتعدة عن الموضوع مجددا ” ربيعة غاني

وصلهم خبر ابنهم أمس توفي عل تخوم ثروان ليلحق بعمه وابن خالته

كم من فواجع ستتلقاها الناس قبل أن تنتهي كل هذه الحرب ”

لتقطع حديثهما الخطوات الثقيلة التي ظهرت بوضوح مقتربة منهما لأنهما

تجلسان في طريق الخارج والداخل للمنزل فنظرتا فورا جهة القادم نحوهما

وقد لبس لباسه العسكري مجددا وما أن وصل عندهما قبّل رأس عمته

وهمس مسلما عليها ثم قال ” ألم تصليا جالستان هنا ؟ ”

فرفعت رأسها ونظرت له فوقها وقالت مبتسمة ” بلى بني أنا

سأصلي هنا وجوزاء ستدخل لتصلي وترجع لي , اجلس

واشرب فنجان قهوة معنا ”

رفع فنجان جوزاء الذي سكبته لنفسها مجددا ورشف ما فيه دفعة واحدة

وقال وهوا يعيده مكانه ” عليا المغادرة سريعا فأمامي زيارة لمقرات

الحدود الشمالية ستأخذ مني أسبوعا أو يزيد ثم العودة لجبهات القتال

فذكريني مجددا بإسم العجوز التي أخبرتني عنها في قرية حجور ”

قالت من فورها ” عُزيرة .. أسمها عُزيرة وكانت تولد النساء ومعروفة

هناك عند الجميع والمرأة التي ولدتها أسمها أميمه غزير ”

قالت جوزاء باستغراب ” أليست من قبائل صنوان ؟ ما علاقتها

تولدها امرأة عندنا نحن ”

غادر حينها من يرى أن الحديث لم يعد يعنيه ولا يستهويه وقالت

عمتها ” لنعلم منها أولا ثم ستعرفين لما ولّدتها وهي ليست من هنا ”

*

*

نظر للجسد النحيل المنحني ينظف الأرضية بالمنشفة وفي صمت تام

كعادته , لكم يحار في أمر هذا الفتى في صمته الدائم الغريب الذي لا

يدفعه ولا فضوله للسؤال عن أي شيء ولا حتى في حديثه وبعض مرضاه

عن الحروب وأخبار الجبهات ! وحتى عن نفسه لم يتحدث قط ولا تخرج

منه الكلمات إلا مجيبا عن أسئلته رغم أنه من أيام وهوا يعمل هنا طوال

فترة الصباح وكل ما طلبه منه أن لا يكون موجودا إن كان أحد مرضاه من

مدينته هنا وتساءل لما لا يريد أن يعرف أحد بأنه يعمل عنده ؟ هل يخشى

عقابا من أهله أم أن يعاقبهم ابن شاهين لتركهم له بلا دراسة ؟ وضع القلم

من يده في دفتره الكبير وأغلقه عليه وقال ناظرا له وهوا يعصر المنشفة

بيديه الصغيرتان طويلتا الأصابع ” تيم أريد أن أسألك ؟

هل لك أشقاء غيرك ؟ ”

نفض المنشفة بعدما غسلها وعصرها جيدا ثم رماها على الطاولة

الجانبية وقال وهوا يمسحها بعناية ” لا ليس لي أشقاء ”

قال ونظره لازال عليه ” ما الذي يضطرك للعمل ؟ أليس من

جاء معك يومها قريبك ؟ ”

اشتدت حركته وكأنه يفرغ انفعاله في مسح الطاولة وقال

” لا أقارب لي ذاك ابن عم والدتي فقط ”

قال باستغراب ” وماذا عن أقارب والدك ؟ ”

لاذ بالصمت ولم يجب حتى خيل له أنه تجاهل سؤاله ونظره لازال

يراقبه وقد نزل مستندا على ركبتيه يمسح أرجل الطاولة الحديدية

وقال ” لا أعرف أحدا منهم ولم أراهم حياتي ”

بقي نظره معلقا به مستغربا , ما هذا ؟ فلا أحد يكون مقطوعا هكذا لا

أقارب له مستحيل !! تابعه بنظره حتى انتهى من تنظيف أرجلها الأربعة

ثم وقف على طوله يعطيه جانبه ورمى المنشفة في الإناء البلاستيكي

المليء بالماء والمطهر وقال وهوا ينظف يديه ببعضهما ونظره

عليهما ” أبي من الهازان ”

لتنفتح عينا الجالس خلف طاولته على وسعهما وهمس بصدمة

” من الهازان !! ”

نظر له من فوق كتفه وقال ببروده الدائم ” هل ستطردني لأجل هذا ؟ ”

هز رأسه بلا ونظراته لم تتجاوز الصدمة بعد ولا ملامحه أيضا وقال

” وكيف والدك من الهازان وأنت تعيش هنا ؟ وأحد من جاءا معك

يومها كان من كبار القبيلة !! ”

حمل الإناء من يده الحديدية وقال وهوا ينتقل به جهة السرير الذي

يستعمل للكشف على المرضى ” هوا من هناك لكنه تركهم بعدما

قتلوا والده وأخوته ودخل الحالك وتزوج والدتي ثم قُتل هنا ولا

أحد يعلم من قتله ”

بقي نظره المصدوم يتبعه في كل حركاته وهوا ينظف السرير بالمنشفة

المبللة ولازال عقله لم يستوعب الأمر بعد ( كيف لفتى أن يعيش وسط

قبيلة ليست قبيلته وخاصة في هذه الأوضاع ونحن نزحف على مدن قبائله

وإن استنكرها والده وخرج منها ؟ كيف يعامل الناس هذا الفتى وما درجة

تقبلهم له ؟ ألم يفكر والده أنه إن حدث له شيء سيترك خلفه عائلة ستعاني

لأن أبنائه سيعيشون بغير أرضهم وأهلهم ؟ ألهذا السبب يريد أن يعمل ليوفر

علاج والدته ؟ ألهذا السبب أيضا لا يتدخل فيما يجري ولا بكلمة واحدة ؟

بل فهمت الآن لما كان متأكدا أنه لن يفتقده أحد في المدرسة ولن يخبروا

أهله أنه لا يذهب لها )

وقف على طوله وتوجهه نحوه وأخذ المنشفة من يده ورماها في الإناء

البلاستيكي فرفع تيم نظره به وقال بجمود ” علمت أن هذا سيكون رد

فعلك , لكني لم أرد أن أكذب عليك ولا أن أتجاهل سؤالك ”

وضع يده على كتفه وشد عليه بقوة وقال ” سنغادر الآن معا

لمدرستك يا تيم ”

نظر له مستغربا فتابع ذاك بجدية ” أعلم أنهم لن يقبلوا بعودتك بعد تغيبك

لأيام وموقن من أنهم لن يقبلوا بك في الامتحانات كما أخبرتني سابقا فهيا

لأذهب معك واخبرهم أني من طلب أن تأخذ إجازة من المدرسة ”

جمد مكانه ولم يتحرك وقال ناظرا بتركيز لعينيه ” لكني لا أريد

الدراسة , أريد أن أجلب الدواء لوالدتي ”

أمسكه من يده وسحبه معه قائلا ” وعلاج والدتك ستأتي لأخذه

من هنا كلما احتاجت وبنفسي سأزورها في منزلكم رغم

أني لا أفعلها مع أحد ”

قال وهوا يتبعه بخطوات راكضة بسبب سحبه له ” لكني لا

أريده دون مقابل , سأعمل وآخذه بمجهودي ”

وقف به حيث وصلا للساحة والتفت له وقال بحزم ” حين تكبر كن

هكذا رجلا لا يريد شفقة ولا مساعدة أحد أما الآن فعليك أن تتابع

دراستك يا تيم ولا تدمر مستقبلك , ولن أرضى أن أكون أنا جزءا

من ذلك فهمت ”

كان سيتحدث معترضا لكنه صرخ به مزمجرا بصوت جعل الجميع

ينتبه لهما ” لن تعمل هنا يا تيم وفي كل الأحوال قبلت بالعلاج أم لا

ولن أعطيك الدواء مالم ترجع لمدرستك حتى إن أحضرت لي ثمنه ”

أخرسه ذلك تماما ونظراته لازالت معلقة بالواقف فوقه يحجب عنه

نور الشمس الساطعة , فهوا على استعداد لفعل أي شيء ولا يتوقف

علاج والدته , ما كان سيقبل بذلك لولا أنه من أجلها ومن أجل صحتها

فهوا تحمل حتى السرقة التي لم يفعلها حياته ولم يتربى عليها وتسلل

لحقول الرمان وأخذ منها من أجلها وكذب على الطبيب بشأن المدرسة

والامتحانات وهوا من ربته والدته ومن قبله والده على أن لا يكذب وكل

ذلك من أجلها هي فقط , أنزل نظره أخيرا ليعانق التراب الناعم تحت

قدميه وقال بهمس حزين مكسور ” ليس والدتي , كله إلا هي ”

تنهد الواقف فوقه مغمضا عينيه بقوة قبل أن يفتحهما مجددا وربت

على ظهره وقال سائرا به جهة مدخل المقر الواسع المفتوح

” لا تقلق بهذا الشأن يا تيم .. لا تقلق ”

وخرجا معا ولم تنبس شفتا الذي استسلم لما قرره ونظره للأرض صاعدان

من المنحدر الذي نزل منه , ولا السائر بجانبه تحدث أيضا فلازالت نبرة

الأسى والحزن التي سمعها منه وهوا يضع والدته فوق كل شيء ترن في

أذنيه فهوا لم يسمع هذه النبرة في صوته أبدا ولم يراه حزينا مثل تلك اللحظة

مستغربا كيف لفتى في الحادية عشرة أن يكون بذاك الصبر والصمت والكتمان

حتى في انفعالاته , هو ليس على استعداد أن يكون ممن يدمرون مستقبله أبدا

لن يكون جزءا من تلك العقول الغبية خاصة بعدما علم بقصته وهو موقن من

أنه لو لم يسأله ولم يحرص هو على الصدق معه ما كان تحدث من نفسه أبدا

*

*

نظرت لحقيبتها الصغيرة في حجرها وضغطت قبضتها على يدها

الجلدية بقوة ثم رفعت نظرها ونظرت جانبا عبر نافذة السيارة لحقول

الشعير الممتدة التي بدأت الشمس تحول لونها للأصفر الذهبي فبحلول

فصل الصيف تحولت هذه الحقول الخضراء البراقة لصفراء يابسة تعكس

لونا ذهبيا تحت الشمس في حركتها المتموجة بسبب نفحات بعض الرياح

القوية , تنفست بتوتر شعرت به بدأ يجتاحها من الآن ونظرت لقفا الجالس

أمامها خلف مقود السيارة يتبادل والجالس بجانبه حديثا لم ينتهي من ساعتين

ونصفه عن تطورات الأمور في البلاد , حديثا سياسيا مزعجا حد الإزعاج

بالنسبة لها لكنها تحمد الله فعلا أنهما صادفا هذا الرجل الكبير في السن الذي

يعرفه جبران معرفة تبدوا وطيدة وكانت وجهته كوجهتهم واقترح عليه أن

يوصله في طريقهم وأصر عليه إصرارا كبيرا رغم رفض العجوز المحرج

وهي تعي جيدا أن جبران يبادلها الشعور ذاته وأراد مثلها أن يكون ثمة طرف

ثالث في رحلتهما الطويلة , وفي كل الأحوال وحتى إن كانا بمفردهما وجالسة

في الأمام بجانبه هوا أهون عليها من الذهاب مع ابن خالتها وثاب فبالرغم

من أن جبران لم يخفي مشاعره نحوها عن أحد وأنهما يعدان مخطوبين الآن

لم ترى في عينيه النظرات الوقحة الجريئة ولا الكلمات المبهمة السخيفة كما

يفعل وثاب خاصة قبل أن يتحدث مع والده عن رغبته بالزواج بها فهي لازالت

ترى في عينيه نظرات ودودة لطيفة وأحيانا متلهفة لكنها ليست كنظرات وثاب

قط فهوا في أفضل حالاته ينظر لها نظرة تكرهها وتشمئز منها وحين يكون

متضايقا من صدها له تصبح نظرته عدائية حارقة تخيفها منه فهوا نوعا ما

حاد الطباع كما صرحت شقيقته جليلة مرارا تشتكي منه , بعد ساعة أخرى

من السير الثابت بالسيارة والمستمر دون توقف كانوا عند مدخل بلدة توز

بخضرتها التي لم تغيرها شمس الصيف , فمناطق الجنوب معروفة لديهم

بخضرتها الشبه دائمة فكلما تغلغلت جنوبا كلما تغير مناخ البلاد وطبيعتها

فمدنهم الجنوبية تمتاز أكثر بالخضرة وبشدة البرد شتاءا واعتدال مناخها

صيفا ولازالت تذكر حتى الآن زيارتها الوحيدة للعمران قبل أن تأخذها

الهازان منهم حين كانت في العاشرة فتلك البلدة كانت من أجمل مدنهم

غارت عليها الهازان وأخذتها ولم يستطع أحد من صنوان الاعتراض لأن

الدول الأخرى وقفت معهم في أنها تشكل تهديدا على الهازان وبالفعل ها قد

أثبت ابن شاهين ذلك حين أخذها منهم لتتساقط المدن بعدها لتحكم عدالة الله

في السماء فكما أخذوها منهم جورا من تسع سنين سلبها ابن شاهين منهم في

ليلة وغيرها معها أيضا , بدأت السيارة بالتغلغل في حقول الأشجار المثمرة

المصفوفة وكأنها صفوف جنود يستعدون للحرب , ثم مرورا بأراضي البطيخ

والشمام وعيناها تراقبان كل شبر مما مروا به بعدما نزل الراكب الثالث معهما

عند مدخل البلدة , كان واضحا لها حركة الجنود وكثرة نقاط التفتيش فالجميع

في حالة تأهب وتوجس وهذا ما زاد توتراها أكثر فيما تريد الإقدام عليه لكنها

فرصتها الوحيدة وقد تكون الأخيرة فمن يضمن لها ما سيحدث حتى هذا الوقت

من العام المقبل , وهل سينتظرها جبران عاما آخر لتقرر وقت الزواج منه

الذي أبدت موافقتها التامة عليه ولم يبقى سوا تحديد موعد زفافهما وإشاعة الخبر

فإن أضاعت هذه الفرصة لن تجد غيرها ولن ترضى أبدا أن تبني عائلة وتنجب

أبناء وهي تجهل نسبها وتجهل عائلتها , وتعلم جيدا ما سيواجهه أبنائها بعدها

وما ستواجهه هي قبلهم في حال انتهى حكم والدها شراع لصنوان فنصف من

يمسكون ألسنهم عنها الآن خوفا من والدها وأبنائه , عليها أن تعلم كيف لامرأة

من الحالك أن تولد والدتها التي كانت تعيش على حدودهم في صنوان ! فلا أحد

سيعلم إن لم يصلوا لتلك العجوز ولا أحد يستطيع الوصول لها وهي خلف حدود

الحالك إلا بالطريقة البدائية وهي التسلل خفية في جنح الظلام , مخالفات لم

يستطع أحد معالجتها رغم كل التراكمات والأحقاد والحروب فلازال ثمة من

يتسللون عبر الحدود وزيجات تتم سرا وأبناء يواجهون الصعاب جراء تلك

الزيجات الخاطئة , وجل ما تخشاه الشاردة بنظرها في الحقول أن تكون هي

أيضا نتيجة لزواج مماثل وأن يكون والدها من قرية حجور تلك وتزوج سرا

من والدتها ابنة قبيلة غزير في توز وكانت هي نتيجة ذاك الزواج الذي تركها

بأم من غير أب مجهولة النسب والهوية , ليبدأ ذاك السؤال بدوران في رأسها

مجددا ( لماذا تزوج والدي شراع من والدتي وحماني لديه إن كانت

والدتي تزوجت سرا بأحد الرجال في الحالك ؟؟ )

عادت بنظرها ليديها الممسكة حقيبتها بقوة , الحقيبة التي حوت ملابس تكفيها

مدة بقائها هنا لأسبوع أو يزيد قليلا حسب مدة زيارة جبران لمقراتهم الجنوبية

وهذا أمر استحسنته كثيرا فإن حدث شيء وقت تسللها المتهور ذاك ستضمن أن

تصل له سريعا حال أمسكها أحد جنودهم , أما جانب الحالك فهي تعي جيدا أن

الحرب جهة الشرق تشغلهم أكثر عن حدودهم هنا خاصة وأنهم هنا في صنوان

في هدنة معهم لازالت تمتد لشهر ونيف قبل أن تنتهي ويبحثون معهم السبل

لتمديدها أكثر فهي لاحظت أن والدها يسعى بكل جهده هوا وزعماء قبائلهم

لسحب مهادنة جديدة مع ابن شاهين ليقينهم بأنه لا يخرق الهدن أبدا ما لم

يغدر به الطرف الآخر كما حدث مع الهازان , شعرت بتوقف السيارة فجأة

فرفعت رأسها فإذا هم أمام سور عالي بباب كبير علمت فورا أنهما وصلا

لوجهتهما الأساسية وهوا منزل جدة جليلة ابنة خالتها وهي جدتها أم والدها

حيث أن والديها من قبيلة غزير كليهما , فتحت الباب حينها في صمت تام

ونزلت تحمل حقيبتها الجلدية متوسطة الحجم وقد وضعتها على كتفها فانفتح

الباب الأمامي أيضا ونزل منه جبران ووقف مقابلا لها وقال في أول حديث

يتبادلانه منذ بداية رحلتهما ” ما أن أنتهي من مهمتي سآتي لأخذك

وسأحرص على أن لا أتأخر ”

هزت رأسها بحسنا دون أي تعبير ظاهر على ملامحها وعينيها فلا تريد أن

يرى القلق فيهما وخوفها من أن يحدث شيء ويغضبوا منها جميعا خاصة

والدها شراع , قال وهوا يدخل يده في الجيب الداخلي لسترة بذلته

العسكرية ” هل معك نقود ؟ فقد تحتاجين شيئا هنا ”

هزت رأسها بلا وقالت فورا ” معي ما يكفي ويزيد وقد أعطاني

والدي أيضا فاترك مالك لديك يا جبران فأنت أحق به ”

أخرج يده فارغة وقال ناظرا لعينيها شديدة السواد والاتساع ” سلمي

لي على خالتك إذا وأخبريها أن ما أوصتني به سيكون لديهم ما أن

أرجع من مهمتي في الحدود فقد تضن أني تأخرت ولن أحضره لها ”

توترت ملامحها بشكل واضح وهربت بنظراتها منه للأرض فلم

تتوقع أنه لا يعلم , تمسكت بحقيبتها أكثر وقالت بتردد ” لكن

خالتي ليست هنا ولا يمكنني إيصال رسالتك ”

نظر لها بصدمة مطولا قبل أن يقول ” ومن مع جليلة هنا إذا ؟ ”

قالت بهمس ونظرها لازال في الأرض تحتها

” هي وحدها وجدتها ”

لاذ بصمت مبهم جعلها ترفع رأسها وتنظر لوجهه فورا وقد كان

واضحا لها الضيق وعدم الرضا في ملامحه ونظراته وشكت للحظة

أنه سيرجع بها لمنزلهم فورا فقالت في محاولة لإقناعه ” كما تعلم فخالتي

لا أحد لديها سوا جليلة بعد زواج ابنتيها الأكبر منها ولن تستطيعا المجيء

هنا للبقاء شهرا كاملا وتترك زوجها وأبنائها الذكور , وجليلة وبنات أعمامها

يتناوبون على البقاء مع جدتهم وكل شهر تبقى معها واحدة في شهر واحد

في السنة لكل منهن والبلدة هنا آمنة والمنازل محاطة بأسوار عالية والجميع

يعرفون بعضهم لما كان والد جليلة وأشقائها تركوها هنا لوحدها مع جدتها ”

كان كل ما قالته حقيقة لم تكذب فيها أبدا لكنها لم ترى اللين في ملامحه ولم

تتغير نظرة عدم الرضا تلك التي ترسلها نظراته لها وقد بدأ أملها في البقاء

يقل تدريجيا فغضنت جبينها مقربة حاجبيها الرقيقان الطويلان من بعضهما

في نظرة رجاء بريئة وقالت برقة ” قل شيئا يا جبران ”

تنهد حينها باستسلام محركا رأسه بقوة ثم أمسك وجهها بيديه وقال ناظرا

لعينيها ” لست مقتنعا يا قلب جبران لكن لا يمكنني رفض رغباتك ورؤية

الحزن في عينيك الجميلتين وأنا أعيدك معي للمنزل لما نمتِ الليلة

إلا في سريرك هناك ”

ظهرت ابتسامة طفيفة نقية صادقة على شفتيها الزهرية الجميلة

وقالت بهمس ” شكرا لك ”

ركز نظره على عينيها أكثر ولازال ممسكا وجهها الصغير أمام يديه

الكبيرتان وقال بجدية ” اعتني بنفسك جيدا يا غسق سأحاول أن آتي في

أقرب وقت فلن يهنئ لي بال وأنتي وابنة خالتك وحدكما هنا مع عجوز

كبيرة لا تتذكر حتى عشائها , فاستمتعي بوقتك فلن أزيدك يوما واحد

وقت عودتي من الحدود الأخرى حسنا ”

هزت رأسها بحسنا هزة خفيفة فقبل جبينها وهمس برقة وصوت

رجولي عميق ” كوني بخير حبيبتي أو لن أسامح نفسي أبدا ”

تلقت كلماته تلك كرذاذ مطر قوي على نافذة زجاجية مغلفة وهي تتمنى حقا

أن لا تجعله يندم على إحضارها هنا بنفسه ومعاندته لوالده حتى وافق , ما

أن ابتعد عنها وهم بفتح باب السيارة حتى وقف مكانه حين وصله صوتها

قائلة ” ما أن نرجع للمنزل سنتزوج في الأسبوع الذي يليه ”

التفت لها من فوره ورغم أنه سبق وسمع هذا من والده لكن لم يتوقع

الأمر بهذه السرعة , قال مستغربا ” والدي أخبرك ؟ ”

هزت رأسها بلا وقالت باستغراب مماثل ” وما دخل والدي بالأمر !! ”

جال بنظره في ملامحها مفكرا قبل أن يقول ” هوا أخبرني من أيام

أنه سيقنعك لنعقد قراننا ما أن أرجع من مهمتي في الحدود ”

بالكاد خرجت منها الكلمات وقالت هامسة بحيرة ” لم يخبرني ؟ ”

ابتسم حينها وقال ” إذا لن يكلف نفسه عناء إقناعك وأنا المستفيد

في كل الأحوال ”

نظرت للأسفل من فورها هربا من عينيه وقد اعتلت وجنتيها حمرة شديدة

كم أصبح يعشق رؤيتها , فكبح جماح كل رغباته وجنون قلبه بها وقال

وهوا يفتح باب السيارة ويركبها ” هيا لن أغادر قبل أن تدخلي للداخل ”

تحركت حينها بخطوات سريعة وما أن وصلته حتى انفتح الباب من تلقاء

نفسه وخرج منه رأس ابنة خالتها التي قالت مبتسمة ” كلما سمعت

هدير سيارة في الخارج خرجت أضنها أنتي , لقد تأخرتما ”

المخرج~

بقلم / الغالية همس الريح

الف باء تاء ثاء مطر يرعد في الارجاء

جيم حاء خاء دال قسم لن نبقي الانذال

ذال راء زين سين حرب فرضت منذ سنين

شين صاد ضاد طاء ساصحح كل الاخطاء

ظاء عين غين فاء خير بلادي للشرفاء

قاف كاف لام ميم نصر عزم و تصميم

نون هاء واو ياء وطني يمضي للعلياء

علي لسان مطر ..بعد الاجتماع الذي واجه فيه سارقي بلاده و ناهبي ثرواتها

نهاية الفصل ….

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل العاشر

ما أن أغلقتا الباب خلفهما دخلتا مجتازتين الحديقة التي كان يظهر عليها

الاهتمام الفائق وقد غرس فيها جميع أنواع الخضراوات وكأنها مزرعة

مصغرة وهذا ما يفعله أغلب سكان هذه البلدان فهم يزرعون ويجنون الثمار

والبذور ثم يعودوا ويغرسوها من جديد ويقتاتون منها حتى أصبحت البلاد

شبه مكتفية من المزروعات المتنوعة لوفرة المياه والأرض الخصبة واجتهاد

أهلها حتى أصبحت مطمعا في آخر شيء تبقى لهم فيها وكأن البلدان الأخرى

تحولت لمصاصين دماء يترقبون بنهم لنهب أي شيء من هذه البلاد المشتتة

المقسمة مستغلين حاجتهم لهم , نظرت لها جليلة وهما تقتربان من المنزل

وقالت بابتسامة لم يخفى عن غسق المكر فيها ” حتى دخلتي وعيناه

تراقبانك بتركيز هل لي أن أعلم السبب ؟ ”

نظرت لها ببرود ثم أبعدت نظرها عنها وقالت بدون مراوغة

” سنتزوج ما أن أعود للمنزل ”

شهقت السائرة بجانبها بقوة ووقفت لتتوقف لوقوفها وقالت بسعادة

” رائع !! هذا خبر رائع يا غسق ”

نظرت لها لبرهة دون تعلق ثم قالت مستغربة ” ضننت أن الأمر

سيزعجك بسبب شقيقك وثاب !! ”

حركت تلك يدها بلامبالاة وقالت بشيء من الحنق ” لا يستحقك

أنتي تختلفين عنه كثيرا فتاة رقيقة فتية تشبهين النسيم الحريري

العذب وهو خشن اللسان والمعشر ”

نظرت لها بصدمة من كلامها عن شقيقها وتابعت تلك بحماس

” لكن جبران مختلف تماما فكم يمدح فيه والدي من بين أشقائك

جميعهم رغم أنه يحبهم ويثني عليهم بالإجماع لكن جبران يقول

عنه دائما أنه أعقلهم وأهدئهم وأرجحهم عقلا ”

هزت غسق رأسها بأسى ويأس منها وقالت ” لو لم أكن أعرفك

جيدا لقلت أنك مغرمة به ”

ضحكت وضربت لها كتفها وقالت ” غبية , وأنا لو لم أكن أعرفك

جيدا لقلت بأنك ستغارين وما تفوهت بكلمة ”

تنهدت غسق بحيرة فقد مست وترا حساسا جدا في قلبها , قالت بشرود

” خائفة يا جليلة , أخاف أن لا أسعده , أن لا أحبه كما يأمل مني فأنا

لم أراه إلا شقيقا لي ولسنوات طويلة ومنذ ولدت في هذه الدنيا ”

قالت بحيرة مماثلة ” إذا لماذا توافقين عليه ؟ ما الذي يجبرك على

ذلك وأنا أعلم بغيري أنه في تلك العائلة لا أحد يكدرك أو

يرغمك على شيء !! ”

هزت رأسها مجددا ورفعته للأعلى لتعانق حدقتيها السوداء الكبيرة

المحاطة بصفي رموش كثيفة طويلة ومستقيمة زرقة السماء الصافية

وقالت بحزن ” يرغمني مشاعره نحوي يا جليلة , يرغمني كل ما

فعله من أجلي فلم أنسى يوما أنه عصى والدته وأوشى بها لوالدي

شراع وأغضبها منه حتى ماتت من أجلي فكيف أكافئه بالنكران ”

تنهدت المقابلة لها بأسى وحزن وقالت ” لكن الحياة بين الرجل والمرأة

دون حب تشبه الموت البطيء يا غسق , صحيح أنه للاحترام والعشرة

دورا أساسيا في استمرار زيجات كثيرة لكنها دون حب باردة وجافة

وخالية من أي ألوان , إنها تشبه بلعك للطعام بدون ملح ”

أنزلت رأسها ونظرت لها وقالت مميلة ابتسامتها الباردة ” قد ينجح

الأمر معنا من يدري , فلن أخذله أبدا بعدما وافقت عليه ”

شدتها من يدها جهة الباب قائلة ” تعالي إذا لتتعرفي جدتي ”

وتابعت وهما تجتازان الباب ” وزواج بدون حب من رجل يحبك

وأخلاقه عالية أفضل من رجل ليس به ولا صفة منهم ”

قالت وهي تجاري خطواتها المسرعة ” معك حق , ينقص واحد

من الكل أفضل من أن تطير جميعها ”

ودخلتا من باب المنزل الخشبي البسيط لمنزل أبسط منه كحال أغلب

من يعيش في تلك البلاد يتمسكون بالجدران التي تؤويهم من النوم في

العراء وأهون عندهم من أن يجدوا أنفسهم خارج بلادهم في مخيمات

للاجئين , عبرتا صالة المنزل الصغيرة ذات الطلاء المقسوم لنصفين

ووصلتا لغرفة بباب خشبي قديم جدا لا يوجد به ولا حتى مقبض

دفعت جليلة الباب ودخلت قائلة ” ادخلي يا غسق فقد أخبرت جدتي

أنك قادمة وسعدت جدا بأن ابنة زعيم صنوان ستزورنا وسأعرفها

بك مجددا لأنها مؤكد نسيت كل شيء ”

وتنحت من أمامها لتظهر لها العجوز ذات التسعين عاما جالسة على

فراش على الأرض نحيلة وقصيرة , التجاعيد قد غطت جسدها بأكمله

من وجهها وعنقها لذراعيها النحيلتان لساقيها اللتان تظهران من فستانها

الصيفي بأزهاره القرنفلية الصغيرة المتراصة على طوله , تنظر لهما

بعينان شبه مغمضة لتبث الاستغراب في قلب الواقفة بجانب حفيدتها بأن

حكمت هذه العوز على أبنائها الستة أن لا تترك منزلها ولا مدينتها ولا

جاراتها واستسلم الجميع لعنادها ليتبادل أحفادها الاهتمام بها

خرج صوتها الرقيق الرنان قائلة ناظرة لهما عند الباب

” حبيبة لما فتحت باب المنزل ؟ من جاء ؟ ”

أمسكت جليلة بيد غسق واقتربت من جدتها قائلة ” جدتي هذه أنا

والدتي الآن بأولادها وأحفادها ولم تعد هنا وكما أخبرتك ابنة

الزعيم شراع قادمة وها قد وصلت ”

*

*

رفع رأسه بعدما أخرجه من تحت السرير استجابة لنداء الجالسة

فوقه وقال ” نعم أمي ”

مالت بجسدها قليل لتراه وقالت ” أتركها بني ستخرج من نفسها

أخاف أن يضرب رأسك في خشب السرير ويؤذيك ”

وقف على طوله ينفض يديه من غبار الأرضية وقال ” هذه السلحفاة

مشاكسة حقا , الأخرى أجدها مكانها تحت الشجيرات أما هذه

فأقضي اليوم بحثا عنها , وها قد وجدت مخبئا جيدا ”

ابتسمت بتعب وحب مراقبة ملامح ابنها الذي مهما حولت منه ظروفه

لبارد ولا مبالي بقي فيه روح الفتى الطفل الذي حرم من التمتع كأقرانه

قالت بذات ابتسامتها ” ماريه منذ يومين لم تأتي كعادتها قد تكون متعبة ”

حرك كتفيه وقال ببرود ” ذهبت وعادت معي للمدرسة أي أنها

ليست مريضة ”

تنهدت وقالت بهدوء ” اذهب واسألهم عنها فهي لا تترك يوم

دون أن ترانا فيه ”

لاحظت جيدا نظرات الضجر والرفض في عينيه وإمالته لفهمه

فقالت بعتب ” تيم الفتاة يتيمة وتحبنا حقا وترى أننا عائلتها وأراها

تفعل جهدها لتكون صديقا لها فلا تلمها على ما يفعله الغير ”

توجه للباب منهيا ذاك الحديث وقائلا ببرود ” أخبرتك أني رأيتها

اليوم مرتين لكنك لا تقتنعين يا أمي ”

وخرج من الغرفة راضخا لأوامرها لأنه يعلم بأنها لن تتركه حتى يذهب

لهم , نفض يديه وتأفف بكدر ونظره على باب منزلهم سائرا جهته وتمتم

ببرود ” ماذا سأسألهم ؟ أين ماريه لما ترفضون أن تخرج لنا ككل

يوم ؟ ليطردني ذاك المتوحش من الباب ”

وصل الباب ووقف أمامه ثم حرك شفتيه بعدم اقتناع وتحرك مبتعدا

دون أن يطرقه ولف حول المنزل حتى وصل لنافذة غرفة معينة ثم

انحنى ورفع حجرا صغيرا ورماه عليها وما هي إلا لحظات ودفع

شيء ما النافذة وفتحها للخارج ورأى اليد الصغيرة البيضاء التي

تمسك بحديد الحماية في النافذة لأنها لا تصل لها طبعا وخرج

له صوتها الرقيق قائلة ” تيم , هذا أنت ؟ ”

قال ساخرا ” نعم وهل ثمة من سيسأل عنك غيري في هذه الحياة ”

خرج له صوتها الرقيق الطفولي الغاضب قائلة بضيق

” أفضل منك أنت لا أحد يسأل عنك ”

قال ببرود ” أنتي طبعا ومتعادلان هكذا ”

خرجت كلماتها الغاضبة الصغيرة مجددا وهي تقول

” ماذا تريد إذا ؟ ”

قال رافعا رأسه للأعلى حيث النافذة المفتوحة ويداه في جيوب بنطاله

” أين أنتي لا تخرجين ؟ هل يسجنونك ؟ ”

خرج صوتها الطفولي الحزين قائلة ” نعم عمتي تسجنني في الغرفة

من يومين ولا أخرج إلا للمدرسة ”

تنفس بقوة وكما توقع فهذه هي أفعالهم في الأطفال المحتاجين لهم

قال ” هل ضربوك أو منعوا عنك الطعام ”

قالت من فورها ” لا لم يضرباني ويحضرون لي الطعام لكنها

لا تسمح لي بمغادرة الغرفة , أريد الخروج لأراك وعمتي

وألعب بالسلحفاة الصغيرة ”

هذا ما توقعه فهم يفعلون أي شيء من إهمال لها وسجن ولا يؤذونها

جسديا لأنها تشكل لهم مبلغا جيدا من المال وحال اشتكت من ضربهم

لها ستنتقل منهم لمنزل أحد أعمامها الآخرين , ولأن هذا المنزل عائد

لجدهم جميعهم كانوا مضطرين لاستقباله ووالدته لأنه منزل جدها

ولاستقبالها أيضا كحل أولي , قال ببرود ” لابد وأنك فعلت شيئا

يستحق فهم لم يسجنوك في الغرفة من قبل ”

قالت من فورها ” لم أفعل شيئا ”

رفع رأسه ونظره للسماء الصافية وقال بحروف ممطوطة

” مارياااا اعترفي ”

قالت بإصرار ” فعلت ولن أقول ”

مالت ابتسامة على شفتيه ونظر ليدها الممسكة لحديد النافذة

وقال ” لا جرم أن تخجلي من أفعالك لابد وأنها جريمة سيئة ”

لم تجب ولا تريد أن تقول له السبب بأنهم سجنوها لاكتشافهم اختفاء

الأطعمة التي كانت تأخذها لهم وضنوا أنها تأكلها من ورائهم , كي

لا يرفضوا منها شيئا فيما بعد , خرجت كلماتها الطفولية الرقيقة من

خلف تلك النافذة قائلة ” زهراء أخبرتني أن ثمة جنية تحقق الأماني

تأتي لنافذة المنازل كل ليلة وأنها كتبت لها أميتها في ورقة ورمتها من

النافذة ولم تجدها في اليوم التالي وأنها تحققت لذلك كتبتُ أمنيتي في

ورقة ورميها لها البارحة مؤكد أنها وجدتها وأخذتها معها , انظر

إن أخذتها فلا يمكنني الخروج ”

نظر تحته ووجد بالفعل ورقة مطوية ومرمية أرضا فهز رأسه بيأس

ورفع نظره للنافذة مجددا وقال ” لكن لا وجود للجنيات , والدتي

أخبرتني أنه من كان يتمنى شيئا فيطلبه من الله وهوا يصلي ”

خرجت كلماتها الرقيقة الحازمة ” لكنها أخذت ورقة زهرة

وحققت أميتها فأخبرني هل أخذتها أم لا ”

أخرج يده من جيبه وانحنى للأرض ورفع الورقة وفتحها ونظر

للكلمات الغير مفهومة فيها فهي بالكاد درست هذه السنة وكانت

جميعها كلمات لأحرف بدون نقاط لم يفهم منها شيئا فطواها مجددا

ووضعها في جيبه قائلا ” لم أجدها فما الذي تمنيته لنرى إن

كان سيتحقق ”

قالت من فورها وبسعادة ” لقد أخذتها معها إذا , لن أخبرك

عن أمنيتي كي أسخر منك حين تحققها لي ”

رمى يده بلامبالاة وقال مغادرا ” أعلم أنها بأنك تريدين

التحول لسلحفاة صغيرة غبية ”

وابتعد عائدا للغرفة حتى دخل وجلس على سريره وأمسك كتابه

وقال للتي تنظر له بصمت ” إنها مسجونة في غرفتها وليست

مريضة ولا تريد أن تقول السبب الذي عاقبوها به ”

تنهدت بأسى وحزن على حال تلك الصغيرة وقالت ناظرة له

” تيم أنت لابد وستخرج من هنا يوما صغيرا كنت أو كبيرا

فعدني أن تأخذها من هنا ”

حول نظره من الكتاب لها مستغربا وكان سيتحدث فقالت ” أعلم أنك

لن تتركني لكن إن أنا تركت الحياة فلا تبقى لهم يا تيم كي لا يدمروا

مستقبلك بني ولا تنسى الورقة التي أعطيتها لك لتغادر لهم فلا

تتركها يا تيم وأخرجها معك هل تعدني ؟ ”

قال ببعض الضيق ” أمي توقفي عن الحديث عن موتك أنتي

تأخذين الدواء ووعدتني أن لا تتركيني ”

قالت بإصرار ” لا أحد يمسك الموت بني فحتى الأصحاء يموتون

فلا تبقى لهم يا تيم وخذها من هنا بني أرجوك ”

قال بتذمر ” وكيف آخذها ؟ من سيرضى لطفلة أن تغادر مع طفل

لا يعلم كيف سيصل للأشخاص الذين ترك والدي أسمائهم

وأرقامهم في الورقة ”

قالت بجدية ” إن خرجت طفلا فعد فيما بعد حين يكون بمقدورك

إخراجها وأخرجها بني عدني بذلك ”

تنهد باستسلام وقال بهدوء ” أعدك أمي فلا تموتي أنتي أيضا

أرجوك ”

*

*

ثبث نظره على ابنه الذي تلعب أصابعه بقلم حبر مذهب على ورقة بيضاء

أمامه في خطوط متشابكة لا معنى لها وعيناه سارحة في الأرضية الخشبية

المغطاة بسجادة سميكة فاخرة وكأنه يرسم الرسومات المتداخلة عليها مرهفا

سمعه للصوت الذي ملأ الغرفة خارجا من التلفاز الكبير المسطح المعلق

على الجدار ثم نظر للاثنين الجالسين معهم أحدهما قد استند بمرفقيه على

ركبتيه مشبكا أصابع يديه ببعض ونظره للأرض والآخر قد وضع ساق

على الأخرى متكئا على ظهر الأريكة الجلدية السوداء مادا إحدى ذراعيه

على ظهرها ونظره جانبا حيث التلفاز وقد غطى صوت المحلل السياسي

خلف تلك الشاشة جالسا على الطاولة الدائرية على صمتهم جميعا وهو

يصدح مرتفعا في أرجاء غرفة المكتب المغلق قائلا ” ما من شخص نظر

للأمر بنظرة سياسية بحته إلا ووجد أن ابن شاهين علم كيف يجتاز نقطة

رفض المجتمع الغربي لما يفعل , هو ليس بغبي ولا ساذج وعلى علم تام

بطريقة تفكيرهم , الغرب اليوم يقفون في وسط الدائرة سامحين للجميع أن

يتحركوا في محيطها ويوم ينقض النسر على الفريسة يصفقون له بحرارة

كما وعدوه سابقا لأن وعودهم قد سبقت لجميع الأطراف فالحرب الآن حرب

الأقوى والأذكى الذي لا يضع عبئا على مساندة الغرب له بل يتحرك معتمدا

على نفسه فقط جاعلا الجميع خلفه وليس أحدهم أمامه وهويتبعه , وسيرتكب

الهازان أكبر خطأ إن اتبع تلك النظرية السخيفة ورأى أن خلاصه سيكون

بوقوف الدول الأخرى معه فيدعهم أمامه وهوخلفهم ويصل به الأمر للجنون

بأن يؤذي أبناء قبائله وهذا ما سنراه قريبا إن بقيت هذه سياسة ابن شاهين

وهذه سياسة ابن راكان وسياسة الغرب القديمة والمعروفة ( أنا مع الجميع

بما أن الجميع واقفون وحين يقع البقية أكون كسبت الذي صمد واقفا )

الحل السياسي بين الهازان والحالك أمر أشبه بمطاردة السراب والجميع

يعلم ذلك والدول العربية أولهم ويعلمون أنهم كمن يصنع رداءا من أشعة

الشمس ما أن ينجلي النهار يسرقه منه الظلام , الحل عسكري وعسكري

جدا , اليوم بين الحالك والهازان وغدا بين صنوان والمنتصر وذاك

اليوم قادم لا محالة مهما طالت السنين ”

رفع بعدها ورقة ووجهها للمذيع الجالس أمامه وقال ” هذه وثائق خرجت الآن

للضوء ما كان لأحد أن يحلم أن تكشف , قبل عامين من الآن مبعوث سري

وصل للهازان وبعدها على الفور بدأت الخروقات في الهدن وبدأ ابن شاهين

يتلقى جثت رجاله عند الحدود مع الهازان , وبدأت التصفيات الداخلية في

الحالك لرجال معينين وضربات قاسية لابن شاهين في أهم رجاله , ألم

يدرك الهازان أنها لعبة ! أنها وعود كاذبة منهم غرضها إشعال الحرب

بينهم وبين الحالك , بل غرضهم فعلا تهييج البحر الغامض المدعو مطر

شاهين , غرضهم أن يحدث ما يحدث اليوم لأنهم يريدون هذا ويعلمون

أنهم لو عرضوه من عامين على ابن شاهين ما وافق عليه لذلك اتخذوا

أساليب أخرى أكثر التواءً كمن يحرك الجمر من تحت الرماد , والأداة

طبعا هي الهازان وها قد اشتعلت الحالك فعلا لتحرق وأول من أحرقت

كان من حرّكها , كانت خدعة بدأت بأن طلبوا من الهازان التغاضي عن

الإرهابيين في مدن وجبال أرياح وصولا لما يحدث اليوم في الداخل .

الغرب لا يمدون يدهم إلا لأنفسهم فإن مدوا يدهم لك فاعلم أنهم

يمدونها لأنفسهم وليس لك … ”

ثم بدأ الصوت بالانخفاض حتى اختفى صوت الرجل ونظروا ثلاثتهم

للجالس خلف طاولة المكتب وجهاز التحكم في يده ونظره على التلفاز

الذي أصبح صورة لرجل يتحدث من غير صوت وقال أحدهم ” سيد

ضرار لم تعطنا أي أوامر بالنسبة للتدخل فيما يجري , حتى نقود

المساعدات لازالت مجمدة بأوامر منك ”

هز رأسه بحسنا دون أن يتحدث ليفهم صاحب السؤال أن الأمر مؤجل

قليلا وقال ابنه سلطان ونظره لازال في الفراغ ” بعض الدول بدأت

بتجهيز المخيمات عند الحدود فالناس بعد وقت قد لا يجدون

مكانا لهم داخل البلاد ”

تحدث حينها الواقف بجانب الجالس خلف مكتبه متكأ على المكتبة

الضخمة خلفهما مكتفا يديه لصدره وقال ” ابن شاهين وعد بالسلم

وابن راكان يبدوا سيهرب نهاية المطاف متخل عن أبناء الهازان

فمن التعقل التسليم له سلما ”

أربع عيون نظرت حينها نظرات حادة لذاك الفتى ذو الأربعة عشرة

عاما الواقف كالنمر بجانب جده , من بدأت علامات الرجولة تظهر

على جسده الطويل وأكتافه وشاربه الأسود الخفيف ونظرته الواثقة

فلطالما رآه الكثيرين برفقة جده وأكثر حتى من والده , والجميع يعلم

أن هذا الفتى أصبح مطلعا على أمور كثيرة تخص تجارة عائلته أكبر

من سنه بكثير , ولا مشروع أو صفقة لا يكون حاضرا فيها رغم

صمته التام , نظرات الفخر ظهرت بوضوح على الجالس بجانبه وكأنه

يقول لهم من له لسان فليناقشه , فهوا يعلم كما الجميع مدى تعلق حفيده

وقاص بشقيقه رواح ومدى تأثر الآخر من الهازان فأخواله عائلة كنعان

جميعهم خرجوا منها ومن لم يقتل داخلها قتل خارجها وآخرهم خاله شاهر

الذي تم تصفيته بعد خروجه للحالك بأعوام ولم يبقوا إلا واحد فقط فر

منهم للخارج , أما جده والد أمه فقد أعدم أمام الملأ بتهمة الخيانة وقد

تسلل حقد رواح عليهم إلى قلب وقاص كالسم في الجسد وهوا يرى

شقيقه وزوجة أبيه المفضلة يبكون أهلهم عاما بعد عام حتى لم يبقى

في عائلتهم سوا النساء والأطفال المهددين بالموت ما أن يكبروا

ويشتد عودهم

*

*

رفعت سجادتها وطوتها ووضعتها جانبا ثم وقفت متوجهة للباب الذي

طُرق طرقات خفيفة وفتحته وقالت ناظرة للواقف أمامها ” الكهرباء

منقطعة من ثمان ساعات , يبدوا عادوا لبرنامجهم وأسوء من السابق ”

هز رأسه بنعم متنهدا ثم قال بهدوء غامض وملامح عابسة ” الهازان

لحقت الحالك وأغلقوا أنبوبي الغاز والنفط وبما أنه قل إخراج الغاز

من البلاد ستزداد ساعات انقطاع الكهرباء ”

قالت بضيق ناظرة لملاح شقيقها المكفهرة ” ومن يعاقبون بهذا غير

أنفسهم ونحن معهم ؟ لن يخسر أحد شيئا غيرنا ”

هز رأسه بحيرة وصمت ثم قال ” هل اتصلت بغسق ورأيت

إن وصلا هناك ”

هزت رأسها بنعم قائلة ” ومن الصباح تحدثت معها قبل أن تنقطع

الكهرباء وسأحدثها صباحا ما أن ترجع مجددا ”

ثم أضافت بهدوء ” ما كان عليك الموافقة يا شراع في أحوال

وأوضاع كهذه , ماذا إن حدث لها شيء ؟ ”

قال مغادرا ” وأنا لم أكن مقتنعا لكن كان عليها أن تبتعد عن

هنا قليلا فهي تكره هذه الأجواء في العائلة ”

وغادر جهة ممر غرفته على نظراتها الحزينة الحائرة فهي تعي كم

يعانون هذه الفترة فكيف به هو من يحكم قبائلهم ؟ دخلت وأغلقت الباب

خلفها وتوجهت لمصباحها الصغير وأطفأته فقد تناصف الليل ولا شيء

لديها سوى النوم , أسدلت الغطاء على جسدها وقد عم الظلام أرجاء الغرفة

في ليلة قمرها كان هلالا فقد غاب البدر الذي يعم نوره منتصف الأشهر

نظرت جهة النافذة المفتوحة والنجوم المتلألئة وتنهدت بحيرة ( قلبي ليس

مطمئنا ورغم أني أعلم أن غسق لن تخاطر بنفسها في وضع كهذا وأن

موافقتها على جبران تعني أنها رفعت فكرة معرفة أهلها من دماغها لكني

أخشى أن تتهور وأن يصل بها الجنون للتفكير في أن تتسلل للحالك للوصول

لتلك العجوز ووقتها ستحل الكارثة على الجميع سواء إن علمت من هم

وعادت أو إن أمسكوا بها ولم ترجع فخروجها من هناك لن يكون كدخولها

في كل الأحوال ) همست مستغفرة الله وأغمضت عينيها متأملة أن

تكون مجرد ظنون لا مكان لها من الصحة

*

*

طافت بنظرها في ظلام الغرفة الذي لا يُرى معه شيء وقالت بشبه

همس ” جليلة ألا تملين هنا ؟ شهر كامل من دون أن تري أحدا إلا

جارات جدتك العجائز مثلها ”

شقت ضحكتها العالية ظلام الغرفة وقالت ” لا أتعب من الوحدة بل

من العمل في حديقة جدتي , شهر كامل من الأعمال الشاقة , كان

عليهم ترك أحفادها معها لا حفيداتها ”

نظرت جهتها وقالت مبتسمة ” لكن الرجل لا يطبخ الطعام ويغسل

الثياب بينما الفتيان يقمن بكل ذلك ”

تنهدت بأسى وقالت ” غسق أمازلت مصرة على جنونك ؟ ”

أبعدت نظرها عنها وقالت ناظرة لسقف الغرفة الذي لا يظهر منه

إلا القليل في ضوء النجوم ” بلى وكلي إصرار وغدا في مثل

هذا الوقت سأكون هناك ”

جلست النائمة بجوارها وقالت ناظرة لطيفا تحتها ” وكيف ستطرقين

الأبواب وتسألي عنها ؟ بل هل فكرتِ في قطع كل تلك المسافة والعودة

قد تطلع عليك شمس الصباح وأنتي في الطريق جالسة من التعب ”

قالت بإصرار ” بل سأذهب وحصان جارتكم سيفي بالغرض بما

أنها سمحت لكم بامتطائه متى أردتم شرط العناية به , ثم

المسافة ليست بعيدة ”

قالت جليلة بجدية وجمود ” ماذا إن أمسكوك رجال ابن شاهين ؟ ”

قالت بضيق ناظرة لطيف وجهها فوقها ” جليلة لا توتريني فوق

توتري بعدما وجدت الفرصة ”

أعادت مجددا ” ماذا إن أمسك بك رجاله يا غسق ؟ ماذا إن آذوك

وأنتي فتاة ولن يستطيع أحد الدخول والتحقق من الأمر حتى

إن قتلوك ودفنوا جثتك ”

انقلبت مولية ظهرها لها وقالت ” نامي يا جلية فلن تغيري رأيي مهما

حاولتِ فأنتي لم تجربي مثلي أن تكوني بلا نسب وبلا عائلة ”

هزت رأسها بيأس منها ونامت في مكانها تاركة المولية ظهرها لها

تسبح في أفكارها ( ماذا إن أمسكوا بي ؟ ) هذه هي الفكرة التي كانت

تحاول طردها طوال الوقت بعبارة ( الجميع يعلم هنا أنه ثمة خروقات

وأناس تتسلل في جنح الليل المظلم ولدي الطريق والطريقة فلما أخاف )

لكن خوفها من أن يمسكها رجال الحالك هناك لم يكن أعظم من خوفها من

أن يأخذوها له فلا شيء أعظم بالنسبة لها من أن تقابله وجها لوجه فبالرغم

من أنها سبق وشاهدت قفاه من بين رجاله وهم مغادرين في لقاء المهادنة من

أربع سنوات في أحد الدول المجاورة وقد رأت قفا رجل بشعر أسود فاحم

شديد النعومة واللمعان قد حف ياقة القميص الأبيض من تحت سترته الزرقاء

الغامقة لرجل بطول فاق طول رجاله بقليل رغم طولهم , لكنها لازالت حتى

الآن ترسم له صورة الرجل البربري ذو الشعر الطويل المموج الأشعث

ولحيته طويلة متشابكة مخيفة وحاجباه عريضان أسودان , فلم تجد صورة

أفضل منها تكون مناسبة له , وعلى هذا نامت وغلبها النعاس محاولة أن

تتجاهل أي شيء يجعلها تتردد وتتراجع , لذلك ما أن حل النهار وبزغ

نور الفجر خرجتا بالحصان تتجول وتتفقد المكان لتربطه بالخارطة لديها

وقد عبرتا بعض حقول الشعير والقمح وصولا لمزارع الرمان حيث هنا

أخصب الأراضي وأفضل مناخ لغرسه , أشارت لها بإصبعها للبعيد في

حركة نصف دائرية وقالت ” وها هي هناك تنتهي حدود توز , المنطقة

بعدها خالية سوا من أشجار البلوط العالية والأعشاب والشجيرات البرية

أرض ملغمة بالأفاعي لا يسلكها إلا الجنود من أجل الحراسة وهي تمتد

لعشرين كيلوا مترا لتجدي نفسك عند حدود بلدة حجور حيث معسكرهم

الحدودي وسفح جبل مرتفع يوصلك للجزء الشمالي منها حيث سمعت أنها

مقسومة لجزأين , أما أرضهم فتشبه أرضنا بأشجارها العالية لكن ألغامهم

ليست أفاعي فقط بل ورجال في كل مكان ”

نظرت لها الواقفة بجانبها بنصف عين وقالت ” لن تخفيني يا جليلة ”

هزت تلك رأسها بيأس منها وقالت وهي تشد اللجام وتستدير ” إذا لنرجع

فقد اقترب وقت الظهيرة وجدتي ستقلق على الموجودة معها وإن نسيت

من تكون , وستكون نسيت دوائها بالتأكيد ”

وابتعدت عائدة فلحقت بها سريعا ونظرت لها بجانبها ممسكة حبل

لجام الحصان في يدها تقوده معهما وقد قالت لها ” أقسم لو كنت

مكانك ما تجرأت على فعلها فأي شيء قد أتخيل نفسي أفعله

إلا أن أدخل حدود الحالك أو الهازان ”

قالت السائرة بجانبها وببرود ” لو كنتِ مكاني لفعلتها ”

ثم نظرت للأزهار التي جمعتها في يدها تحضنها أناملها الرقيقة

شديدة البياض وتابعت بهدوء ” وضعت خطة جيدة لن تفشل بإذن

الله وطريقي سيكون آمنا فلا تخافي ”

حركت جليلة عيناها بضجر وعدم تصديق وقالت ببرود ” آه حسنا

سلمي لي على ابن شاهين ما أن تريه ”

خرجت ضحكتها رغما عنها وقالت ” ابن شاهين في جبهات القتال هناك

في جبال أرياح تفصلنا عنه آلاف الكيلو مترات , ما سيحظره هنا ؟ ”

قالت ناظرة لها بنصف عين ” رداءة حظك أو حظي طبعا قد تحظره

أو تأخذك له , ومن الآن أنا لا دخل لي ولم تخبريني بشيء ”

*

*

اشتدت ملامحه وازدادت قسوة وقال بصرامة ” لا هذا ليس ما أريده

لا تصوروا للناس أني بطل وأني من يفعل كل هذا , لا أريد أن يكون

موتي في أي لحظة خسارة لكم , لا توهموا الناس أن هذا كله من صنع

مطر شاهين وإن مت تقهقر الرجال وخف الحماس وخافت الناس , أذكروا

البقية أريد لصدى أسمائهم أن يتردد في القبائل كل يوم ليعلم الجميع أنه

إن مات ابن شاهين فسيكون بعده من هوا أفضل وأقوى منه ”

غاب الواقف مقابلا له بنظره للأسفل وقال بهدوء ” والحقيقة سيدي ؟

كل شيء من تخطيطك والحماس ممتد من وجودك فبما سنخبر الناس ”

ضرب الطاولة تحته بكفه بقوة أشعرت الواقفين حولها أن معالم الخريطة

المرسومة على الورقة تحت كفه تناثرت من شدة ضربته وغضبه وزمجر

بصوته الجهوري ونبرته المبحوحة ” سحقا لكم لا تصوروني للناس بطلا

قلت لكم , لو كنت وحدي وحيدا ما فعلت كل ذلك , أنا أثق بكم وإن مت

سأموت مطمئنا عليكم بعدي فلا تخذلوا الناس فيكم , لا تخذلوا الأجيال

القادمة التي تحلم بمستقبل مختلف , لا تتركوا البلاد تتحول لخراب أكبر

عاما بعد عام وغيرنا يتفرج علينا ويضحك على حالنا ويمتص خيراتنا

لا تعلقوا كل شيء بي أنا أو جلست في منزلي وتركت كل شيء لكم ”
ثم جال بنظره في الواقفين حول تلك الطاولة وعددهم تجاوز العشرة رجال

ونظراتهم الثابتة تعانق نظراته القوية المتفحصة لأعينهم حتى العمق

وخرجت الأحرف من شفتيه القاسية ثابتة حادة حد التحجر منخفضة

وحازمة وهوا يقول ” هل هذا مفهوم ”

ليصله الرد منهم فورا بأصوات متفاوتة لكنها واحدة في ثقتها

وقوتها مصرحين ” مفهوم سيدي ”

أبعد يديه عن الطاولة منتصبا في وقفته وقال ” إذا اختاروا لي من بين

جميع المحطات الإخبارية التي طلبت مقابلة معي أشهرهم وأبلغوهم عن

موافقتي على إجراء المقابلة فأول خطوة ستكون إشهار الأسماء لأبناء

قبيلتنا جميعهم وعلى لساني وأني بالفعل أعتمد عليهم في كل شيء

لا نريد لتعبنا أن يضيع سدى بمجرد أن أموت ”

هزوا رؤوسهم بحسنا دون كلام فقال ” إذا انطلقوا وابدءوا العمل

وأكملوا باقي المهمة وأنا سألحق بكم ما أن أنتهي من زيارة حدودنا

مع صنوان ولن أغيب طويلا , وأعتمد عليكم يا رجال ”

ثم قال مغادرا بخطوات سريعة واثقة ” تميم وبشر اتبعاني علينا

الوصول لقرية حجور قبل الظلام ”

*

*

مسحت يديها في جانبي ثوبها تنظر للواقفة تحتها وقالت ” هذه آخر

دجاجة نستطيع ذبحها من أجل البيض صغيرتي ثم سنتحمل أكل

مرق الخضار حتى تفرج علينا ”

نظرت لها لوقت قبل أن تهز رأسها موافقة وقالت بكلمات

رقيقة صغيرة مثلها ” دجاج وبيض ”

ابتسمت بحب ماسحة على خصلات شعرها البني الناعم مبعدة لهم

عن جبينها الصغير وقالت ” نعم بنيتي سنأكل الليلة لحما والدجاجة

الأخرى نتركها لتبيض لنا بما أنه لا خروج من هنا والحرب

متوقفة جهتنا حاليا ”

ثم أمسكت يدها وسارت بها حتى الخزانة في الغرفة التي تنامان فيها

وتركت يدها لتفتح بابها الحديدي وجلست أمامها وأخرجت مربعا جلديا

يشبه التمائم مخاطا بإحكام بخيط جلدي أيضا ومتصل به خيطان آخران

ربطتهما حول عنق حفيدتها الصغير ليتدلى ذاك الثقل الجلدي على صدرها

الصغير وقالت وهي تدسه لها داخل ثيابها ” لا تخلعيه أبدا يا زيزفون لا

أحد يعلم ما سيكون عليه مصيرنا وإن كنت سأبقى لك أم لا ”

ثم نظرت لعينيها المحدقة بها ووضعت يدها على صدرها حيث تشعر

بتلك القطعة الجلدية تحتها وقالت ببطء ” لا تنزعيه أبدا زيزفون ”

وبعد برهة هزت تلك رأسها بحسنا قائلة بهمس ” لا تنزعيه ”

ضمتها لحضنها بقوة وقالت بحزن وعينان يغشيها سراب الدموع

” ليحفظك الله يا ابنتي لا شيء يشغلني في هذه الحياة غيرك

فلا أحد لك غيري ”

ثم أبعدتها عنها تمسح عينيها بقوة ونظرت للعينين الزرقاء الحزينة

التي أدركت سريعا أنها فهمت ما كانت تقول لها فوقفت وأمسكت

بيدها وقالت خارجة بها من الغرفة ” دعينا نرى عشائنا وما حدث

له ولنجفف باقي اللحم فلن نستطيع تخزين شيء في الثلاجة

والكهرباء مقطوعة بشكل تام من أيام ”

*

*

شدت العمامة السوداء على وجهها مغطية فكيها وأنفها بطبقة أخرى

بعدما لفتها على رأسها وشعرها وأحكمت شدها , لباسها كان سروالا

جلديا أسودا ضيقا وحداء مرتفع يساعدانها في امتطاء الحصان وسترة

سوداء تحتها قميص رمادي غامق مزرر وقفازات سوداء تغطي يديها

البيضاء الرقيقة , أمسكت بحبل اللجام وامتطت الحصان بخفة متجاهلة

كل ما تقوله الواقفة تحتها وهي تردد الكلام نفسه وإن كانت الصيغ

مختلفة ” غسق لن يرحمك أحد إن امسكوا بك ولا حتى ابن شاهين

ورجاله فأعدلي عن جنونك ”

شدت الحبل ليلتف رأس الحصان وعنقه مع حركتها ورمتها بنظرة

باردة من عينيها السوداء الواسعة التي لم يعد يظهر منها شيء سواهما

وقالت وقد لكزت خاصرة الحصان بقدميها ليتحرك ” دعواتك لي يا

جليلة فلن يثنيني إلا الموت عن ذلك ”

وغادرت والحصان يركض بها مبتعدا في خط مستقيم ووجهة محددة

وهي أقصى القرية جنوبا تاركة إياها واقفة مكانها عند باب المنزل

فرفعت يديها عند شفتيها وتمتمت بقلق وتوجس ” يا رب أحفظها

حتى ترجع وأبعد عنها الخطر فلن يرحمني أحد وقتها ”

ودخلت على نداء جدتها الموجودة في الداخل وهي لازالت تناديها بسم

والدتها ( حبيبة ) وعقلها مع من انطلقت تعبر الحقول مسرعة وقد تحول

احمرار غروب الشمس لبداية ابيضاض ما قبل الظلام حيث سيسترها ما

أن تكون وصلت لحدودهم عند الحالك , ركض بها ذاك الحصان في خط

مستقيم لا وقوف فيه ولا التفات وما تركته ورائها لم تنظر له ولا نداء

ذاك العجوز في أحد الحقول صارخا ” هيه يا فتى أين تنوي الذهاب

خارج الحدود ”

فالهدف أمامها كان واحدا والتراجع عنه معناه ضياعا للوقت وضياعا

لفرصتها الوحيدة فلم يكن يزيدها التقدم نحو نهاية حدودهم إلا عزما

وإصرارا وهي ترى ما تمنته لعامين يقترب منها , ستعرف من يكون

والدها من هم قبيلتها وعائلتها ولما ولدت على يد امرأة من الحالك بينما

والدتها كانت زوجة لشراع صنوان قبل ذلك ! كل تلك الأفكار كانت حافزا

لها لم ترى معها شيء آخر حتى وجدت نفسها تعبر أشجار البلوط المرتفعة

وتخرج من حدودهم متبعة الخارطة في يدها وقد أطبق الظلام الشديد على

المكان ولم تعد ترى سوا أشباح الأشجار وأصوات الحشرات ووقع حوافر

حصانها تدوس الأغصان والأوراق اليابسة فخففت من سرعتها وتحول

ركضها به لسير معتدل فقد أخذ منها التوتر والتوجس نصيبا وبدأت تشعر

بتعرق كفيها الممسكة بحبل اللجام بقوة وبتسارع نبضاتها حين اكتشفت

أنها ولأول مرة في حياتها أصبحت داخل حدود الحالك , شعرت حينها

أن الهواء مختلف عن هناك , سكون الليل أشد توجسا وظلامه أكثر حلكة

وسوادا وحتى السماء شعرت أنها مختلفة عن مدنهم هناك وكأنها مليئه

بالعيون التي تراقبها , والأشجار تهمس مخبرة الجميع عن تسللها لهم

وكزت الحصان ليزيد من سرعته قليلا وتمتمت بإحباط ” سحقا لذاك

الرجل أشعر بالرعب من مجرد الدخول لطرف حدوده ”

وبعد السير لمسافة أبعد وقفت موقفة الحصان ونظرت للأعلى بعيدا حيث

ظهر أمامها بوضوح المكان المرتفع كسفح جبل فعلمت أنها قد وصلت

لمشارف الجزء الشمالي من قرية حجور حيث تكون المرأة المقصودة

وأصبحت ترى هدفها يقترب منها أكثر فلم يبقى أمامها سوا اجتياز مقر

الجنود عند أسفل ذاك السفح المرتفع والعودة منه , أخرجت الخارطة

المصغرة من جيبها وشغلت المصباح اليدوي الصغير ونظرت لها مرة

أخيرة لتحدد الطريق الآمن الذي ستسلكه بعيدا عن حركة جنودهم ثم

لكزت الحصان ليتحرك بها راكضا فآخر جزء من مهمة دخولها

قد أصبح أمام عينيها

*

*

جلس مفزوعا ونظر من فوره للنائمة بجانبه وقد تساندت بمرفقها لتجلس

أيضا وقال بصوت منخفض ” من هذا الذي يطرق الباب في هذا الوقت ! ”

جلست معتدلة على الفراش الذي كانت تنام عليه وقالت بهمس وجس

” لا أعلم , هل تكون والدتي عادت ؟ ”

وقف على صوت الطرق الذي تكرر بقوة أكبر وقال بضيق ” كنت أعلم

أن خروجها لصنوان لن يجلب لنا إلا المشاكل وها هي تنزل علينا

من أول ليلة ”

وقفت معه قائلة وهي ترفع غطاء رأسها ” لكنها خرجت عن طريق بلدة

معامير وستكون دخلت الجيلانية في صنوان من وقت , وزعيم صنوان

وفر لها الحماية وابنه الأكبر من سيستقبلهما ويدخلها ويؤمن عودة

ضرغام سالما حتى يدخل الحالك ”

خرج متمتما يغلق أزرار قميصه ” جل ما أتمنى أن لا يكون أحد

رجال الزعيم ابن شاهين مرسلا منه ”

وشقت خطوات حدائه المنزلي صمت المنزل الطيني المفتوح متوجها

لبابه ليقف مصعوقا ما أن فتح الباب وهوا يرى ابن شاهين بنفسه أمامه

وأربعة رجال يقفون خلفه لتطير منه الحروف أدراج الرياح وجف حلقه

وشفتيه محاولا إخراج أي كلمة ترحيب أو دعوة ليدخلوا وقال الواقف

مقابلا له منهيا محاولاته الغير المجدية للحديث ” بلغ والدة

زوجتك أني أريد رؤيتها ”

كان شعوره بالرغبة في البكاء أمر لا يصف حالته تلك وهوا ينظر

بخوف للجسد الطويل عريض الكتفين الذي ملأ الباب أمامه ويده

تمسك بقوة حزام سلاحه الرشاش المثبت على كتفه ولنظراته الحادة

ثابتة على عينيه المصدومة وملامحه الجادة الحازمة , فبدأت قطع

الحروف تخرج منه متلكئا ” نـ .. نـ عم , لكــ … لكن سيدي

… أنا … هي … أعني ”

ليوقفه الصوت الحازم مزمجرا ” قل شيئا مفهوما أو ادخل وبلغها

عن وجودي أو أدخل لها بنفسي ”

” والدتي ليست هنا ”

جاء ذاك الصوت من خلف الواقف أمامه مما جعل عينيه تتحركان

خلف المقبل له وهوا يلتفت أيضا للتي وقفت خلفه وتحدثت بثبات

افتقده هوا الرجل قائلة ” هي ليست في المنزل سيدي ويمنكم

الدخول والتأكد بأنفسكم , وما أن ترجع سنرسلها إليك ”

نظر لارتباك زوجها بشك ولإخفائها يديها خلف ظهرها ولم تمسك

بإحداهما غطاء رأسها عند ذقنها جيدا كما هوا معتاد لدى النساء أمام

الرجال الغرب , ورجل مثله ما كان ليفوته كل هذا فقال بهدوء حذر

” أين ذهبت ؟ أريد الذهاب لها بنفسي ”

راقب النظرة التي أرسلها لها زوجها وكيف بادلته بنظرة حازمة وكأنها

تحذره أو تسكته ثم نظرت له وقالت ” هي خارج القرية الآن ولم تخبرنا

عن وجهتها فهي خبيرة بأمور النساء ويطلبونها للاستشارة دائما فلا

تكلف نفسك سيدي وستذهب لك بنفسها ما أن ترجع ”

نظر لها متفرسا ملامحها بهدوء غريب حذر فلوا كانت هي من فتحت

الباب لهم ولم يخرج زوجها لكان صدقها وهوا معترف بذلك لنفسه بسبب

براعتها في الحفاظ على هدوئها وأعصابها لكن الشك بدأ ينتابه وكبر أكثر

وهوا يفكر في طلب عمته أن يسألها بنفسه عن تلك المرأة من صنوان وما

أنجبت فالقابلات هنا لا يخبرن إلا زعيم القبيلة بأمور تخص الوالدات كجنس

المولود مجهول النسب ووالده , امتدت يده بسرعة خاطفة لتلتقط ياقة قميص

الواقف أمامه وقد أصبح في قبضته وشده ناحيته بقوة وقال بحدة ” تتحدث

الآن أو قسما رأيت مطر شاهين على حقيقته , أين العجوز عزيرة تكلم ”

بدأ جسده بالارتجاف ووجهه احمر من شدة اختناقه وقال بصوت متقطع

وعيناه ستخرجان من مكانهما شاخصتان فيه ” غـــ ـادرت سيدي أقــ ـسم

ليــ ـست هنا ”

هزه بقوة أكبر وقال ” تكلم أين هي قبل أن أعلق مشنقتك وسط القرية ”

” خرجت لصنوان ”

التفت بسرعة ناحيتها وقد أخرجت هذه المرة يدها وأمسكت بها حجابها

وكانت الصدمة ليست من نصيبه وحده بل وممن خلفه والواقف أمامه

ولازالت ياقة قميصه في قبضته , قال بنبرته المبحوحة الغاضبة

ترسل عيناه شررا أسود ناحيتها ” صنوان !! ”

تراجعت للخلف خطوة تنظر لعينيه السوداء برعب ظهر جليا على

ملامحها الصامدة طوال الوقت وقالت برجفة في صوتها الهامس

” نعم منـ ـذ ليلة يوم أمس ”

دفع الذي في قبضته ليتراجع للخلف بقوة وصرخ بغضب

” وتخرج لصنوان لماذا ؟ ”

هزت رأسها وقالت بتوجس ” هذا مالا يعلمه أحد ”

شد قبضته بقوة وقال والشرر لازال يتطاير من سواد حدقتيه الذي

أشتد دكونا ” أمس أم اليوم ؟ ”

قالت بتلعثم ” أمس سيدي ”

قال بذات غضبه الأسود المخيف ” لكن الذي دلنا على منزلها

قال أنه رآها ظهر اليوم ”

ليزداد الخوف والصدمة على ملامحهما كمن شعر أن مقتله على يد

الواقف أمامه لا محالة , لكنه التفت لرجاله وقال بحزم ” تحركوا

وفتشوا حدود القرية شبرا شبرا أريدها حية ”

انطلق ثلاثة منهم وبقي واحدا فقط خلفه فعاد بنظره لهما وقال بحزم

” من أخرجها من هنا ؟ تحدثا بسرعة ”

تحدث هذه المرة زوجها قائلا بخوف ” ضرغام حجاج سيدي ”

ضرب الباب بقبضة يده بقوة وغادر مسرعا وآخر رجاله يتبعه

وقال ملوحا بيده ” لمنزل زعيم القرية أخبره أن يسلمني ضرغام

ذاك قبل الفجر مفهوم ”

تحرك حينها راكضا في الجانب الآخر ممتثلا للأوامر وتابع هو

سيره الغاضب وخطواته القوية مجتازا أزقة القرية بمنازلها المصفوفة

وشوارعها الخالية حتى كان خلف مدرسة القرية وترجل بخطوات سريعة

نازلا السفح لتوقفه الخطوات التي اقتربت منه ووصل عنده خيالين عرف

هويتهما ما أن اقتربا وقال أحدهما ” الجنود تحركوا جميعهم من المقر

سيدي ولن تفلت منهم وإن كانت ذبابة ”

التفت فجأة التفاتة نسر شعر بفريسة وتحركت رؤوس الواقفان أمامه

للخلف ما أن سمعوا صفير رصاصة عبر ظلام الليل وهمس ببحة

” ما هذا !! ”

وجاءت الأخرى سريعا لتؤكد سابقتها فتحرك مسرعا وقد تبعاه من

فورهما وأحدهما يقول ” يبدوا أنهم أمسكوا أحدا , هذه الرصاصة

من بنادق رجالنا ”

بدأت خطواته بالتحول من السير السريع للركض وهما خلفه

وصرخ قائلا ” هل أخبرتموهم أني أريدها حية ”

قال من فوره ” نعم سيدي ”

وواصلوا الركض في ذات المسار لتنطلق الرصاصة الثالثة عابرة

بصفيرها الأجواء ليزداد ركضهم قوة وهمس من بين أسنانه

” سحقا لهذه الليلة ”

وأوقفهم الخيال الراكض ناحيتهم بسرعة تضاهي سرعتهم وقال بصوت

منقطع الأنفاس من الركض ” أصبنا أحدهم متسللا سيدي , يبدوا فتى

من هيئته وكان داخلا وليس مغادرا وكان يمتطي جوادا ”

أمسك كتفه مبعدا له من أمامه وواصل ركضه حيث أصبح صوت

الجنود على مرمى من مسمعه واضحا وقد لحق بالثلاثة الراكضين

أمامه حتى وقف أولهم وصرخ ” وجدته إنه هناك مرمي أرضا ”

” توقفوا ”

كانت تلك صرخته التي أوقفتهم مكانهم وقد اجتازهم بخطوات ثابتة

ممسكا لحزام سلاحه المثبت على كتفه وقد ساروا خلفه وقال أحدهم

” كان على جواد , أحد الرصاصات أصابته سيدي بما أن

الحصان قد هرب موليا دبره ”

واصل سيره مبعدا الأغصان المعيقة لحركته بيده وقال آخر ” يبدوا

صغيرا في السن من هيئته الضئيلة ولم يعرف كيف يتحكم في هيجان

حصانه بعد الرصاصة الأولى , لقد رميناه ونحن في الأعلى ”

أشار لهم بيده ليقفوا مكانهم تحسبا لأي خدعة وواصل هوا سيره دون

أن يعلق على كلامهم ونظره مثبت على الجسد المرمي أرضا على بعد

خطوات منهم وقد غطى سواد الليل مع سواد ملابسه على أي ملامح

له , وكان كل ما يفكر فيه أنه قد يكون ضرغام حجاج ذاك عاد بعدما

أخرج العجوز فلن يكون هذا الجسد لعجوز أبدا رغم أنه بعيد كل البعد

عن أجساد الرجال , ما أن وصل له حتى انحنى لذراعه فورا وأمسكها

بقوة موقفا لذاك الجسد الذي كان يقصره بكثير ورأسه منسدل للأسفل

فأدرك بأنه فاقد للوعي تماما ولا داع لسؤاله عن شيء وهوا لا يعي

ما حوله فتركت يده الأخرى حزام سلاحه وأمسك بها العمامة عن

رأسه وشدها بقوة مبعدا لها وقبل أن يتبين شيء من ملامح الوجه

الذي لازال مخفيا في الأسفل تصلب مكانه وهوا يرى الشعر الأسود

الطويل الكثيف الذي تبعثر مع شده القوي للعمامة حتى أنه وصل

لكتفه وصدره وقد شعر بملمسه الحريري وهوا يضرب عنقه وخده

وبدون أدنى تفكير شد ذاك الجسد لصدره مطوقا له بذراعه ليخفيه

عن أعين رجاله في الخلف وصرخ بهم ” أجلبوا سيارتي لأقرب

نقطة من هنا ولا أريد أحدا في هذا المكان , تحركوا بسرعة ”

نهاية الفصل ….

ودمتم في حفظ الرحمن جميعا

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الحادى عشر

وما هي إلا لحظات واختفى جميع رجاله معطين الأوامر بإخلاء المنطقة

وعودة الجنود لمقرهم ونقاط مراقبتهم , وسيارته عند أقرب نقطة خلف

أشجار البلوط العالية وخطواته الثقيلة اختلطت بصمت الليل متجها نحوها

يحمل بين ذراعه ذاك الجسد الشبه مفارق للحياة بعدما علم أن الإصابة

في ساقها فقط وربطها لها بعمامته التي كانت ملفوفة حول عنقه , وجهها

مختفي في طيات صدره جهة قلبه وقد تشابكت خصلات شعرها الطويل

بأصابع يده والبعض منها تطاير حولهما مع حركة نسائم الليل القوية

مداعبا طرف وجهه يحملها كأنه يحمل فراشة لا وزن لها ولا وجود ولم

يدفعه فضوله قط لرؤيتها , ومنذ كانت ذراعها في قبضة يده موقفا لها

واكتشف أنها امرأة لم يفكر في رفع وجهها ورؤيتها بما أنها ليست رجلا

وصل لسيارته وأنزلها موقفا لها ومثبتا جسدها بذراعها على جسده بقوة

كي لا تنزلق من يده للأرض وفتح بابها الخلفي ومرر ذراعه مجددا خلف

ركبتيها ووضعها داخلها مجلسا لها على الكرسي فتدلى رأسها للأسفل

وغطى شعرها قسماته سريعا وما أن ترك ذراعها حتى انهارت على

الجانب الآخر من الكرسي الجلدي الواسع للسيارة المرتفعة فضرب

بابها بقوة هامسا من بين أسنانه ” سحقا للنساء , أي مجنونة هذه ! ”

ولف وركب سيارته وانطلق بها مسرعا جهة الطريق الرئيسي وأجرى

مكالمة واحدة بكلمات مختصرة ” عائد لحوران وسأكون هنا في

الغد لا تتحركوا حتى آتي ”

وتابع سيره الجنوني بالسيارة على الطريق الترابي يخطف نظره في

المرآة بين حين وآخر بعيد ليتأكد أن الجسد المرمي في الخلف لم

يصبح في مكان الأقدام في الأسفل , وما أن وصل للطريق المعبدة

أبعد تفقدها عن تفكيره حتى نسي وجودها هناك تماما وأفكاره تقوده

من بعد لآخر حول ما سيجري الأيام القادمة وأي قرارات قد يتخذها

وحتى خطتهم القادمة أعاد دراستها في ذلك الطريق الطويل ولم يعد

للموجودة معه مكان في ذاكرته تلك حتى قفزت السيارة بقوة بسبب

حفرة على طرف الطريق ليوقظه الأنين الرقيق الذي وصله من الخلف

فنظر في المرآة سريعا ليتأكد من أنها لازالت في مكانها ثم تأفف بصمت

وعاد بنظره للطرق ساخطا من كل شيء يحدث الليلة بعدما أعاده أنينها

لواقعه , أخرج نفسا ساخنا ساخطا كاد يحرق كل شيء أمامه وتمتم بسخط

” أعرف رجالا يتسللون من الحدود , أعرف زيجات تحدث بين الجنود

ونساء الحقول خلف تلك الحدود البائسة لكن نساء يتسللن وحدهن

من هناك ! تلك مصيبة جديدة ابتدعتها هذه الغبية ”

وظلت مشكله التسللات من الأمور التي لا علاج لها ولم يستطع إصدار

قانون يمنع تلك الزيجات كي لا يتحول الأمر من الزواج الشرعي وإن

كان في السر وخارج حدوده للزواج العرفي وتختلط الأنساب وتضيع

أعاد أنينها المتقطع نظره لجسدها مجددا ووصله همسها المختلط

بأنتها بوضوح ” جبــــرااان ”

ليزفر نيرانه مجددا معيدا نظره للطريق التي ستدخلهم لحوران وأول

خيوط الفجر قد بزغ متسللا من خلف ستار ذاك الليل الأسود الصيفي

القصير ليعود همسها الرقيق مكرر الاسم مجددا وقد ملئ سكون السيارة

فتحركت شفتيه بابتسامة ساخرة جامدة لم تغير شيئا في عبوس وجمود

ملامحه ( ها قد عرفنا أسم الزوج المبجل الذي جعلها تجن وتدخل

للحدود بنفسها )

ووصلت السيارة لتتوقف أمام باب المنزل الذي غادره مغرب أمس في

رحلة كان مقررا أن تطول ليرجع ولازال سواد الليل مختطا ببياض

الفجر معلنا عن يوم جديد يتسلل في حنايا سابقه , نزل ضاربا الباب

خلفه ودخل بخطوات سريعة مناديا بصوت مرتفع

” جوزااااء ”

وهوا موقن من أنها ستكون مستيقظة هذا الوقت فصلاة الفجر أقيمت

من وقت قصير , كرر النداء مجددا لتخرج له من جهة غرفة عمتها

وأكمامها لازالت مرتفعة وهي تساعدها على الوضوء من أجل الصلاة

وقد تركتها وخرجت راكضة وكأنها تريد التأكد من أنها لم تتوهم سماع

صوته وهوا من غادر ليلة أمس فقط , وصلت عنده وقالت وهي تنزل

أحد كميها ” مطر ما الذي أرجعك اليوم ! هل من مكروه ؟ ”

نظر حوله وقال ” عمي صقر هل عاد من المسجد ؟ ”

أنزلت كمها الآخر ولازالت نظراتها المستغربة المستفسرة معلقة

به وقالت ” لا لم يرجع تجده على وصول , ما بكم ؟ ”

تنفس بقوة وقال ” أخبري الخادمات يرافقنك للسيارة ثمة امرأة مصابة

فيها أنزلوها سأصلي وأغادر , إن عاد عمي صقر بعد مغادرتي فأخبروه

يجلب طبيبا لمعاينة جرح ساقها وما أن تتحسن صحتها يأخذها للحدود

مجددا لترجع لأهلها مفهوم ”

ثم غادر جهة السلالم متجاهلا نظراتها المصدومة التي لحقته فلأول

مرة يجلب امرأة معه وإن كانت مصابة لأنه أساسا أول مرة تصاب

امرأة على حدوده وتكون وحيدة وفاقدة للوعي لذلك لم يتركها لرجاله

بقيت نظراتها معلقة بالدرج الذي أصبح خاليا منه ثم تنفست بقوة وضيق

وتوجهت جهة المطبخ متمتمة للخادمة ” لننزل الذبيحة من السيارة ”

نظرت لها مستغربة وقالت الأخرى ” هل كان السيد في رحلة صيد ؟ ”

لتخرج ضحكتها رغما عنها وقالت ” وهل تريه العام عام صيد , إنها

امرأة مصابة ستحل ضيفة علينا حتى تتحسن صحتها فبسرعة لا

أريد أن ينزل ويجدها مكانها وتعرفان ما سنواجه حينها ”

غسلت إحداهما يديها سريعا ورمت الأخرى المنشفة لها وخرجتا

تتبعانها حيث السيارة المتوقفة أمام باب المنزل الداخلي تماما

فتحت إحدى الخادمات الباب وانحنت بجسدها للداخل ملقية نظرة

على الجسد المرمي في الخلف دون حراك ثم أخرجت رأسها

لهما وقالت ” لا يحتاج الأمر لثلاثتنا فهذه المرأة لا تزن شيئا

لا طولا ولا عرضا ”

ثم استوت في وقفتها خارج السيارة وقالت ” حبيبة أنتي تكفين لهذا ”

لترسل لها الخادمة الأخرى نظرة قاسية فبالرغم من أنها تجاوزت

الأربعين عاما فهي ذات طول وجسد ممتلئ وتوكل الأعمال الصعبة

لها دائما , دفعتها جانبا قائلة ” ابتعدي لأرى إن كان يمكنني

حملها وحدي كما تقولين ”

أدخلت أغلب جسدها للداخل وأمسكت ذراعها مجلسة لها

وقالت ” سأجرب أو ساعدتني في حملها ”

تحركت حينها جوزاء قائلة ” ضعوها في الغرفة الشرقية في

الطابق الأول , سأرى عمتي وألحق بكما ”

ودخلت المنزل بخطوات سريعة وتوجهت لغرفة عمتها وما أن

دخلت حتى وجدتها خارجة من الحمام بكرسيها المتحرك تمتم

بالتشهد وقالت ما أن رأتها ” ما به مطر ؟ ما أرجعه الآن ؟ ”

رفعت المنشفة وتوجهت نحوها وقالت وهي تساعدها على تجفيف

ساقيها اللتان تبللتا لأنها أكملت وضوئها بنفسها ” أحضر امرأة

مصابة وقال أنها من الحدود ومن كلامه تبدوا من خارج حدودنا

ويبدوا قرر إبقائها هنا ليرجعها عمي ما أن تشفى إصابتها ”

أنزلت كمي فستانها قائلة بحيرة ” وعاد كل تلك المسافة ليأتي بها

هنا !! كان أخذها لطبيب الحدود ورجعت لأهلها ما أن عاين

الطبيب إصابتها ؟ ”

استوت في وقفتها وقالت وهي تطوي المنشفة ” هي فاقدة للوعي تماما

وتعلمي أن مطر يستحيل أن يتركها بتلك الحالة في مقر مليء بالرجال

لن يضمن سلامتها فيه , فمن الطبيعي أن يتصرف هكذا , فحتى تركها

عند أحد العائلات هناك لن يجعله مطمئنا خاصة أن تكون من خارج

حدودنا , عمتي الوضع حساس جدا ”

هزت تلك رأسها بنعم وهمست ” معك حق كان قراره صائبا ”

دفعتها جهة القبلة وفردت لها السجادة على فخذيها قائلة

” عليا العودة للخادمات لأرى ما فعلن وسأرجع لك ”

ثم تمتمت مغادرة ” آخر ما قد أريده أن نعتني بامرأة قد

تكون من صنوان ”

وغادرت الغرفة متجاهلة ضحكة عمتها الخفيفة قائلة ” تمني

فقط أن لا تتحول إقامتها لأبدية ”

وصلت سريعا للغرفة الموجودة في الجانب الآخر وما أن دفعت الباب

ودخلت حتى وصلها همس إحدى الخادمتين عند السرير الذي توسط

الغرفة ” سبحان الله فيما يبدع ويصور ! ”

وهمست الأخرى بذهول ” لم ترى عيني مثيلة لها , هذا ولم تفتح

عينيها بعد ! لا تستطيعي إخراج خلل واحد فيها , سبحان الله

ما أحسنها ”

اقتربت منهما بحيرة وفضول وأبعدت التي وصلت عندها قائلة

” هذا بدل أن تنظرا لجرحها إن كان ينـ …. ”

ووقفت متسمرة مكانها وهي تنظر لوجه النائمة على السرير لا تعي شيئا

وقد تناثر شعرها الطويل شديد السواد حولها واحمرت خديها من حرارة

جسدها فلم يخفى عنها من تكون فهي لم تنسى شكلها منذ رأتها من أربع

سنوات وليست من النوع الذي تنساه بسهولة , تركتهما وخرجت راكضة

بأسرع ما لديها متمنية أن تدركه ولا يكون غادر بعد , وقد تحقق مناها

ما أن وقع نظرها عليه نازلا آخر عتبات السلالم باستعجال فأسرعت

نحوه قائلة بنفس لاهث ” مطر انتظر لترى هذه المصيبة ”

وقف ينظر لها مستغربا وقد وصلت عنده وأمسكت ذراعه القوية

وقالت ناظرة لعينيه والصدمة لم تفارقها بعد ” هل رأيت تلك الفتاة ؟ ”

غضن جبينه مقربا حاجبيه وخرج صوته باردا جافا ” ومنذ متى

تعرفيني أتفرس في وجوه النساء ؟ ثم حتى إن رأيتها لن أعرفها ”

ضربت خدها بيدها الأخرى ضربات خفيفة متتالية بشفاه مرتجفة

فقال بضيق ” جوزاء تحدثي ما بها ؟ أو اتركيني أمضي في سبيلي ”

وضعت كفها على صدرها وقالت بتلعثم ” الفتاة … إنـ إنها ابنة

شــ شـ ـشراع صنوان ”

لتفترس عيناه السوداء ملامحها بدقة وكأنه يبحث عن كلام مغايرا

لما سمعه منها وقال بنبرة صلبة ” بماذا تهذين أنتي ؟!! ”

*

*

نظرت للسائر بجانبها ليتطاير شعرها جهة عينيها وأبعدته بيدها

الصغيرة خلف أذنها وقالت مبتسمة ” لم أجد الورقة لقد أخذتها

من مدة طويلة واختفت حقا وليس عليا سوا أن أنتظر تحققها ”

ابتسم بسخرية ونظره على غصن شجرة البلوط الذي يضرب به

فخذه فعبست ملامحها وضغطت قبضتيها على حقيبتها وقالت

ولازالت تنظر لملامحه أكثر من الطريق وقد رسمت ابتسامة

نسيت معها كل شيء ” وأنت ألا أمنية لديك تكتبها ؟ ”

لم يجبها يضرب الهواء بالغصن مصدرا صفيرا عاليا فمدت

شفتيها بعبوس قائلة ” تيم أنا أسألك ”

وجه الغصن لوجهها وقال مدغدغا له به ” لست أؤمن بجنيتك

تلك افهمي ماريه ”

أبعد الأوراق عن وجهها بانزعاج وقالت بضيق ” لكنها حققت

أمية زهرة وأخذت ورقتي معها ”

قال بسخرية ” حسنا لننتظر ونرى ”

قالت بعبوس ” سترى ستتحقق أمنيتي يوما مهما بعد ”

نظر لها وقال مركزا نظره على حدقتيها العسلية الواسعة ” وما

تكون هذه الأمنية التي تتركين لها الزمن مفتوحا ؟ ”

أخرجت له لسانها وقالت ” لن أقولها حتى تتحقق أو تخبرني

عن أمنيتك أنت ”

نظر بعيدا وقال ببرود ” لا أمنيات لدي ”

قالت من فورها ” كاذب ألا تتمنى أن تشفى والدتك ”

نظر لها وقال بسخرية ” علمت ما تكون أمنيتك تلك , أن يرجع والديك ”

طغى الحزن على ملامحها وقالت ولم تزح نظراتها عن وجهه

” لا ليست كذلك لأني أعلم أنهما لن يعودا أبدا ”

قطف الزهرة البيضاء الصغيرة جدا من الغصن ووضعها على شعرها

بجانب أذنها فقالت بذات حزنها ولازالت ناظرة له ” والدك مات

قبلهما ولم يرجع !! إذا هما لن يرجعا أليس كذلك ؟ ”

أبعد نظره عنها وهز رأسه بنعم وقال ” أجل الموتى لا يرجعون يا

ماريه بل نحن من نذهب لهم , هكذا تقول والدتي ”

تنقلت بنظرها في جانب وجهه الذي غطى على ملامحه التجهم

ثم قالت ” سمعت عمتي أسماء وعمي يتحدثان عني وعن ابنهما

وعنك ومال ولم أفهم شيئا مما قالاه ”

نظر لها بسرعة وقال بملامح قاسية ” ماريه هل تتنصتين على

أحاديث الكبار ؟ أنتي سيئة ”

ضربت الأرض بقدمها وقالت بعبرة مكتومة ” لا لم أفعل

ذلك ولست سيئة ”

واشتبكت قدمها بحجر كبير تحتها لم تنتبه لوجوده وفي لحظة أصبح

وجهها في الأرض الرخوة لتنطلق صرختها الباكية تتردد في صمت

الشارع الترابي الطويل فأمسك بيدها وأوقفها سريعا قائلا

” كان عليك النظر لما تحت قدميك يا غبية ”

وبدأ ينفض لها ثيابها وشعرها جالسا على ركبتيه وهي في صرخة

واحدة فنظر لوجهها وصرخ عاليا فوق صوتها ” مارياااا التراب

دخل لفمك فأغلقيه حالا ”

ولا حياة لمن تنادي فتأفف وفتح أزرار قميصه وخلعه وبدأ يمسح به

وجهها وهي في بكائها المستمر لتفاجئه بأن ارتمت في حضنه وبكائها

يشتد فكأي طفلة عندما تصاب وتبكي تبحث عن حضن يخفف عنها

ألمها ذاك ولم تجد لها أقرب منه بل لن تجد غيره , رفع يديه جانبا

وتنهد بعجز ثم طوقها بذراعيه النحيلتان وقال ببرود ماسحا على

شعرها ” توقفي عن البكاء يا مزعجة سيطردوننا من المدرسة

واحرم من امتحاني الأخير ”

*

*

نزلت السلالم الفخم العريض الذي توسطه بساط أحمر فاخر ويدها

تمسح على سياجه تسمع جيدا ما يقال في الأسفل من إحدى ضرتيها

وهي تضرب كفيها ببعض ” ثلاث مناطق سلبها من أرياح في شهر

واحد والرابعة بدأ بضرب حدودها وهوا يقود رجاله بنفسه , أي

سفاح ابن شاهين ذاك ”

تحدثت الأخرى بغيظ ” لا وخرج صباح اليوم في الإذاعة اللندنية

يتحدث بكل ثقة ذاك المغرور ويذكر أسماء المجرمين الآخرين معه

كم أتمنى أن يكون مقتله على يد أولئك الإرهابيين هناك لتكون

قتلة شنعاء ”

وصلت عندهما لتسكتا فورا وجلست ناظرة لهما بابتسامة قد خالطت

النصر بالشماتة فلوت المقابلة لها فمها وقالت ببرود ” عشنا ورأينا

أناسا تشمت في أهلها وقبائلها ”

رفعت ذقنها وقالت بابتسامة ساخرة ” لم يعودوا قبيلتي من يوم تبرؤوا

من أشقائي وقتلوهم أمام أعيننا ووالدي قبلهم , ويوم طاردوا شقيقي

شاهر وقتلوه وهوا وسط الحالك تاركين زوجته وابنه الذي الله

وحده يعلم ما يلقى هناك ”

قالت الثالثة منهية ما سيتحول لمشكلة بعد قليل ” ليس وقته يا أم رواح ”

نظرت لها وقالت بحزم ” معك حق فوقته ليس الآن بل حين يصل ابن

شاهين لبحر تيمور أقصى شمال الهازان ”

ثم رفعت يدها لترن أساورها الذهبية محتضنة ساعدها الأبيض

وقالت بحزم وعينان تلمع بقهر ” ووقتها قسما وأنا ابنة شهاب كنعان

أن أوزع الحلوى على البريطانيين بيداي هاتين ”

ثم وقفت قائلة قبل أن تتحدث أي منهما ” يوم خرج شقيقي للحالك فارا

من بطشكم استقبله ابن شاهين وزوجه من نساء قبيلته فما الذي رأيناه

من الهازان ونحن أبنائها غير التهم بالخيانة ونحن أشرف الناس ”

ثم غادرت من عندهما دون أن تنبس شفة أياً منهما بحرف وكانت

مستعدة لإسكاتها فورا إن فكرت إحداهما بالحديث فهي لا ترى إلا أن

دعوات الأرامل واليتامى من عائلتها بدأت تتحقق بزحف الحالك عليهم

*

*

لكم الجدار بقبضته مجددا ولم يترك شيئا لم يلعنه ويشتمه ثم التفت

لهم وصرخ وعيناه احمرت من حبسه لدموع القهر ” والحل الآن ؟

ليرشدني أحدكم قبل أن أجن ”

نقل نظره وصدره يعلوا ويهبط من شدة تنفسه بين عمته التي انتفخ جفنيها

من البكاء الطويل ووالده الجالس محتضنا رأسه بيديه ينظر للأرض في

صمت ليستقر أخيرا على شقيقه رعد الذي اكتفى بالجلوس مكفهر الوجه

كاتما أمواج غضبه المصدوم حتى الآن وقد غادرهم كاسر ورماح قبل

قليل ووجهتهم حدود توز , كاسر الذي كاد يدمر المنزل عليهم والسماء

وحدها التي لم يصلها وقد جن جنونه ما أن علم بخبر اختفائها المفاجئ

وخرج هو ورماح دون إذن ولا أوامر من والدهم , ولم يبقى الاثنان

الآخران إلا لأن شراع أوقفهم , ضرب صدره بقبضته ناظرا لرعد

وقال بحرقة ” أخبرني ما أفعل يا رعد ؟ هل الجنون يريحني

من كل هذا أم أقتل نفسي ”

ثم مد يديه له وقال بأسى ” بيداي هاتين أخذتها هناك , أنا من

أصر على ذلك وأخذتها للجحيم بنفسي ”

خرجت عمته من صمتها وقالت ودمعتها تدحرجت على خدها

مجددا ” توقف عن إيذاء نفسك يا جبران فما تفعله لن يرجعها ”

أمسك شعره بقبضتيه بقوة ناظرا للأعلى وصرخ بغضب ” ليجد لي

أحدكم حلا إذا , كيف نعيدها من أراضي الحالك يا بشر كيف ؟ ”

” يكفي يا جبران وكن رجلا ”

نظر لوالده الذي علت صرخته الغاضبة تلك في أرجاء الغرفة

وقال بحرقة ” إن كانت الرجولة في أن أطمر نار جوفي

وأصمت فلست رجلا وأعيدوها لي حالا ”

وقف على طوله وصرخ فيه بغضب راميا يده جانبا ” وهل بيدنا

شيء وتوانينا عن فعله ؟ لا شيء لدي أكبر من أن يدخل ابناي

للحالك بحثا عنها وأنت موقن جيدا ما سيحدث لهما إن أمسكهم

أحد هناك وأن خسارتنا ستتضاعف ”

ضرب كفيه ببعضهما وقال ” يومين كاملين هناك ولم

تخرج فأين ستكون ؟ ”

ضمت عمته يديها لصدرها وقالت بعبرة ” جل ما أخشاه أن تكون

وقعت في قبضة الجنود هناك والله وحده يعلم ما سيحدث لها ”

نظر لها رعد وقال ” ماذا قالت ابنة خالتها بالتحديد ؟ ”

مسحت دموعها وقالت ببحة ” الفتاة مرعوبة وكل ما قالته أنها

دخلت للحالك ولم تأبه لإصرارها المتكرر ”

عاد جبران لزمجرته الغاضبة قائلا ” ما الذي يرعبها ؟ عليها

أن تتحدث بكل شيء ”

قال شراع بضيق ” الفتاة ضربها شقيقها حتى كسر عظامها ما

تريد منها أن تقول وتخبرك ؟ وغسق ليست صغيرة ودخلت

هناك بمحض إرادتها ”

ثم نظر لشقيقته وبدأت عيناه ترسل الاتهامات لها فهوا يعلم جيدا أنه

لا شيء سيضطرها لدخول تلك الحدود إلا العجوز التي خرجت من

هناك ليلة دخولها , ولن تعلم من أحد سواها عن القصة فقالت بعبرة

” كانت غلطة يا شراع ولم أتخيل أن تتهور هكذا وتجن لدرجة

أن تدخل تلك البلاد ”

نظر لهما جبران ورعد باستغراب وما كانا سيتحدثان حتى انفتح الباب

وقالت الخادمة من فورها ” سيدي على هاتف المنزل رجل يطلب

التحدث مع أحدكم ”

وما أن أنهت كلامها كانا رعد وجبران قد سبقا والدهما لوسط المنزل

وهوا وعمتهم يلحقان بهما ورفع رعد سماعة الهاتف سريعا وأجاب

قائلا ” رعد شراع معك ”

نقل نظره بينهم ثم تحولت ملامحه للاستغراب وقال

” رسالة ماذا التي أوصلها له ؟ ”

زادت الحيرة في الوجوه المقابلة له ويد جبران تحاول أن تستل

الهاتف منه وهوا يمسكه بقوة وقال وقد تحولت ملامحه للغضب

” ماذا يعني بهذا تكلم ؟ ”

ثم أبعد السماعة ونظر لها وقال مصدوما ” أغلق الخط في وجهي ”

ثم رفع نظره بوالده وقال بتوجس ” رسول ابن شاهين لك ”

لتعلوا الصدمة ملامحه حتى كاد تنفسه أن يتوقف وحال البقية لم يكن

أفضل منه وتابع رعد قائلا ” قال أن أخبرك أن أمانتك أصبحت لديه ”

فانهار حينها جالسا على الأريكة خلفه وأمسكت عمتهم رأسها بيديها

متمتمة ” ما أعظمها من مصيبة ”

ونقل جبران نظره بينهم وقال بضياع ” ومعنى هذا ؟ ماذا يقصد ؟ ”

مسح شراع وجهه بكفيه مستغفرا بهمس وقال بصوت متعب

” اتصل بشقيقيك يا رعد ليرجعا فورا ”

نظر له جبران نظرة كادت تخترقه من حدتها وقال بصدمة

” ماذا !! يرجعا ؟ لماذا ؟ ”

قال شراع بغضب ” لأنه لا جدوى من دخولهم ولأنه عليكم

نسيانها تفهمون ”

صرخ حينها رعد قائلا ” كيف علينا نسيانها ؟ هي منا من صنوان

وعليه أن يرجعها رغما عن أنفه أو ليتحمل فضيحة اختطاف

امرأة من صنوان ”

زمجر فيه والده بشدة ” قلت اتصل بأخويك يرجعا يا رعد ”

شد رعد قبضته بقوة وغضب وقال جبران بضياع ” لماذا يا أبي ؟

هي ابنتك مدللتك أم نسيت ! ”

صرخ فيه بحرقة ” لم أنسى وقلبي عليها يشتعل أكثر منك لكنها

وقعت في قبضته والمطالبة بها ستزيد الأمور سوءا أتفهم معنى هذا ”

صرب على صدره وقال بحرقة ” لم أفهمها فاشرحها لي وارحمني

يا أبي أرجوك ”

صرخ فيه بنفاذ صبر وقلة حيلة ” لأنه ابن عمها تفهم , ابن عمها ”

*

*

رفعت نظرها للتي فتحت باب غرفتها ودخلت وقالت ما أن رأتها

” كيف أصبحت الفتاة ؟ ”

تنهدت بقوة واقتربت من النافذة وقالت وهي تفتح ستائرها بقوة ” انخفضت

حرارتها قليلا لكن هذيانها لازال مستمرا ولا تتوقف عن مناداة والدها

وأشقائها وعمتها تلك , الطبيب قال أنها حمى طبيعية بسبب الجرح

وستزول تدريجيا مع العلاج ”

هزت رأسها بحسنا وقالت ” وما قرر مطر بشأنها قبل مغادرته ”

جلست معها على طرف سريرها وقالت وهي تخرج لها حبوب السكر من

العلبة ” كان كلامه أنه ما أن تتحسن صحتها يأخذها عمي صقر للحدود

أما بعدما علم من تكون هدد بصريح العبارة أنه إن خرجت من هنا

لن يسلم أحد من عقابه , ووضع حراسة على المنزل أيضا ”

أخذت منها الحبة وقالت بحيرة ” فيما يفكر يا ترى ؟ ”

رفعت كتفيها بلامبالاة ومدت لها كوب حليب المعز قائلة

” يبدوا سيجعلها صفقته مع شراع صنوان أو ورقة ضغط ضدهم ”

أخذت منها الكوب وقالت باستغراب ” وتخالين شقيقك يفعلها يا

جوزاء ! ذلك ضد مبادئه ”

شردت بنظرها في الفراغ وقالت ببرود ” جل ما أخشاه أن

يراها , وعلى ذلك أن لا يحدث ”

لتنطلق ضحكة عمتها حتى شرقت بالحليب فناولتها كوب ماء

وقالت بضيق ” عمتي الأمر لا يضحك وليس وقت ضحك

وأنتي تشربين ”

أخذت منها الكوب وشربته دفعة واحدة وقالت ما أن هدأ سعالها

” وكيف تقولين ذلك ولا تريدي أن أضحك ؟ ”

وقفت ورفعت الكوب الفارغ وقالت بضيق ” الآن قد يكون الأمر

صفقة أو أي شيء غيره لكن ما أن يراها قد يتغير لشيء آخر ”

نظرت لها فوقها وقالت بابتسامة جانبية ” ومن كانت تقول أنه

ليس كأي رجل ؟ أليس أنتي ؟ ”

تأففت وقالت ” عنيت جميع النساء إلا هذه , هذه إن رآها حتى وهي

في حماها وشحوبها الآن سيقع على وجهه , ولا أريد لامرأة من

صنوان كانت من تكون أن تذهب بعقل شقيقي ”

هزت رأسها بيأس منها وقالت ” لو كان يريد رؤيتها أو عناه الأمر

لفعل ذلك قبل أن يغادر فلا تقنعيني أنه لم يسمع عنها وخبرها

وصل لجميع من في البلاد بعد قصيدة الرجل الهارب ذاك ”

قالت مغادرة وبتذمر ” على هذه الفتاة أن تغادر فقط وعلى

مطر أن لا يراها أبدا ”

*

*

ضرب باب غرفته خلفه بقوة وأمسك بالجدار وضرب رأسه به بغضب

مرارا وقد تقاطرت دموع القهر التي يمسكها من يومين وقت علم بأنها

ليست في المنزل الذي وضعها فيه ولم يصدق أذنيه وهوا يسمع صوت

ابنة خالتها الباكي من خلف الباب وهي تخبره أنها لم تجدها صباح أمس

في فراشها وأنها اختفت وكاد يقفز لها خلف الباب ويخنقها وكان أول ما

فعله أن اتصل بشقيقها وثاب وطلب منه أن يخرجها له من تحت الأرض

مثلما اختفت من منزل جدتهم , ليجن جنون الآخر أيضا ولم يهدأ إلا

وشقيقته كالجثة بين يديه بعدما سلب منها اعترافها بعلمها بما فعلت

وإصرارها على الدخول للحالك لمعرفة من يكون والدها وعائلتها .

توجه للطاولة وضرب كل ما عليها بقوة صارخا بغضب وقهر وحقد

فأي صدمات هذه التي تلقاها متتالية , تختفي وقد تحدد موعد زفافهما

ولأي مكان ! لقبضة ابن شاهين للذي لا يتفاهم معه ولا يرحم ولا أحد

يستطيع تفسير فيما يفكر , لا وابن عمها أي أن خروجها من قبضته

أصبح أشبه بالمستحيل تحسبا من أن يكتشف الأمر ويدفعوا الثمن غاليا

أخذ مفاتيح سيارته وخرج مخلفا فوضى غضبه وعجزه خلفه ولا يعلم

أين سيذهب وما سيفعل وكل ما همس به من بين أسنانه وهوا ينزل

السلالم مسرعا ” سحقا لذاك النذل , أقسم لن يرضى أن يرجعها

فلا توجد عين رجل تشبع من النظر لها ”

وحاله ذاك لم يكن أفضل من غيره في تلك العائلة فبعد عناد طويل

ومشادة كلامية وشبه شجار بين الكاسر ورماح رضخ له ورضي

أن يرجعا حسب أوامر والدهم , أما عمتهم فاكتفت بضرب كفيها

ببعض تتحسب الله تجلس بجوار شقيقها الذي ما يزال سجين صمته

المبهم المخيف بعدما غادر رعد عائدا لمهمته الموكلة له أساسا فلم

يعد من جدوى لاجتماعهم هنا ولا لبحثهم عنها كما كان مخطط

نظرت له ولازال مطرقا برأسه للأسفل وفي صمته المميت

وقالت بحزن ” والحل الآن يا شراع ؟ ”

هز رأسه متنهدا بقوة وحسرة وقال بصوت أجوف فارغ كئيب

” ما يزال في جعبة ابن شاهين الكثير ولم يشهر عنه بعد , وقد رحمنا

الله أن العجوز عزيرة خرجت من هناك قبل أن يجدوها وتكشف له

السر ونصبح في مصيبة اكبر فخبر أن غسق ليست ابنتي ما يزال

ضيقا ضمن عائلتنا وعائلة والدتها فقط خاصة مع انقسام البلاد ”

قالت بحيرة وقد شردت بنظرها للفراغ ” هل تعني أنه سيتخذها

وسيلة لغرض ما ؟ ”

رفع رأسه للأعلى مغمضا عينيه وقال ” لابد وأن يساوم بها لكن

بماذا ؟ هذا ما عجزت حتى الآن عن فهمه وتحديده ”

ثم نظر لها وقال قبل أن تتحدث ” لن يفكر في المهادنة فهوا الكاسب

في تلك النقطة بالتأكيد ولن يكون ابن شاهين إن ساوم بشرف امرأة

لكن فيما يفكر ؟ هذا ما عجزت عن فهمه ! ”

هزت رأسها بأسى وقالت ” وهاتفه الشخصي مقفل وهوا هناك يشن

هجماته على إرهابي جبال أرياح وهاتف منزلهم لا تجيب عليه سوا

الخادمة وبذات العبارة دائما ( السيد مطر ليس هنا ولا أحد غيره

يجيب ) ولسنا نعلم حتى إن كانت في منزله أو في مكان آخر ”

وقف وقال ” عليا المغادرة ثمة ملايين من الأمور العالقة تنتظرني

فاحرصي وعائلة خالتها على أن لا يعلم أحد باختفائها ودخولها

لأراضي الحالك حتى نرى ما سيفعل ابن شاهين ويقرر , وأجد

فرصة للتفاوض معه فها هي الأمور التي سنفاوضه عليها

تكتر وحبله يلتف حول أعناقنا أكثر وأكثر ”

وغادر على نظراتها الشفقة الحزينة وهي ترى انكساره بما حدث

واضحا لها فضربت كفيها ببعض هامسة بأسى ” سامحك الله يا

غسق , أي تهور هذا الذي فعلته ”

*

*

ضما بعضهما بقوة صارخين بحماس ليتركه رواح وبدأ بالقفز

مبتهجا ليختلط صراخه الحماسي بضحكات شقيقه الأكبر وقاص

وصوت المذيع خلف الشاشة الضخمة التي توسطتها صورة الرجل

الذي احتل أغلب قنوات الأخبار وألسن الناس ببذلته العسكرية والقبعة

المماثلة لها في اللون , النظرة القوية الصلبة من عينيه السوداء الواسعة

وملامحه الحازمة الواثقة وخلفية صورته مشهد مبهر لجبال أرياح يخرج

من طرف أحدها دخان قذيفة والطائرة تعبر فوقه والمذيع الجالس أمامها

يتحدث بصوت مرتفع وقد توسط الخبر العاجل بالشريط الأحمر أسفل

الشاشة , انفح باب الغرفة ودخلت التي توجهت للتلفاز من فورها

وأنقصت صوته الذي كاد يصدع الجدران وقالت بضيق ” ما كل هذا

الضجيج ؟ كم مرة قلت شاهدا المباريات بصوت منخفض وأطفأ

التلفاز بعدما تنتهي , هل علينا سماع صوت المحلل الرياضي أيضا ”

أمسك رواح بيديها وقال بسعادة ” ليس معلقا رياضيا يا أمي , أنظري

لصورة ابن شاهين خلفه , لقد دخل المنطقة الخامسة من أرياح يا

أمي , لقد أخذ أثنى عشر منطقة من الهازان حتى الآن ”

نظرت لهما بصدمة وشع وجهها بابتسامة انتصار سرعان ما بهت

لونها واختفت وقد صمتا كليهما ينظران لها باستغراب وقال

رواح ” أمي ما بك ؟! ”

تنهدت بقوة وأمسكت يديه وقالت ناظرة له بجدية ” رواح على كل

هذا أن لا يظهر للناس مجددا بني حسنا ”

نظر لها باستغراب ثم لوقاص ثم عاد بنظره لها وقال

” لكن لماذا ؟ ”

شدت على يديه بقوة وقالت ” لأنك ستكبر ولا أريد أن تصبح

ضحية لهم أيضا ”

نظر لها باستغراب فأخذت يد وقاص من جانبه ووضعتها على يديه

وشدتهم بقوة وقالت ” عداني كليكما أن يبقى ما في القلب سرا بيننا

وأن تكبرا وتساندا الوطن وابن شاهين يا ابناي عداني الآن ”

تبادلا النظرات المستغربة بينهما قبل أن ينظر لها وقاص

وقال بعزم ” أعدك يا خالة ”

ابتسمت له بحب فهي ترى ما يراه فيه جده ثم نظرت لابنها وقالت

” وأنت يا رواح كن مع شقيقك يداً واحدة ما أن يشتد عودكما

ويحتاجكما وطنكما أما الآن فنحن نكره ما يفعل ابن شاهين بأهلنا

وابدءا أنتما أما أنا فليس بعد فلا أريد لخبرنا أن يشاع فالأوضاع

بدأت تغلي داخل البلاد والحديث كثر عن معاودة ابن شاهين

الزحف على الشرق بعدما ينتهي من الجبال وها قد دنى من

ذلك فأريد أن تدّخرا حماسكما لبعد انتهاء كل الحرب ولداي

حسنا , فلا أريد لعائلة شهاب أن تخسر أكثر ”

*

*

” هيا صغيرتي أعيدي الآن ما هو أسمك … اســمك ”

نظرت لها لوقت متنقلة بحدقتيها الزرقاء الواسعة بين ملامحها قبل

أن تخرج منها الكلمات ضئيلة متقطعة ” زيزفون إسـ …إسحاق ”

أشارت لها برأسها مشجعة للمتابعة تحرك شفتيها معها وهي تقول

بصعوبة ” ضـــ ضـــرار سلتان ”

أمسكت كتفيها وقالت ” نعم لا تنسيه أبدا بنيتي هذا هو اسمك

الحقيقي وإن حدث لي أي شيء تبحثين مستقبلا عنهم وتجديهم لقد

تركت في القطعة الجلدية كل ما يخص زواجي بجدك وتقارير

مرضك وقصتك كاملة ”

ثم ضمتها لحظنها وهي تعي أنها لم تفهم أغلب ما قالت لكنها تأمل أن

تتعافى يوما وتعلم كل شيء عنها , كل الظلم الذي لقيته جدتها فوالدها

ثم هي وكيف فر جدها دون أن يفكر فيها ولا مجرد تفكير , طرقات

قوية على باب المنزل جعلتها تبعدها عنها وتقف سريعا وتوجهت له

من فورها وما أن فتحته حتى كان أمامها رجل قد تجاوز الخامسة

والأربعين يلهث من كثرة الركض فرفعت طرف ردائها تخفي به

نصف وجهها وقالت ” خيرا يا سيد عرباض ما منع زهراء من

المجيء اليوم لأخذ البيضتين ؟ ”

قال متجاهلا سؤالها ” قوات الهازان أغلقت منافذ البلدة يا أم إسحاق ”

نظرت له بصدمة وتابع ذاك من قبل أن تتحدث ” لم يسمحوا لأحد ولا

للسيارات بالخروج ومن بقي هنا حوصر فيها وابن شاهين استولى

على جبال أرياح من أقصاها لأقصاها وتمركزت جنوده فيها ”

قالت والصدمة لم تفارق ملامحها بعد ” لما يمنعوننا من المغادرة

وإن على أقدامنا !! فلابد وأن يبدأ ابن شاهين بالزحف علينا

ونحن أول من ستدكه دباباته ”

هز رأسه بعجز وقال ” لا أحد يفهم , لقد توترت الأمور أكثر والكهرباء

مقطوعة ولا أخبار لدينا عن شيء سوا القليل مما قاله بعض من فر

من هناك وسمعنا أنه ثمة قتال احتدم بين قبيلتي جرذام والأحامرة

يوم أمس راح ضحيته فوق العشر رجال ”

قالت مستغربة ” ولما تختصم قبيلتان من الهازان في هذا الوقت تحديدا ؟ ”

أبعد يده ومسح بها العرق من عنقه وقال بتوتر ” إحداهما تريد التسليم

لابن شاهين والأخرى تعارض ووقفت ضدها , وكل ما أخشاه أن هذا

سيكون حال باقي القبائل يا أم إسحاق فعلينا إيجاد حل للفرار من هنا

سريعا فلا أحد مطمئن للسبب الذي دعا الهازان لمنعنا من الخروج

وبلدتنا هي التي ستكون في خط النار قريبا , وحتى الجنود اللذين

سيقاتلون رجال الحالك لم يتمركزوا هنا , فما معنى كل هذا ؟ ”

ضربت كفها بالآخر ونظرت للخلف من فورها حيت الطفلة الواقفة

تنظر لهما بحيرة ولم تفهم من حديثهما السريع شيئا , فها هو ما

تخشاه عليهما باتت تراه قريبا وأصبحت اللعبة تضحية بالأرواح

في سبيل الكسب في النهاية

*

*

كان شعورها بأنها تقذف من على ظهر الحصان لازال يلازمها وكأنها

في كابوس ودوامة ما تشدها للأسفل وهي تحاول فتح عينيها والخروج

من تلك الهوة المظلمة , شعرت بأصابعها وهي تحركها بصعوبة , وألم

ما يسري على طول ساقها لم تستطع أن تحدد من أين فقد وصل الألم

لأعلى خصرها , آخر ما تذكره أصوات لرجال يصرخون ثم طلقات

نارية في الجو جعلت الحصان يجفل وبقوة وبدأ يركض بها بعيدا عن

وجهتها وفقدت السيطرة عليه تتشبث بشعره بقوة وكان طوقها الوحيد

للنجاة من السقوط , وجاءت الطلقة النارية الثالثة التي شعرت بعدها

بأنها تتحرر من كل شيء وكل شيء يتحرر منها كشعرات الحصان

التي بدأت تشعر بها تنفك من أصابعها وقبضتيها ترتخيان شيئا فشيئا

ثم شيء ما قذفها بعيدا ولم تشعر بعدها سوا بألم حاد في ساقها تلاه ألم

أشد منه في كتفها لتغيب بعدها في دوامة ذاك الحدث التي لم تستطع

الخروج منها ولا تفهم لما ولا تذكر سوا رائحة رجل وأنفاسه القوية

وضربات قلب ثابتة وكل تفكيرها كان في أن تخبر ذاك أن يأخذها

لجبران وكأن عقلها أخبرها بأنها عادت واجتازت الحدود وأصبحت

في صنوان وليست ذاك الوقت عند حدود بلدة حجور في عمق

الحالك وأن ذاك الرجل الذي كان يحملها بين ذراعيه أبعد ما

يكون عن مكان جبران .

وبعد محاولات عديدة وجهد كبير فتحت عينيها ببطء وهي تستشعر

ملمس أصابع ما على جبينها وأطراف أناملها المخدرة وكانت الصورة

أشبه بضوء قوي منبعث من مصباح كبير أصبحت تخف شيئا فشيئا

حتى ظهر لها خيال ما تبين لها أنه لامرأة تُقرب وجهها منها وتبعده

وتقول كلمات لم تفهمها وبعد قليل وضحت لها الصورة أكثر , الصورة

التي تمنت في قرارة نفسها وتأملت أن تكون لعمتها رغم أنها أصبحت

تذكر جيدا أنها وقعت من على ظهر ذاك الحصان في أراضي الحالك

لكن ظنها خاب وهي ترى المرأة الأربعينية ذات الشعر الشديد السواد

مرفوعا للأعلى تنظر لها وترمش بعينيها باستمرار وكأنها ترى بشرا

لأول مرة في حياتها , فتحركت شفتيها الزهرية الجافة بصعوبة

وقالت بهمس مبحوح متعب ” أين أنا ؟ ”

لتظهر الابتسامة الواسعة على وجه تلك المرأة وهي تقول ” هل

أفقتِ أخيرا ؟ إنها أربعة أيام يا جميلة حتى ظننا أنك ستسافرين

في غيبوبة ”

حاولت أن تجلس وتفكيرها كله في الفترة التي غابتها , وجليلة وجبران

الذي سيعود ليرجعها معه , صرخت بتألم حين حركت ساقها محاولة

أن تنزلها للأسفل فأمسكت يدين الخادمة بكتفيها وأعادتها مستلقية على

الوسادة وقالت وهي تغطي كتفيها باللحاف ” لا تتحركي فساقك لم

تشفى بعد والطبيب قال أن لا تمشي عليها حتى يأذن بذلك ”

أبعدت اللحاف عنها بقوة جعلت يدين الواقفة فوقها ترتدان بسرعة

ناظرة لها باستغراب واستنكار وهي ترفع جسدها مستندة بمرفقها

وقالت بصوت متعب مرتجف وأنفاس قوية تخرج متلاحقة

وبصعوبة ” أين أنا ومن أحضرني إلى هنا ؟ ”

وما أن فتحت تلك فمها لتجيب حتى انفتح باب الغرفة وأسكتها

صوت المرأة الذي جاء من خلفها قائلا بحزم ” أخرجي يا

عزيزة واتركينا وحدنا ”

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثانى عشر


المدخل ~
بقلم/ الغالية دندنة روح

جبراااااااان
مع زخات المطر الهاطل من السماء
مع نغمات وتر الكمان العازف في الانحاء
مع كل ما يختلج القلب من زفرات واهات اقول احبك
فالمحبه ليست للبيع او الشراء
انما هي والله للاقتناء
وحبك في قلبي لم يكن يوما محض افتراء
فلم لا نعيش عيشه السعداء
ام كتب علينا ان نكون تعساء
فللمحبين جميعا داء. ووانا ليس لدائي دواء
سعيدا كنت تعيسا عشت ارض بما قسمته السماء
فليس للحب طعم اذا لم تذق فيه الجفاء والافتراء
فاصبر ايها القلب على كل هذا الهراء
ولاتقل لي شفيع فللناس شفعاء
فاصبر ولا تتهور وتركض وتولول بكل غباء
فغسق لمطر ومطر هو هبه غسق من السماء
*****

توجهت للنافذة وأغلقتها متجاهلة التي تنظر لها باستغراب مستلقية على

ذاك السرير وقد ارتمت بقوة على الوسادة تتنفس بتعب مغمضة عينيها

فقد شعرت بدوار خفيف من محاولتها فقط الجلوس , أحكمت إغلاق

النافذة ثم التفتت جهتها وتوجهت نحوها بنظرات مسلطة عليها ووقفت

فوقها تنظر لملامحها الساحرة الفاتنة وعيناها الواسعة المغمضة وخديها

المحمران وهي ترطب شفتيها الزهرية الصغيرة بلسانها , وانتقل نظرها

للشعر الأسود الذي ارتمى جانبا نازلا من السرير ثم للفستان الأبيض الذي

احتضن جسدها الغض الصغير , وصدرها الذي يتحرك للأعلى وأسفل

متنفسة بصعوبة وقد انكشف جزء منه بسبب الزرين المفتوحين , لوت

شفتيها بعدم رضا فلم تفرح بغيبة شقيقها عن المنزل راميا بنفسه تحت

نيران الحرب كهذه المرة فقد كرهت أكثر من الخطر الذي هو فيه أن

يكون هنا ويشاهد هذا المشهد لأي سبب كان يجعله يدخل لها ويرى ما

تراه عينيها الآن من كمال منقطع النظير , كتفت يديها لصدرها

وقالت ناظرة لها ببرود ” مؤكد أخبرتك الخادمة أن الطبيب يمنع

حركتك ومغادرتك للسرير , إلا إن كنتِ مستغنية عن ساقك

ليبتروها لك ”

فتحت عينيها ونظرت لها بجفنين ناعسان مرهقان تدقق على

ملامحها الجميلة رغم كبر سنها قليلا وقالت بهمس خرج

كالأنين الرقيق العذب ” أين أنا ؟ ومن أنتي ؟ ”

لوت جوزاء شفتيها مجددا ( يا هذه التي حتى صوتها حكاية

لوحده ) رفعت ذقنها وقالت بتعالي ” يبدوا لا تذكرين من أنا

لكني أذكرك جيدا يا ابنة شراع صنوان ”

تنقلت غسق بنظراتها المستغربة في ملامحها قبل أن تهمس

مجددا ” من أنتي ؟ ”

قالت متجاهلة لسؤالها ” ما أدخل ابنة زعيم صنوان التي تعيش في

أقصى غرب جزئهم الغربي لحدود جنوبها ولأراضي الحالك !

أليس سؤالا غريبا جوابه لن يكون بالتأكيد أنك متزوجة من

أحد جنود الحدود يا ابنة شراع ؟ ”

شعرت بإرهاقها يزداد وبأن استيعابها بدأ يغيب مجددا وتلك

الهوة السوداء تعاود سحبها لعمقها من جديد فقالت بشفاه مرتجفة

” عليا العودة لتوز بسرعة أرجوك ”

ابتسمت الواقفة فوقها بسخرية وقالت ” وذاك منى الجميع يا ابنة

شراع لكن للأسف يداي مكبلتان عنه لكنت أخرجتك من يوم

أتيتِ هنا ”

عادت لسحب جفنيها محركة حدقتيها في حركة نصف دائرية

لتبقي عينيها ووعيها في الواقع وقالت بهمس مبحوح

” من أنتي ومن أحضرني هنا ؟ ”

فكت جوزاء يديه من على صدرها وأنزلتهما جانبا تضغط قبضتها

بقوة وقالت بذات سخريتها ” أنا جوزاء ابنة شاهين الحالك ”

واتسعت ابتسامتها الساخرة وهي تراقب الصدمة بدأت تعلو ملامح

ذاك الوجه الجميل المتعب فاغرة فاها وتابعت تلك بنشوة انتصار

” أما من أحضرك هنا فهوا شقيقي مطر شاهين الحالك

يا ابنة شراع ”

لتخرج شهقتها المتعبة الرقيقة وقد أغمضت عينيها وغاص رأسها

في الوسادة أكثر وخارت قواها وتغلبت عليها تلك الهوة المظلمة

بل واستسلمت لها طوعا فقط كي تهرب من تلك الحقيقة المفجعة

*

*

ضرب قشرة الرمان ثم وضع لها الحبات الحمراء اللامعة في كفها

فأكلتها من فورها وقالت وهي تمضغها ” جيد أنهم لم يقطعوا

الرمان عنا مع التقشف الحالي بسبب الحرب ”

نفض القشرة وقال ببرود وهوا يجمع الحبات التي تناثرت على

السرير ” التقشف عليا أنا وأنتي فقط هم لا يقطعون على

أنفسهم شيئا ”

تنهدت بأسى وقالت ” لا تحقد على أحد بني , الحقد

أمر سيء ويقتل القلب ”

قال بحقد متجاهلا كل ما قالت ” أنتي سجينة غرفتك ولا تخرجين ”

نظرت له مستغربة وقالت ” تيم هل يضايقونك الناس هنا بني ؟ ”

أشاح بوجهه جانبا وقال ” لم أعني هذا ”

تنهدت بعجز ولم تعلق فنظر لها وقال باستياء ” لما نبذك الناس

وأهلك ؟ لماذا تزوج والدي منك وتركنا بعده لهم , زوجة ابن

الهازان وابنه !! كان يفترض به أن يبقى وحيدا حتى مات

وهوا يعلم أنهم لن يتركوه حيا ”

أمسكت يده الممسكة قشرة الرمان وقد اصفر لون أصابعها من مياهه

وقالت ناظرة لعينية وبحزم ” تيم لا تقل هذا مجددا أو غضبت منك

والدك كان يحبك وينظر لمستقبلك لتحمل اسمه , الهازان قتلوا أشقائه

وأبنائهم وأنت حي لأنك هنا ولأنه يعلم بأنك ستكون بعده في حمى ابن

شاهين مهما نبذك الناس هنا بني , وأنا وافقت عليه بمحض إرادتي

فمن الظلم أن تنبذه قبيلته ويخرج منها فارا ومهددا ومطعون في والده

وأشقائه وننبذه نحن هنا أيضا ونرفض أن نضمه لنا , أنا لم أندم يوما

على زواجي منه وإنجابك من صلبه بني ولن أندم مهما حدث

فالعيب ليس بنا ولا بوالدك هو بالناس فقط ”

حرك يده وهي في قبضة يدها وقال بألم ” لكني هناك ابن الخائن

ودمي مهدور وهنا ابن الخائن وأعامل كالحيوانات , لقد ظلمني

ولم يفكر بمستقبلي في هذه البلاد ولا بوضعك ”

شدت على يده بكلى يديها وقالت بجدية ” تيم يوم تكبر وتتعرض

للظلم أنت لست بحاجتهم جميعا , غادر البلاد عمك قيس وعمي

الحارث وعمتك رقية جميعهم يمكنك الوصول لهم ”

أبعد نظره عنها وقال ببرود ” وهل تعتقدي أنهم سيرحبون بي أيضا ؟

ثم أنا لا أريد تركك ولا الابتعاد عنك ولا تتحدثي عن الموت يا أمي ”

سمعوا حينها باب المنزل المشترك مع غرفتهم في السور فتح وأغلق

بقوة فسحب يده من يديها وقال ببرود وهوا يجمع القشور في كيس

” ها هي ضيفتك اليومية جاءت ”

ابتسمت تنظر لملامحه الجامدة وقالت تقصد تذكيره

” ومن غيرها يسأل عنا ولا يراك ابن الهازان ؟ ”

نظر لها من فوره وقال بحدة ” طفلة وستكبر وتصبح مثلهم ”

تنهدت بحزن ومررت يدها على طرف وجهه وأطراف أصابعها

تلامس شعره الكثيف وقالت ” لا تنسى ما وعدتني به بني والوعد

في عائلة شهاب كنعان دين في العنق ”

تنهد بضيق وهز رأسه قائلا ” لم أنسى , عليا أن أهرب وأخرجها

لكني لا أرى أن ذلك سيحدث من أساسه ”

أطل عليهما حينها رأسها من الباب المفتوح تمسك يدها الصغيرة

بطرف إطاره وشعرها البني مفتوحا وغرتها قد تدرجت جانبا

بسبب إمالة رأسها وقالت مبتسمة ” ظننتكما نائمان ”

ثم دخلت وتوجهت للطرف الآخر من السرير وصعدت وجلست

عليه وقالت بنبرة طفولية وابتسامة بريئة ” كيف حالك عمتي ؟ ”

مسحت تلك على طرف جبينها وقالت مستغربة ” أنا بخير

أنتي ما به وجهك ! من خدشك هكذا ؟ ”

مررت يدها الصغيرة على جبينها وقالت بعبوس ” سقطت يوم

أمس ونحن ذاهبان للمدرسة وقدمي آلمتني البارحة كثيرا ”

قال المقابل لها على الطرف الآخر من السرير وببروده المعتاد

” لتنتبهي مرة أخرى أين تضعين قدمك وتري الطريق

التي تمشين عليها ”

نظرت له بضيق وأمسكت خصرها بيديها قائلة ” عمتي أخبري

ابنك لا يتحدث عندما أتحدث أنا وأنتي ”

ضحكت والدته بتعب وقال هو ساخرا ” نعم انتهت الدراسة

ولم تعودي تحتاجين لحمايتك من بلال ”

نظرت لابنة عم والدها المبتسمة نظرة عابسة حزينة وشفتيها

ممدودة فنظرت تلك لابنها وقالت ناهرة ” تيم ماريه معها حق

أنا سألتها هي ما دخلك أنت بيننا ؟ ”

قفز من السرير وقال مغادرا جهة الباب ” إذا لا تلحقي

بي وتابعا حديثكما ”

نزلت حينها من السرير بصعوبة منادية ” انتظر أريد أن

ألعب بالسلحفاة معك , تيييييم ”

وخرجت راكضة على نظرات الجالسة فوق سريرها المعتاد مبتسمة

بحنان قبل أن تتحول تلك الابتسامة لحزن وتنهيدة حارقة وهي تسمع

صوتها وضحكتها في الخارج ( كم أخشى على هذه الطفلة اليتيمة أكثر

مما أخشى على ابني فهم موقنون أن مالها تحت وصاية ابن شاهين

لا أحد يقربه كما حال من هم في مثل وضعها حتى تتزوج وجل ما

أخشاه أن تكبر ويزوجوها ابنهم وهذا ما لن يفوتهم أبدا فهم لن

يضيعوا من أيديهم كل ذاك المال الذي ورثته , ووقتها حتى

تيم لن يستطيع إخراجها )

*

*

ضرب سماعة الهاتف بقوة وغضب مغلفا له ولم يترك شتيمة لم

يهمس بها على صوت القادمة من خلفه ” ما ذنب الهاتف تحطمه ”

مرر أصابعه في شعره يشده للخلف بقوة وقال بقهر ” عمتي

ليس وقت تعليقاتك أرجوك ”

لفتت حول الأريكة وجلست مقابلة له وقالت بترقب

” وماذا حدث معك ؟ ”

تأفف وحرك رأسه بقوة وقال ” ماذا برأيك ؟ ”

تنهدت بأسى وقالت ” مؤكد ذات المرأة وذات الكلام ”

تأفف بعصبية وقال ” هذه المرة واحدة أخرى أسلط لسانا , على

الأقل تلك تجيب بأدب أما هذه فأجزم أنها من عائلة ابن شاهين ”

نظرت له باستغراب وقالت ” وما الفائدة من كل هذا إذا ؟ ”

ضغط قبضته على هاتفه الخاص الذي يعمل بواسطة الأقمار

الاصطناعية وقال بغيظ ” كنت أريد أن يجيب عمه صقر فهوا حد

علمي لا يغادر البلاد وهوا من يمسك أمور قبائلهم في غياب ابن

شقيقه لكن أولئك النسوة يستلمن الهاتف بالتناوب ”

تنقلت بنظرها في ملامحه بحزن وأسى وقالت ” إذا لا حل سوا

انتظار ابن شاهين كما قال والدكم ”

ضرب بكفه على صدره وقال بأسى ” شقيقتي يا عمتي , إنها

شقيقتي الوحيدة التي تربيت معها منذ ولدت , انظري للمنزل بعدها

كيف تحول لكهف كئيب , أفتقدها عمتي أفتقد حتى لركضها على

السلالم صارخة باسمي مستقبلة لي كلما عدت من مهمة , كيف

يتصرف والدي ببرود حيال أمرها هكذا ؟ ”

قالت بعجز وحزن على حاله وكلامه ” لن تحبها أكثر منه يا كاسر

لكن والدك يعلم مغبات الأمور أكثر منك فتخيل أنت أن يكون لك

ابنة عم تعيش معهم هناك ولا تعلم عنكم ولا تعلمون عنها ؟ أقسم لو

علم لدفّعنا ثمن ذلك غاليا فأعراف القبائل في الحضانة بقيت كما هي

مهما تعاقبت الأجيال وهذه ابنة عم زعيم في البلاد وليس أي

رجل سيخاف ويصمت ”

قال من فوره ” لكنه لا يعلم لذلك من حقنا أن نطالب بها وأن

يرجعها لنا بلا مشاكل وفضائح ”

قالت بهدوء لتهدئ من غضبه ولا يتهور بشيء ” لكن الفضيحة ستلحقها

هي يا كاسر إن كشف ابن شاهدين عن وجودها عنده , فما سيأخذها له

وهوا لم يدخل ويخرجها ونحن أبعد ما يكون عن حدودنا معهم , ففكروا

في مصلحتها فإن علمت القبائل ستأكل وجوهكم وإن عمّ الخبر أجزاء البلاد

الثلاث أصبحتم خبر العالم والمحطات ولعنونوه بـ ( ابنة شراع تفر لخصمهم

في أراضيه ولمنزله ) شراع يفكر في كل هذا وأكثر لذلك تجده مكرها على

الصمت والتروي وليس لأنه راض عن ذلك , وترى بنفسك وجهه المكفهر

وصحته المتردية وكأنه طعن في أقربكم له , فلن يفهم أحد حبه الأبوي لغسق

وما كان يرفض تزويجها إلا خوفا عليها من ابن عمها كي لا يأخذها من

حضن زوجها وأبنائها ويحرق قلبها عليهم , وهوا واثق من أن ابن

شاهين ليس من الرجال الذين يساومون بسمعة امرأة لذلك

يريد أن يتروى ويتحدث معه أولا ”

قال بصوت يكتم فيه قهره وغضبه ” لكنه رجل حرب عمتي لن تعرفيه

مثلنا نحن الرجال ولن يحتفظ بها عنده فقط ليتفرج على حسنها , مؤكد

سيستغل وجودها عنده لأفكاره ومخططاته الحربية ويعلم جيدا أنها ورقة

ضغط كبيرة على والدي وعلينا , ولن نستطيع حتى أن نقول له أنها

ليست ابنتنا كي لا يبحث خلفها ويكتشف الحقيقة ”

قالت بذات هدوئها ” لكن العجوز عزيرة دخلت صنوان ولا أحد

غيرها وكاتب قرية توز يعلم عن أمر زواج والدتها من دجى حالك

وأمر ولادتها بابنته فلنترك والدك يتصرف في الأمر , وجد طريقة

لتجدوا شقيقك جبران الذي اختفى ولا نعلم أين وما قد يفعل بنفسه

أو بغيره وقد يضرها بجنونه ”

وقف وقال ” وكيف نوقفه وهو مختفي من أيام ؟ واطمئني فهو

لن يقدم على عمل يضرها به وقد تحدث مطولا مع والدي قبل أن

يغادر المنزل , فاتركوه يبرد حر جوفه بعيدا فجميعنا نعلم ما

يعني له أمرها وأن زواجهما كان وشيكا , وفوق صدماته علم

أن لها عم وابن عم لن يزوجوها له ولو حفي على أربع ”

ثم خرج من فوره تاركا إياها خلفه تعد الحسرة والندم على فعلتها حين

أخبرتها عن تلك العجوز فهي ترى أن الجميع يتهمها وإن لم يصرحوا

بذلك ولازالت تشعر بالخجل منهم ومن نفسها كلما اتصل أحد أبناء

شقيقها وسأل إن كان ثمة جديد عنها وهي مضطرة لأن تجيب عليهم

كل يوم حتى باتت تفضل النوم وقت عودة الكهرباء كي لا تجيب على

الهاتف , تنهدت بأسى ووقفت وتمتمت مواسية نفسها كمن يحاول

إطفاء النار بالزيت ” لعله كان خيرا له أن يفقدها الآن

وليس بعد أن يكون بينهما أبناء ”

*

*

ضل نظرها على الهاتف الذي أغلقته من وقت قصير وعلى شفتيها

ابتسامة انتصار ملئها سخرية وشماتة ( ذوقوا يا صنوان لتعلموا معنى

الفقد , لتجربوا ما عانيته أنا لسبع سنوات متتالية وأنا أبكي ولداي اللذان

حرمتموني منهما , جربوا معنى فقد الأحبة , قسما لو الأمر بيدي لأخذت

من كل عائلة فردا لتعانوا جميعكم وتقاسوا ما قاسيت بسببكم , لا صواب

في إمساك مطر لابنتكم إلا هذه وهي أن تتجرعوا الحرمان )

رفعت نظرها من الهاتف للذي دخل من باب المنزل الواسع المفتوح

يدس مفاتيحه في جيب سترته السوداء واقترب منها وجلس على الكرسي

متنهدا بتعب وقال ” أحرصي على الخادمات يا زهراء , لا أريد أن

يتأخر غداء الرجال كيوم أمس فورائنا مشوار بعده لن ينتهي إلا ليلا ”

هزت رأسها بحسنا وقالت ” أخبرني كيف تسير الأمور معك ”

تنهد بتعب وقال ببعض الضيق ” تتعقد أحيانا حتى أعجز عن مجاراتها

وحلها , شقيقك ذاك ما أن يدخل جبهات القتال ينسى نفسه وما ترك

بعده ولولا الوقفة الجادة من أغلب أعيان القبائل ومساعدتهم لي

لشددت شعري ولفررت من البلاد وتركتها لكم ”

خرجت ضحكتها رغما عنها وقالت ” مطر يعتمد عليك عمي لذلك

ما أن يذهب للجبهات حتى ينسى كل ما ترك خلفه وهوا واثق بك ”

مرر أصابعه في شعره وقال بضجر ” مشاكل الغِداء لازالت تتعقد

وتوزيع المساعدات التي تقدم رغم حرصنا لازال يعاني الفوضى

والمستشفيات المتنقلة تعاني نقصا في كل شيء ويغطى ببطء شديد

هذا غير مشاكل الخلافات المستمرة وبعض السرقات وها نحن

نتبع خطة مطر الجديدة والجميع متفائل بنجاحها ”

قالت مبتسمة بفخر ” مطر لا يقف شيء في وجهه إلا ووجد له

حلا فكن واثقا به دائما لتزرع الثقة فيمن حولك ”

قطع حديثهم ذاك الخادمة التي وقفت أمامهم وقالت مطرقة برأسها

باحترام للجالس مع ابنة شقيقه ” سيدتي الفتاة تصر على ترك

السرير وتقول أنها تريد المغادرة ونخشى أن تضر ساقها

كما أنها لازالت ترفض الطعام ”

قالت جوزاء ببرود ” دوائها عندي , قادمة لها وسأنسيها

فكرة ترك غرفتها ”

نظرت لها الخادمة باستغراب ووقف عمها وقال ” جوزاء لا تنسي

تحذيرات شقيقك , إن تضررت الفتاة أو خرجت من هنا

لن يرحم أحدا ”

وقفت أيضا وقالت ” كن مطمئنا عمي ”

قال مغادرا جهة الباب الذي دخل منه قبل قليل ” الطبيب قادم

بعد قليل فكوني معهما ”

وخرج دون أن يسمع ردها فالتفتت للخادمة التي ما تزال واقفة

مكانها وقالت ” سأذهب لها وما أن يأتي الطبيب أخبريني

لأدخله حسنا ”

هزت رأسها من فورها قائلة ” حاضر سيدتي ”

*

*

نظرت للنافذة المفتوحة والستائر البيضاء الشفافة التي تطير مع النسيم

والأشجار التي تظهر من خلفها ورائحتها العبقة التي تصلها لسريرها

في تلك الغرفة الواسعة , أخفضت رأسها ونظرت لكف يدها وللخدوش

التي بدأت تتماثل للشفاء وعبست ملامحها وهي تراقب تداخل خطوط

كفها مع تلك الخدوش الحمراء وغابت في طياتها ( ترى ما حدث مع

جليلة ؟ ومع جبران الذي كان سيرجع لي بعد يومين أو ثلاثة ليعيدني

للمنزل ؟ والدي شراع كاسر وعمتي ورماح وحتى رعد الهادئ دائما

لابد وأنهم غاضبون مني ولا يعلمون أين أكون , ترى هل أخبرتهم

جليلة ؟ وإن لم تفعل فماذا سيفكرون بي ؟ أني فررت منهم للحالك

وبدون سبب ؟ هل سيفكر جبران أني هربت من الزواج به ؟

هل سيسامحني والدي الحبيب ؟؟ )

ضغطت قبضتها بقوة ألمتها ونزلت دمعتها لتصطدم بأناملها البيضاء

ولازالت في دوامة أفكارها التي لم تنتهي منذ أفاقت ووجدت نفسها

هنا فآخر ما كانت تتخيله أن تفشل يومها , أن يظهروا لها أولئك الجنود

من العدم من سكون تلك الليلة وصمتها وكأن ثمة من أرسلهم لها !!

ارتجفت يدها بقوة وهي تتذكر أن ذاك الرجل كان هناك وجلبها بنفسه

ما الذي جلبه ولما طار من شرق البلاد لجنوبها ! تذكرت حديث جليلة

عن أن تعاسة حظهما قد تجلبه هناك وأدركت أن الحظ يلعب دورا كما

القدر قبله , اتكأت برأسها للخلف ونظرت للسقف وأغمضت عينيها

ببطء , آخر ما كانت تتخيله أن تدخل منزل عائلة زعيم الحالك ! أن

تراهم بعينيها بل وأن تقيم فيه ( أي أقدار هذه التي جلبتني هنا ؟

يا رب ما يخبئ لي قدري أيضا ؟ )

كانت تتجنب التفكير في الندم ورغم كل ما حدث معها ووصلت له

كانت ترفض أن تسيطر فكرة الندم على عقلها فرغم فشلها في الوصول

لتلك العجوز ووقوعها في قبضة ابن شاهين ورجاله إلا أنها لازالت ترى

أن معرفة نسبها ووالدها أمر أكبر بكثير من أن تندم على عقباته ونتائجه

تحركت شفتيها ببطء وهمست برجفة ” سامحني يا أبي ويا جبران

سامحوني جميعكم أعلم بحجم استيائكم مني الآن ”

انفتح باب الغرفة فأنزلت رأسها من فورها ناظرة للداخلة منه , التي لم

تراها بعد تلك المرة الأولى والوحيدة , وقد شعرت بالرهبة من مجرد

رؤيتها مجددا وهي باتت تعلم من تكون , كانت امرأة كغيرها من النساء

رغم تفردها بحسنها عمن تعرف من نساء صنوان لكن الهيبة والرهبة

لم تكن من شخصها بل من فكرة أنها شقيقة ذاك الرجل الذي ذكر اسمه

فقط لطالما أشعرها بأشياء تجهلها وتخافها تشبه الكابوس المرعب فكيف

برؤية شقيقته وفي منزله ! ولازالت تتمنى من الله أن لا تراه هو بنفسه

أن لا ينحدر حظها درجة أن تجده أمامها لأي سبب كان فلازال ذاك

الرجل يسكنها الرعب من تخيله فقط فكيف أن تجد نفسها في مواجهته

وأسعدها استنتاج أنه غير موجود هنا فهي لم تسمع سوا صوت رجل

واحد ولمرات معدودة جدا ولم يكن صوته قطعا فهي تذكر نبرته

المبحوحة تلك جيدا وستميزها بسهولة

اقتربت منها بخطوات بطيئة تنظر لها تلك النظرة المتعالية نفسها

وقالت بجمود ” الخادمات يشتكين من عبثك بصحتك , هل

هناك من تجلب لنفسها أن تكون بساق واحدة ؟ ”

تنقلت نظرات غسق لوقت في ملامح التي وقفت على بعد خطوات

من سريها ثم قالت ” أريد المغادرة والعودة لعائلتي , لابد

وأن والدي وأشقائي قلقين بشأني ”

ظهر شبح ابتسامة على شفتيها لم ترى غسق أبدا أنها ابتسامة

ودودة ولم تفهمها وقالت ” لما لا تخبريني ما الذي أُدخل ابنة

الزعيم شراع للحالك ؟ ”

بلعت ريقها وحاولت جهدها أن تكون ثابتة ولا يظهر توترها

وقالت ” أنتي تعلمين جيدا أنه لا زوج لي منكم جئت من

أجله وسبق وصرحتِ بذلك ”

تحولت ابتسامتها لسخرية وقالت ” وما يكون السبب

إذا ؟ فضول وحب استطلاع مثلا ؟ ”

لم تجبها ولم تزح نظرها عن عينيها ولم تتحدث جوزاء وكأنها

تنتظر جوابها فتحركت شفتيها قائلة ” أريد أن أغادر لا يحق

لكم منعي ”

تنهدت تلك بضجر وقالت ” ولما مستعجلة هكذا ستشفى ساقك

وتغادرين , لن نسجنك هنا لا تخافي ”

ظهرت أول ابتسامة على شفتي غسق منذ دخلت هذا المنزل

وقالت بسعادة ” حقا سأغادر ما أن أشفى ”

هزت تلك رأسها بنعم وقالت ببرود ” فحافظي على هدوئك

وطعامك كي تشفي بسرعة أو سيطول بقائك هنا ”

صمتت ولم تضف شيئا وقد شعرت بالسعادة لفكرة مغادرة هذا

الجزء من البلاد وهذا المنزل تحديدا , دارت جوزاء بعينيها بعيدا

قبل أن تنظر جانبا وتقول ” غسق ! أسم غريب عنا في كل هذه

البلاد من سماك به ؟ ”

قالت ناظرة لها باستغراب ” والدي قال أن والدتي من اختارته

لي ومن قبل أن أولد ”

نظرت لها وقالت ” وهل ماتت والدتك وهي تلدك ؟ ”

كرهت الجواب عن كل هذه الأسئلة التي تخصها ولكنها تربت على

احترام الناس والحديث اللبق , وإن كرهت الجواب على شيء عليها

أن تصمت فقط فقالت ” توفيت وعمري عام واحد فقط ”

هزت رأسها بحسنا ولازالت تلك النظرة الباردة المتعجرفة ترميها بها

طوال الوقت ثم قالت ” شكلك غريب عن قبائل صنوان الأصل ! سمعت

أن والدتك كانت أجمل نساء قبيلة غزير وتزوجها والدك على زوجته

غريب أن تأخذي حسن والدتك كله ؟ ”

لاذت غسق بالصمت ولم تخبرها أن والدها شراع هو زوج والدتها

فقط لأنها ستكتشف حينها أنها دخلت هنا لتعلم من والدها فقد لاحظت

جيدا على هذه المرأة شدة ذكائها وتحليلها للأمور , خاصة وأن غسق

كانت تظن أن والدها سيكون من أحد قبائل قرية حجور حيث العجوز

التي ولّدت والدتها , وأن يعلموا أنها ابنة أحد رجال الحالك فذلك الأمر

سيضر والدها شراع وأخوتها وقبيلتها خاصة وهم يترقبون مهادنة قريبة

مع ابن شاهين , وكل هذا كان في حسبان غسق لذلك قالت ” معلوماتك

صحيحة ورغم أني لا أذكر شكلها إلا أنه كل من رآني قال أني

نسخة عنها ”

وعضت لسانها داخل فمها على كذبتها تلك فكل من عرف والدتها قال

أنها كانت حسناء وجميلة لكنها لم تأخذ منها أكثر من شعرها وأنفها

وفمها الصغير فحتى بياض بشرتها علمت منهم أنها فاقت والدتها فيه

شبكت جوزاء يديها عند وسطها وقالت ناظرة لها ” أستغرب أن والدك

لم يزوجك حتى الآن وأنتي امرأة بالغة وجميلة وابنة الزعيم ! ”

تنهدت بضيق واضح من كثرة استجوابها لها وقالت وقد رمت جانبا

لباقتها التي تمسكت بها طوال الوقت ” أنا لست كبيرة , لم أبلغ

العشرين عاما بعد وليس شرطا إن كنت ابنة الزعيم

أن أتزوج مبكرا ”

حركت جوزاء رأسها بحسنا بابتسامة متهكمة وقالت بسخرية لاذعة

” أجل نسيت أن النساء لا يحببن التحدث عن أعمارهن وعن أنهن

كبرن لكني كنت أعني السن المناسب للزواج وليس أنك كبيرة ”

ثم التفتت للباب سريعا حين انفتح بعد طرقتين خفيفتين فتنهدت غسق

براحة فهي كانت تنتظر هذا الزائر على غير العادة وهذا وقته

المعتاد , ذاك الرجل الكبير في السن بمعطفه الأبيض وحقيبته

الطبية وابتسامته الوقورة , قالت الخادمة من فورها

” سيدتي الطبيب وصل ”

تحركت حينها جوزاء قائلة ” خارجة له شكرا لك ”

وتوجهت من فورها جهة الباب وخرجت تضع غطاء متوسط السمك

على شعرها ثم رمت طرفيه خلف كتفيها ووصلت لوسط المنزل حيث

الواقف بمعطفه الطبي يمسك حقيبة في يده موليا ظهره له وقد استغربت

هيئته المختلفة عن السابق وهوا منشغل تماما ونظره يتنقل في أجزاء

المنزل الواسع الفخم الذي لطالما سمع عنه وعن توارث العائلة له منذ

أزل , وصلت عنده وتنحنحت فالتفت لها من فوره فقالت باستغراب

من قبل أن يتحدث ” أين الطبيب سمعان الذي يأتي يوميا ! ”

أومأ الشاب الواقف أمامها برأسه باحترام وقال ” عذرا سيدتي

الطبيب خرج من حوران في مهمة مستعجلة وطلب أن يأتي

غيره عنه اليوم وأنا متدرب لديه تخرجت للتو ”

نظرت له من وجهه لأخمص قدميه نظرة متفحصة , شاب في

أواسط العشرين تقريبا يحمل سمات قبائل الحالك بوضوح , ثم

عادت بنظرها لوجهه وقالت ” تخرجت من أين ولا جامعات هنا ؟ ”

قال مبتسما باحترام ” كنت أدرس في بلاد مجاورة وحين اشتدت

الأمور هنا وكنت قد تخرجت للتو جئت لأساعد في وطني ”

هزت رأسها بحسنا وقالت وقد ولته ظهرها ” اتبعني مؤكد

تعلم عن حالة مريضتكم ”

قال وهوا يتبعها ” شرح لنا الطبيب أنه جرح وصل لبعض

الأوردة وقطعها ويحتاج لعناية يومية ”

لم تعلق وتابعت سيرها حتى وصلا للغرفة وفتحت بابها ودخلت

وهوا خلفها لتظهر لهما الجالسة على السرير وقد لفت على شعرها

حجابا أبيض كبير سبق وطلبته لتصلي به , نظرت باستغراب للذي

اقترب منها مبتسما ومدققا على ملامحها ولم يكن طبيبها المعتاد طيلة

الأيام الماضية ووقف قريبا منها وقال مبتسما ” أنا من سيعتني

بجرحك آنستي حتى يرجع الطبيب سمعان حسنا ؟ ”

نقلت نظرها بينه وبين جوزاء الواقفة على بعد خطوات قليلة ثم

هزت رأسها بحسنا دون كلام فجلس على طرف السرير وقال

وهوا يفتح حقيبته ” سنرى الجرح اليوم وننظفه حسنا يا …. ”

ثم رفع رأسه لها وقال مبتسما ” لم أعرف أسمك بعد ؟ ”

بلعت غسق ريقها ونظرت من فورها للواقفة هناك التي خرجت

من صمتها قائلة ببرود ” ليس شرطا أن تعرف اسمها كما

أعتقد فقم بعملك ”

عبست ملامحه التي رأتها غسق وحدها وأمسكت نفسها بصعوبة

عن الضحك ثم سرعان ما ماتت ابتسامتها وقد لاحظت أنه ينظر

لها مبتسما دون أن ترمش عينيه فأشاحت بنظرها عنه فتحرك

قليلا وقال ” حسنا دعينا نرى الجرح ”

حركت ساقها قليلة بأنة متألمة فقال وهوا يفك الشاش عنها بحذر

” بما أن الجرح وصل للأوردة فستتعبك أي حركة لها لكن

وضعها سيتحسن تدريجيا فلا تخافي ”

قالت وهي تمسك فخذها بقوة لتتحكم في ألمها ” لكنها تؤلمني ليلا

لدرجة لا أتحملها , حتى أن نصف جسدي بأكمله يؤلمني معها ”

أبعد الشاش ينظر للغرز المخترقة لجلدها شديد البياض وقال وهو

يفتش في حقيبته ” هذا طبيعي والمسكنات كمياتها محدودة وقد نقلت

حيث جبهات القتال في الجبال ولا نستطيع إعطاء المرضى هنا

منها سوى أول ليلتين أو ثلاثة ولا حل له سو أن يتحمل ”

مدت شفتيها بعبوس تراقبه وهوا ينظف الجرح بحذر وبطئ بالقطن

المبلل بالمعقم الطبي ثم قال وهو يضع عليه مرهما لم يضعوه لها

من قبل ” سأكتب لك عن بعض الأعشاب المسكنة للآلام

وستفيدك ولو قليلا ”

همست ناظرة لساقها ” شكرا لك ”

فتأففت حينها الواقفة بعيدا فقد لاحظت ثرثرة هذا الشاب ونظراته

لكنها لم تهتم سوا لأنه سيؤخرها كثيرا تقف هنا معهما كالحارس

بعدما حرص عمها أن يكون أحدهما حاضرا في وجود الطبيب

بدلا عن الخادمات احتياطا لأن تحاول الفتاة قول أي شيء أو الاتفاق

مع أحد للمغادرة , نظرت له وهو لا يتوقف عن سؤالها عن طعامها

وساعات نومها وتمتمت بضجر ” عمي معه حق فهذا الأخرق إن

طلبت منه تهريبها لهرب بها في لحظة ”

التفت جهتها سريعا وكأنه يتأكد من قولها لشيء ما فقالت ناظرة

له ببرود ” لو انتهيت سنخرج ورائي بعض الأشغال ”

أغلق حقيبته ووقف وقال وهو يحملها ” حسنا لقد انتهيت وانتبهي

لطعامك يا آنسة ولا تتحركي إلا للضرورة كي لا تتضرر ساقك ”

ثم خرج بعد أن شكرته هامسة تتجنب النظر لوجهه وأغلقوا الباب

خلفهم فاتكأت للخلف ونظرت جهة النافذة بحزن وشعورها بالوحدة

والغربة هنا يتعاظم بعدما لاحظت أن سيدة هذا المنزل لا ترحب بها

وتعامل الخادمات معها حذر جدا ويبدوا أن شفاء ساقها سيحتاج

لوقت طويل ومغادرتها هذا المكان لن تكون قريبة كما تخيلت

وجل ما تخشاه أن يرجع ذاك الغائب قبل أن تغادر

*

*

اجتاز رجاله مبعدا لهم من أكتافهم بيده حتى كان أمام الباب

وهمس الذي خلفه ” يبدو أنهم أربعة رجال سيدي كن حذرا

فقد يكونون مستعدين لتفجير أنفسهم ”

أشار بيده إشارة يفهمونها جيدا ورغم استهجانهم ورفضهم تراجعوا

عنه لعدة خطوات فأزال سلاحه الرشاش على كتفه ممسكا له بقوة بيد

واحدة من وسطه وضغط بقدمه على الأرض ورفع الأخرى وبقفزة

واحدة عالية اصطدمت بالباب الحديدي للمنزل بقوة وانفتح على أوسعه

وتراجع للخلف وأخذ القاذف اليدوي من أحدهم واقترب مجددا مثبتا له

على كتفه وأطلقه جهة الباب الداخلي دون تردد ليصيبه راميا له للداخل

ودوي انفجارها وسط ذاك المنزل ارتفع عاليا مع صياح من كانوا فيه

وبدأت الطلقات النارية تخرج عليهم من داخله فتراجع وبدأ رجاله

يتبادلون معهم إطلاق النار من جميع جوانب المنزل وقد مر وقت

وهم على ذاك الحال قبل أن يتوقف الرصاص تماما من الداخل وبعد

قذيفة تأكيدية أخرى دخل الرجال وخرجوا يجرون الجثث من الداخل

وأحدهم يحمل العلم الأسود بكتابته البيضاء وطواه وأحرقوه كما فعلوا

مع غيره , التفتوا فورا حيث دوى انفجار في مكان قريب منهم تلته

صرخة التكبير العالية من عدد من الرجال فابتسم وعيناه محدقة

باللهب المرتفع عاليا وهمس بانتصار ” ذوقوا ما كنتم تذيقونه

لغيركم يا حثالة ”

قال أحد الواقفين حوله ” وصلتنا أخبار عن أن صنوان أمسكوا بعض

الخلايا الإرهابية لديهم , لقد تحرك الجميع مخافة أن تتحرك

جماعاتهم في البلاد كما حدث من يومين داخل الهازان ”

تحرك حينها وبعضهم خلفه وهمس بحزم ” خيرا صنعوا فعلى

البلاد أن تتخلص من هؤلاء الكفرة أولاً ”

ثم رفع نظره عاليا حيث الجبال المحيطة بهم من كل جانب وتفكيره

فيمن فروا لها هاربين , فإخراجهم من المدن ليس بأيسر من تمشيطها

من فلولهم والأصعب من كل ذلك هو مطاردتهم في الجبال والأودية

كي لا يتجمعوا مجددا وينضموا صفوفهم من جديد .

مر هدير إحدى الطائرات من فوقهم ووقفوا ونظراتهم تتبعها وما

هي إلا لحظات ودوى صوت انفجار القذيفة التي أطلقتها فأشار

أحدهم بإصبعه وقال ” أنظروا أين سقطت ؟ ”

وهز آخر رأسه بسخرية قائلا ” في طرف الجبل الخالي !

من سيصدق أنهم عُمي ولم يروا المكان ”

تابع مطر سيره قائلا ببرود ” انسوا أمرهم فهم لا يضربون

إلا ما يريدون هم ”

وتبعه البقية وعلق أحدهم قائلا ” حتى إحداثياتنا التي كنا نعطيها

لهم تجاهلوها , ثم هم لن يكترثوا مادمنا نحن ندفع ثمن تلك

الصواريخ الحمقاء ”

*

*

نظرت من نافذة المنزل بحذر للجنود الذين يتحركون في الخارج

فمنذ فجر أمس امتلأت البلدة بهم واشتد الحصار على البقية المتواجدة

فيها مانعين إياهم من الخروج منها أو رؤية بعضهم البعض ويقدمون

لهم الطعام في منازلهم والجميع متسائل عن السبب فلا وجود لدبابات

أو راجمات أو أي شيء يدل على أنهم سيدافعون عنها في وجه هجوم

ابن شاهين المرتقب , ولا هم تركوهم يخرجوا منها وهم مقطوعين هنا

عن كل شيء بلا كهرباء فلا مذياع وأخبار تصلهم ولا هواتف أرضية

تعمل , التفتت لحفيدتها الجالسة تلعب بدميتها القماشية وفمها لازال

ملطخا ببقايا الشكلاتة التي قدموها لهم وتنهدت بحيرة ( كل خوفي

عليك أنتي يا زيزفون فوضعك ليس كأي طفلة ولن تكبري

كغيرك من الأطفال فمن لك بعدي غير الله )

تنهدت بأسى وأغلقت النافذة متمتمة بكره ” ستحمل ذنبها يا

ضرار سلطان حتى تموت , هذا فوق ذنب ظلمك لي ونبذك

لابنك وتركه ليحمل اسم والدي , لا بارك الله فيك ولا

في جيل يخرج من صلبك ”

*

*

واقف ويديه في جيوب بنطاله مركزا مع جده وسكرتيرته ومساعدته

الخاصة ذات الشعر الأصهب المجموع للخلف والنظارات الطبية

جالسة أمام طاولة رئيسها في مكتب شركته الخاص يملي عليها

نتائج اجتماعهم وما تقرر فيه وهي تدون التقرير وتناقشه بجد

حتى قاطعهم قائلا ” أليس مكلفا يا جدي ؟ ماذا إن خسر ”

نظر له مبتسما ولم يزعجه مقاطعته لهم ولا كلامه الذي قد يعتبره

أي شخص عدم ثقة بقدراته وقال ” لا تنسى أنك كنت معنا في

أغلب جلسات المراقبة ودراسة جميع الاحتمالات وأنها ليست

أول تجربة نخوضها , والخوف جزء من الفشل يا وقاص ”

همس بالعربية هذه المرة ” لكنهم لا يثقون بنا نحن العرب جدي ”

ابتسم له وهز رأسه موافقا وقال بالعربية ” ولا نحن , وحذرين

جدا منهم , جيد أن تسجل لديك هذه الملاحظة ”

وقفت حينها السكرتيرة بعدما جمعت أوراقها وقالت حاضنة

لهم ” أي شيء آخر سيدي ”

وقف وقال ” لا , دوني جميع الرسائل وأخبري السيد بانزو

يرسل ثياب حفيدي , علينا المغادرة على الوقت ”

هزت رأسها بطاعة وخرجت من فورها وأغلقت الباب خلفها

فقال وقاص ببرود ” لا تقل أنها حفلة ؟ ”

ضحك وأمسك كتفه وقال ” أجل والاعتراض ممنوع ”

حرك حدقتيه السوداء بضجر وقال ” لا أحب رؤية الطويلات

عاريات السيقان في حفلاتهم , إنهن قليلات حياء ثملات ”

ضحك مجددا وربت على ظهره ثم قال مغادرا من عنده

” وما علاقتنا بالنساء هناك , عملنا مع الرجال فقط ”

ثم قال وهوا يتوجه للباب الموصول بمكتبه يفتح على ما يشبه جناحا

صغيرا ” اجعل دائما بينك وبين النساء هنا حاجزا كبيرا يا وقاص ”

تبعه بنظراته المستغربة وهوا يتوجه لذاك الباب وتابع وهو يفتحه

” أعني حين تصبح رجلا يسعى بعضهن خلفك وليس الآن ”

ثم اختفى عن ناظره وهو لازال يحدق بمكانه مفكرا بكل ما قال

ثم التفت سريعا جهة باب المكتب الذي انفتح ودخل منه رجل أشقر

الشعر بلحية بنية خفيفة وابتسامة واسعة يمسك في يده بذلة سوداء

بربطة عنق مغلفة بعناية وقال وهوا يتوجه بها نحوه رافعا لها على

طولها ” أمامك عشر دقائق فقط سيدي الصغير لتكون جاهزا ”

تأفف بضجر وأخذها منه وتمتم مغادرا جهة الباب الذي اختفى

جده خلفه ” شكرا لك ”

وما هي إلا لحظات وكانوا في السيارة التي وجد فيها والده أيضا

وكان يتحدث بهاتفه طوال الطريق وعلم أن هذه الحفلة تعد اجتماعا

مهما لهم وأن شخصيات مهمة سيقابلونها فيها جعلت والده يأتي هنا

من المطار فورا , غاب بنظره للنافذة المضللة وغاص في الكرسي

الجلدي يراقب لافتات المراكز التجارية والمحلات والفنادق حتى وقفت

سيارتهم ونزلوا منها ودخلوا من باب أحد أفخم الفنادق في لندن الذي

وقف على جانبيه رجلان بلباس رسمي أسود في استقبال الوافدين

لصالته المستأجرة للحفل وأوصلهم أحدهما حتى باب القاعة التي ما

أن دخلوها حتى غمرته رائحة العطور الفاخرة المختلطة وراقبت عيناه

تجمعات رجال بملابس فاخرة ووقفات تدل على مكانة أصحابها وقد

رافقتهم نساء مما كان يتخيل ويزيد , جال بعينيه فيهم بضجر وتمتم

” لا ينقصهم إلا رواح ليقلبها لهم رأساً على عقب ”

كان قريبا من جده كما اعتاد وقد اندمج الأخير مع مجموعة من

الرجال وغادرت عيناه هو لزخرفة الأعمدة حتى أعاد نظره أحدهم

معلقا ” كم أصبحت أعشق رؤيتك والنسخة المصغرة عنك

بجانبك وكم أطمح لرؤيته شابا وما سينجز ”

ضحك ضرار وقال ” إذا احمي شركاتك منه مستقبلا فقد

يسلبك إياها في غمضة عين ”

وضحكوا جميعهم فقال وقاص بثقة لا تقل عنهم

” لن أخذل جدي ووالدي بي أبدا ”

وضع ضرار يده على كتفه وقال بفخر ” وأنا واثق من أنه

سيتغلب عليا أنا جده ”

وأخذت الأحاديث مسارات أخرى وابتعدوا عن الأعمال فانحنى لهم

انحناءة طفيفة معتذرا وغادر من عندهم وتوجه لطاولات الشراب

والبوفيهات ووقف عندها ويده في جيب بنطاله وقد ارتفع بها طرف

سترته السوداء الفاخرة وسأل أحد الواقفين خلفها ونظره على

الزجاجات المصفوفة بعناية قد وزع حولها أوراق الأزهار

وحاملات الثلج ” أي هذه المشروبات ليس كحوليا ”

أشار له الساقي جانبا وقال ” مشروبات الجاليات العربية هناك ”

هز رأسه بحسنا وتوجه حيث أشار له وأخذ كأس عصير ليمون وانشغل

بشربه يراقب كعادته حركات الرجال وطريقة كلامهم وسرعان ما شعر

بضجره يزداد , لكم يحتاج لوجود رواح معه ليسليه , فكر حينها بعبوس

في عائلتهم وكيف أنه لا أعمام ولا أقارب له , والده وحيد وجده وحيد

وكل عائلته هكذا وفكر بيأس ( هل هي لعنة حقا كما قال جدي وحتى

نحن أحفاده لن ننجب إلا ابنا واحدا فقط ؟؟ )

نظر لكأسه رافعا له أمام وجهه يراقب الفقاعات التي تتصاعد من

القطع البيضاء المربعة المستقرة في قاعه وتذكر الحديث الذي

سمعه بالمصادفة بين والده وجده وهما يتحدثان عن حفيدة له وعم

لهم لم يعرفوه وتذكر عبارة جده ( جدتها قالت أنها تريدها , ثم

الطفلة كما قالت عنها خرساء ومجنونة فما سنفعله لها سوا وضعها

في مركز لمن هم في مثل حالتها ونزورها في الأعياد فقط )

أخرجه من أفكاره تلك الشيء الأحمر القاني الذي ظهر أمام نظره

حجب عنه رؤية أي شيء فرفع نظره ليظهر له العنق الأبيض

الطويل وحبات الألماس تتدلى منه ووصل لوجه المرأة التي

قالت مبتسمة له وقد انحنت جهته ” أوه وكاس هنا ؟ ”

عبست ملامحه وكشر في وجهها وتمتم بالعربية ” لا أعلم

لما لا تنطقون اسمي صحيحا يا جهلة ”

وسرعان ما وقف معهما رجلان آخران وقالت المرأة ويدها تلعب

بشعره ” انظروا لأصغر رجال الأعمال هنا , سأتزوجه ما أن يكبر ”

نظر لها بصدمة على ضحكاتهم العالية ثم غمزت له وقالت

” ما رأيك بهذا العرض المغري ؟ ”

نظر لكأس الشراب في يدها ثم لها وقال باشمئزاز ” إن

امتزج عصيري بشرابك يحدث ذلك ”

ضحكت بصوت مرتفع واستمتاع ظهر جليا على ملامحها ثم

قالت ناظرة له ” خسرت الجولة يا فتى فشرابي هذا مع

عصير الليمون يصبح بمذاق فريد جدا ”

نظر لكأسه وفكر كم قطعة من السكر وضع فيه ثم نظر لكأسها

وابتسم بمكر وقال ” لنجرب إذا ”

مدت كأسها بحماس وقالت ” لنرى أيها الوسيم الصغير ”

سكب ما في كأسه دفعة واحدة في كأسها فارتفعت الرغوة البيضاء

وفارت من جوانب الكأس في غمضة عين فقفزت مبعدة فستانها

الفاخر على تصفيق الرجلان الحماسي وقال أحدهما ” أووووه

لورا لقد خسرتِ أمامه وضاع منك زوج المستقبل ”

شعر بذراع حضنت كتفيه وصوت جده مبتسما وهوا يسحبه

معه ” لا أحد يقترب من حفيدي هيا ”

وابتعدا على صوت المرأة الرقيق المغري

” أخذ عريسي يا رفاق ”

المخرج~
بقلم / الغالية نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء

اتشحت السماء بالسوادْ..
وران السكون فوق تلك البلادْ..
وغزا الظلام مفارق الاوتـادْ..
وها قد جمعنا..لقاء من غير ميعادْ!!

أتكون هذه فتاتي؟!..
اتكون هي ضالتي وحياتي؟!..
اتكون في ليل الدجى مشكاتي؟!
فيذيب طيفها الجليد..
وينفض الجمود ليكسر الحديد..
ويعبر سحرها سيل الوريد..

سيكون صدري وسادتك..
سيكون طيفي حكايتك..
سيكون عطري حياتك وشرابك..
ساكون لكِ..ولو طال ابتعادك..!

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثالث عشر

المدخل~
بقلم / الغالية انجوانا

آه على وطني …..مايحدث حاليا
آه على وطني تجرأ الاغراب عليه …فدخلوه ودمرو كل ما فيه …
قالوا اتينا نحميكم من التخلف …وهم من زادوه ونشرو التيه …
حرضونا على بعضنا وقسمو بلدنا ونهبو خيراتنا واثارنا فيه
حسبي عليهم رب العباد يرى وسينصرنا قريبا نحن ومن فيه …
شردو اناسنا وغربوهم …. لنا الله املنا فيه وتوكلنا عليه ..

****

ومرت أيام ذاك الشهر متعاقبة على تلك البلاد كخرزات مسبحة

في يد عابد يحركها بتأني ووقار , شهر جديد نزلت فيه سيارات

ودبابات الحالك أراضي الجبال الفسيحة لتبدأ عملية إخلاء كل شبر

منها من تلك الجماعات الإرهابية وهي تحاصر فلولهم الهاربة

والمتحصنة بين تلك الجبال ورغم ما خسروه من رجال لم

يعدوه الناس هناك خسارة أبدا ولازالوا يطمحون للمزيد .

صنوان كانت تعمل على استقرارها وتفتيت الخلايا النائمة والحد

من المشاكل والاضطرابات قدر الإمكان حتى يتوصلوا لحل ولو

دوليا لإيقاف ما يعرف لديهم بـ ( زحف ابن شاهين على قبائل بلاده )

أما الهازان فكان لها النصيب الأوفر من النزاعات والاضطرابات

والمشاكل تتراكم ولا تحل , النقص في كل شيء والناس أصبح

أغلبها في العراء , الذعر والخوف والترقب والانشقاقات

والحروب مع الموالين لهم , وتجميع ما يمكن جمعه من

الآراء الدولية المساندة لهم مهما كان ثمن ذلك .

* * *

وضع الشريط اللاصق على طرف الشاش ليثبته جيدا ونظر

لها وقال مبتسما ” أصبح لا يحتاج لأكثر من تغييرين أسبوعيا ”

أبعدت نظرها عنه لساقها وقالت بعبوس ” شهر كامل على

هذا الحال ! ما هذا الجرح ؟ ”

ضحك وقال ” لا تنسي أنه كان عميقا ونزف كثيرا وملتهبا

أيضا , ثم هو من عشرة أيام حاله ممتاز ”

تنهدت بقهر ولم تعلق فهي رغم كل ذلك لم تغادر هذه الغرفة البائسة

سئمت من وجودها هنا من نظرات تلك المرأة التي تكاد تقتلها بها

ومن الخادمات اللاتي يطبقن القوانين فقط ولا تراهن إلا وقت

وجبات الطعام , لا هاتف لا مذياع ولا تعلم ما يجري حولها فلا

شيء هنا سوا نافذة تسمع منها لعب بعض الأطفال بعيدا وحديث

لرجال يصرخ أحدهم مناديا للآخر , أصوات بعيدة جدا تدل على

كبر مساحة حديقة المنزل الذي لم ترى منه إلا غرفتها الواسعة

بأثاثها الكبير الفخم والغريب مثلها , شعرت بشيء تحرك على

الجرح فنظرت للطبيب سريعا فهي تتحاشى النظر له بشكل لاحظه

بنفسه وأصبح يحسب له حسابا , وكرهت اليوم تحديدا خلوته بها

على غير العادة وهذا ما لم تعتد عليه حياتها سوا مع أشقائها الذين

لم يعاملوها أقل من شقيقة لهم , وجدته يكتب بقلمه عليه فسحبت

ساقها وقالت بتألم ” ماذا تفعل ؟ إنه يؤلمني ”

نظر لها وقال مبتسما ” جربت أن أوقع لك عليه باسمي ونجح الأمر ”

قالت ناظرة لساقها تثنيها للداخل حيث الكتابة ” ولما فعلت ذلك ؟ ”

ضحك وقال وهوا يجمع أشيائه ” لأرى إن كنتِ تنزعينه

بعدي أو لا ”

تمتمت بعبوس ” لكني لن أنزعها ”

نظر لها مجددا وبدون أي تحفظات ككل مرة فخروج جوزاء

المفاجئ اليوم شجعه لأنّ نصف تحاشيه النظر والحديث معها

سببه وجودها ووجومها الدائم , قال بابتسامة واسعة ” حسنا

قد تضيعين وحين يجدونك ويرون اسمي يحضرونك لي ”

أبعدت نظرها عنه ككل مرة وقالت ببرود ” ما هذا ! أنا

لست بكماء وسأخبرهم باسمي حينها ”

فانطلقت ضحكته العالية بشكل استغربته هي تنظر له مصدومة

” جوزااااااء ”

ارتجف جسدها بأكمله ووقف ذاك الشاب من فوره ورفع الحقيبة

التي وقعت منه بلا شعور فلم يفت أي منهما أن ذاك الصوت ليس

صوت صقر , رجل المنزل الوحيد الذي لم يُسمع صوته مرتفعا

وغاضبا هكذا وكان الصوت يدل على قربه من مكانهما , ولم تفت

غسق البحة الواضحة فيه والنبرة التي ميزتها بسهولة وإن كانت

تختلف عن المذياع , وعلمت أنه الغائب الغير منتظر ومن

ظنت أنها ستغادر قبل عودته

عدّل من معطفه الطبي بتوتر واضح وثبت قلمه في جيبه وغادر من

أمامها فورا وما أن تكرر ندائه الصارخ لشقيقته مجددا كان يفتح

الباب بتوجس ورهبة أما هي فقد اختبأت من فورها تحت اللحاف

وكأنه بهذا لن يراها أو أنه لا يعلم مسبقا عن وجودها .

ما أن خرج وأغلق الباب خلفه حتى نظر للواقف على بعد خطوات

منه ينظر له بنظرة قاسية حادة يقف بكل هيبته بلباسه العسكري ويده

تقبض بقوة على القبعة المصنوعة من نفس القماش , في موقف آخر

كان ليتمنى أن يبدي إعجابه به وأنه لطالما تمنى أن يقابله لكن الآن

وهنا كان يعلم شيئا واحدا أنه أجرم جرما لا يعلم مداه , وكل ما فكر

فيه أنه سمع صوت الضحك خارجا من الغرفة وأن المدعوة جوزاء

ليست معهما وهنا ستكون الكارثة , بلع ريقه وقال محاولا إخفاء

توتره قدر الإمكان ” سررت بلقائك سيدي , قريبتك أصبح جرحها

أفضل ويمكننا تغيير الشاش وتعقيمه مرة أو اثنتين أسبوعيا ”

أشار له بيده دون أن يتحدث ليغادر فكانت كفرصة النجاة التي يبحث

عنها في السماء ووجدها في الأرض فتحرك من فوره وزادت خطواته

سرعة حين أدرك أنه تحرك خلفه وشعر وكأن الباب يبتعد عنه كلما

اقترب منه أكثر , وما أن وصل عنده سمعه قال من خلفه وبكلمات

حازمة حادة شعر أنها سترميه خارجا ” أخبر الطبيب الذي

أرسلك هنا يأتيني ما أن تصل إليه ”

فهز رأسه بحسنا دون أن يلتفت له وتابع طريقه مسرعا وعلم أن

الأمر قد ازداد سوءا , وما أن أصبح خارج المنزل حتى دوى

صوت الباب الذي ضربه خلفه بقوة مما وتر خطواته وتمتم متابعا

طريقه ” يا إلهي ما هذا ! ما الذي سيفعله بتلك الفتاة في حالته هذه ؟ ”

وتابع سيره بخطوات شبه راكضة مخافة أن يغير رأيه ويوقفه

( فليتحمل الطبيب الذي أرسلني , ما علاقتي أنا )

*

*

التفت للتي اقتربت منه بخطوات وجلة وملامح متوجسة

وقالت ” مرحبا مطر , حمدا لله على سلامتك ”

قال من فوره وبحدة ” ما هذه المهزلة هنا ؟هل لي أن افهم ”

فتحت فمها لتتحدث فقاطعها بحدة أشد ” أغادر وقد نبهت على

أمرها جيدا وأرجع لأجد كلامي مضروبا عرض الحائط

وضحكات ذاك الفأر تشق جدران المنزل ”

بلعت ريقها من غضبه الشديد وقد كرهت فكرة أن يكون تضايق

من وجود ذاك الشاب معها وضحكه وأن يكون شعر بالغيرة منه

فقالت بهدوء محاولة تهدئة غضبه ” كنت معهما دائما لكني

اضطررت للخروج هذه المرة ولم تكن لها سابقة ”

قال بصرامة ” ليس هذا أعني ”

تنفست بقوة وقالت بتوجس وفي محاولة جديدة لاحتواء غضبه

” حسنا هو شاب وأعلم أنه قد تخونه نفسه أمام امرأة مثلهـ …. ”

وسكتت تلعن نفسها حين اكتشفت أنها ستزيد الأمور سوءا بالتحدث

عنها ونظرت لملامحه التي لازالت مشدودة ونظرته الغاضبة

وقالت متشهدة على نفسها ” الخطأ عليهما في هذا الاستهتار ”

قال بحدة أكبر ” قلت أني لا أتحدث عن هذا يا جوزاء ”

قالت باستغراب ” عن ماذا إذا ؟ ”

رمى يده القابضة على القبعة بقوة وقال بغضب ” حين غادرت قلت

وبالحرف الواحد أن الطبيب سمعان من سيشرف عليها لأنه يمكن

تدارك تسريب الأمر معه , وأرجع وأجد طبيبا آخر هنا , وأمر

الفتاة لا أحد يفترض أن يعلم به ”

نظرت له بصدمة بسبب كلامه الذي قاله ولم تنكر النشوة التي شعرت

بها حتى كادت تبتسم فرحا في وجهه لولا غضبه العاصف فقد خاب

ظنها في تضايقه من وجوده معها وحدهما وصوت الضحك خارجا

من غرفتها ( ابن والدك يا شقيقي , قلبك متحجر مثله تماما )

تنفست بعدها بارتياح وقالت ” حسنا هو على علم بأنها

قريبة لنا ولن يسبب الأمر أي شكوك يا مطر ”

صرخ مجددا وقد ضاق صبرا بلامبالاتها

” جميل يظنها قريبتنا , ولاحقا ؟ ”

نظرت له باستغراب ولم تفهم ما عناه بذلك وهي ترمش ناظرة

لعينيه بحيرة فتأفف بقوة وغادر من عندها جهة السلالم وقال

صاعدا منه ” حين يأتي عمي أخبريني ولا يغادر حتى أراه ”

وصعد من فوره فهفت بيدها على وجهها وتمتمت مغادرة

” أعان الله من ستتزوجك عليك يا شقيقي , هذا إن فكرت

أن تتزوج أساسا ”

*

*

فتح الباب الشبه مغلق ودخل للمنزل الذي يعمه الصمت ليقع نظره

على شقيقته الصغيرة الوحيدة واقفة عند باب غرفة والديهم ممسكة

بإطار الباب , من تركها من قبل أكثر من شهرين حين غادر وهي

تحبوا وها هو عاد ليجدها واقفة على قدميها , ابتسمت له وتحركت

نحوه بخطوات مترنحة فأغلق الباب ومد يديه مستقبلا لها وحملها

وقذفها للأعلى على صوت ضحكاتها المبتهجة ثم حضنها وقبلها

بقوة وشوق لحظة ما خرجت والدته متسائلة عن سبب ضحك ابنتها

القوي فوقفت مكانها مصدومة وهي ترى ابنها الوحيد بعد كل هذه

المدة وانقطاع أخباره تنتظر خبر موته في أي لحظة , انتبه لوجودها

ونظر لها مبتسما فامتلأت عينيها بالدموع وهي تراه واقفا أمامها ببذلته

العسكرية فاتجهت نحوه من فورها وضمته بقوة وصوت بكائها ملأ

المكان وهي تقبل وجهه وتتفقد جسده كله فضحك وأنزل شقيقته

وقال ” أمي لم ينقص مني شيء أنا كامل أمامك ”

عادت لاحتضانه مجددا وقالت ببكاء ” ظافر يا قلب والدتك

حمدا لله أنك عدت سالما بني , كان ظلما في حقك أن

تدخل حربا وأنت بهذا السن ”

كان سيتحدث لولا قاطعه رؤيته للتي خرجت من غرفة أخرى

ونظرت له بعينيها العسلية الواسعة وشق وجهها الصغير البريء

ابتسامة واسعة وركضت نحوه قائلة بسعادة ” ظافر أنت عدت ؟ ”

وصلت عنده تنظر له فوقها مبتسمة فوضع يده على شعرها

وحركه قائلا بابتسامة ” ماريه كيف حالك يا مشاغبة ”

هزت رأسها مبتسمة بمعنى بخير وأمسكت والدته بذراعه وسحبته

معها وأجلسته على الأريكة وجلست بجواره ممسكة بيده وقالت

ودمعتها لازالت في رموشها ” ماذا حدث معك بني ؟ أين

أخذوكم وما واجهتم ؟ ”

قال مبتسما وقد رفع شقيقته ووضعها في حجره ” لقد كنت في

الصفوف الأخيرة حيث من هم في سني وأقل وقمنا بعمليات

التمشيط للمناطق ونقل الجرحى من هناك فقط لكن في

القادم سيتركوننا نقاتل ولو جزئيا ”

شهقت بصدمة وقالت ” مرة قادمة !! وهل ستكون هناك مرة

قادمة ؟ لا لن أسمح بهذا مجددا ولا على جثماني ”

ضحك وقال ” أمي أنا لم أعد طفلا وكثيرين في سني وأكبر مني

بعامين أو ثلاثة فقط يحاربون في خطوط متقدمة , هل تريدي أن

تضحك الناس علي لأني هربت من هناك ؟ ثم أنا أريد فعلا

القتال معهم ”

نفضت يديها ووقفت قائلة بضيق ” قلت لن تغادر مجددا
يعني لن تغادر ”

وتابعت مغادرة جهة المطبخ ” استحم سريعا وغير هذه الملابس

المشؤمة لأعد لك شيئا تأكله ”

راقبها مبتسما ثم نظر لشقيقته التي تلعب بأزرار سترته وأبعد يدها

وقبلها ثم نظر للواقفة بجانبه تمسك طرف الأريكة بيديها البيضاء

الصغيرة وتنظر له مبتسمة وقال بابتسامة مرحة

” كيف الدراسة معك ؟ ”

قالت بحماس ” انتهت من شهر ونحن في إجازة نلعب فقط ”

ضحك ووقف وأنزل شقيقته وتوجه لغرفته قائلا بصوت مرتفع

” أمي سأنام أولا أتركي الطعام حتى أستيقظ ”

*

*

” ما الذي حدث في أمر ابن شاهين ”

رفع شراع نظره من الأوراق التي كان يناقشها معهما ونظر لأعينهم

المحدقة فيه بانتظار وفضول وتنهد وقال ” تحدثت مع أحد مساعديه من

عشرة أيام تقريبا وقال بأن ابن شاهين يريد ترتيب لقاء بيننا في أحد

الدول المجاورة وأنه لم يحدد الوقت بعد ”

تنفس كاسر بقوة وقال ” ولما يطلبها هو قبلنا ! أليس الأمر مريبا

ونحن من يفترض به أن يطلب لقائه من أجل المهادنة ؟! ”

وضع شراع القلم من يده وقال ” الأمر يعنيه أيضا وهو يعلم أن

المهادنة ومناقشة أمرها سيتم بطلب من الطرفين , وإن كانوا الحلقة

الأقوى حاليا فهم أيضا يهمهم أن تبقى حدودهم معنا على استقرار

حالي , ولا تنسى أن لنا حدودا مشتركة مع الهازان أيضا وأن

مدينة العمران ضمن حدودنا ونقطة خطر كبير علينا ومنطقة

حساسة عليه أيضا ”

قال رعد ببرود ” وغسق ؟ أين هي من كل هذا ؟ ”

فرك الجالس خلف الطاولة جبينه بأصابعه وقال بتفكير ” ستكون

النقطة الأهم في لقائنا بالتأكيد وسنعرف سبب احتجازه لها كل

هذا الوقت وما يريد مقابلا لإعادتها ”

قال كاسر بصدمة ” مقابل !! هل هي سلعة لديه ؟ ”

قال رعد سريعا ” ما نعرفه عنه أنه أي امرأة يمسكونها على الحدود

يحتجزون الرجل لكن هي يرجعوها فورا ولم تكن سياسته المساومة

بالنساء أبدا وعلى امتداد أعوام فما تغير الآن ؟ ”

قال الكاسر بسخرية ” تغير أنه يعتقد أنها ابنة زعيم صنوان ومتأكد

من أن والدي سيقدم له أي شيء مقابل أن لا يشيع خبر وجودها

لديه فأول ما ستؤلفه الناس بأنها فرت ودخلت الحدود ذاهبة

له قصدا ”

قبض شراع أصابعه بقوة وقال ” لم أستطع حتى وضع احتمالات

لما سيطلب ! وهذا جل ما أخشاه أفكار ذاك الرجل وغموضه ”

قال رعد ” أخبره أنها ليست ابنتك إذاً وأحرق ورقته الرابحة ”

قال شراع من فوره ” إياكم وفعلها مع أي أحد من طرفه فهذا

سيضرنا أكثر فسيبحث حينها عن سبب دخولها ولن يفوته أبدا

أنها تبحث عن عائلتها وقد يجعلها تعترف عن السبب ويبدوا

أنها حتى الآن لم تقل شيئا ”

قال كاسر بضيق ” والحل مع هذا الحال ؟ الفتاة ابنة خالتها قضت

شهرها مع جدتها وعليها العودة لمنزلهم ولن تنطلي حينها على

الناس كذبة أنها ما تزال هناك معها , وابن شاهين أراه مسترخ

جدا ولا يفكر بأمر مناقشتكم للأمر ”

لم يعلق والده سوى بتنهيدة قوية وقال رعد ” وجبران ؟ ”

نظر له شراع وقال ” اتصل بي وهو عند حدود الحالك الآن

وقال سيرجع متى ما رأى أنه يريد العودة ولم أعارضه

فحتى الحدود تحتاج لأحدكم ”

وقف الكاسر وقال بقهر ” لا أعلم من الملام في كل هذا ؟

غسق أم ابن شاهين أو نحن ؟ ”

ثم تمتم مغادرا ” سحقا لكل ذلك ”

وخرج تاركا خلفه صمتا مميتا وشخصان لا يمكنهما نكران ما قال

فجميع الأطراف أصبحت ملامة في ذلك , غسق وجنونها وتهورها

فيما فعلت ومطر واحتجازه لها لأسباب لا يعلم أحد إن كانت حربية

أم شخصية , وهم الذين أخبروها بالحقيقة التي اضطرتها لفعل ما

فعلت وغفلوا عن انجرافها خلف التقصي عنها , وقد لعب

القدر لعبته , والحكم في النهاية لأقدار الله طبعا

*

*

مر بجانب السياج المبني من الأسلاك الشائكة المرتفعة وهو يراقب

بعض الأهالي هناك وقد بدأالجميع بقطاف محاصيل الرمان وخلال شهر

تقريبا ستتحول هذه المساحات الشاسعة من الأشجار المثقلة بالثمار

فارغة لا شيء فيها سو أوراق الأشجار الخضراء وسيفقد مورد

طعام والدته , خاصة والطبيب ألزم عليهم أن تأكل من أجل الدواء

والطعام الذي يعطونه لهم لا يكفي شيئا ومضطر في كل يوم أن

يتحجج بحجة ما ليترك لها النصيب الأكبر منه , وحبتي الرمان

يعدهما وجبة يومية لها كان يعلم بأنه سيفقدها مهما طال الوقت فقد

تأخروا هذا العام في قطافه لأن أوامر ابن شاهين لم تصلهم إلا الآن

تنفس بقوة ووقف ينظر لهم وهم متعلقون بالأشجار يقطفون الثمار

ويرمونها لمن في الأسفل لجمعها في خيش كبيرة لتنقل تباعا من هنا

لحوران قبل أن يتم توزيعها ومؤكد هذا العام سيذهب أغلبها للرجال

عند الجبهات والباقي سيتم عصره ككل موسم , تابع سيره ونظره

للأسفل يفكر في البدائل لذلك ولا حل أمامه فلا أحد من أهل القرية

يرضى أن يعمل لديه ولو في رفع الأشياء الثقيلة مقابل المال لأنه

لازال يعامل ابن الهازان وحتى من لا يضره بلسانه يتجنبه كي لا

يضروه الآخرين بألسنتهم , وذاك الطبيب لا يستطيع أن يطلب منه

أن يعمل لديه مجددا وهوا يعطيه الدواء مقابل عمله الذي لم يعد يعمله

وعليه الآن بعدما انتهت المدرسة أن يرجع للعمل لديه مقابل علاج

والدته الذي أصبح يأخذه مجانا , وقف مجددا وهوا ينظر باستغراب

للجهة من الحقول التي يسيجها الحراس هنا بسياج بلاستيكي بشكل

شبكة ليفصلوها عن باقي الأشجار فاقترب أكثر من السياج الشائك

ووقف ينظر لهم بفضول وسأل أقربهم قائلا ” لما هذا تفصلونه

عن البقية ؟ ”

نظر له ثم عاد لربط السلك الحديدي وقال ” هذا الجزء منع

الزعيم ابن شاهين قطافه ولن يقطف أبدا ”

قال بصدمة ” ولماذا !! ألن يفسد مع حرارة منتف الصيف ؟ ”

حرك كتفيه وقال ولازال منشغلا بما يفعل ” تلك هي الأوامر

ولا شيء لدينا سوا التنفيذ ”

شعر بسعادة غامرة فمخاوفه تبددت , هذه الجهة تحفها أشجار السرو

التي تتخذ لحماية الحقول من الرياح القوية المغبرة , والشمس لا

تكون قوية فيها كما باقي الحقول والثمار على الأشجار ستصمد

لوقت لا بأس به وسيكون لديه فرصة أطول لأخذ الرمان منها لوالدته

هوا يجهل تماما سبب اتخاذ ابن شاهين قرارا غريبا كهذا لم يسبق له

أن اتخذه طيلة سنوات حكمه للحالك لكنه لم يحاول التفكير فيه فما يعنيه

الآن أن وجبة الرمان لوالدته لن تختفي حتى تسقط هذه الرمانات في

الأرض فاسدة , ضحك أحد الواقفين بعيدا وقال بصوت مرتفع للذي

كان تيم يتحدث معه وكأنه يقصد ذلك ” قد يكون تركها للصوص

حقول الرمان ليستمتعوا ببقيتها ”

وبادله الآخر الضحك ينظران له فنظر لهم نظرة باردة وغادر دون

أن يكلف نفسه عناء أن يفكر إن كان هو المعني أم لصوص كثر
يدخلون غيره , ولا يعلم أنه تم التبليغ عنه وأنه ثمة من

تغاضى عن ذلك عمدا

*

*

” مطر ”

التفت من فوره وقد كان متوجها من السلالم لباب المنزل فورا

ولم ينتبه لوجودها وسط صالة المنزل الواسعة على كرسيها

المتحرك فتوجه نحوها من فوره وفي صمت تنظر له مبتسمة

بحنان , شعره لازال مبللا دليل أنه خرج من الحمام ونزل فورا

يرتدي بنطلونا وقميص أهمل تفاصيله , أزاره العلوية مفتوحة

وكماه أحدهما مرفوع ومثني لمرفقه والآخر لنصف ساعده

تقريبا , وصل عندها وقبل رأسها وقال هامسا بنبرته

المبحوحة ” عمتي … كيف حالك ؟ ”

نظرت له للأعلى وقالت مبتسمة ” بخير بني وزادني

رؤيتك سالما ”

ابتسم لها دون تعليق ويده لازالت على كتفها فقالت ونظرها

معلق به ” ماذا حدث بشأن ما طلبته منك ؟ أنت لم تخبرني

ما حدث معك حين جئت قبل شهر ”

تنفس بقوة وشرد بنظره للبعيد وقال ببعض الضيق

” خرجت لصنوان عمتي , فرت من هنا ”

نظرت له بصدمة وقالت ” لصنوان !! ”

نظر لها وقال بجدية ” ما الأمر الذي تريدين معرفته منها ؟

ما قصة المرأة أميمه وما الذي تعرفه تلك العجوز ولن تخبر

غيري به ! في الأمر مولود بنسب مجهول أليس كذلك ؟ ”

حركت حدقتيها بعشوائية بعيدا عنه وفكرت للحظة ثم قررت أن

لا يعلم فالأمر مجرد فرضيات وحتى إن كان صحيحا فالوقت ليس

مواتيا ليعلم والبلاد في تلك الحالة فلا تريد للمشاكل مع صنوان أن

تبدأ من الآن وهي على يقين من أنه إن صدقت ظنونها وتلك المرأة

كانت بالفعل متزوجة بشقيقها دجى وأنجبت منه فالواقف فوقها لن

يقف مكتوف اليدين وسيتقصى عنها وأين أصبحت الآن وما ولدت

ولن يغفر لصنوان ذلك أبدا خاصة إن كان أمرها معلوما ويخفونه

ثم ما حدث مع دجى قبل موته سيدفع ذاك المولود ثمنه الآن

” عمتي هل كل هذا تفكير في الجواب ؟ ”

نظرت له مجددا وقالت مبتسمة ” لا بني سرحت فقط في تلك

العجوز أما السبب فليس بتلك الأهمية فهي امرأة طلبت مني

معرفة أمر منها لن تقوله لغيرك وأنا رحمت حالها ”

نظر لملاحها بشك فقالت بذات ابتسامتها ” لا تشغل بالك

بالأمر بني , لو كان ذا أهمية لأخبرتك به ”

قال بهمس غاضب ” لماذا هربت ؟ ومما تخشى ؟ ”

أمسكت يده بقوة وقالت ” قد تكون مشاكل في قريتها , أنت تعلم

أنها كانت تولد النساء لأعوام طويلة وأنهم على الحدود فقد مرت

عليها نساء كثر ولدن من رجال خارج حدودهم وقد يكون أحدهم

يهدد حياتها , ولا شيء يبقى متسترا طوال العمر ولابد

للأمور أن تكشف ”

هز رأسه بحسنا دون تعليق فقالت قبل أن يغادر

” وماذا عن الفتاة يا مطر ؟ ”

نظر لها بصمت لبرهة ثم قال ببرود ” ما بها ؟ ”

تنفست بقوة وقالت بهدوء ” لن تكون ابن شقيقي الذي أعرفه

وحملته بين ذراعاي رضيعا إن كنت ستساوم بسمعتها وأن

تجعلها أداة ضغط على والدها , فلما تبقى هنا حتى هذا

الوقت وجوزاء قالت أن جرحها تماثل للشفاء وأصبح

بإمكانها التحرك ”

قال ونظره مركزا على عينيها وبنبرة ثابتة يشوبها بعض

الجدية ” أمرها يخصني وحدي عمتي , لا أحد يقرر فيه ”

غضنت جبينها عاقدة حاجبيها الأسودان الرقيقان وقالت

” مطر أنا لم أطلب منك أن تخبرني ما تخطط له وأعلم أنه ليس

بطبعك ولا تحب ذلك , أنا أذكرك فقط بأنها فتاة ولا دخل لها فيما

بينك وبين قبائلها , وإن كانت ابنتك أو شقيقتك ما رضيت لها بهذا ”

وضع يديه في جيوبه وقال ببرود ” أنا لم أطلب منها دخول حدودي ”

هزت رأسها بيأس منه وقالت ” أملي فقط بأنك مطر شاهين

ذاته ومبادئك لم تتغير ”

قال وقد هم بالمغادرة ” لا تقلقي لم تتغير عمتي ”

قالت قبل أن يبتعد مغادرا ” هل يمكنني رؤيتها الآن بعدما أتيت

فجوزاء أخبرتني سابقا أنك طلبت أن لا يحتك بها أحد إلا

للضرورة ”

تابع سيره في صمت وقال حين وصل باب المنزل ” كما تريدين ”

وخرج من المنزل ونظراتها تراقبه حتى اختفى ثم تنهدت بحيرة

وحركت عجلات كرسيها باتجاه ممر الغرف الشرقية ومرت

بها إحدى الخادمات في طريقها ووقفت وقالت مبتسمة

” هل أساعدك سيدتي ؟ ”

قالت مبادلة لها الابتسامة ولم توقف تحريك عجلاتها

” لا شكرا يا حبيبة أكاد أصل لوجهتي ”

وتابعت سيرها به حتى وصلت باب الغرفة وطرقته طرقات خفيفة

ووقفت تنتظر ولم تفتح الباب وحين لم يصلها أي رد طرقته مجددا

فخرج لها الصوت الرقيق الناعم من الداخل ” تفضلي الباب مفتوح ”

فابتسمت ورفعت يدها لمقبضه ( هذه الفتاة من أخبرها أني امرأة ! أم

أنها تريد أن يفهم من في الخارج أنه إن كان رجلا فهوا غير مرحب

به ) فتحت الباب ببطء ودخلت لتستقبلها نظرات الجالسة على السرير

المستغربة للداخلة وهي تنظر لها مبتسمة تتفحص ملامحها وهي تحرك

كرسيها للداخل , تبدوا لها ازدادت حسنا عن حسنها الفائق ذاك حين

رأتها من أربعة أعوام , وحتى عينيها تراهما يحملان بريقا مختلفا

زادهما توهجا أسودا ولمعانا أخاذا , اقتربت منها حتى وصلت

لسريرها وقالت مبتسمة ” مرحبا يا غسق , كيف أصبحت

ساقك الآن ؟ ”

تخطت غسق استغرابها لهذه المرأة التي لم تراها من قبل

ولرحابتها وابتسامتها عكس سابقتها ثم قالت هامسة برقة

وابتسامة ” أفضل , شكرا لك ”

ابتسمت لها تتنقل بنظرها في ملامحها الفاتنة وشعرها المنسدل

على كتفيها كستائر ليل شديد السواد , فستانها الزهري الصيفي

البسيط بأكمامه القصيرة كاشفة عن ذراعيها شديدا البياض متناغما

مع اللون الزهري لخديها , كطفلة مستيقظة من نومها خرجت من
كتب الخرافات القديمة ( من يشبع من هذا الحسن إلا شخص لا

عقل له ) خرجت منها ضحكة صغيرة بسبب أفكارها تلك وهي

ترى نظرات غسق الحائرة وقالت مبتسمة ” لو فقط رآك

لنعلم من صدق منا أنا أو ابنة شقيقي ”

زادت نظرات الحيرة وعدم الفهم في عيني غسق فضحكت

المقابلة لها مجددا وقالت ” خرف عجائز ليس إلا فلا

تعبئي به , أنا عمة جوزاء يا غسق ”

رسمت غسق ابتسامة صغيرة مغصوبة ودست بضع خصلات

خلف أذنها وقالت بأدب ” سررت بمعرفتك سيدتي ”

قالت من فورها ” وأنا كذلك فنادني عمتي , أتمنى أن

يكون طاب لك المقام معنا ”

هربت من عينيها ونظرت ليديها في حجرها وقالت بحزن

” كرمكم معي منقطع النظير لكني أشعر حقا بأني طائر

مسجون في غير وطنه ”

تنقلت بنظراتها في ملامحها وقالت مبتسمة ” لن يلومك أحد

على شعورك هذا , لكن ألا ترين أنه وطنك جميعه ؟ ”

رفعت نظرها بها سريعا وقالت ” بلى ولطالما كرهت

التقسيم الجائر له ”

هزت لها رأسها بنعم دون تعليق فتابعت غسق بحزن وقد اقترب

حاجبيها الرقيقان وتألمت ملامحها ” لكني بعيدة عن عائلتي هناك

والدي وأشقائي وعمتي , وقد اشتقت لهم كثيرا ”

تنهدت المقابلة لها بعجز ولم تعلق فقالت غسق ” متى يمكنني

الرحيل من هنا والعودة لهم ؟ ”

هزت رأسها بحيرة ولم تعرف بما تجيب وقالت حين لاحظت

في ملامحها أنها مصرة أن تسمع الجواب أي كان ” مطر عاد

للتو من جبال أرياح وهوا من سيقرر ذلك ”

شعرت بتلك القشعريرة في جسدها وكأن الدم في عروقها تحول لمياه

باردة درجة التجمد سرت فيه بالتدريج لسماعها اسمه فقط وتأكيدهم

لعودته فلم تتخيل يوما أن تكون قريبة منه درجة أن لا يفصلها عنه

سوا جدران حجرية وأن تسمع صوته وكأنه أمامها وأن تعلم عن أخبار

غيابه وعودته , هذا أشبه بكابوس تنتظر في كل لحظة أن ستستفيق

منه , قالت بتوجس ” لكن السيدة جوزاء أخبرتني أنه ما أن تشفى

ساقي سيقوم عمها بإرجاعي للحدود , والطبيب من أسبوع سمح

لي بالتحرك عليها ”

نظرت لها مستغربة وقالت ” هي قالت لك ذلك ؟ حد

علمي أن القرار لمطر ”

أنزلت رأسها للأسفل وعضت شفتها السفلى بقوة وكرهت ما تشعر

به وهي تسمع اسمه دون أن ينسب لوالده كما تعودت أن تقول وتسمع

( ابن شاهين ) وعجزت عن فهم هذه المشاعر بين الرهبة والخوف

والفضول المبهم , لكن ما أرعبها وقتها أكثر ربط مصيرها هنا به

وبقراره هو , فلما يعتبرها غنيمة وجدها وهوا من يقرر مصيرها ؟

منذ متى كانت النساء في بلادهم تعامل هكذا ! فعلى امتداد أزمان

كان للمرأة احتراما وقدسية ولا يسمح لا بأخذها أسيرة ولا غنيمة

حرب ولا سجنها ولا اختطافها , كلها تعد جرائم في قوانينهم العرفية

والقبلية , رفعت نظرها بها حين سمعت صوتها قائلة ” طوال الشهر

الماضي كان منشغلا في حرب الجبال وبعد عودته مؤكد سيقرر

في أمرك فمؤكد سيغادر قريبا وسيطول غيابه ”

قالت بذعر ” لا يا الهي وماذا إن لم يقرر ؟ ”

خرجت ضحكتها رغما عنها وقالت ” لا تقلقي مؤكد سيرجعك

لعائلتك قبل ذهابه فاستغلال النساء لم يكن طبعه يوما

وأخبريني الآن ما أدخلك لنا يا مشاغبة ؟ ”

أبعدت نظرها عنها وأشاحت بوجهها بعيدا فهذا السؤال يبدوا

لن تتخلص منه أبدا ولن يتوقفوا عن إلقائه حتى يعلموا السبب

قالت ولا تزال متحاشية النظر لها ” دخلت من أجل صديقة

مقربة جدا لي ”

وعضت لسانها مجددا وليست تعلم كم كذبة ستقولها هنا وكم مرة

ستعضه حتى تحوله لقطع فهي منذ قررت الدخول هنا والبحث عن

تلك العجوز وكذباتها على من حولها تتالى , ضحكت المقابلة لها

وقالت ” لا تقولي أنها متزوجة من أحد جنود الحدود واختفى

وانقطعت أخباره ودخلتِ لتبحثي لها عنه أو عن خبره ؟ ”

نظرت لها مستغربة من تقبلها للأمر وقالت بتوجس

” شيء من هذا القبيل ”

هزت تلك رأسها بحيرة وقالت ” ما أحب البعض للإثارة

في حياته ”

قالت غسق بعد تردد ” ما قصة هذه الزيجات ؟ ”

أجابتها مبتسمة ” عند مقرات الحدود ينتشر الجنود مراقبين الأراضي

حوله ولا يستغرب أحد رؤيتهم عند نقاط قريبة جدا من حقول الطرف

الآخر حيث تعمل النساء هناك وحينها يصبح لا مانع من نظرة

ثم ابتسامة فموعد فزواج ”

نظرت لها بصدمة وقالت ” وكيف يُسمح لهم بذلك ! كنت أعتقد

أن الأمر له علاقة بهروب أحدهم ودخوله لحدود الآخر والعيش

فيه والزواج هناك وليس زواجا على الحدود !! ”

قالت بابتسامة ” لا يا غسق زيجات كثيرة حدثت بذلك الشكل ولم

يمنعها أحد لا من طرفنا ولا من طرفكم وذاك كان ضمن اتفاق

كي لا تصبح زواجا عرفياً فهي ستحدث لا محالة مهما

أصدروا من قوانين تمنعها ”

قالت بعبوس وحزن وقد تذكرت وضعها ” لكنه ظلم لأبنائهم

فيما بعد وسيبقون بلا نسب ”

هزت رأسها بلا وقالت ” صحيح أنها زيجات في الخفاء ومعرضة

للانهيار دائما وتشتت الأبناء لكنها شرعية وشيخ من طرفنا أو طرفكم

من يكتبها ويختم عليها وكما تعلمين في بلادنا ووضعها هذا لا توجد

محاكم توثق مثل هذه الأوراق والقبيلة هي الحكم والتشريع , وإن لم

نتساهل قليلا في أمر مثل هكذا زيجات سنصبح كالحيوانات

نتزاوج دون نظام ولا شرع , هل فهمت ذلك الآن ؟ ”

هزت رأسها بنعم وهمست بأسى ” فهمت لكن عليهم إيجاد حل

لتنظيم ذلك ليعرف على الأقل أطفالهم من أين ينتسبون ”

قالت مبتسمة ” لكنهم يعلمون يا غسق فلا الأم ستخفي عن

ابنها ذلك ولا الوالد سينكره رغم أنه كان سرا عن الجميع ”

نظرت لها بحيرة وعجز فلن تستطيع أن تقول لها ولما أنا لا ؟

لماذا لم يخبرني أحد وأخفوه عني وعن الجميع ! قالت بأسى

” وفي النهاية الأب يأخذ ابنه والأم لا يحق لها أن تعترض ”

هزت رأسها بنعم وقالت ” هكذا هي الأعراف هنا وفي كل شبر

من هذه البلاد والمرأة من قبل أن تتزوج تعلم ذلك جيدا ”
ثم قالت مبتسمة ” وفي النهاية نحن أبناء وطن واحد يا غسق

أتمنى أن لا تكوني من متعصبي الرأي في هذا ”

هزت رأسها بلا بقوة وقالت ” أنا مثلك وأبادلك ذات الشعور لكن … ”

ثم أبعدت نظرها عنها متابعة بتردد ” لكن السيدة جوزاء أراها

لا تتفق معنا ”

ضحكت المقابلة لها من فورها فرفعت نظرها بها مستغربة فقالت

” تعجبني صراحتك , جوزاء ليست مثلي ومثلك يا غسق , هي

حالة مختلفة عنا لن يشعر بما تشعر به إلا من كان في مثل

وضعها وأتمنى أن لا تجربيه يوما يا صغيرة ”

فتحت فمها ثم عادت وأغلقته مجددا فلا يحق لها أن تسأل مالم

تقل هي ذلك بنفسها لكنها احتارت فعلا في ذاك السبب وفي قصة

المرأة التي لا ترى الود في عينيها اتجاهها أبدا , انفتح الباب حينها

ودخلت منه جوزاء التي نظرت لعمتها من فورها وهي التفتت لها

على صوتها قائلة ” أنتي هنا عمتي وأنا أبحث عنك من وقت ؟

لم أفكر أن تكوني هنا ! ”

دارت لها بكرسيها وقالت مبتسمة ” لقد تحدثت مع مطر ولم يمانع ”

نظرت غسق لهما مستغربة ولم تفهم شيئا ووصلت جوزاء عندها

وقالت وهي تمسك يدا الكرسي ” لم أجده في غرفته , أخذت له

طعاما لكنه كعادته إن لم تمسكيه لا يسأل عن شيء ”

قالت ناظرة لها فوقها ” خرج منذ قليل وحتى شعره كان ما يزال

مبللا أي نزل من حمامه للأسفل مباشرة لذلك لم تجديه , كان

عليك إخباره أنك ستأخذينه له قبل ذلك ”

قالت وهي تسحب الكرسي بها جهة الباب ” وهل ترك لي مجالا

لأقول شيئا , نفث نيران غضبه بي وصعد لغرفته , يخطئ

غيري وأتحمل أنا النتائج ”

وخرجتا مخلفتين ورائهما عينان لازالت تتبعهما وقلب ضرباته كالطبول

فوضعت يديها على أذنيها وأغمضت عينيها بقوة وهمست بتعب من كل

شيء يحدث معها ” لما يتحدثون عنه ؟ لماذا يذكرون اسمه ؟ لا أريد

أن يكون هذا الرجال في عالمي , لا أريد أن أراه ولا أن أسمع عنه

لماذا لا يتوقفون عن ذلك ”

ثم سرعان ما اندست تحت لحافها مجددا وهي تفكر في كلامها عن

غضبه وعن أن غيرها السبب فيه فلن يكون أحد غيرها بالتأكيد

أغمضت عينيها بقوة تريد الهرب من كل هذا للنوم فلا حل سواه

*

*

وصل للسيارة التي توقفت بقربه ونزل منها رجل وركض ناحيته

لافا حول السيارة من فوره وفتح الباب وأنزل الرجل الموجود فيها

مربوط اليدين خلف ظهره وأوقفه أمامه فمد مطر يده لياقة قميصه

وشده جهته بقوة وقال بغيظ ” ضرغام حجاج أين العجوز عزيرة تكلم ”

ارتجفت أواصره جميعها حتى ظهر الخوف جليا في ارتجاف حدقتيه

السوداء فلم يتوقع أن خروجها سيصله بسرعة هكذا وأن يسعى ورائها

هزه بقوة وقال بحزم أظهر بحة صوته أكثر ” تكلم يا ضرغام حالا ”

أصبح جسده ينتفض من ارتعاده وهوا يرى الشرر الأسود المتطاير من

عيني الممسك به بقوة وهوا من سمع عنه من الحكايات الكثير وعلم عن

غضبه كيف يكون , فرجل شارك في الحروب والقتل بدم بارد مؤكد

سيخبره عقله أنه سيقتله دون أن يرف له جفت ( سحقا لتلك العجوز

وزوج ابنتها لقد ورطوني ووشوا بي ) قال بخوف وكلمات

مرتجفة ” خـ خـ خرجت من الحدود سـ ـسـ سيدي ”

شد على ياقته أكثر وقال بهمس غاضب ” كم تتقاضى من

الناس ثمنا لذلك يا ضرغام ؟ ”

هز رأسه بقوة وقال بصوت مخنوق ” لا أفعل سيدي أقسم

لك ولم آخذ منها ولا من أحد ”

قال مطر بحزم ” لماذا فرت هناك ؟ ما السبب ؟ ”

هز رأسه بلا من فوره وقد احمر وجهه بسبب اختناقه فتركه

بقوة وقال ” لن أرحمك إن علمت أنك تعلم ”

أمسك عنقه بيده وقال ” لا علم لي سيدي أقسم لك , ما قالته

لابنتها أمامي أنه عليها أن تخرج قبل أن تصل أنت لها

وهذا كل شيء ”

لمعت عينيه بقوة ومض كبرق في سماء سوداء مغيمة وقال وكأنه

يتحدث مع نفسه ” هي تعلم أني قادم لها إذا !! ”

ثم أشار لهم بيده وقال ” احتجزوه عليا التحقق معه أكثر والتأكد

من صدق كلامه أولا ”

فأمسكا بذراعيه وسحباه معهما دون أن يعترض ولا حيلة له في

ذلك وأعادوه للسيارة التي غادرت كما جاءت ونظراته تتبعها وكل

تفكيره في السبب الذي جعل تلك العجوز تفر منه درجة أن تدخل

صنوان تاركة قبائلها وأهلها ومؤكد قررت أنها لن ترجع لهم

التفت للخلف ما أن سمع الخطوات التي اقتربت تسير باتجاهه ولم

يكن سوا ضحيته الأخرى وهوا الطبيب سمعان الذي أرسل في طلبه

وما أن وصل عنده وهوا يراقب ملامحه التي بدا الضيق جليا عليها

فهم أنه سيقابله في مزاج سيئ للغاية , وقد سبق وتقابل معه كثيرا

ويعرف أي نوع من الرجال هو وغضبه كيف يكون , قال باحترام

” مرحبا سيدي كم سرني رؤيتك سالما , أخبرني رشيد

أنك طلبت رؤيتي ”

وضع يديه في جيوب بنطاله وقال بجفاف وبرود ” هل لي أن

أفهم سبب إرسالك له نيابة عنك ؟ أم أن أوامري لا تعجبكم ”

قال من فوره وبلهجة ثابتة خبير في التحكم فيها كأي طبيب متمرس

” أبدا سيدي لقد اضطررت للمغادرة وكان الأمر رغما عني ورأيت

أن أرسله هو أفضل وقد تغيبت لأكثر من أسبوعين وحين عدت قال

أن جرحها تحسن كثيرا ولم تعد تحتاج لعناية مكثفة كالسابق

فتركت له المرات القليلة الباقية يكملها هو ”

شد على فكيه بقوة كادت تحطم أسنانه وقال من بينها ” وهل أخبرك

عما حدث عند وصولي , أم أجعله يطلعك على الأمر بطريقتي ”

بلع ريقه بسرعة وقال ” بلى أخبرني سيدي , الشاب مرعوب من

أن تقرر شيئا سيئا يخصه وشرح لي ما حدث وقال أن الفتاة كانت

شديدة الاحترام والحشمة معه طوال الوقت والأمر كان عفويا ”

قال وملامحه لا تزداد إلا قسوة ” وصلت قبل خروجه بقليل وقسما

إن لم أكن سمعت ضحكته فقط وهي لا لما خرج من منزلي بساقيه

كليهما ولحمل لسانه في يده ليعلم معنى العبث في منزل زعيمه

ذاك الفتى ينتقل مع الأطقم الطبية في الجبهات فورا ولا يرجع إلا

بأمر مني وتخبره حالا أن الفتاة سافرت خارج البلاد , إن شممت

فقط أنه أخبر أحدا عن التي رآها هنا انتهى عمره على يدي

وأنت تفهم باقي الأمر يا سمعان ”

هز رأسه بحسنا بسرعة وقال ” أوامرك سيدي اعتبره لم يراها

أبدا , لقد أرسلته لظني أنك سترجعها لصنوان وهوا لا يعلم من

تكون ولن يتسرب الأمر ”

خرج حينها من هدوئه البارد الجاد وقال بحدة وحزم ” هل دخلت

دماغي أم قررت عني ؟ لا أريد لتلميذك ذاك أن يفسد ما سيحدث

قريبا أو سيدفن تحت التراب ليموت الأمر معه ”

هز رأسه بالطاعة من فوره وقال ” سأتصرف في الأمر بمعرفتي

وسأعيده لخارج البلاد إن أحببت ولن يؤثر فيما تريد فعله أي

كان سيدي تأكد ”

أشار له بيده وقال بشبه همس ” يمكنك المغادرة ”

فغادر من فوره وهوا يراقبه وتنفسه يخرج بقوة بسبب انفعاله القوي

وهمس من بين أسنانه ” ما أسهل عليكم تدمير كل شيء يا حمقى ”

ثم أخرج هاتفه الذي يعمل عن طريق الأقمار من حزام بنطاله المثبت

فيه وأجرى اتصالا سريعا ووضعه على أذنه ونظر للأعلى حيث السماء

الزرقاء الصافية لينعكس لمعانها في حدقتيه الواسعة شديدة السواد ولترمي

ببريق شمسها على سواد لحيته المشذبة بعناية وتلاعب النسيم بخصلات

شعره الأسود القصير اللامع وقال ما أن انفتح الخط ” أعطوا خبرا

لزعيم صنوان أن اجتماعنا سيكون نهاية الأسبوع القادم ورتبوا

معهم كل شيء ”

المخرج~
بقلم/ الغالية همس الريح

جبران ..

مطر مطر ……مطر مطر
كنت صغيرا …اهوي المطر

حتي كبرت … اهوي المطر
ليت الحياه …. بلا مطر

شر اشر ….هذا المطر
اخذ غسق …تبا لمطر

غسق ..

مطر مطر …اهوي المطر
حتي بيوم….اسرني مطر

رجل عظيم …رجل المطر
لكن الحروب …جنون مطر

اين السلام ..يا ابن المطر
كل الحروب …مات المطر

مطر..
مطر مطر ..انا مطر
منذ الصغر ..اري المطر

مطر هطل …حرب مطر
مطر يصب …جرحي مطر

كل البشر ..مطر مطر
حملي ثقيل ..و انا مطر

******

نهاية الفصل ……….

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الرابع عشر

المدخل~
بقلم الغالية :همس الريح
اذكرك ..كلما عز الوصال
و انبعثتِ من ثنايا الذاكره

اذكرك بعدٌ ليس فيه احتمال
ان نلتقي و لو للحظه عابره

اذكرك لمحة من خيال
غيرت نظر العيون الساحره

من جبران لغسق …

****

اتكأت بكتفها ورأسها على إطار النافذة الطويلة المفتوحة مكتفة يديها

لصدرها وغابت بنظرها للسماء الصافية البعيدة وكم يذكرها هذا بحالها

تشعر أن جسدها هنا وروحها هناك , أنها منفصلة تماما عن واقعها ولا

تعلم بما تسمي حالها ووضعها .. سجينة أم أسيرة أم ضيفة غير مرغوب

بها وهي ترى أنها آخر من يقرر في وضعها ومصيرها ولا تسمع سوى

جملة ( مطر من يقرر ) أحيانا ترى نفسها تستحق ذلك وهي من وضع

نفسها فيه وأحيانا تضع كل لومها عليه لأنه انحرف عن أطباع وعادات

عُرف بها زعمائهم على مر السنين أن المرأة خارج إطار حروبهم الدامية

ونزاعاتهم وأحقادهم وهي تراه يحتجزها كالفراشة لا يحق لها ولا الرفرفة

بجناحيها في مملكته , سجينة غرفة لا تغادرها أبدا وكل شيء ممنوع

عنها , حتى عمته تلك لم تراها إلا بعد عودته .

تلألأت عينيها ببريق الدموع ولازالت محدقة بالسماء فأغمضتهما ببطء

ليختفي سواد حدقتيها خلف جفنيها الواسعين وهي تسدل رموشها الكثيفة

عليهما وتنفست بعمق , حتى الهواء ورائحة النباتات لا تساعدها لتتخيل

نفسها هناك وأنه لم يحدث كل هذا , أنها لازالت في منزلهم ولا يأتي

عليها يوم لا ترى فيه والدها وعمتها وتحدث من غاب من أشقائها هاتفيا

كم تفتقد لكل تلك التفاصيل الصغيرة رغم أنها خاطرت ودخلت هنا بحثا

عن أهلها وعن عائلتها الحقيقية , فتحت عينيها مجددا ونظرت للجزء

الظاهر من سور المنزل من بين أشجار الحديقة الواسعة فحتى الأسوار

هنا تختلف عن أسوار منازلهم هناك ولطالما سمعت أن ثمة اختلاف كبير

بينهم في أغلب الأشياء والعادات وحتى الملابس , كانت منازلهم تأخذ

قليلا من الطابع الغربي , غرف حتى في الطابق الأرضي ويعتمدون على

النوافذ أكثر من الشرفات وهي طويلة ومغطاة بستائر شفافة , كما وتحوي

الغرفة على أكثر من نافذة , حتى طعامهم لاحظت أنه مختلف عنهم فدائما

ما تتأثر أطراف البلدان بالدول المجاورة لها وترى الاختلاف واضحا بين

أقصى مدن الدولة وأقصاها , تحرك نسيم الفجر القادم من الشرق ولعب

بالخصلات القصيرة من شعرها حول وجهها مضايقة عينيها فمررت

أصابعها فيه رافعة لهم للأعلى وجمدت مكانها وهي تستمع للخطوات

التي تقترب من هذه الجهة ووصلها ذاك الصوت الذي تعرفه جيدا

وتميز بحته الممزوجة بالجدية من بين آلاف المتحدثين , كان

يتحدث في هاتفه ووصلتها كلماته بوضوح قائلا ” ستصل

سيارة صخر لتلحق بالبقية أولا ثم نغادر ”

ابتعدت عن حافة النافذة وكانت ستدخل لكنها وقفت مكانها وهي تسمع

صوته الذي اشتدت نبرته أكثر وأصبح يقترب من جهتها أكثر ” ليس

وقته يا شعيب , نلتقي بزعماء صنوان أولا ثم نناقش ذلك , هل

سنتحدث عنه قبل أن نراهم ؟ ”

اضطربت ضربات قلبها وشعرت وكأنها مطرقة تضرب في ضلوعها

وليست تعلم من ذكره لقبائلهم وأنهم مغادرين للالتقاء بهم كما فهمت منه

أم للقدمين والساقين اللتان ظهرتا مقتربتين من هناك !! حاولت التراجع

عن النافذة لكن ساقاها تيبستا تماما وعلمت أنه لا مجال للفرار ولا

المحاولة فأغمضت عينيها بقوة للحظة ثم فتحتهما ونظرت بصدمة

للجسد المنحني عند ذاك المكان الذي وصل له وكان يغلق شيئا حديديا

يأخذ شكل الزهرة يشبه صنبور المياه مثبت في أنبوب حديدي على

الأرض ولم ينتبه لوجودها في تلك النافذة المفتوحة مما جعلها تأخذ

نفسا بارتياح وسرق نظرها شعره الأسود اللامع المصفف للأعلى

وأكتافه العريضة البارزة من تحت سترته الرمادية الغامقة مما جعل

ضربات قلبها تشتد أكثر وتوترها يبلغ أقصاه فعضت على شفتها

السفلى بقوة واضعة يدها على قلبها وتوهجت وجنتيها بشدة ورائحة

عطره بدأت تتسلل مع أنفاسها القوية المتسربة لصدرها , وما أن رفع

جسده قليلا ليقف حتى ارتدت للخلف بسرعة وأغلقت النافذة في حركة

سريعة ولم تعي لنفسها وهي تضربها بقوة أصدرت صوتا قويا لارتطامها

بمكان إطارها في الجدار , وإرتداد صوت زجاجها أصدر صوتا مزعجا

مما أرجف أطرافها وأمسكت فمها بيدها مصدومة مما حدث وما قد

يفهمه الواقف هناك إن علم أي نافذة هي .

بينما جعل ذاك الصوت الواقف في الخارج ينظر بسرعة لتلك الجهة

وتلك النافذة تحديدا وهوا يرى جزءا من ستائرها يتحرك مع النسيم

وقد علق خارج النافذة وذاك الخيال الضئيل الذي يظهر في الداخل

واقفا خلفها , فجال بنظره مدققا أكثر في تلك الجهة وبدأ عقله يربط

المكان بتقسيم الغرف في الداخل ثم سرعان ما التوى فمه بابتسامة

متهكمة باردة وغادر وقد تحولت ابتسامته للسخرية اللاذعة متمتما

” هكذا إذاً يا ابنة شراع ”

*

*

صعد حجرين بارزين من السور المرتفع نصف ارتفاع ثم جلس فوقه

ونظر نظرة شاملة حوله ( مؤكد هنا فهوا لا يتغيب كثيرا إلا ويكون

في هذا المكان , وعليا أن أتلقى أسئلة والدته المتكررة وأعاني

من قلقها عليه دائما وعليا طبعا البحث عنه )

قفز من أعلى السور للخارج وتسلل بين الشجيرات حتى وصل

النهر الصغير وسار يسارا يرعي سمعه لكل شيء حوله لعله يجده

قريبا من هنا , وبعد مسافة لمح من بعيد طفلة صغيرة شقراء الشعر

بفستان قصير تنظر لأعلى الشجرة التي تقف تحتها وتحدّث أحدهم

فتوجه نحوها من فوره متمتما ” بما أنه يوجد هنا خلية نحل

صغيرة فمؤكد ذاك الدبور بقربها ”

وكما توقع ما أن وصل سمعها تقول ناظرة لأعلى الشجرة

” أجل أنت تمسك بها , هي قريبة جدا ”

وقف بجانبها ونظر للأعلى أيضا وتنهد بضجر وهوا يرى الجالس

على غصن مرتفع يمد يده بحذر جهة قطة صغيرة تقف على أحد

الأغصان متشبثة فيه بمخالبها وما أن أمسك بها حتى قفزت الواقفة

بجانبه صارخة بحماس وقالت ” رائع أنت رائع لقد أنقدت قطتي ”

نظر لها للأسفل وقال ” حسنا وبما أنه جاء العضو الثاني

في الإنقاذ سأرميها له ”

ومن دون أن يفكر حتى في أن يسأله رمى القطة جهة وقاص الذي

تلقاها وهي تعوي بذعر ثم سرعان ما رماها أرضا يمسك يده وشتم

بحنق ” سحقا لك يا غبية ولمخالبك هذه ”

أمسكت الطفلة بالقطة فورا وقالت وهي تضمها لعنقها وتمسح

على فرائها ” آه يا لوسي الجميلة الصغيرة لا تفعليها

مجددا وتصعدي هناك ”

ثم رفعت نظرها بالذي لازال جالسا في الأعلى وقال وقاص

ناظرا له ” انزل الآن يا جمعية الرفق بالحيوان وأرنا مهاراتك

في النزول كما التسلق ”

حرك قدمه قليلا ثم صرخ ” أخشى أنه لا مهارة لدي في ذلك ”

قالت الطفلة صارخة ” اقفز أنت أيضا ليتلقاك هو ”

نظر لها وقاص تحته بصدمة فنظرت له نظرة رقيقة وقالت بكلمات

عذبة وبريق في عينيها الزرقاء ” أنت قوي أليس كذلك ؟ لقد

أمسكت قطتي ”

رماها بنظرة باردة وقال ” لا لن تنطلي عليا حيلكم أنتن الشقراوات

وهذه النظرة المخادعة لأفعل ما تردن ”

ثم نظر لشقيقه رواح في الأعلى وتمتم بالعربية ” وقحات يعلمونكن

هذا من صغركن لتكبرن متمرسات عليه وتوقعن الأغبياء

كالأحمق في الأعلى ”

ثم فتح أزرار كميه ورفعهما لمرفقيه وفتح آخران من أعلى قميصه

الأبيض المخطط ثم صعد لبعض المسافة على النتوء في الجذع

العريض ونظر له فوقه وقال ” هيا انزل وضع قدميك على كتفاي

وارمي أولا حذائك الأخرق هذا ”

خلع رواح حدائه من فوره ورماه للأسفل وفعل كما طلب منه وقفز

من كتفيه للأسفل ثم نزل هو أيضا قافزا فنظرت له الفتاة الصغيرة

وقالت مبتسمة بإعجاب ” لقد أنقذته أنت رائع ”

نظر لها رواح بضيق ولازال نظرها معلقا للأعلى في وجه وقاص

وقالت مبتسمة ” لما لا تنزل لي للأسفل لأشكرك ”

نظر لها ببرود وقال ” ظهري يؤلمني لا يمكنني الانحناء ”

نظرت له بإحباط , وتذمر رواح ويديه وسط جسده قائلا

” هيييه أنا من أنقد هرتك وليس هو ”

ابتسمت له من فورها وتوجهت نحوه وقبلت خده وقالت

مغادرة بخطوات راكضة ” شكرا لكما ”

نظر لوقاص وقال بضيق ” أنت لما أطول مني ؟ كان على والدي

أن يتزوج والدتي مع والدتك لكنا الآن في نفس العمر ولست

تكبرني بأربعة أعوام ”

ضرب له كتفه وقال مغادرا أمامه ” ستطول قامتك فلما الاستعجال

هكذا , وتوقف عن إنقاذ القطط من فوق الأشجار فلن أساعدك

في المرة القادمة ”

لبس حدائه سريعا وقال وهوا يلحقه ” لا بأس بالتجربة فقد

حصلنا على قبلة صغيرة من شقراء جميلة ”

هز رأسه بيأس منه وعادا للمنزل من خلال السور كما خرجا لأن

الدوران حوله سيستغرق وقتا , وما أن دخلا حتى كان جدهما يقف

أمامهما وقال بضيق ونظره على وقاص ” أين كنتما ؟
ليخبرني

أحدكما الآن ؟ ”

نظرا لبعضهما ثم له وقال رواح ” كنا في الحديقة الخلفية ”

صرخ فيه بحدة ” توقف عن الكذب أو عاقبتك ”

ارتجف بخوف ينظر له بصمت وقد نقل هو نظره لوقاص

مجددا وقال بحزم ” أين كنتما يا وقاص ؟ ”

تحركت نظراته عن جده ونظر من فوره للواقف بجانب السلالم

الذي يتوسط بهو المنزل بعيدا عنهم وينظر لهم مبتسما بسخرية

وعلم أنه من أوشى بهم ولم يكن سوا شقيقهم نجيب , ثم عاد

بنظره لجده وقال بهدوء ” كنا عند النهر ”

قال بذات حدته ” وما تفعلاه هناك وقد حذرناكم من العبث

في تلك الجهة فالمخاطر فيها كثيرة ”

شد رواح طرف قميص وقاص عدة مرات ليفهم أنه يرجوه أن

لا يخبره أنه من ذهب وهوا لحقه ليرجعه فقط فقال وقاص

” لن نكررها مجددا جدي أعدك ”

غادر ضرار من عندهم قائلا بحنق ” أعلمك طوال الوقت كيف

تصبح رجلا نبيلا وسيد أعمال وأنت تركض خلف الحشرات

عند النهر , ياللسخرية يا حفيدي العتيد ”

وغادر يتمتم بغضب على نظرات وقاص المستاءة فهوا يعلم جيدا

أنه لن ينساها له بسهولة فهوا لا يحب أن يستهتر أبدا , نظر له

رواح وقال ” جيد أنك لم تخبره أني وحدي المذنب لكان عاقبني ”

رماه بنظرة جانبية باردة وقال ” صحيح أنه بوجودي معك لن

يعاقبنا لكنه لن ينسى لي هذه الزلة أبدا ”

ضربه رواح على كتفه وقال بمرح ” لا بأس في بعض المرح

يا رجل ”

غادر من عنده قائلا ” تعلم أني لا أحب مرحك هذا ولن

أنقذك مجدداهل فهمت ”

ثم مر بالسلالم وصعد منه يتبادل ونجيب نظرات يفهم كل واحد

منهما ما تعني حتى اختفى عن نظره وصعد لغرفته

*

*

نقل نظره من رعد للكاسر وقبل أن يتحدث قال بتصميم

” أبي سأكون معك فجد لها حلا إلا أن ابق هنا ”

قال شراع بضيق ” كاسر أخال أنك لم تعد طفلا فتوقف عن العناد

رماح ورعد من سيسافران معي وانتهى ”

كان سيتحدث فتحدث عمته قبله قائلة ” أتركه يكون معك يا شراع

فغسق لن تكون ضمن اجتماعكم بالتأكيد , يكفي جبران الذي

ما أن يعلم سيغضب منا جميعا ”

صاح شراع بضيق ” وهذا ما ينقص آخذه معي وما أن يتقابل

وابن شاهين يبدأ باللغط ولا أستبعد أن يخبره ويفسد كل شيء

ويضرها ويضرنا ”

ثم نظر للكاسر ورفع سبابته وقال بتحذير تهديدي ” ستذهبان معي

أنت ورعد وأحذرك يا كاسر أن تفتح فمك بحرف واحد أتفهم ”

صر على أسنانه يحاول إخماد البركان الذي يغلي في داخله

وقال ” أعدك ”

فتحرك حينها نحو باب المنزل قائلا ” إذا اصعد واجلب

أوراق سفرك وألحقنا بسيارتك ”

وخرج ورعد يتبعه وقد اختاره هو ورماح لأن رعد طبعه الهدوء

وقلة الكلام ومتأكد من أنه لن يحدث لهم شوشرة ومشاكل هناك

ورماح يحترم كلامه كثيرا ولا يحب أن يخالفه أما جبران والكاسر

فكان قد تجنب أخذ أي منهما معه وهوا أساسا سيأخذ اثنين فقط مع

عشرة رجال من كبار قبيلته كما اعتادوا في اجتماعات المهادنة مع

أحد الزعماء , كانت الرحلة طويلة وسادها الصمت المميت ليس لأن

رعد طبعه قلة الكلام بل لأن التوتر أخذ منهم نصيبا فمشروع المهادنة

هذا لا يشبه أي واحد غيره مر بهم على مر أعوام فمصير من يعدونها

فردا منهم وليس بأي فرد معلق بها ولا أحد يستطيع التكهن بما يفكر فيه

ابن شاهين وكيف سيستغل الوضع لصالحه , كان رعد من يقود السيارة

ووالده يجلس بجواره تتبعهم باقي السيارات وكانوا ثلاثة عدا سيارتهم

وسيارة الكاسر ومجموعهم ثلاثة عشر رجلا , وبعد السير لساعات

طويلة من الفجر حتى منتصف النهار كانوا عند إحدى نقاط حدودهم

الشرقية حيث تؤمن البلاد المجاورة نفسها وكأن بلادهم وباء وعلى

جميع المحيطين بها الحذر من تفشي أمراضها لهم , وهذا هو الحال

دائما كلما دخلت بلاد في حرب أهلية أو اضطربت أوضاعها وكثر

فيها الدم والنزاعات والتجمعات للجماعات الإرهابية .

ما أن عبروا الحدود بأختام الدخول حتى التفّت حولهم سيارات

حرس رئاسي ووفد استقبال من الدولة التي دخلوها للتو ترافقهم

في سيرهم بسرعة معتدلة للوصول لوجهتهم الأساسية , نظر

رعد لوالده ثم للطريق وقال في أول حوار بينهما ” مؤكد لن

نناقش معه مسألة غسق أمام رجاله ورجالنا ؟ ”

هز شراع رأسه بالموافقة وهمس ” إلا إن أرادها ابن شاهين

كسرة ظهر لي ”

نظر له سريعا لوقت ثم قال ” أبي أراك تضع تكهنات كثيرة

سيئة لرده ! ”

تنفس شراع بقوة نفسا دل على حيرته وتوجسه وعجزه وقال

” لو لم يكن في سنة حرب لوثقت من نزاهة نواياه لكن ما يفعله

الآن ويطمح له مستقبلا يخول جميع الاحتمالات يا رعد ”

قال رعد بهدوء حذر ونظره للطريق ” هل فكرت أنه إن طلب مقابلا

لها سيكون عليك إقناع رجال قبائلنا به دون أن تذكر السبب ”

اتكأ شراع برأسه للأعلى وأغمض عينيه وقال بصوت مرتخي

” دعنا نرى ما يريد بهذا ثم نقرر ”

*

*

ضرب التراب الملطخ بالمياه والمختط بالطين بيديه الصغيرتان

وأصابعها الطويلة يسوي من حوض أشجار بستان المنزل الذي

يعيشون فيه وقطرات عرق جبينه تسقي ما تصنعه يداه الصغيرتان

المنهكتان جدا , فهوا من عليه هنا أن يدفع ثمن إقامته ووالدته لديهم

وكأن المنزل ليس لجدها مثلهم , ولأن ابن عمها طبعا يعاني من ساقه

العرجاء لا يفعل شيئا أما ابنه فلا يكلف بهذه الأعمال ولم يبقى غيره

ليهتم بهذه الأشجار ويسقيها يوميا ويهتم بالتربة ولا يحق له الاعتراض

طبعا , رفع رأسه بالذي مر من أمامه متجها للباب وقد نظر له ثم تابع

طريقه ولم يكن إلا ظافر ابن العائلة الوحيد الذي عاد من أيام من القتال

في الجبال وكالعادة هو لا يقسوا عليه لكنه يتصرف حياله بلا مبالاة

وينظر له نظرة شاملة كلما تقابل معه وكم كره تلك النظرة التي يخبره

بها في كل مرة أنه يرتدي ثيابه القديمة البالية التي لم يعد يلبسها من

أربعة أعوام ولم تعد على مقاسه , وكم تمنى في أوقات أن بقي عاريا

على أن يلبسها أو يرى تلك النظرة في عينيه , لكنه يكتم ذلك في نفسه

ويحاول دائما نسيانه وتجاهله فهوا على الأقل لا يعامله معاملة والده له

وكان معه كأغلب أهل البلدة شيء وكأنه ليس موجودا , ما أن خرج ذاك

وأغلق باب المنزل خلفه عاد بنظره لما كان يفعل لينهي ما عليه أن يتمه

اليوم أو تلقى عقابا يعده أقسى من الضرب وهوا حرمانه ووالدته من

الطعام يوم غد كاملا إن لم يكن ليومين وهذا ما يمكنه هو تحمله لكن

والدته لا , تنفس زافرا بقوة ومسح على جبينه بظهر رسغه فقد انتهى

منها أخيرا , رفع نظره للجالسة على الطرف الآخر لحوض الشجرة

تحضن وجهها بكفيها الصغيران تراقبه بانسجام ودون ملل تنتقل معه

من ساعات من حوض لآخر , وطبعا لأنه من وقت صرخ بها وهددها

إما أن تصمت أو تتركه وتبتعد عنه فقد لاذت بالصمت التام لوقت حتى

هو استغربه فقد حطمت به الرقم القياسي لثرثرتها وسرعتها في الحديث

نظرت له بعينيها العسلية التي ازداد بريق الذهب فيها بسبب الشمس

ولفح الهواء لهما وغرتها البنية تتطاير معه وقالت مبتسمة

” إنها الأخيرة لقد انتهيت ”

وقف ونظر ليديه الملطخة بالطين والتراب المشبع بالماء

فوقفت أيضا وقالت بسعادة ” يمكنني الحديث الآن ”

ودارت حول حوض الشجرة من فورها وأمسكت برسغه وقالت

وهي تسحبه معها ” تعالى لتغسلهما سأفتح لك الصنبور فهما

مبتلتان ولن تستطيع فتحه ”

سار منصاعا لها حتى وصلا الصنبور الموجود في جدار السور

وفتحته بعد جهد وضعت فيه كل طاقتها وكأنها لا تريد خذلانه بها

فغسل يديه جيدا ووجهه وقدميه وساقيه أيضا وما أن انتهى

قالت بمرح طفولي ” أنا من سيغلقه ”

وعادت لإفراغ كل قوتها لدفع يده الصدئة القاسية لتغلقه ونجحت

أخيرا مبتسمة بسعادة وكأنها أنجزت شيئا عظيما سيندهش له فشد

أصبعه السبابة بإبهامه وضرب به جبينها الصغير ضربة آلمتها

وجعلتها تمسكه بملامح متضايقة وقال مبتسما ابتسامة باردة

” شكرا أيتها البطلة الصغيرة ”

أبعدت يدها وابتسمت بفخر وانتصار وقالت وهي تتبعه مغادران

من تلك الجهة ” وأنت بطل وحين تكبر ستصبح مزارعا

قويا أليس كذلك ؟ ”

وضع يديه في جيوبه وقال متابعا سيره جهة غرفتهم ” ياله من

مستقبل سخيف , لا لن أكون مزارعا طبعا ”

نظرت له سائرة بجانبه وقالت مستغربة ” ماذا ستكون إذا !! ”

وقف فوقفت لوقوفه ونظر لها وقال بجمود ” ما أن أكبر سأخرج

من هنا بوالدتي طبعا ولن أكون مزارعا لدى أمثالهم ”

فتحت فمها الصغير مندهشة ثم قالت ” تذهبان من هنا ! ”

هز رأسه بنعم دون كلام فقالت من فورها ” وتتركانني وحدي ؟ ”

لوح بيده بلامبالاة وقال ” أنتي لديك عمك هذا وغيره ماذا سنفعل بك ؟ ”

ترقرقت الدموع في عينيها الواسعة وشحبت ملامحها حزنا ولازالت

نظراتها معلقة به فقال وقد عاد للتحرك بخطوات بطيئة كسولة

” لا تبكي ماريه هيا فرأس يؤلمني وأنا متعب ”

وما أن وصل لغرفتهم التفت مستغربا من أنها لم تلحق به كعادتها

لكنه لم يجدها حيث تركها ثم سمع صوت باب المنزل يغلق بقوة

زلزلت جدرانه فعلم أنها عادت هناك فرفع كتفيه في حركة

لا مبالي ودخل الغرفة

*

*

كان الجو في تلك القاعة يسوده موجات ضخمة من التوتر ومجموعة

الرجال التي وصلت أولا تلتزم مقاعدها حول تلك الطاولة البيضاوية

الفخمة الطويلة فمن أربع سنوات لم يعقد لقاء مهادنة بينهم عدى صفقة

مبادلة الأسرى من عام وعلى مراحل , وبينما كان توتر زعيمهم

شراع وابنيه سببه أمر أبعد من الحروب والحدود فقد تسربت تلك

المشاعر لباقي الرجال كموجات مغناطيسية انتقلت لهم مع الهواء

صمت زعيمهم المبهم الذي أظهر خطوط وجهه أكثر قتامه وغابت

عيناه في ظل أسود عميق وسافر نظره للفراغ , وأعصاب أبنيه التي

بدت مشدودة بشكل واضح جعل كل فرد في تلك القاعة يشعر بوجود

خطب ما في الأمر وقد زاده الطلب الغريب لابن شاهين بالخصوصية

التامة لهذا اللقاء وأن لا يكون فيه غير زعيم صنوان ورجاله وهو

ورجاله فقط مما زاد مخاوف شراع وابنيه من تركيزه على هذا

الأمر ودار بهم سؤال واحد كالدوامة في رؤوسهم ( هل يفكر ابن

شاهين في مناقشة أمر غسق أمام الجميع ؟؟ )

وكانوا يدركون أنه ما من شيء سيمنعه إن أراد ذلك وقرره وأنها

ستكون بداية الكارثة فهؤلاء العشر رجال من قبيلتهم وهم من أكابرها

كفيلين بنشر الخبر في كل فرع من فروع قبائلهم , وهذا بالإضافة

إلى رجاله , ارتفعت الرؤوس وحدقت أعين الجميع بالباب الذي انفتح

فجأة ودخل منه سبع رجال بالتتابع منهم من ألقى عليهم السلام ومنهم

من لم يكلف نفسه بذلك , وما أن تنحوا جانبا حتى دخل ثلاثة آخرين

وقف شراع ورجاله حينها للذي كان يقف في وسطهم , لم يكن بلباس

الحرب ليس بتلك البذلة العسكرية التي أصبح بها حديث الجميع وهذا ما

أراح بعضهم قليلا رغم أنه لم يؤثر إيجابا على شراع وابنيه مثل باقي

رجالهم , كان يرتدي بذلة سوداء من الكشمير الداكن غالي الثمن بربطة

عنق من اللون العنبري تخللها خطان أبيضان عند أعلاها وقميص رمادي

كان حضوره مهيمنا كعادته حتى وهوا بدون لباس الحرب ذاك ونظراته

كانت مركزة على عيني شراع كنمرين يدوران في حلبة مغلقة ورغم

هدوء ملامحهما إلا أن نظرتهم تلك حملت معان كثيرة وأمور بات لا

يعلمها غيرهما وكل واحد منهما يبحث في عقل الآخر من خلال تلك

العينين عن أمور هو على استعداد لدفع أي ثمن لمعرفتها , كان رجاله

واقفين مكانهم ينتظرون تقدمه أولا كما الحال مع رجال شراع الذين

ينتظرون أن يجلس ليجلسوا بعده , تحرك مطر أخيرا منهيا أول جولة

من شد الأعصاب بالنسبة للبعض وقد همس شيئا لأحد رجاله فتراجع

للخلف وأغلق الباب فورا والغريب أنه لم ينظم للبقية بل انتقل فورا

لغرفة كانت ملحقة بتلك القاعة غاب فيها عن الجميع وتقدم حينها مطر

منهم وبدءوا بالمصافحة كشيء روتيني أو أمر من أجل اللباقة فقط فلم

يكن سلاما يحمل الترحيب والابتسامات الودية , لا يحمل العداء لكنه

أيضا لا يحمل المودة والأخوة , كان مدججا بالتوجس والحذر وهذا أمر

طبيعي في مثل هذه الأوضاع , صافح مطر شراع كمصافحته لباقي

رجاله لكن عينيه ضلتا تنظران لعينيه بقوة وفي المقابل رفض شراع

أن يبعد نظره أو يظهر انكساره له , ضن شراع للحظة أن سلامهما

ذاك انتهى لكنه فوجئ به يشد على يده أكثر ولم يتركها وخرج عن

صمته قائلا ونظره لازال مركزا على عينيه ” يسعدني أن أراك

بعافيتك كالمرة السابقة يا شراع ”

علت حيينها الصدمة وجوه الحاضرين حولهما ولم يستطع أحد منهم فهم

مغزى ما قال وهوا لأول مرة يتبادل معه حديثا خاصا وإن كان على نحو

سطحي وعادي , وبدأت التكهنات تحوم حولهم ( هل أراد ممازحته

بأنه مهما ازداد في سنه يبقى قويا ؟ أم أراد أن يذكره بأنه خرج من

الحروب السابقة سالما ورآه مجددا ؟ أم أراد أن يرعبه بأن

دورهم القادم )

والحقيقة لم يكن يعلمها غيرهما الاثنين فحتى الكاسر ورعد عسر

عليهما الفهم , وقد جاء الرد قاطعا من شراع وقال وهوا يشد

على يده أكثر ” فلنأمل أن تراني المرة القادمة يا ابن شاهين ”

لتعود تلك العاصفة وتموج بعقول الحاضرين وترجع ذات التفسيرات

السابقة لمحاولة ترجمة رده عليه لكن لم يكن غيرهما يفهم معنى

ذاك الحوار القصير وبأن الأمور بعد هذا اللقاء ستتغير وقد

ينتهي أحدهم ضحيتها نفسيا

كان الرد من مطر ابتسامة ملتوية قبل أن يترك يده وصافح الكاسر

الذي لم يفته النظرة الحارقة التي رماه بها وكأنه أسد يستعد للانقضاض

على فريسته , وقابلها مطر بنظرة باردة قبل أن يبتعدوا عنهم وأخذ كل

واحد منهم مكانه للجلوس لكن ثمة شخص واحد لم يفعل ذلك مثلهم وضل

واقفا خلف كرسيه الذي لم يسحبه أساسا من مكانه , وخرج حينها الرجل

الذي دخل تلك الغرفة وتوجه نحوه من فوره وهمس له من خلفه شيئا

ثم انضم للبقية وجلس أيضا فقال مطر ناظرا لشراع تحديدا ” معذرة

من الجميع , هناك ما عليا قوله وزعيمكم لوحدنا قبل كل شيء ”

شعر شراع بذاك الانقباض في صدره وكأن ثمة من أمسك قلبه بيده

وعصره بقوة , بينما كان شعور ابنيه مختلفا تماما فقد اجتاح الغضب

العارم قلب الكاسر والذي كان يمسكه بالقوة بينما طفح الحقد والغل على

نظرات وتقاسيم وجه رعد , وحسب أوامر والدهما لا يمكن لأي منهما

التنفيس عن تلك المشاعر بإخراجها , تحرك شراع ببطء دافعا لكرسيه

للخلف وقد حذا ابنيه حذوه قبل أن توقفهما كلمات مطر الحازمة

قائلا ” وحدنا فقط ”

فلم يخفي حينها الكاسر الشتيمة الهمسة التي خرجت من شفتيه بينما

استقر رعد مكانه دون أي رد فعل فلطالما كان متحكما في انفعالاته

كانا يثقان في والدهما وفي قراراته وحكمته فلطالما كان الزعيم الذي

اجتمع عليه الجميع لكن الآن ولأن في الموضوع امرأة ويعلمون

جيدا مكانتها لديه وتأمين والدتها له عليها والحقيقة المفجعة التي

عرفوها عن أصل عائلتها ووالدها كان الأمر مختلفا بالنسبة لهما

وموقنان من أنه بإمكان هذا الرجل أن يُخرج لهما والدهما ميتا

دون أن يلمسه بيديه , وفهما وقتها مغزى الحديث الذي دار بينهما

وهما يتصافحان , حدقت العيون المستغربة بهما وهما يدخلان تلك

الغرفة التي أرسل مطر أحد رجاله لها فور وصولهم , ولم يعد يعلم

أحد بباقي الأحداث الغريبة التي تحدث اليوم بتتابع سوا من دخلا

هناك وأغلقا الباب خلفهما , كانت الغرفة عبارة عن مكتب للمترجمين

حيث أنه في تلك القاعة يجتمع العديد لأسباب مختلفة ومن جميع أقطار

العالم وهنا يكون مجموعة ممن يقومون بترجمة ما يقال في تلك

الاجتماعات كلٌ حسب لغته عن طريق سماعات موصولة بينهم

توضع في الأذن , فكانت الغرفة عبارة عن شاشات كبيرة سوداء

معلقة على الجدار الدائري لها وأمامها طاولات مليئة بالأجهزة

وسماعات الأذنين وكراسي جلدية بسيطة بأظهر مريحة , وثمة

طاولة في المنتصف حولها ثلاث كراسي مشابهة لها , وعلم شراع

حينها لما أرسل ذاك الرجل إلى هذه الغرفة قبلهم فمثل هذه الأمكنة

لا تخلوا من أجهزة المراقبة والتصنت وكان عليه تعطيلها أولا

توجه مطر أولا للطاولة وسحب الكرسي وجلس وتبعه شراع وفي

صمت من كليهما حتى استقرا جالسين محدقان ببعضهما وكان

شراع سيتحدث فسبقه مطر بالحديث لتغزوا نبرته المبحوحة

صمت الغرفة الفارغة سوا منهما ” أعلم ما تريد قوله يا شراع

( ليس طبعك استغلال النساء واللعب بسمعتهن ولم يكن شيمة

من سبقوك ولا نهجنا معك ) ”

لم يفاجئ شراع بذلك لذلك قال بحذر ” تخطينا المقدمات إذا

وسندخل في المفيد ”

اتكأ مطر لظهر الكرسي وكتف يديه لصدره وقال ” وابنتك لم

تلمسها يد غير يدي ولم يرى شعرة منها أي رجل من

رجالي لتكون مطمئنا ”

لكن ذلك لم يطمئنه البتة بل جعل ملامحه تشحب بشكل واضح جدا

لم يفت الجالس أمامه فقال موضحا الأمر ” لازلت أضنك تثق

بمبادئي يا شراع فابنتك كانت مصابة وحملتها لسيارتي وأضن

أن ذلك لن تتوفر امرأة وقتها لفعله ”

ارتاع شراع وقال دون شعور ” وكيف هي الآن ؟ ”

هز له رأسه دون كلام ليفهم أنها بخير فقبض شراع أصابعه بقوة

محاولا أن يكون هادئا أمام هذا الجبل الجليدي الجالس أمامه وقال

” لن أقول بأني أتمنى أن لا تضر بسمعة امرأة لأسباب شخصية يا

مطر لأنك ستقول حينها بأني أكرر ما اختصرته أنت في البداية

وأعترف بأن ابنتي أخطأت في تعدي حدودك دون علمي وأتمنى

أن تسوى الأمور وأفهم سبب رفضك إعادتها حتى الآن ”

” عُزيرة أزميم ”

شحب حينها وجه شراع وارتد للخلف على ظهر الكرسي وجميع

محاولاته لكبت انفعالاته ودواخله طارت أدراج الرياح فآخر ما

توقعه أن يكون الجالس أمامه شعر بخروجها وأن يذكرها الآن

وهما يناقشان موضوع غسق وأول سؤال قفز لذهنه ( هل علم

بالقصة ؟ هل عرف من تكون الفتاة التي لديه ؟ )

لكن الذي فات شراع أن مطر لم يكن يعلم سوا أنها خرجت فرارا

منه وأن أحد أبنائه من استقبلها بنفسه وأدخلها أراضيهم , وقد كبرت

شكوكه الآن وهوا يرى الذعر والشحوب على ملامحه ما أن سمع

اسمها ليزداد ذاك اللغز اتساعا في رأس مطر ( ما السبب ولماذا

أخرجها وما الذي يخفيه ؟ )

ساد الصمت لوقت قبل أن يتحدث مطر قائلا ” تلك العجوز

مقابل ابنتك يا شراع ”

وهذا كان الجدار الذي أوقعه ابن شاهين على جسد الجالس أمامه

من أصبح موقنا من أنه سيخرج من هنا مصابا بأزمة قلبية أكيدة

لن يفيق منها , جمع شتاته بصعوبة وقال ” أنت تعلم كما أعلم أن

هذا لا يحدث , ومن دخل وطلب الأمان لا يرد يا مطر وأنت

بنفسك سبق وفعلتها مع من دخل لك مستغيثا ”

” هي مقابل ابنتك ”

لم تخرج منه غير تلك الكلمات التي لا تزداد إلا برودا وجمودا

راميا بها كل ما قاله له وكأنه لم يسمعه , تنفس شراع بصعوبة

فجميع الاحتمالات التي وضعها لم تشمل هذا الطلب , كان يتوقع

أي شيء إلا هذا وها قد أصبح متأكدا من تكهن ابن شاهين بأن

تلك العجوز أمرها مهم بالنسبة له وأنها تخفي سرا لن يعلمه إلا

منها ومنه لكن الذي لا يعلمه مطر ويعلمه هو جيدا بأنه إن سلمها

له فسيكون سلمه الاثنين معا فما أن تصبح تلك العجوز عنده ستقر

بكل شيء وحينها لن توجد قوة على وجه الأرض ستمنعه من

استعادة ابنة عمه ولا يمكن لشراع أن يتخيل أن يطبق عليها هذا

الرجل الصخري جنون والده ويفكر فيما كان يخشاه ذاك الخرف

شاهين من أنها من صلب عائلتهم وأن انتصاره وحكمه للبلاد قد

ينتهي على يدها فيقتلها أو يسجنها ويؤذيها , هذا غير ما سيتلقونه

من غضبه العارم بسبب إخفائهم أمرها عنه , نظر له وهوا ما

يزال محافظا على هدوئه وبروده الذي بات يحسده عليه وهوا

يتلقى منه الضربة تلو الأخرى ثم قال بصوت وجس متردد

هامس ” وإن رفضت تسليمها ”

ظهرت ابتسامة ساخرة على تلك الشفاه القاسية وقال دون تفكير

” لن تحاسبني وقتها على ما سأفعل في أمرها ”

رفع شراع يده لعنقه وفتح زر قميصه الأبيض من تحت سترته

وقال بصوت ضعيف ” إن أردت تدميري وقتلي فافعلها بأي شيء

غير ابنتي يا مطر , هي أرق من أن ندخلها في كل هذا ”

أبعد مطر نظره عن عينيه للوحة المعلقة على الجدار خلفه تضم

سفينة تشق عرض البحر وكانت أول مرة يزيح فيها نظره عن

عينيه لكن نبرته احتفظت بجمودها وهوا يقول ” طلبي كان يسيرا

مجرد عجوز هاربة ترجعها لي وابنتك تكون لديك الليلة ”

قال شراع مباشرة ” تبدوا واثقا من رفضي إرجاعها لك

من قبل أن ندخل هنا يا مطر ؟ ”

عاد بنظره له مجددا وقال ” إذا جوابك هو الرفض ؟ ”

مسح شراع وجهه بكفيه ثم أسند مرفقيه على الطاولة ومرر أصابعه

في شعره الرمادي المختلط سواده بالبياض وحضن رأسه بيديه ناظرا

للأسفل وأغمض عينيه بقوة ( سامحك الله يا غسق , يا كسرة في قلب

أبيك , يا من لو كان عمري سيرجعك لنا لدفعته دون تردد )

بعد برهة رفع رأسه مجددا ونظر له وقال ” هل من بدائل أخرى ؟ ”

فهز حينها مطر رأسه إيجابا فالجالسان على تلك الطاولة يتحدثان من

ذات المستوى العقلي وكل واحد منهما يفهم جيدا أفكار وخيارات الآخر

وشراع يعلم جيدا أن مطر لن يتلاعب بسمعة امرأة وموقن أيضا من

أنه لن يسلمها له بسهولة وبدون مقابل , ولم يعلم إن كان ذاك سيريحه

أم لا فهوا لا يثق بأن يكون البديل أيسر من سابقه , تحدث مطر وقد

وضع يديه على الطاولة أمامه ” سنخرج لهم الآن ونتفق على بنود

وشروط المهادنة وكل ما سأضعه قابل لأن تناقش رجالك فيه إلا

آخر بند ستوافق عليه دون نقاش والرفض معناه أن نرجع لنقطة

ابنتك وتلك العجوز وأمامهم هذه المرة ”

وقف حينها شراع وقال مغادرا وبكلمات مقتضبة متمسكا

بتماسكه قدر الإمكان ” لم تترك لي أي خيارات أخرى ”

وخرجا من تلك الغرفة لتستقبلهما الأعين المحدقة بفضول واستغراب

فرجال مطر كانوا على علم مسبق ببنود المهادنة كما اعتادوا على

الأمر ولم يفهم أحد سبب هذا الاجتماع السري المغلق , جلس شراع

مكانه يتجنب النظر لابنيه ويحاول أن يكون قويا وثابتا قدر المستطاع

وجلس مطر بين رجاله بصلابته وثقته المعهودة , وتحدث حينها أحد

رجال صنوان قائلا ” أعتقد أن لهذه الاجتماعات أصولها وقواعدها

فهل لنا أن نعلم الأمر الذي تناقشتما فيه سرا ؟ ”

ظهر شبح ابتسامة ساخرة على ملامح مطر وقال ” اعتقدت

أنكم تثقون في زعيمكم يا صنوان فرجالي لا يعلمون أيضا ”

أخرسته تلك الكلمات تماما ولم يعلق أحد بعدها ولا حتى شراع

وقال مطر ” نحن كما أنتم نحتاج لهدنة مؤقتة بين الطرفين

لذلك لن تكون دون منافع متبادلة طبعا ”

تبادل رجال شراع النظرات المستغربة واقترب الكاسر من

شراع وهمس له ” ماذا حدث بشأن غسق ؟ ”

لكن شراع لم يجبه فالأمر يطول شرحه وهذا ليس مكانه أبدا , وفهم

الكاسر حينها أنه لن يجيب سؤاله فابتعد مجبرا ومكرها وقال مطر

” الهدنة ستكون لعام واحد وقابلة للتمديد ”

بدأت همسات الاعتراض تظهر على رجال صنوان وشراع لازال

محتفظا بصمته المبهم وتابع مطر ” كل رجل يقتل من رجالي على

الحدود بسبب رجالكم نأخذ مقابلا له مئة متر من أراضيكم ”

علت صرخات الاعتراض وعلا صوت شراع فوقها قائلا بصرامة

” لنستمع له ونناقش الأمر بيننا ”

سكت الجميع على مضض ونظرات الاستهجان والرفض تتقافز من

أحداقهم وقال مطر ” ولكم بالمثل ومن يخترق يطبق عليه القانون ”

قال أحد رجال صنوان ” وماذا إن قتله أحدكم ورميتمونا به ؟ ”

قال مطر من فوره ” لا تنسى أنه ثمة لجنة ستشرف على المهادنة

ككل مرة وسيتحققون من ذلك وإن فعل أحدنا ما قلت تحولت

المئة لمئتين ”

ساد صمت مبهم لم يتحدث خلاله أحد وتابع مطر ” يمنع عنكم

دعم أي طرف في القادم وتستمرون في وضع الحياد أو

سيعد ذلك خرقا في الهدنة ”

لم يعلق أحد فتابع ونظره الثابت الواثق يتنقل بينهم ” تخلون الحقول

المطلة على نقاط الحدود طيلة فترة المهادنة ولن يعمل فيها أحد ”

استمروا في صمتهم التام مستمعين له بانتباه وقد غزت نبرته الثابتة

المبحوحة صمت المكان وكأنه المالك السيد لكل شيء هناك فكما قال

زعيمهم الأمور قابلة للنقاش بينهم فيما بعد وما عليهم الآن سوا

الاستماع لشروطهم , قال بذات جديته ونبرته الثابتة ” وثمة أمر

آخر لكن دعونا نستمع لشروطكم أولا ”

نظر له شراع بسرعة نظرة فهمها كليهما وهوا يحاول اختراق عقله

وفهم فيما يفكر وما يريد ثم تحدث بعد وقت قائلا ” شرطنا حقن الدماء

فقط بما أن شروطكم جعلتموها مطبقة على الطرفين وسنتناقش فيها ”

هز مطر رأسه بحسنا دون تعليق ثم قال موجها كلامه للجميع ونظره

لازال مركزا على عيني شراع ” والآن ثمة أمر تحدثنا فيه لوحدنا

هناك عليكم معرفته ”

تصلب حينها جسد شراع وكان سيقف صارخا به وحال ابنيه لم يكن

أيسر منه ولم يمسك الكسر إلا متابعة مطر قائلا بابتسامة انتصار ونظره

على ثلاثتهم ونظر الجميع محدقا به بترقب وفضول ” قررت وشراع

صنوان أن نتناسب ويزوجني ابنته لتتوثق مهادنتنا أكثر ”

لتعلوا الصدمة وجوه الجميع مختلطة بالشهقات المستهجنة من بعضهم

وفي غمرة نظرهم المصدوم له لم ينتبهوا أنها علت ملامح شراع أيضا

مثلهم من يفترض أنه وحسب كلام مطر يعلم عن الأمر وموافق عليه

المخرج~

بقلم/ الغالية نداء الحق

مطر… مطر…..مطر
بعد هزيم الرعد ينزل المطر
مطر… مطر…..مطر
يحيي الارض بعد الجفاف
ويروي الزهر
مطر… مطر…..مطر
غيث لعطش الملهو ف في عباب الخطر
مطر… مطر…..مطر
هو امل في سماء الالم
مطر… مطر…..مطر
هو فارس في زمن القحط
هو زهر في وسط الالم
هو روح تبتغي السكن
فلقيانا قدر ..ومن نحن لنعاند
القدر
وانتمائك لي …هو حكم لايقبل
النقض او البتر
فأنت لي …لي …الى انقطاع النفس

غسق
سافرت الى البعيد وفي اتون الخطر
لعلي اعلم لي خبر
لم اعلم انني سأكون سبية في يد
المطر
أدور وابحث عن جذوري لعلي اعلم
السبب
فما اغرب التمنيات في زمن الخطر
فها انا في حضرة المطر
لم ارى له ظلا ولا اثر
فقط صوته الذي يهزني من الاعماق
كانني على حافة بركان مشتعل
فيا عقم كلمة ياريت لم اركب الخطر
فها انا انتظر البتات في امري من قبل
المطر
ولا اعلم لماذا أشعر ان قلبي قد وصل
الى منتهى الالم
يخفق بحنون لسماع بحة الصوت الرخيم
وعقلي يُجن من الخوف من افتضاح الامر
فها انا اجن اشتياقا وأذوي احتراقا
وليس لي سوى المطر …مطر …مطر
ليخمد احتراقي وشعلة فؤادي

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الخامس عشر

المدخل ~
بقلم الغالية: نجـ”ـمـ”ـة المسـ☆ـاء
هذي غسق..ذاك مطر..
عزيرة هاتي الخبر..
فالسر نار تنتشر..

هذي غسق..ذاك مطر..
في حجور نما الخطر..
تحت اجفان القمر..
عفنا التناجي والسمر..

هذي غسق..ذاك مطر..
من ابوها يا بشر..؟
من اي اصلٍ تنحدر..؟
اخبروها..ما الخبر؟

هذي غسق..ذاك مطر..
عبرت مراسيم الخطر..
لم تنتظر وقت السحر..

هذي غسق..ذاك مطر..
نام الندى فوق الحجر..
عكفت ازاهير الصور..
مات الترقب والحذر..
سقطت غسق..قرب المطر..

*************

استمر ذاك الاجتماع بعدها لأكثر من أربع ساعات وكان بحضور

اللجنة التي ستراقب وتشرف على الهدنة , ناقشوا خلالها النقاط التي

عُرضت وكيفية تحقيقها رغم أن العقول فيه كانت مشوشة ولا أحد

يستطيع التركيز فيما يسمع وما يقول بعد ذاك الخبر الذي تلقوه منه

كالقذيفة , والشخص الوحيد الذي كان محافظا على هدوئه واتزانه

وثباته مركزا مع كل شيء حوله هو صاحب الخبر نفسه , أما رجاله

فكانت أفكارهم غارقة مع تحليل السبب الذي دعاه للإقدام على تلك

الخطوة وموافقة شراع عليها في جلسة سرية قصيرة , ولثقتهم في

قراراته وعودتها عليه وعليهم بالمنافع دائما أصبح جل تفكيرهم

( ما الإيجاب فيما ينوي بضم ابنة من قد يكون عدو حرب

له في أي لحظة تحت سقف منزله ولما هي تحديدا ؟؟!! )

بينما رجال صنوان كانوا كمن تلقى صاعقة لم تضرب عقولهم

وتفكيرهم فقط بل وجميع حواسهم وهم يتبادلون النظرات بينهم من

حين لآخر وكل واحد يسأل الآخر في صمت أسئلة يفهمها دون كلام

وهم يرون زعيمهم يتجنب النظر في عيني أي شخص منهم , وابنيه

لا ينزاح نظرهما عن ابن شاهين أبدا ليروهم , نظرات ترسل حقدا

وكرها دفينين يجعل الجميع يحار في موافقتهم إعطائها له رغما

عنهم هكذا ! والجميع كان يعلم أن تبعات الخبر ستكون عظيمة

وأنها لن تنتهي عند هنا , كان الوقت ليلا حين انفض اجتماعهم

ذاك وخرجوا من العشاء الفخم الذي جمعوهم عليه , وقد رفض

شراع رفضا قاطعا أن يبقوا حتى صباح الغد كما اعتادوا في

رحلاتهم الطويلة المشابهة , وغادرت سياراتهم في تلك الليلة

عائدة للحدود من جديد , وفي رحلة العودة كان مع رعد أيضا

وكان الصمت الواجم أشد من رحلة ذهابهم , فهي عبارة واحدة

قاطعة قالها شراع لابنيه وهم في مأدبة العشاء ( لا تسألا

عن شيء حتى نصل منزلنا )

وكان كلامه ذاك أمرا وليس طلبا لأنه يعلم تبعات فتح ذاك الموضوع

هناك , كان الخبر بالنسبة لثلاثتهم بمثابة إخبارهم بأنها ماتت , وكأنه

قدم لهم جثمانها ولا شيء سيفعلونه سوا دفنها تحت التراب ونسيانها

للأبد , ومما زاد الأمر سوءا عدم علم الكاسر ورعد بما حدث في

الداخل وحالهم كالبقية يضنون أنهما اتفقا على الأمر قبل خروجهما

من تلك الغرفة .

اتكأ برأسه للخلف على مسند الكرسي وأغمض عينيه برفق لا يرتجي

النوم لأنه لن يزوره أبدا بل يريد الهرب من كل هذا , من رؤية أراضيهم

ومدنهم وواقعهم المرير الذي يوصلهم لكل ما هم فيه وأكثر , مرر كفه

على وجهه متنفسا بقوة وهوا يتذكر الحديث الذي دار بينه وبين مطر

عند نهاية ذاك العشاء الذي لم يتناول منه شيئا ” ابنتك ستدخل

حدودي معززة لن يتحدث أحد عما حدث سابقا ولن يعلم

به , ومهرها هي من تشير عليه ويكون لها ”

هكذا بدون مقدمات وبكل ثقة ورزانة يقول ذلك ولم يفكر حتى إن كان

لهذا الرجل الذي يضن أنه والدها الحق في الرفض أو النقاش أو حتى

السؤال , قال كلماته تلك والتفت مبتعدا عنه فأمسك شراع بكتفه موقفا

له لتلتقي عيناهما في نظرة طويلة قبل أن يقول ” لماذا …؟ هل

أفهم ما الذي تريده بزواج كهذا يا مطر ”

لمعت عينيه فورا بسخرية لاذعة وارتفع طرف شفتيه بابتسامة

متهكمة واثقة وقال ببرود ” اعتبرها رغبة في نفسي ”

شد شراع على كتفه أكثر وقال بحزم قاطع ” مطر شاهين .. سبق

وأخبرتك ابنتي ليست كما تتخيل أن تكون ابنة زعيم صنوان , هي

لن تتحمل أن تكون ضلعا في هذه الحروب فلا تجعلنا نخسرها كلينا ”

بقي مركزا نظره على عينيه وكأنه يقرأ معنى كلامه أو يبحث عن

شيء ما خلفه ثم قال بصوت غامض عميق ميزته بحته الواضحة

” دعني أرى بنفسي إذا ”

وغادر دون أن يضيف شيئا ولا أن يوضح له معنى ما يقول تاركا

عقله يدور في دوامة لا نهاية لها ( هل رآها ورغب بها له رغم

يقينه بأن هذا الرجل تحديدا لا تسلب عقله النساء ؟ ما معنى أن

يقول أنه يريد أن يختبر ذلك بنفسه ؟ أم لمصالح لن تظهر على

السطح الآن ؟ وكيف لم يفكر هذا الرجل فيما سيترتب عن

زواجه بها حين يفكر في غزو أراضيهم وهي زوجته أم لا يفكر

في كل ذلك من أساسه وليس في نيته ؟ لكنه صرح بأن توحيد

البلاد سيتم إن بالسلم أو الحرب وإن عاجلا أم آجلا )

وقد نجح ببراعة في شل عقول صنوان بذاك القرار الذي أعده

الجميع هناك جنونيا متهورا من رجل لم يعرف عنه كل هذا

*

*

كان نظره على المجموعة الواقفة بعيدا وسمعه مركزا مع الواقف

أمامه وهوا يقول بحماس ” لقد بدأت الخلافات بين تلك الدول تظهر

للسطح وتخبطوا في أنفسهم من الآن خاصة بعد الحديث عن اللجنة

الدولية التي ستحقق في قضايا الفساد وسرقة أموال النفط والغاز

الخاص بدولتكم فإخراجك لتلك الحقائق للعلن أحدث فوضى فوق

ما تتخيله وبدأت حملة التغطية على الفضيحة بتلميع بعض

القضايا الأخرى لتشغل ذهن الرأي العام عن قضيتكم ”

طغى الجمود أكثر على صفحات وجهه ونظر له وقال بلامبالاة

” لم أطرح تلك الحقائق والأوراق لأحصل على تأييد الرأي العام

ولا لخلق بلبلة تغطي على زحفنا على الهازان كما يدعي البعض

ما كنت أريده أن يعلم أبناء شعبي أي غفلة كانوا يعيشون فيها , أن

يعلم مصاصو الدماء أولئك أني لست غافلا عنهم ولن يسكت لهم

أحد منا سواء من الحالك أو صنوان أو حتى الهازان , وآخر

من سيعيش سيطالب بحقه المنهوب منه حتى آخر نفس ”

قال الواقف أمامه بنظرة لا تخلوا من الإعجاب ” بعض الأخبار

التي وصلتني تبشر بخير كبير يا ابن شاهين فما ….. ”

وقطع كلامه الذي دخل على حديثهم ووقف ونظر لمطر تحديدا

وقال بلهجة لم تخفي السخرية ” هل صحيح ما سمعته الآن ؟ ”

نظر له بثبات رافعا ذقنه ورفع طرف سترته مدخلا يده في جيب

بنطال بذلته السوداء الفاخرة وقال ” سمعته من أين تحديدا ؟ ”

انطلقت ضحكته عالية فبحكم مركزه كوزير لأحد المرافق المهمة

في تلك البلاد لا يخشى أن يقول شيئا وبأي لهجة وطريقة كانت

” أعني أن ابن الشاهين الطائر الحر سيدخل القفص

وليس أي قفصٍ ذاك ”

ثم رفع رأسه ناظر له وأضاف بنبرة مقصودة ” كسرت توقعات

جميع من كانوا ينتظرون مناسبتك في الحالك ”

وقال الواقف بجانبه ناظرا لمطر ” لما لا تفصح لنا قليلا عن

مكنونات نفسك وتخبرنا هل قررت ذلك توطيدا للمهادنة

بينكم أم لأغراض سياسية أخرى ؟ ”

وضحك الوزير وقال ” أو لا يكون شراع صنوان من

عرضها عليك بنفسه ؟ ”

قال محافظا على نبرته الباردة ألا مبالية ” لما لا نتحدث فيما

هوا أهم وما علينا مناقشته اليومين القادمين وتركت بلادي

وأموري هناك وبقيت هنا لأجله ”

وبالفعل انخرطوا في أمور زادت من حديثهم حماسا وانضم

لهم جمع لا بأس به حتى ابتعد عنهم بسبب رنين هاتفه

الخاص وأجاب عليه قائلا ” نعم يا عمي ”

قال صقر في الطرف الآخر ” متى عودتكم ؟ ”

قال من فوره ” بعد يومين أو ثلاثة , علينا مناقشة بعض

الأمور المهمة مع اللجنات هنا ومعالجة بعض المشكلات ”

قال صقر ” جيد , ماذا حدث مع صنوان ؟ ”

قال ناظرا للذي تقدم نحوه وهوا أحد المقربين من رجاله

” سنتحدث بعد عودتي المهم الآن هناك بعض الترتيبات

التي أريد أن تقوم بها قبل عودتي وأريد كل شيء جاهز

خلال أسبوعين ”

قال باستغراب ” ترتيبات من أجل ماذا ؟ ”

قال ناظرا للذي وقف أمامه يديه في جيوبه ينظر له بصمت

” ترتيبات زواجي وافعل ما سأطلب منك ”

*

*

ضغط قبضتيه بقوة على يدي الكرسي الجالس عليه لا يعلم يخفي

انفعاله فيه أم يستجلب القوة من هول ما قال وما سمعوه , وحال

البقية لم يكن أيسر منه , كاسر الجالس بجانبه متكئا بمرفقيه على

ركبتيه بانهيار ينظر للأرض شادا شعره بأصابعه بقوة للخلف حتى

كاد يقطعه بينهم , رعد الواقف خلف والده يكاد يحطم أسنانه من

الصر عليها محتفظا بصمته التام كعادته , ورماح الجالس أمامهم

ينظر لهم بصدمة لم يتخطاها بعد وكأنه صورة موضوعة فوق

تلك الأريكة , أما العنصر الأخير في تلك الصالة الشبه مظلمة

التي طغى عليها الوجوم وسواد الصمت المميت كانت العمة

التي وضعت يديها فوق رأسها تتمتم بكلام لا يفهم منه شيء

كسر رماح صمتهم بصوت أجوف ميت قائلا ” كيف حدث

هذا ؟ كيف أحكم حصاره عليك يا أبي ؟ ”

جاء التعقيب من رعد قائلا بحقد ” لو أفهم فقط ما يريد

بها يتزوجها ! هل انتهت النساء من الأرض ؟ ”

خرج صوت عمتهم يشبه الأنين المصدوم ” هل يفكر في

رد صفعة شقيقته ؟ ”

نظروا لها جميعهم باستغراب وقال شراع ” مهما بلغ بابن شاهين

الجنون لن يفكر أن ينجب منها أبناء ليرميها ويأخذهم كما حدث

مع شقيقته , تلك أمور لا تفكرون فيها سوا أنتم النساء , ثم هو

يعلم جيدا أنه لا علاقة لي بذلك ”

ألجمها ذاك تماما وأخرسها وعلمت أن صمتها أفضل لها في حال كهذا

الحال الذي وصل له شقيقها فهوا لم يتهمها يوما بصغر عقلها ونقص

أفكارها كما الآن , وقف بعدها شراع بانكسار لم يخفه ولا أدق عظم

في جسده الشامخ دائما وقال مغادرا مجلسهم ذاك ” إياكم والتهور في

أي شيء وأحضروا جبران سريعا قبل أن يصله الخبر ”

وصعد السلالم بخطوات بطيئة حتى وصل للأعلى ليدوي ذاك

الصوت القوي لتحطم الطاولة التي ضربها الكاسر بقدمه وكانت

أمام كرسيه وصرخ بغضب ” سحقا له من رجل ”

نظر رماح لعمته التي انكمشت في طرف الكرسي وقد أفزعها ما

حدث أكثر مما صدمها ثم نظر للكاسر وقال بضيق ” ما نفع ما

تفعله الآن ؟ ثم لا تنسى أنه لم يجبرها على دخول أراضيه

ولا خطط لذلك , هي من ذهبت له بنفسها ”

وقف الكاسر على طوله وقال بغضب أشد ” لن تفهم أنت معنى

كل ما سيحدث منذ فجر اليوم , لن تعلم ما سيجري هنا وما

سيحدث لها هناك , لم أتخيل أن أمرها لا يعنيك هكذا

يا رماح ”

تحدث رعد من خلفه قائلا بهدوء ” أمرها يعنينا جميعا يا كاسر

هي شقيقتنا مثلك ولن تحبها أكثر منا لكن ما حدث حدث وعلى

الجميع مواجهته , ثم هو ابن عمها ومصيرها إليهم مهما طال

بها العمر , ويأخذها الآن أفضل من أن ينتشلها من حضن

أبنائها فيما بعد ”

نفض الكاسر سترته بقوة وغادر من عندهم وخرج وترك لهم

المنزل على صوت أذان الفجر الذي ارتفع عاليا في الأجواء

*

*

ابتسم للواقف أمامه منتبها لكل ما يفعله وهوا يلف الشاش على

ساق العجوز الجالس على السرير وقال بذات ابتسامته

” ناولني الشريط اللاصق الآن يا تيم ”

فعل ذلك على الفور فهوا بعد إصراره على العودة للعمل معه بعدما

أغلقت المدرسة أبوابها أصبح كمساعد له ولم يعد عمله يقتصر على

تنظيف الأرضيات وأثاث تلك العيادة الصغيرة فقط , ليشعر بأنه عمل

كل جهده من أجل دفع ثمن دواء والدته , ولم يعد يخفي أمر عمله هنا

على أهل قريته ولم يعلق أحد كما كان يخشى فهم لازالوا يرونه فردا

زائدا لديهم , كما وأن الطبيب أخبر من سأله مشبعا لفضوله فقط بأنه

هو من عرض عليه أن يساعده هنا ودون مقابل كي لا يضره ابن

عم والدته وأشقائه لو فهموا الناس أنه عمل من أجل المال

ساعد ذاك العجوز على الوقوف والخروج لابنه الذي ينتظره في

الخارج منهمكا في التحدث مع أحد جنود المقر وغادرا من فورهما

وقال ذاك الجندي لتيم مبتسما ” لما لا تأتي لأعلمك استخدام

السلاح أيضا يا فتى ”

غادر حينها ركضا جهة باب العيادة قائلا ” لا أريد شكرا لك ”

ورغم رغبته الشديدة في الأمر وهوا من لطالما جلس هناك أعلى

مبنى المدرسة يشاهد تدريباتهم الصباحية إلا أنه يعلم جيدا ما سيفكر

فيه الناس حين يروه يتدرب هنا وهوا لازال في نظرهم ابن الهازان

وإن كانت والدته منهم ووالده اختارهم على قبائله , عاد للغرفة وبدأ

بجمع الأوراق والشاش الملطخ بالدماء ثم بدأ بتعقيم الطاولة والسرير

على نظرات من أنهى للتو كتابة تقريره عن المريض في دفتره وقال

ونظره لا يفارقه ” ما رأيك يا يتم أن أعلمك ما تستطيع

استيعابه من مهنتي ”

نظر له وقد توقفت حركته السريعة في مسح السرير وقال غير

مصدق ” حقا تعلمني !! ”

وكان هذا يوم العروض المغرية بالنسبة له وكأن ذاك الطبيب قرأ

الحزن في عينيه وهوا يرفض عرض ذاك الجندي بأن يتدرب على

أنواع الأسلحة , أغلق دفتره الضخم ووقف وقال ” نعم وسأعلمك

حتى الكلمات والمصطلحات الطبية المهمة وسنبدأ أولا بدورة

تمريض لتتعلم كل ما يلزمك كمسعف ”

هز رأسه بحسنا وقد علا الحماس والبهجة ملامحه واقترب

منه قائلا ” هل نبدأ الآن ؟ ”

ضحك الطبيب بصوت مرتفع وقال ” مستعجل لهذا الحد ؟

يعجبني الحماس فهيا نبدأ ”

رمى المنشفة في الإناء الصغير وحمله وخرج مسرعا ليضعه

مكانه ويغسل يديه ويبدأ معه أول دروسه فقد أحب عمله كثيرا

من مراقبته له

*

*

تطاير الشرر من عينيها وكأنه حمم بركانية سوداء وهي تنظر

لعمتها بغضب مصدوم ثم سرعان ما نقلت نظرها لعمها صقر

في حركة سريعة برأسها جعلت شعرها المجموع للخلف دائما

ينفك من عقدته وينزل منسابا حريريا أسودا على ظهرها وقد

علقت خصلة قصيرة منه في طرف فمها حين صرخت باعتراض

مقاطعة حديثهما ” ما هذا الجنون يا عمي ؟ هل انتهت النساء ؟

هل جن ابن شقيقك أم ماذا ؟ ”

نظر لها صقر وهي تلهث في تنفسها الغاضب , وقد نسي رؤيتها

مسدولة الشعر هكذا من أعوام طويلة منذ أعلنت حزنها على أبنائها

وأصبحت جوزاء أخرى لا يعرفونها , صرخت مجددا من نظرته

الصامتة الباردة لها ” هل يعتكف عن الزواج حتى بلغ منتصف

الثلاثين ليختار الآن هذه من دون نساء الأرض ؟ لماذا لم يقل أنه

يريد الزواج لكنت اخترت له أجمل امرأة في الحالك ولكانت

ابنة شراع هذه حشرة أمامها ”

تنهد صقر بعجز من غضبها وأفكارها ونظر لشقيقته الجالسة على

سريرها وقد رفعت كتفيها في عجز أيضا ثم نظرت لها وقالت

بهدوء يعاكس الشرر الذي يتطاير من الواقفة أمامها ” ومن

أين ستجدين واحدة هكذا كما تصفين ؟ أخشى أن تتحول

تلك لحشرة أمام هذه ”

نفضت أطراف بلوزتها الواسعة وقالت بغضب

” عمتي ليس وقت مزاحك الآن ليس وقته ”

قال صقر بجمود ويداه في جيوب سترته الخفيفة ” سيأتي شقيقك

هنا وإن كان لديك كلام فقوليه له هو , لما تصرخين بنا ونحن

لم نقرر ذلك ولن نوقفه ”

غادرت من عندهم قائلة بحدة ” وكأنك لا تعرف ابن

شقيقك ذاك , فهل سيستمع لي من أساسه ”

وخرجت وخصلات شعرها الأسود تتبعها وهي تلفه في حركه

غاضبة لتعيده كما كان فعاد بنظره منها للجالسة أمامه وقال

” هذا أول الغيث فقط ولازال أمامنا الحالك بوسعها ”

قالت بتنهيدة ” لن يغضبوا مثلها فجوزاء تتحدث بقلب

مجروح وأنت تعلم الفرق جيدا ”

هز رأسه بعجز وقال ” وما دخل هذا بذاك يا نصيرة ؟ ”

غامت عينيها بوهج حزين عجزت عن إخفائه وأبعدت نظرها

عنه وقالت بحزن ” جوزاء تتحكم بها الأم المذبوحة داخلها يا

صقر وأنت لم تجرب ذلك وحتى إن جربته فلن تفهموا

الأمر أنتم الرجال مثلنا ”

تنفس بقوة وقال ” إذا لم يبقى غيرك نوكل لها مهمة

إخبار العروس ”

نظرت له بسرعة وقالت معترضة ” ولما أنا من عليها أن

تحتوي ردود فعل الجميع ؟ يكفيني جوزاء التي سأعاني منها

ومن مزاجها السيئ لوقت طويل ”

كتف يديه لصدره وقال ببرود ” والحل إذا ؟ فابن شقيقك

وحسب أوامره التي ألقاها أن تعلموها بالأمر ”

نظرت بعيدا وضربت ظهر يدها بكف يدها الأخرى وهما في

حجرها وقالت ببرود أشد ” أخبرها أنت أو ليفعلها هو أنا لن

أستلم مهمة كهذه والفتاة لا تعلم شيء مما تخططون له ”

فك يديه وقال بضيق ” نصيرة أين عقلك تريدين أن أتحدث أنا

معها ! وبأي صفة ؟ ومطر من الأسلم لهما أن لا يخبرها هو

ولن يفعلها لأنه أخبرني أنه ما أن يدخل البلاد سينتقل للحويصاء

فورا ولن يأتي هنا إلا يوم زواجه بها ”

*

*

قاد سيارته كالمجنون وتلك الجمل الساخرة تتكرر في رأسه

( أبرم شراع صفقة مع ابن شاهين ليفر منه بجلده وجعلها

حرب نساء بدلا منها حرب أرض وشرف )

( باع شراع ابنته مقابلا للمهادنة ووقع ابن شاهين في فخ

فتنة النساء )

( زعيم صنوان خذلنا جميعا فيه ولن تحذوا إلا حذو والدك )

أي النيران أشد على قلبه وأيها قد يتحملها جسده الشامخ حتى الآن

وهدوئه الغريب وهوا يسمع ذاك الخبر من جنودهم وبعض أبناء كبار

قبائلهم وكل واحد يحاول أن يفسر الأمر من وجهة نظره , وصمته

الذي قرأه الجميع أنه صمت العاجز عن الرد لم يكن سوا صمت

المصدوم , صمت المذبوح من أقصى النحر لأقصاه .

دفع باب المنزل ودخل مباشرة ولم ينتبه حتى كيف أوقف سيارته

وأين , وكان أول من قابله الخادمة التي قالت مباشرة وبذعر من

ملامحه وتجهم وجهه ” سيدي في مكتبه من أكثر من ساعة

وهوا وحده ”

فدفعها وتابع طريقه بما أنها أتت بالمفيد من قبل أن يسألها فكل

غرضه من وجوده هنا هو رؤية والده وفهم ما يجري , فجميع

الهواجس والتكهنات زارته وعصفت بعقله عن السبب وتوقع حتى

أن مكروها أصابها هناك , أو أن ما يقال ليس سوا محض افتراء

وشائعات فمثلما لن يصدق أن والده قد يفعلها ويتخذ تلك الحبيبة

جسرا سياسيا بينهم وبين الحالك لن يتخيل أن ابن شاهين قد يتخذ

هكذا خطوة متهورة ومجنونة من تلقاء نفسه ويضغط على شراع

فقط ليزوجها له , وصل باب المكتب وشياطين الأرض تتقافز أمام

عينيه فلم يرى والده مُحطما لأحلامه كما الآن , فهوا في نظره من

تهاون مند البداية في موضوعها وترك لابن شاهين الخيار دون أن

يضغط عليه ولو عسكريا , ما أن رفع يده للمقبض حتى التفت أصابع

طويلة وقويه حول معصمه بقوة موقفة له دون أن يلمس مقبض ذاك

الباب فنظر من فوره لصاحبها نظرة نارية حارقة وقال هامسا

من بين أسنانه ” كاسر اترك يدي ”

لكنه لم يخضع له بل ضغط عليها أكثر يرسل نظراته التحذيرية

القاسية لعيني شقيقه المحمرة من البكاء الذي لا يعلم سجنه حتى

التهبت تلك المقلتين أو أنه بكى حتى أرهق لونهما , عاد لهمسه

الغاضب محتجا وهوا يحول أن يفلت يده من قبضة شقيقه

الأصغر ” أتركني لا أرتكب فيك جريمه ”

وفي حركة خاطفة حاول لكمه بيده الأخرى لكن الكاسر والأكثر

تدريبا بين أشقائه رد لكمته براحة يده الأخرى ولوا معصم اليد

التي لازالت في قبضته حتى خرجت صرخة جبران المكتومة

وسحبه حينها مبتعدين عن مكتب والده قائلا بحزم أخوي

” علينا أن نتحدث قبل أن تراه يا جبران فتعقل ”

لكن لا مجال للتعقل حينها بالنسبة له فجنون عواطفه دمر كل

دفاعات عقله وتحول لنمر مجروح تُرك طليقا في الغابة , لم تهدأ

محاولاته لفك يديه من قبضة الكاسر حتى وصلا لأقرب غرفة

ودفعه داخلها وأغلق الباب خلفهما ووقف أمامه مانعا له من

الخروج وما أن حاول الهجوم عليه لإبعاده حتى صرخ موقفا

له ” جبران والدي لا دخل له , ذاك الجبان أخذها حيلة ”

فجمد مكانه لسماعه تلك الكلمات وتاهت عيناه في ملامح الكاسر

الغاضبة وخرج صوته مصدوما ” ما تعني بأخذها حيلة ؟ ”

تنفس الكاسر مهدئا نفسه وقال بجدية ” خيّره بينها وبين

عجوز الحالك تلك ”

وانفجر حينها جبران صارخا وملوحا بيديه وكأنه يبعد الهواء عن

طريق إعصاره ” ما هذا الهراء ؟ كيف يسلمها له ويترك تلك

العجوز الخرفة ؟ كيف يبيعها بها كيف ؟ ”

صرخ حينها كاسر بصوت قد فاق صراخه علوا ” وما التعقل

برأيك ؟ هل يسلم له العجوز ليعلم الحقيقة منها ويأخذها وليس

وحدها بل وثأره منا بسببها يا جبران ”

صرخ فيه بعنف أقوى وقد أزبدت شفتيه وابيضت من الغضب

” يرجعها ثم نخرجها حيث لن يجدها ما عاش , لما لم يفكر بهذه ؟ ”

هز الكاسر رأسه بيأس وقال ” ليس حلا يا جبران وأنت تعلم ذلك مثله

أمسك رأسه بيديه ونظره لازال معلقا بالكاسر وهوا يقف بينه وبين

الباب وقال بألم ” ويتركها له يا كاسر ؟ يتركها هناك ويتركني من

دونها ؟ أليست شقيقتك ألا تشعر بها ؟؟ ”

رد عليه بحرقة ” لن تشعروا بها مثلي , أنا من تربيت معها

خطوة بخطوة حتى كبرنا ورضعت حليب والدتها لكنه واقع

وعلينا تحمل نتائجه ”

صرخ فيه بشدة ” مستحيل !! لن نتقبل ذلك وعليه أن

يرجعها إن بالسلم أو الحرب ”

واندفع جهة الباب ليمسكه الواقف بينهما من ثيابه وقال بحدة محذرا

” جبران تعقل ولا تضرها وتضر نفسك فمؤكد تعلم جيدا أن أحد

شروط المهادنة تقتضي بسحب الأراضي فلا تفكر كما أتوقع منك

وتحاول إيذاء أحد منهم لأن المقابل سيكون مكسبا لهم من أراضينا

وهذا ما فكر فيه ابن شاهين جيدا كي يكبلنا نحن أشقائها عن فعل

شيء حيال سلبه لها منا ”

قبض بيده بقوة على قبضة الكاسر الممسكة بياقة قميصه وقد

لمعت عيناه التي يسجن دموعها بكل جهده وقال بحسرة ” لماذا

فعلها يا كاسر ! لماذا كسر قلبي وظهر والدي ؟ ألم تسمع ما

يقولونه عنه في صنوان ؟ لقد شوه صورته الرائعة في أعين

الكثيرين , هل هذا ما كان يخطط له أم أنه رآها وأرادها

لنفسه ؟ ليفهمني أحدكم حالا ؟ ”

أرخى الكاسر من قبضته قليلا وقال بشيء من الهدوء والقهر على

حال شقيقه وحالهم جميعا ” ما فهمته من والدي أنه لم يصرح عن

أي مكسب سياسي ولا رغبات خاصة من قراره هذا , وحديثك مع

والدي لن يجدي في شيء يا جبران فلا تزده على ما به ”

نفض يده منه بقوة وقال ” إذا لا يسأل أحد عني وانسوا أن لكم

ابنا أسمه جبران فلن يرجعني هنا إلا عودتها أو موتي ”

ودفعه من أمام الباب وخرج صافقا له خلفه بقوة فمرر الكاسر

أصابعه في شعره ناظرا للسقف ثم أغمضهما بقوة وهمس

بحسرة ” هذا ما كنت أتوقعه حدث ”

*

*

حاول نطق الأحرف بشفتيه بدون صوت وتأفف من فشله مجددا

حين كان يسمعهم من الطبيب الذي يعمل معه كان الأمر سهلا

بالنسبة له ويمكنه ما أن يحفظ الكلمات أن ينطقها بسهولة لكنه

اكتشف أن الأمر أصعب من ذلك بكثير رغم أنها أربع كلمات

فقط والطبيب أخبره أنها من المصطلحات الطبية القصيرة

وهناك ما يتعدى طولها بأضعاف .

أبعد الورقة ونظر لوالدته وكانت نائمة بسلام لولا ضيق تنفسها

الذي يراه تحسن عن السابق بكثير طالما تستمر على العلاج

نظر سريعا جهة باب الغرفة حين سمع صوت باب المنزل وهو

يغلق بقوة فقفز من السرير قفزا ورمى الورقة من يده وخرج من

الغرفة ونظر فورا جهة منزل ابن عم والدته ثم تقدم قليلا ليظهر

له الباب من بين الأشجار المزروعة بينهم حتى ظهر له ما توقعه

وابتسم بسخرية وهوا يراها واقفة توليه ظهرها تنظر عاليا للباب

المغلق وما أن اقترب منها حتى التفتت له سريعا تمسك بإحدى

يديها دميتها القماشية بساقيها الطويلتان في حضنها بقوة , وما

أن رأته عادت مولية ظهرها له وبدأت بطرق الباب بيدها

الصغيرة بقوة منادية ” افتحوا لي الباب بسرعة ”

وفي حركة سريعة وثب الدرجات نحوها وأمسك يدها ولفها

جهته قائلا ” لن يفتحوا لك حتى يخرج أحدهم مصادفة

ألا تعرفين طباعهم الحسنة مسبقا ؟ ”

استلت يدها منه بقوة وأبعدت بها خصلاتها القصيرة المتطايرة

عن وجهها وقالت بغضب طفولي ” لا تتحدث معي , ابتعد ”

دس يديه في جيوبه ينظر لها بسخريته الباردة المستفزة

وقال شبه هامس ” ماريه يا غبية توقفي عن هذا ”

نظرت له بغضب تدس دميتها في حضنها أكثر فدار بمقلتيه

للأعلى بضجر ثم نظر لها وقال ” والدتي أهلكتني بالسؤال

عنك لما لا تزورينها وأنا غير موجود لتتوقف عن

إصرارها لآتي وأعلم ما بك ”

انطلقت منها الكلمات دفعة واحدة بذات غضبها وصوتها

الرقيق الحزين ” لا أريد أن أراكما أخبرها بذلك ”

تأفف في وجهها بقوة وقال ” هل لي أن أعلم السبب مثلا يا طفلة ”

لوحت بيدها في وجهه وقالت وعيناها بدأت تبرق بدموعها

الحبيسة ” وأنت طفل أيضا ولست رجلا فتوقف عن

مناداتي بالطفلة وبالغبية ”

تنهد باستسلام هذه المرة وقال بشيء من الهدوء ” ماريه

هيا توقفي عن هذا , ما الذي أغضبك منا ؟ ”

قالت مباشرة وباندفاع ” منك وليس من عمتي , أنا

أكرهك يا تيم أتفهم ”

أخرج يديه من جيوبه وكتفهما لصدره وقال ” حسنا

وما ذنب والدتي إذا ”

سقطت أول قطرة دموع من عينيها العسلية الواسعة وبدأت

شفتها السفلى ترتجف من البكاء المكتوم وقالت ” لأنكما

سترحلان ولا أريد أن أراكما ثم تتركانني .. لا أريد ”

وأخفت عينيها في ذراعها وبدأت بالبكاء فمد يده لها وأبعدها

عن عينيها قائلا ” الأجل هذا فقط يا حمقاء ؟ ”

استلت يدها وقالت بحنق ” لست حمقاء وأنت أخبرتني أنك

ستغادر وتأخذها معك وتتركني هنا أليس كذلك ؟ ”

هز رأسه بنعم دون كلام فقالت وقد عادت للبكاء ” لذلك

لا أريد أن أراكما سأبقى لوحدي من الآن”

تنهد بيأس منها وقال مراقبا وجهها المحتقن من البكاء ” لكني

لم أقل أن ذلك سيحدث الآن قد يحتاج لسنين كثيرة ليحصل ”

سحبت دفعة هواء لصدرها بسبب بكائها وقالت وعيناها معلقة

بعينيه ” ووقتها ستذهب وتتركني أليس كذلك ؟ ”

أبعد نظره عنها وقال ” لا أعلم ”

قالت وقد عادت للبكاء ” هل رأيت ؟ أنا أكرهك وغاضبة

منك أيضا ولن تراني مجددا”

تأفف بقوة وقال بحنق ” ماريه والحل معك ؟ ”

كتمت عبرتها خوفا من ملامحه الغاضبة وقالت بهمس

باكي ” لن تذهب وتتركني هنا , عدني بذلك تيم ”

نظر للسماء الصافية ثم حرك رأسه بقوة مغمضا عينيه متذمرا

من الوعود المطالب بقطعها وهوا ما يزال صغيرا عليها ثم أنزله

ونظر لها وعيناها لازالت معلقة به بنظرة كلها رجاء وحزن وأمل

وخصلات شعرها البنية القصيرة تتطاير حول تلك العينين الواسعة

وأيقن حينها أن هذه الصورة لن تمحى من ذاكرته مهما طالت

السنين وهوا يقول الكلمات التي سيقولها الآن هامسا لها

” أعدك ماريه أن أخرجك من هنا يوما ما لن يكون بعيدا ”

ولم يشعر سوا بيده تُسحب بسبب سحبها لها فركض يجاري

خطواتها وهي تقول بمرح ” إذا لست غاضبة منك فتعال

لنرى السلحفاة لقد اشتقت لها ”

وتبعها مستسلما لا يفكر مثلها في تلك السلحفاة الصغيرة بل في

كم الوعود التي يقطعها وجميعها تخصها , ولم يفكر أحد كيف

سيخرجها منهم وهم يرونها كيس نقود ومكسب لن يفرطوا فيه

لكن ما لم يفكر فيه الآن أن الزمن يتغير والسنين تقلب الأمور

وأن ما سيرجعه لها هنا قد يكون شيئا فاق الوعود بكثير

شيء ربطه بها قبل أن يغادر ليرجعه مرغما ويخرجها

دون أن يعترض أحد .

*

*

فتحت النافذة قليلا كعادتها كل يوم واختلست النظر نحو أبواب

منازل الجيران والحال كما الأمس والذي قبله , فقد أصبح عدد

الجنود قليلا جدا وكل منزل يحرسه واحد فقط , ملثمين وأشكالهم

غريبة عنها ليست كالمعهود وقد انحصرت مهامهم على حراسة

كل منزل يوجد به أهله وليست تعلم لمنعهم من الخروج أم لسبب

آخر تجهله ! وهذا حال جميع من بقي في بلدة ( خماصة ) سجناء

منازلهم لا يعلمون شيئا ولا يناقشون أحدا ولا يحق لهم الاعتراض

تركت النافذة وتوجهت للغرفة نظرت من بابها لحفيدتها النائمة

بسلام ملائكي وحسدتها في قرارة نفسها على جهلها بكل شيء

فأقصى اهتماماتها كأي طفلة هو أن تأكل وتلعب وتنام , أغلقت

الباب عليها بهدوء وتوجهت لباب المنزل وفتحته ببطء لتوقفها

اليد التي شدته منها وهي للواقف خارجه بالتأكيد فحاولت سحبه

وفتحه بقوة قائلة بضيق ” أتركني أرى جيراني على

الأقل أو أفهم ما يجري هنا ”

دخل لها الصوت الغليظ الرخيم القاسي المخيف الذي لا يمت للغات

العالم بصلة فتراجعت للخلف مصدومة من الكلام الذي سمعته

والصوت المخيف الذي لازال يدوي في رأسها ويدها على قلبها

لتطير بها خطواتها حتى وجدت نفسها في الغرفة وحفيدتها في

حضنها وقد أفاقت مفزوعة من نومها بسبب سحبها لها تدسها في

صدرها أكثر ترتجف بشدة من الهلع وهول ما يجري ولا تفهمه

وقد أغلقت الباب عليهما من الداخل وليست تفهم من هذا شيئا

وقد أخبرها عقلها حتى أن تكون احتلتهم دولة أخرى وهم لا

يعلمون شيئا من حولهم .

*

*

دفعت كرسيها المتحرك وهي تفتح باب الغرفة ببطء مستسلمة

لأمرها الواقع , فقد اقتنعت أنه لا أحد غيرها يمكنه القيام بهذه

المهمة الصعبة , فلا جوزاء تنفع لها ولا شقيقها وذلك مستحيل

وهي على استعداد للمجازفة على أن لا يكون مطر هو الخيار

الوحيد وأن يخبرها بنفسه أو يتركها على جهلها حتى تجد نفسها

في غرفته فهي تعرف طريقة تفكيره جيدا ولن يكلف نفسه عناء

أن يأتيها ويقدم الشروح والتوضيحات رغم أنه وحده من يملكها

فهي كغيرها لن تجد جوابا عن أي سؤال قد توجهه لها المعنية

بالأمر لأنها مجرد عبد مأمور والأجوبة جميعها في مكتبة أفكار

ابن شقيقها , فما تعلمه هو ما يعلمه الجميع خارج هذا المنزل

وداخله وهو أنه اجتمع بوالدها شراع لوحدهما وخرجا وقد

وافق زواجه بها وسلمه التوكيل الخطي أيضا وأصبح بإمكان

أي رجل في قبائلهم أن يزوجه بها دون حتى الرجوع لرأيها

دخلت ببطء بعدما أذنت لها الجالسة على سريرها وقدميها في

الأرض تجلس مقابلة للباب تنظر بفضول للداخلة لها وكأنها

تتوقع ما تحمله تلك في جعبتها وقد ظهر على تقاسيم وجهها

الشاحب فما أشد أن تحمل فاجعة لأحدهم كأن تخبره أن شخصا

يحبه قد فارق الحياة للأبد , دخلت وتركت الباب خلفها مفتوحا

لتزيد من حيرة الجالسة تنتظر اقترابها البطيء حتى وصلت

عندها واصطنعت ابتسامة صغيرة وحيتها بلطف وأضافت

قائلة ” لما تسجنين نفسك هنا ولا تخرجي يا غسق ؟ ”

أسدلت جفونها للأسفل بحزن وهمست قائلة ” ومتى

سمح لي بالخروج ؟ لم يُعلمني أحد ”

اتسعت ابتسامتها وهي تتفرس ملاحها واحمرار خديها الذي

ظهر طفيفا لتحدثها عنه وجال في فكرها ( إن رآها هل سيتم

زواجه بها ؟ لا قطعا وهوا رجل الحروب لن يقحم نفسه في

حرب باردة مع امرأة مثلها تشعل أي رجل وقد يخرج

منها خاسرا ومهزوما )

تنحنحت قليلا ثم قالت ” كان ذلك سابقا لكن الأمور

تغيرت من أيام عدة ”

رفعت غسق نظرها بها سريعا وقد ظهرت معالم الحيرة على

ملامحها ولم تفهم شيئا من هذا فقالت ” ما أعلمه أنه يمنع

خروجي من هنا , حتى أنتي لم تزوريني سوا تلك المرة ”

ابتسمت لها بحنان ومدت يدها وأمسكت بكفها البارد الناعم الصغير

وقالت ” لم تخبريني أنك تريدين رؤيتي لكنت أتيتك كل يوم ”

لمعت الدموع في عينيها وقد شدتها هذه المرأة للحنين لأهلها

وقالت ببحة ” أريد العودة لأهلي أرجوك يا خالة ”

تنهدت بعجز وتركت يدها وأعادت كلتا يديها لحجرها وقالت

” هل سئمتِ من ضيافتنا لهذا الحد ؟ هل أزعجك أحد

هنا يا غسق ؟ ”

هزت رأسها بلا ومسحت عينيها بظهر كفها بقوة وقالت

” كنتم كرماء جدا معي لكني أريد والدي وأخوتي وعمتي

لست أعلم شيئا عنهم ولا حتى سمعت صوت أحدهم

وإن علموا بمكاني أم لا ”

تنفست بقوة وألقت عليها أولى الحقائق قائلة ” هم يعلمون

أنك هنا وأنك بخير اطمئني يا ابنتي ”

زحفت بسرعة للأمام قليلا وأمسكت بيديها وقالت برجاء باكي

” من أخبرك وكيف علمتِ ؟ هل تحدث أحدهم بالهاتف ”

حضنت كفيها بقوة وقالت ” بل التقى مطر بوالدك وشقيقيك

منذ أيام وجميعهم بخير ”

بلعت ريقها بصعوبة وقالت ” وبما أخبروه ماذا قرر بشأني

هل سيتركني سجينة منزله للأبد ؟ ”

قالت من فورها ” ولما ترين نفسك سجينة يا غسق ؟ ”

أطرقت برأسها قليلا وقالت بحزن ” لأني كذلك سجينة غرفتي

وأرض يعدها البعض ليست أرضي , ومحكوم عليه ينتظر

انقضاء محكوميته ”

مسحت بكفها على ظهر تلك اليد الناعمة ونظرها لازال معلقا

بملامحها وقالت مبتسمة بحنان ” وإن فرضنا ذلك يا غسق

فأنتي لن تكوني كذلك بعد الآن ”

تنقلت بنظراتها بحيرة في ملامحها وقالت ” وما سأكون إذا !؟

أنا لا أفهمك أحيانا ”

شدت على يديها بقوة أكبر وكأنها بهذا ستحتوي انفعالها لما

ستقول لها وما ستسمع منها وقالت بروية ” تكونين سيدة

هذا المنزل وزوجة سيده ”

المخرج ~

بقلم الغالية : Nou Ran

مطر
ما أجمله يا بشر
ذلك القوي الأسمر
يظاهي في جماله و جاذبيته القمر
إنه مطر
إبن الحروب الذي لا يهاب الخطر
بطل يقود المعارك
دائما يتصدر صفوفَ جيوشِ الحالك
عظيم أبدا لا يقع في الشرك
أفلا يستحق أن يتوج على البلاد ملك
أسطورة الحسن و الجمال غسق
هل ستجعل قلبه يخفق
و باسمها ينطق
هل سيكون حبها كدمه الذي يسري في العرق
مطر الذي إسمه فقط يصيبها بالأرق
أما بالنسبة له فهي كسائر الفتيات وعنده لا تفرق
هل سيتمكن من أن يسرق
قلبها و في حبها يغرق
هي رواية تمزج بين العشق
في خضم الحروب و الدفاع عن الحق

…..
……
خطتها انامل المبدعة برد
أناديك حتى يجف الحلق

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل السادس عشر

المدخل ~

بقلم الغالية : همس الريح

ايا غسق ..
قلبي بكي
دمعي سخا
روحي تئن
له المشتكى

ايا غسق ..
مطر اتى
قال لنا
هي معي
اين الفدا

ايا غسق
قلبي هوى
صمتا بكا
قلت اتركوني
روحي الفدا

ايا غسق
كيف اللقا
اين النجا
و انتِ هناك
عند العدا

ايا غسق
قلبي يئن
عقلي يجن
و انت هناك
لبي الندا

من جبران الي غسق

*********

لم يكن واثقا من قرارهم ولا موافقا عليه لكن صمته قرئ

عندهم بالتردد أو الاتجاه للموافقة فقال أحد رجاله والهواء

يتلاعب بشعره الكثيف المموج ” ثق بنا سيدي , نريد أن

ندك حصون خماصة ليلة دخولك بعروسك , نريدها هدية

زواجك ولتكن تلك الليلة أكثر تميزا ”

وحرك آخر رأسه بطريقة كوميدية وقال مبتسما بسخرية

” لنوصل رسالة جميلة لشراع صنوان ليلة زواج ابنته ”

وضحك الجميع عدى من اكتفى بابتسامة بسيطة على شفتيه ولم

يعلق على تلك العبارة رغم أن كل شيء من تدبيره وأنه موقن من

أن بعض رجاله لا يوافق ذاك الزواج وإن كانوا لم يعارضوه

ولم تنبس شفاههم بكلمة في وجوده أو في غيابه

هز رأسه بحسنا مستسلما لإصرارهم العنيد فبعد التحرك المريب

للهازان عند تلك الحدود علموا أنهم يدبرون لشن هجوم عليهم ومن

مراقبتهم لهم وجدوا أن الثغر في صفوف جيوشهم كبيرة والتنسيق

معدوم جدا وكأنه عمل فردي وغير منظم , وبعد القذيفة التي سقطت

بينهم هنا فجر اليوم علموا أنهم يناورون ويناوشونهم مستفزين لهم

لذلك قرر مطر التحرك نحوهم قبل أن يبدأ الهازان بعادته الدائمة

وهي القتل الفردي لرجاله قرب الحدود والسخرية منه

جال بنظره بين أعينهم خاصة وقال بحزم المسيطر على

كل شيء حوله ” لن أكرر ما أقوله دائما وما في حضوري

سيكون في غيابي , لا تحرقوا منزلا ولا حقلا ولا شجرة

ومن وجدتموه هناك تعطوه الأمان التام ما لم يقاومكم ”

هزوا رؤوسهم بالطاعة فتابع ” وعليكم أخذ الحيطة منهم

فقد تكون خدعة جديدة فتيقظوا ”

ثم أمسك بكتف الواقف بجانبه وربت عليه وقال مغادرا من

عندهم ” أنا أعتمد عليكم ”

وابتعد مخرجا هاتفه وأجرى اتصالا لم يطل الطرف الآخر في

الجواب عليه فقال وهو يركب سيارته ” هل غادر عمي ؟ ”

جاءه الرد الأنثوي البارد قائلا ” أجل منذ وقت ”

سحب الباب مغلقا له خلفه وقال وقد تحرك بسرعة كبيرة

مثيرا الغبار حوله بشدة ” صليني بمنزل العمال ”

ولم يسمع تعليقا منها وكانت ستضغط الزر وتنقطع

مكالمتهما قبل أن يوقفها صوته الحازم الجاد

” جوزاء ”

ليتصلب إصبعها في مكانه وتنفست بقوة وصلته بوضوح

فتابع ونظره على الطريق المعبد الذي وصله منطلقا فوقه

بسرعة جنونية ” لا أريد ازدحام نساء الليلة ويتحول

المنزل لفوضى ”

قالت من فورها ” وهل نطرد الناس يا مطر وهم جاءوا

لحضور زواج زعيم قبائلهم ! أم نتركهم في الشارع ”

قال ببرود قاطع ” تصرفي ”

خرج صوتها الحاد المتضايق ” مطر هل ستجعلنا

سخرية للناس أكثر من ذلك ”

وأعقب حديثها صمت مميت بعدما انفلت لسانها لأول مرة بدون

أن تكترث لردة فعله ولا لفظاعة ما تقول وهي تتهم قراراته

بالفوضوية فهمست من فورها ” آسفة كنت أقصد أن … ”

فقاطعها بحزم ” لتغادر النساء قبل حضوري يا جوزاء أو لن

أنزل بها هناك وهذا أمر ”

فانقطع الاتصال بينهما مصدرا صفيرا لتغير مجرى المكالمة

وأجابه أحد العمال من فوره قائلا ” الخيام والذبائح وكل شيء

جاهز , هل تأمرنا بشيء آخر سيدي ؟ ”

*

*

راقبت الرؤوس الصغيرة التي تراءت لها من الباب الذي خرجت

منه المرأة للتو فما أن ينفتح ذاك الباب لأي سبب كان تبدأ تلك

الأعين الصغيرة بالتلصص على ما يوجد بالداخل حيث تصلها

همهمتهم الطفولية وهمسهم بوضوح .

نقلت نظرها منهم ليدها في حجرها تراقب الأزهار المرسومة

بالحناء من بداية أصبعها البنصر متتالية تباعا مجتازة كفها وكأنها

أزهار قرنفل غامقة تناثرت فوق قطعة جليد نقية وصولا لساعدها

لتلتف بطريقة متناسقة حتى تنتهي بأعلى ذراعها , وهناك تنهدت

بأسى وأغمضت عينيها بقوة , مر أسبوع تقريبا منذ زفوا لها ذاك

الخبر المفجع ومرت ثلاثة أيام منذ استفاقت من تلك الإغماءة

التي تشبه الغيبوبة ولا تعلم ما حدث لها فيها وما فعلت أو قالت

ومر نصف يوم منذ وجدت نفسها هنا في بلدة حجور الحدودية

مع صنوان حيث أمسكوا بها تلك الليلة , بعدما جلبها عمه في

سيارته وبسرية تامة ولم تسأله عن شيء كما لم يتحدث هوا

معها في شيء سوا جملة واحدة قالها لها ما أن انطلقا فجرا

من هناك ” هذا من أجل مصلحتك يا ابنة شراع كي لا

تتقاذفك الألسن إن علموا أنك لم تدخلي اليوم من حدود

قبائلك ”

ووجدت نفسها في هذا المنزل الشبيه بغرفة واسعة جدا لها باب

بنقوش وزخارف إسلامية مدهشة وامرأتان تقومان بتجهيزها وهي

كالدمية المبرمجة على تنفيذ الأوامر كالمخدرة أو الميتة , فكل ما

تذكره أنها أصيبت بصدمة حولت منها لبكماء , لا تعلم من هول

الخبر عليها أم من تزاحم الأفكار في رأسها ( لما وافق والدي

شراع كل هذا ؟ كيف سلمني لمن قد يكون عدو حرب له في أي

وقت فوق عداوتهم الحالية ؟ كيف يختار أن يمضي يومه دون

أن يراني كما كان يقول ؟ ما الذي فعله مطر شاهين جعله ينصاع

هكذا ؟ والأهم لما لم يخبره أني لست ابنته ويكسر عنفوانه وكل

مخططاته من وراء هذا الزواج الغير معقول وألا منطقي !! )

وهذا ما زاد من خرسها يقينها من أن شراع صنوان لم يصمت

عن حقيقتها عبثا وإن تحدثت هي الآن كما كادت تفعلها من يومين

وأفشت السر قد تضره لأنه ما سكت إلا لأمر مهم ويعلم جيدا أنها

ستفهم بأنه لا يريد أن تتحدث عن ذلك أبدا , لكن فكرة أن لا تخرج

من هنا ! أن لا ترجع لمنزلها !! لوالدها وعمتها وأخوتها وأن تكون

زوجة لذاك الرجل الذي لم تعرف وتسمع عنه سوا الموت والقتل

والتصلب للرأي مهما كان أمور لم يستطع عقلها استيعابها وأشياء

ما كانت تتخيلها ولا في نومها , فكيف تنقلب حياتها هكذا بعد تلك

الليلة التي دخلت فيها حدودهم من أجل أمر لم تنوي به ضررا لأحد

لما الجميع يدخلون ويخرجون ويخالفون القوانين الحدودية وحين

فعلتها هي عوقبت كل هذا العقاب القاسي ؟؟!! أسئلة ما كانت لتلقى

لها جوابا كما لم يلقاه غيرها ولا حتى والدها ولا المقربين ممن

قرر هذا القرار وربطها به برباط قد يدوم للأبد وقد يخلف

تراكمات وجراح للأبد .

لا توجد بذاكرتها سوا تلك الكلمات التي سمعتها من عمته أول ما

أفاقت وفتحت عينيها لتجدها بجوارها وكأنها لم تتحرك منذ ذاك

اليوم والوقت وهي تزيد من ذبحها بما قالته بقلة حيلة وبنبرة

المغلوب على أمره ” هذا قراره يا غسق لا أحد يمكنه مناقشته

فيه ولا مجرد النقاش ليحاول أحدنا تغييره فذاك ضرب من

المحال , أعلم أن الإجبار على الأمر شيء سيء جدا لكن

تأكدي من أنه لن يظلمك أبدا وهو ابن شقيقي وأعرفه ”

وكانت كمن يذر الملح على الجرح المفتوح , جعلتها كلماتها

تلك تغمض عينيها بألم لتتسرب منها أول وآخر دمعاتها

هامسة لنفسها ( كل هذا ولم يظلمني ولا يعرف الظلم !! )

كانت بجملتها تلك لتنهي أي باب للنقاش معها لتعلم أنه أي

اعتراض أو رجاء لها لتحاول عذله عن قراره سيكون دون

جدوى وأن لا تفكر أبدا في استمالتها وكسب تعاطفها , ليزيد

ذلك من بشاعة ذاك الرجل في نظرها , وتسلطه حتى على

أقرب المقربين منه وقررت أن لا تنكسر أن لا تعطيها له أن لا

ينتصر على والدها بها مهما حدث وطال الوقت والزمن فإن لم

يوجد من يناقش ذاك الرجل ومن لا يغير قراراته ومن لا يقف في

وجهه فستكون هي مهما بعد ذاك اليوم ومهما كلفها الثمن غاليا .

انقطع حبل أفكارها الطويل وانفتحت عيناها حين سمعت ركض

الصغيرات في الخارج لحظة دخول المرأة التي خرجت منذ قليل

وعادت ناحيتها بذات ملامحها الجامدة وصمتها الموحش , لا تفهم

لما جلبوها هنا تحديدا ولهذا المنزل دون غيره ولم تسأل ولا تناقش

لأنها تعلم أن ذلك بلا جدوى ولن تجلب سوا الأقاويل لنفسها ولوالدها

قبلها , وصلت عندها تحمل في يدها صحنا خزفيا صغيرا وضعته
على الطاولة بجانبها ومدت أصابعها لذقنها الصغير ورفعته لها برفق

ليرتفع رأسها للأعلى مقابلا لها وانحنت جانبا حيث وصلت يدها لذاك

الصحن وهمست مسمية بالله وبدأت بوضع ذاك السائل بشيء يشبه

عود الشجر في شكل نقاط ابتداء من أعلى حاجبها الأيمن تحفه بهم

حتى وصلت منتصف خدها لتصنع شكلا يشبه الزهرة بوريقات

صغيرة وكان سائلا شديد البياض متوسط الكثافة سريع الجفاف

تساعده بنفخها البسيط له من حين لآخر متمسكة بصمتها المميت

سوى من همسها كلما نظرت لوجه الجالسة أمامها نظرة

متفحصة تقيم بها ما وصلت له في عملها لتهمس

” بسم الله مشاء الله ”

دون أن تتبادل معها أطراف الحديث ولا أن تسألها عن شيء من

أحداث هذا الزواج الغريب لدى الجميع , جمعت كفيها ومررتهما

برفق فوق ذراعيها العاريان فلا شيء يغطي جسدها سوا القميص

الذي ألبسوه لها من الحرير الخالص باللون الأبيض العاجي كماه

قصيران بالكاد يغطيان أعلى الذراعين تحفهما نقوش زرقاء رقيقة

تمر بالكتفين وصولا لياقته المفتوحة الواسعة لتلتف حولها في شكل

زهرات ووريقات صغيرة جدا , وتنساب تلك النقوش الدقيقة عند

جانبيه مرورا بخصره وحتى نهايته عند منتصف الفخذين وما أن

جلست حتى كان أعلاهما ولولا القطعة الحريرية التي ناولوها لها

لتغطيهم بها لما سُتر منها شيء أمامهم , وليست تفهم ما نفع هذا

القميص وما دوره وما معنى ما يفعلون لها فهي لم تعرف هذه

التقوس والعادات أبدا لديهم وبحكم انقسام بلادهم فهم يجهلون

معنى أن تختلف العادات والتقاليد من طرف البلاد لحدودها

الأخرى كما هو الحال في كل مكان .

وضعت العود في الصحن وخرجت كلماتها الهامسة

” أغمضي لي عينيك ”

فانصاعت فورا متنهدة بأسى واستسلام لا تعلم ما نهاية كل هذه

المسرحية التي تشعر أنها تؤدي فيها دورا سينتهي في أي وقت

لتجد أن كل هذا مجرد حلم وانتهى , شعرت بكف تلك المرأة يتكئ

على خدها وبملمس بعض أصابعها والسائل البارد الذي انساب على

جفنها عند الرموش , اعتادت سابقا أن تضع كحلا رطبا خفيف اللون

جدا كما هو الحال عند جميع الفتيات في صنوان حين يتزين لحضور

حفلات الزفاف أو أيام العيد لكن هذا النوع من كحل العينين لم تكن

تستخدمه إلا النسوة المتزوجات ولم تضعه يوما , شعرت بالهواء

يهف على وجهها وهمس تلك المرأة يصلها مجددا قائلة

” لا تفتحي عينيك ”

وما هي إلا لحظات وانفتح باب الغرفة وأطلت منه المرأة الأخرى

لتخبرها أن رجلا كان بسم غريب صعُب على غسق فهم نطقه

ومعناه قد وصل مما جعلها تنفض يديها فورا وأسرعت نحوها

فتتبعتهما بنظرات حائرة وتلك تصل لها والأخرى قد همست

بحزم ” لما زينتها قبل وصوله ؟ ألا تعلمي أنه لا يجوز

وعقابنا قد يكون وخيما ”

فخرجت في صمت والأخرى تتبعها تاركين خلفهم تلك العينان

السوداء الواسعة التي اصطبغ أعلى جفونها فقط باللون الأسود

اللامع الثقيل ليزيدهما حسنا وغرابة تتبعهما باستغراب حتى اختفتا

خلف الباب المفتوح , وما هي إلا لحظات وعادت تلك الهمسات

الصغيرة والضحكات الناعمة واندفع الباب هذه المرة ليكشف عن

ثلاث طفلات لم تتجاوزن الستة أعوام تتقدمهن واحدة لفتت نظرها

على الفور بعينيها العسلية الواسعة وغرتها البنية الناعمة ونظرتها

الحزينة البريئة فابتسمت لها رغم كل ما مرت وتمر به وانفرجت

شفتاها عن ابتسامة صادقة ما أن وقع نظرها عليهن , طفلات من

بلادها تربطهم وحدة الدم والانتماء والوطن وإن كانت الحواجز

فصلت بينهم لعقود وأزمان طويلة , هم مرتبطون بها تشعر بذلك

وبقوة جارفة مصدرها القلب مهما حاولت البشر أن تغير تلك

الحقيقة وتشوهها ومهما فرقت بينهم الدماء والحروب .

شجعت ابتسامتها تلك أقدامهم الصغيرة للتحرك بخطوات وجلة

بطيئة نحوها , كانت أول مخلوقات صغيرة تراها هنا منذ دخولها

أراضي الحالك , بل أول نظرات بريئة وابتسامات صافية نقية

فهي لم ترى أحدا غير ساكني ذاك المنزل وعيني تلك العمة الطيبة

وقد ارتسم الحزن وأمور كثيرة تجهلها في معالمها حتى حول

نظرتها لشيء يشبه الانكسار الذي تعجز السنين عن مداواته .

وصلن عندها يلتفتن للخلف كل حين وقد عادت إحداهن راكضة

بعدما يئست من محاولاتها لثنيهن عن التقدم والعودة معها ووصلتا

الأخيرتين حتى وقفتا أمامها وجمعت عسلية العينين كفيها أمام فمها

الصغير الزهري وقالت بدهشة براءة وعينيها تتوهج لمعانا

محدقة بالجالسة أمامها ” كم أنتي جميلة !! ”

لتزداد ابتسامتها وتشتد حربها مع الدموع التي كانت تخوضها

مع عينيها من أيام كي لا تبكي وتنحب وتنكسر ويظهر ضعفها

أمام أي شخص هنا , مسحت أسفل عينيها بظهر كفها بقوة

وقالت ببحة ” ما أسمك يا جميلة ؟ ”

لتنفرج شفتاها الصغيرة بابتسامة واسعة وكأن معجزة ما حدثت

بتحدثها معها وقالت من فورها ” ماريه … اسمي ماريه

هل أنتي حقا زوجة الزعيم مطر ؟ ”

لتموت تلك الابتسامة على أعتاب شفتيها وينحرها ذاك الحزن

الذي خيم على ملامحها حين ذكرتها بواقع مرير لم تنساه أبدا

كانت تتمنى أن تجد لها إجابة غير الحقيقة بل وتنتظر معجزة ما

لتغير كل هذا فيبقى ثمة بصيص نور في النفق الطويل المظلم

لكن تلك السيدة أنقدتها من ثقل تلك الإجابة حين دخلت ولوحت

بيدها محدثة لهن بسخط ” أخرجا هيا من سمح لكما بالدخول

يا مشاغبات ”

لتتراكض خطواتهما متراقصة مع نغمات ضحكاتهم الصغيرة

ودخلت المرأة الأخرى ضاحكة على ركضهن ثم توجهتا نحوها

وأوقفتها إحداهما لتسقط قطعة القماش للأرض كاشفة عن فستانها

القصير بحريره الأبيض ونظرت لما انكشف من فخذيها وحاولت

سحبه قليل بيديها رغم أنه لم يكن ضيقا لينشد للأسفل لكنها لم تعتد

يوما على مثل هذا القصر في الملابس ، ورغم ملمسه الناعم كانت

تشعر به كالأشواك على بشرتها الرقيقة منذ أدركت أنه جزء من

ثوب العروس الرسمي لديهم ولن تنزعه قبل ذهابها من هنا .

نقلت نظرها للتي انحنت لصندوق آخر وفتحته وأخرجت منه ثوبا

لو كانت في ظروف أخرى لأبدت انبهارها الشديد به ، وكان

عبارة عن القطعة الملحقة بالتي تلبسها الآن , كان كعباءة طويلة

بأكمام طويلة وتأخذ الشكل القمعي عند فتحتها بينما تضيق جهة

الذراع وكان مكونا من طبقتين السفلية من الحرير الأبيض السميك

والعلوية عبارة عن شيفون نيلي اللون فاتح يكاد يكون ببياض الحرير

تحته , مطرز باليد بعناية بنقوش تشبه تلك التي تحف فستانها الذي

ترديه لكن هذه أكثر سمكا وأعرض من النقوش البسيطة تلك .

ألبستاها إياه بحذر منصاعة دون أن تسأل أو تتحدث فآخر ما تريده

أن يعلم الناس هنا أنها مجبرة على كل هذا فلا تريد لأحد أن يفرح

بانتصاره على والدها شراع ولا ذاك الرجل نفسه والمدعو

(مطر شاهين )
ما أن انسدلت تلك العباءة على جسدها حتى اكتشفت أكثر روعتها

وفخامتها وكيف أنها سترت جسدها بالكامل وحتى حناء يديها اختفت

تحت كميها واسعا الفتحتين ، وقفت إحدى المرأتين أمامها تتأكد من

المشابك الكريستالية البسيطة الممتدة على طولها من الأمام لتكتشف

حينها أنها تشبه الأزرار لتلك العباءة وحارت لما ألبسوها لها من

الرأس دون فتحها ! فسبقت تلك المرأة أفكارها وهي تقول بعدما

استوت واقفة وتأكدت من أنها مقفلة تماما ” حاذري من أن

تنفتح أو تفتحيها أنتي ”

تبعتها بنظراتها المستغربة حيث تابعت تلك وهي تعدل لها ياقتها

ونظرها على ما تفعل ” لا ينزعها إلا الزوج , تلك هي أعرافنا

وأضنك تجهلينها ”

أرجفت تلك الكلمات جسدها بوضوح شعرت به في كل جزء منه

ولم يكن سببه تلميحها الأول منذ وجودها هنا صباحا بأنها ليست من

هذه الأرض ولا تعرف شيئا عنها بل بسبب ….. ! أغمضت عينيها

بقوة وشدت بقبضتها على طرف القماش وعقلها يترجم معنى أن ذاك

الرجل وحده من يحق له نزعها من عليها ، ولعبت الطبول بضربات

قلبها وهي تدرك سبب ذاك الفستان القصير وأنها ستقف أمامه به

فتحت عينيها سريعا حين شعرت بإحداهما تسحب شيئا ما على رأسها

ووجهها لتكتشف أنه جزء من تلك العباءة موصولا بظهرها محاطا

بالنقوش أيضا وقد غطى كامل وجهها وصدرها وكتفيها في قصة

دائرية تشبه القبعة الكبيرة وليست بقبعة في الوقت ذاته لأن الأرض

تحتها بقت مكشوفة لها وأدركت ذلك ما أن شعرت بيد على ظهرها

والأخرى تمسك بيدها تحثانها على السير وصوت المرأة السمحة

بشوشة الوجه بينهما قائلة ” هيا فسنخرج الآن سيدتي ”

وسقطت حينها الدمعة التي كانت تكابدها منذ أيام فتلك الكلمات كان

وقعه عليها أكبر من أن تتحمله ومن أن تقاومه دموعها فمنذ الصباح

كانت تناديها بآنستي كلما لزم الأمر وتغير الكلمة الآن علمت أن له

معنا واحد أنها أصبحت زوجة لذاك الرجل , حقيقة لم يقنعها بها

لا ما مرت به خلال الأيام الماضية ولا وجودها هنا طوال النهار

كمن يعيش تمثيلية ستنتهي في أي وقت وكانت كلماتها تلك

كانقشاع لذاك الضباب لتنجلي لها الحقيقة التي كانت

تحاول تجاهلها منذ وقت .

*

*

حركت يديها وساعديها الصغيران الأبيضان المدوران أمام نحول

جسدها وقد احتضن كل واحد منهما سوار أصفر دائري وهي لا

تتوقف عن التحدث للجالسة على السرير أمامها تبتسم لها بحب

مستمعة لحديثها تحكي لها عن حوراء وأنها من أعطاهم الأساور

هي وابنتي عمها الثالث ثم ضمت يديها لصدرها وقالت بابتسامة

واسعة وسعادة وقد عادت لموضوعها الأول والأساسي

” ما أجملها عمتي لو أنك رأيتها فقط ”

ثم عادت تصف بيديها قائلة ” شعرها هكذا طويييل وأسسود ”

ثم أمسكت وجهها بيديها وقالت ” ووجهها عمتي هكذا … إنه … ”

وحين عجز لسانها المبهور عن الوصف قفزت وقالت ” ما أجملها

لم أرى واحدة بجمالها أبدا , وقالت لي أني جميلة تصوري ! ”

فضحكت الجالسة هناك ومدت يدها لها قائلة ” وأنتي جميلة

فعلا وستكبرين وتصبحين أجمل ”

ركضت ناحيتها وصعدت السرير ونامت برأسها الصغير على

صدرها تمسح لها على شعرها البني الناعم فأغمضت عينيها

العسلية الواسعة وقالت بحالمية ” حين أكبر أريد أن أصبح

مثلها وأن يتزوجني الزعيم مطر ”

لتخرج حينها الضحكة الساخرة من الجالس جانبا ولم يشارك في

الحديث منذ البداية كعادته فنظرت جهته بعين واحدة مفتوحة

وهمست ” انظري عمتي إنه يسخر مني مجددا ”

مسحت على شعرها بحنان وقالت ” لا تكترثي له , هذه

أحلامك أنتي لا أحد له بها دخل ”

ابتعدت عنها وجلست معتدلة وقالت ناظرة لها بحيرة

” كيف هي من صنوان وتزوجها هنا ؟!! ”

تنهدت وقالت ” لا أعلم بنيتي ولا أحد يعرف إلا أن

العروس ابنة شراع صنوان ”

وضعت أصبعها الصغير على فمها ونظرت للأعلى قليلا بتفكير

ثم نظرت لها وقالت مبتسمة ” لابد وأنها فعلت كما فعل عمي

شاهر حين خرج من الهازان وجاء هنا وتزوجك ”

لم تستطع تلك إمساك ضحكتها وقالت ” يالا مخيلتك ماريه !! ما

الذي سيدخلها هنا ومنزلها يبعد عنا أميالا كثيرة ؟ ”

خرج حينها المتكئ فوق السرير الآخر ينظر للسقف فقط من صمته

وقال ببرود ” غبية وستدفع الثمن غاليا تلك الحمقاء ”

نظرت له والدته بحزن وقالت ” قد يكون يريدها وتزوجها

لما تكون غبية ؟ ”

ابتسم بسخرية ولم يعلق ولسان حاله يقول ( لن يرحمها أحد وهي

ابنة صنوان وليست منهم ) ووالدته تفهم صمته ذاك وكلامه جيدا

وقد يئست تماما من أن يغير فكرة أنه ليس من هنا وأنها أخطئت

في زواجها من والده ، قفز من السرير على طوله حين علا صوت

المغرب مخترقا غرفتهم الصغيرة وخرج ويديه في جيوب بنطاله

متمسكا بصمته وبروده قاصدا المسجد القريب منهم كما علمه والده

وحرصت عليه والدته من بعده ، ما أن توارى عن نظرها نظرت

للجالسة معها على السرير ونظرها كان أيضا على الباب الذي

خرج منه للتو ثم نظرت لها وقالت بحيرة ” لما هو

غاضب لأن الزعيم مطر تزوجها !! ”

تنهدت بحزن عميق وقالت ماسحة على وجهها ” اتركينا منه

الآن وأخبريني لماذا غبت عني الأسبوع الماضي , هل كنت

مريضة ؟ ”

هزت رأسها الصغير نفيا وقالت بعبوس ” كنت غاضبة من تيم ”

خرجت ضحكتها متقطعة بسبب تنفسها فضمت يدها أما شفتيها

وسعلت قليلا ثم قالت ” لم أعرف قلبك قويا علينا هكذا ماريه ! ”

أبعدت غرتها من أمام عينها بيدها الصغيرة وقالت مبتسمة

” بلى خاصمته حتى وعدني وتصالحنا ”

ثم نظرت لساعدها ولسوارها الأصفر اللامع وقالت بعبوس قبل

أن تترك المجال للجالسة أمامها أن تستفسر عن ذاك الوعد

” حتى أنه لم يقل لي أن أساوري جميلة رغم أنه أول

من أريته إياها ”

خرجت ضحكة صغيرة من الجالسة أمامها وقالت مبتسمة

” لا تتأملي من الرجال كثيرا يا ابنتي خاصة من نوع هذا

الغاضب دائما فسيكون رجلا متعبا جدا لك ”

عادت علامات الاستفهام للدوران فوق رأسها فابتسمت لها

وقالت ” هيا ناولني ثوب الصلاة لأصلي فتيم يبدوا اعتمد

عليك ولم يحظره لي ”

نزلت من السرير من فورها قائلة ” أجل وسأحضر

ثوبي أيضا ونصلي معا هنا ”

*

*

تنهد بأسى ونظره لازال معلقا بالأفق البعيد وهو ينسلخ من حمرته

للابيضاض ليدخل آخر مراحل شفق هذا اليوم ، منذ عاد من الصلاة

وهذا هو مكانه عند أحد نوافذ وسط الطابق الأرضي من منزله وقد

غطى الوجوم على ملامحه مظهرا تلك الخطوط حول فمه وعينيه

لا يعرف بما يصف حاله في تلك اللحظة وما يجب فعله ليرتاح

قلبه الذي يعتصر ألما منذ ساعات النهار الأولى .

نظر جانبا حين شعر بكف يد أحدهم على كتفه لتلتقي عيناه بالعينين

التي لم يخفى عنه احمرارهما من البكاء الذي لم يشهده أحد ثم عاد

بنظره للأفق البعيد فوصله صوتها المنخفض قائلة بحزن

” هذا لن يجدي في شيء يا شراع ، انظر لصحتك

كيف أصبحت تتردى منذ …. ”

ولم تستطع متابعة حديثها وقول تلك الكلمات التي ستذكره بالحقيقة

التي لم ينساها أحد في ذاك المنزل ، تنهدت بعجز وقالت بهدوء

” ما كان بوسعك فعل شيء يا أخي وغسق تعلم ذاك جيد و …. ”

قاطعها بحزن ” أصبحت زوجته اليوم وأنا واقف أتفرج يا جويرية

حتى أني لست من وقّع عقد زواجها ولا سلمتها لزوجها بنفسي

خذلت والدتها بي وخذلتها هي أيضا وانتهى كل شيء ”

نزلت بيدها من كتفه ليده وشدت عليها بقوة وقالت بجدية ونظرها

لازال معلقا بجانب وجهه ” اللوم لا يقع عليك يا شراع ، والدتها

أوصت أن تزوجوها لأحد رجال قبيلتها وحدث وإن رغما عن

الجميع وغسق لن تلقي باللوم عليك أبدا وأنت أكثر من يعرف

مدى حبها لك ، وليست بالفتاة الغبية التي قد يفوتها

أن تحلل الأمور وتفهمها جيدا ”

قال مركزا على نقطة واحدة من حديثها وكأنه لم يسمع بقيته

” قالت لي زوّجها من قبيلتها لكنها لم تقل ابن شاهين بل

طلبت أن لا يصل خبر المولود له ”

مسحت على ذراعه بيدها الأخرى وقالت تجاهد عبرتها من

الخروج ” تمنى لها السعادة يا أخي فلو لوم النفس يجدي شيئا

لعادت من كثرة ما لمت نفسي ولازلت أعض أصابعي

ندما حتى اللحظة ”

تنهد بأسى وأنزل رأسه ونظره للأسفل فمسحت الواقفة بجانبه

عينيها قبل أن تخونها دموعها أمامه وتزيده على ما به وقالت

” هل كان وقع الخبر على مجلس كبار القبائل سيئا ؟ أرى

غمك يفوق واقع زواجها منه ! ”

قال ورأسه لازال مطأطأ للأسفل وكأنه يفرغ ما به ” البعض شجعوا

الأمر ظناً منهم أني ضحيت بها من أجل المهادنة ومصلحة صنوان

جميعها وهم يجهلون حقيقة أنه لم يراهن بالمهادنة أبدا ، والبعض

ضنوا أنه حاصرني بالمهادنة وأراد أخذها ليجعلها نقطة ضعف لي

وغفلوا عن أنه آخر رجل قد يفعلها , فإن اتخذها فعلا كورقة ضغط

يشهرها كلما ادعت الحاجة سيكون أظهر ضعفا بذلك فالضعفاء

فقط من ينهجون ذاك المنهاج المخزي وهو أبعد من أن

يضع نفسه في ذاك الموضع ”

رفع نظره للنافدة مجددا وتابع ” أبناء أخوالها أمسكوهم بالقوة

يريدون الإغارة عليهم واستردادها وإن كان المقابل حربا ولا

يعلمون أنهم بذلك يخدمونه خدمة العمر بعدما وضع ذاك القانون

بأن يأخذ مقابل كل قتيل من رجاله مساحة شاسعة من حقولنا خلف

الحدود ، ذاك الرجل درس كل شيء قبل أن يقدم على أي خطوة .

لقد حاصرنا حتى أشقائها عرف كيف يكبلهم بتلك النقطة التي ضن

الجميع أنها بادرة خير منه وتخدم مصلحتنا جميعا بينما هي تخدم

مصالحه وحده ولن يتجرأ أحد على مس رجل من رجاله

لأنه الكاسب الوحيد حينها ”

ثم قبض يده بقوة وقد أظلمت نظرته بأسى شديد وهمس من

بين أسنانه ” سحقا له ، له عقل ثعلب وقلب أسد ومناورة

نمر , لقد هزمني في لحظة دون حتى قتال ”

نظرت له بتوجس وقالت ” وما كان وقع ذلك على الحالك ؟ ”

هز رأسه نفيا وقال ” أنتي تعلمي أن الأخبار منقطعة عن بعضنا

منذ ولدنا في هذه البلاد سوا ما يتسرب عن الحروب والموت

والقنوات الإخبارية لم يتحدث فيها أحد منهم عن تحليله للسبب

جميعهم يتحدثون عن انتصاراته وخططه وأفكاره وكأنهم

راضين تماما عما فعل ويثقون به حد أن يضنوا أنه

استغل زواجه بها لصالحه وصالحهم ”

ثم أردف بسخرية مؤلمة ” البعض هنا ممن علموا عن وجود

غسق في توز من فترة بدئوا يتناقلون الشائعات بأنها تجولت

في الحقول وأنه رآها عند الحدود وافتتن بها ولم يستطع

مقاومتها فتحايل بالمهادنة كي يتزوجها رغما عنا ”

ضربت كفيها ببعض هازة رأسها بأسى وقالت ” ولما تزوجها إذا

إن كانت جميع تخميناتنا عن السبب مستحيلة وإن كان لن يجلب

له هذا الزواج إلا القيل والقال وهو يدرك ذلك جيدا بالتأكيد ؟؟ ”

ابتسم حينها بسخرية معلقا ” اتركي الأيام تخبرنا كما لمح

هو يا جويرية ”

تنهدت بعجز وتمتمت مغادرة من عنده ” بت أنا الآن التي تتمنى

أن يتحقق باقي رؤيا قطاط ذاك وأن تكون رؤيا فعلا لعل هزيمته

النكراء تكون على يد امرأة منهم ونصفها من صنوان أيضا ”

وغابت بعيدا بكلماتها التي لا يسمعها أحد سواها تاركة إياه خلفها

ولازال نظره معانقا ذاك الأفق وصورة تلك الطفلة التي رباها

على يديه حتى كبرت لا تفارقه لحظة , ولولا شرط المهادنة

ذاك ومصلحة قبائلهم ما توانى لحظة عن الهجوم عليهم

فإما أن يعيدها أو أن يموت دون ذلك .

*

*

أرّقها كثرة تقلبه في السرير بل ومفارقة النوم لعينيه مما جعلها

تسهد أيضا فجلست أخيرا ونظرت لساعة هاتفها التي كانت تشير

لدنوا وقت الفجر لديهم فوضعت الهاتف ونظرت لظهره الذي

يوليه لها وقالت بهدوء ” سلطان ما بك ؟ ”

فاكتفى بالتنهد دون أن يجيب ، هي الأقرب إليه من بين زوجاته

الثلاثة بل هي الأفضل خلقا بينهن ولولا جنون والده بزيادة عدد

أحفاده ما تزوج غيرها بعد زوجته المتوفاة أم وقاص ، وليلته معها

تعد الليلة الساكنة الهادئة الوحيدة التي ينام فيها دون أن يسمع سيلا

من الشكاوي ألا مبررة ولا منطقية , لكنه الليلة ما كان ليرتاح ولا

لينام حتى هنا معها ، طال صمته ولاحظ أنها لازالت جالسة تنتظر

جوابه فهمس بصوت عميق كئيب ” لا شيء يا رقية

نامي ولا تشغلي بالك ”

لنور الخفيف بجانبها ونظرت له مجددا قائلة ” كيف ا أضاءت

لا شيء وأنت لم تنم رغم شدة تعبك ! وتتقلب طوال الوقت

وكأنك تنام على الجمر ”

همس مجددا وببرود ” لن يعنيك ذلك حتى لو أخبرتك فنامي ”

هزت رأسها بيأس منه وقالت ” الهازان في الموضوع إذا ؟

هل أغار ابن شاهين على مدن جديدة ؟ ”

لاذ بالصمت ولم يعلق فتأففت وقالت ” سلطان إن أخبرك

أحدهم أني بلا قلب مطلقا فقد أخطأ ”

قال ولازال موليا ظهره لها ” وأنكري أنك تبتهجين بما يحدث

لهم هناك ؟ واطمئني فابن شاهين لم يغر عليهم ومن أين

سيجد لهم وقتا وزواجه الليلة ”

قالت بضيق ” ما أصاب عائلتي سببه ابن راكان هازان وقبيلة

كنعان وليس الهازان جميعها فلا تقسو عليا في حكمك وضع نفسك

مكاني وقبيلتك تسلم والدك وأخوتك وأبناء أعمامك لابن راكان بدم

بارد ليقتلوهم جهارا أمام العلن بتهمة هم أبعد عن التفكير فيها ”

اكتفى بالصمت ولم يعلق فهزت رأسها بيأس وقالت

” حسنا أخبرني ما يؤرقك على الأقل ؟ ”

قال هاربا من استجوابها ” ابن خالي توفي في اقتتال بين

مجموعة , كانت رصاصة طائشة ”

فتنهدت بحزن متمتمة بالدعاء له بالرحمة وما تجهله أنه توفي

منذ يومين وما كان ليفعل فيه ذاك الخبر ما يحدث معه الآن

وضع إحدى الوسائد على رأسه ممسكا لها يعصرها بقبضته

بقوة وهمس بخفوت من بين أسنانه ” سحقا لسياستك يا

ابن راكان ”

*

*

وبينما كانت قوات الحالك تقف عند أقرب نقطة من حدود خماصة

داخل الهازان كانت الخيام المنصوبة في وسط حوران تعج بأصوات

الرجال والطعام وركض الأطفال وقد نصبت غيرها وبعيدا قليلا عنها

واحدة كبيرة من أجل النساء , والجميع كان مدعوا تلك الليلة والجميع

مبتهج سواء من أيد ذاك الزواج ومن رفضه ومن تحفظ بشأنه , أما

ذاك المنزل الواسع وحسب الأوامر فقد اكتفوا بتنظيفه وتعطيره

وإخلائه من الجميع كما طلب منهم .

التفت برأسه ونظر من فوق كتفه لأحد أقرب رجاله حين أمسك كتفه

بيده وكان ممن اختاروا أن يكونوا معه الليلة وترك مثله جبهة القتال

قال له مبتسما ” لما لا تترك عنك هذا الهاتف واعتمد عليهم فعمك

اقترب بالعروس من حوران وسيدخلون المدينة قريبا ”

التفت له بجسده ووقف مقابلا له وأعاد الهاتف على أذنه مجددا

وقال لمن في الطرف الآخر ” صلني ببشر حالا ”

فابتسم المقابل له هازا رأسه بيأس منه وتمتم هامسا

” من الخطأ اختيارهم هذه الليلة لشن ذاك الهجوم ”

وما أن أنهى كلامه حتى رن هاتفه فرفعه لأذنه واستمع لمن في

الطرف الآخر دون أن يجيب ثم عاد ووضعه في جيبه ومد يده

للهاتف الذي على أذن الواقف أمامه وسحبه من يده قائلا بابتسامة

” السيارات دخلت حوران ورجال المدينة جميعهم خرجوا فهيا

لنزفك وعروسك واترك عنك هذا الهاتف الليلة فلن أعطيه لك

قبل الصباح ”

تركه يأخذه منه دون أن يعلق بشيء وتحرك أمامه جهة الخيام

المصفوفة وقد هب كل من كان فيها واقفا في الخارج ما أن سمعوا

باقتراب السيارات التي جاءت بالعروس من جهة الحدود حيث أنه

وحسب ظن الجميع أنها دخلت من توز في صنوان لقرية حجور

الحدودية لديهم فجر اليوم , وكما يتوقع الجميع فهم يعزون أن جميع

أفعال زعيمهم وقراراته لا يتخذها إلا لأنها تخدم مصالحهم ومستقبلهم

خاصة أنه لم يفصح عن السبب وراء كل هذا , ولأنها ليست عادته

أساسا , ولأنهم أعلم بغيرهم عن مدى تجلده اتجاه كل ما يخص النساء

ومنذ صغره وحتى حين صار فتيا رجحوا أن السبب تكتيك حربي وإن

على المدى البعيد وأعدوها صفقة حرب ناجحة وكأن كل فرد منهم

لا يريد أن يضع ذاك الزعيم موضعا أقل مما يرونه فيه ويلتمسوا

له الأعذار وإن لم يقدمها بنفسه ولم يهتم .

ودخلت السيارات العشرة شوارع حوران بأصوات أبواقها العالية

وأضواءها المتغيرة في ظلمة تلك الشوارع التي لا يزينها سوى الأضواء

الخفيفة للمنازل ليقف من لم يحظر هناك متفرجا من باب أو نافذة منزله

وتلك السيارات تعبر ببطء وكأنها ترقص فوق تلك الأرصفة على لحن

أبواقها حتى اقتربوا من تلك الخيام التي نصبت قريبا من منزل زعيمهم

وقد اصطف الرجال واقفين خارجها بمختلف أعمارهم يراقبون صاحب

الخطوات الواثقة الثابتة وهو يتوجه جهة السيارات التي لاحت لهم من

بعيد متقدمة نحوهم ببطء وثلاثة من أقرب رجاله يسيرون خلفه مثل ظله

خطواتهم تتسم أيضا بتك القوة والثقة ورغم ذلك لازال هو صاحب الهيبة

الأقوى والحركة الأشد ثقة وقد احتضن جسده القوي الصلب تلك البذلة

العاجية التي تميزه عن غيره في هذا اليوم وهو الزي الخاص بالزوج

لديهم بسترته المخصرة الطويلة بعض الشيء منقوشة الأطراف بطابع

رجولي فخم وباللون الأزرق الفاتح , قد عكس بياضها على لون شعره

الأسود اللامع ولحيته المشذبة بعناية وبياض عنقه وعظمة ترقوته التي

قد لفحها حر الشمس معطيا لها لونا متناغما مع شخصيته وصلابته

يسير وهم خلفه لتنقشع تماما صورة ذاك الزعيم وهو يتقدم من سيارة

عروسه في ليلة زواجه وحيدا لا أب لا أخوة لا أعمام ولا أبنائهم

ولا حتى جد , وقفوا أربعتهم دون أن يلحق بهم أحد ما أن وقفت

السيارات تتقدمهم سيارة عمه صقر الذي فتح بابها ونزل منه ونظر

لابن شقيقه مبتسما وقد سقط نظر المقابل له فورا على الجالسة في

الكرسي الخلفي لا يظهر منها شيء سوا الثوب الذي تلبسه مظهرا

هيئة جسدها الأنثوي وكان واضحا إنزالها لرأسها للأسفل من هيئة

جلوسها وإن كانت مستقيمة الظهر , ركز نظره على يديها وقد خانته

توقعاته فلم تكن تقبض أصابعها ببعض بقوة ولا تقبض على قماش

ثوبها بتوتر وخوف بل كانتا مفرودتان على فخذيها لاحظ ذلك واضحا

بانكشاف إحداهما من تحت كميها الطويلان وقد ظهرت أصابعها البيضاء

تزينها أزهار الحناء بلونها الأحمر الغامق في تناسق غريب بينهما , ولم

يفهم أهو مكابرة منها في هذا الوضع الذي تتوتر فيه أي فتاة وتخاف أم

أنها فعلا لا تأبه بشيء !! رفع نظره منها لعمه الواقف في الجانب الآخر

من السيارة ثم رفع يده في إشارة فهمها من حوله على الفور فتراجع

رجاله الثلاثة للخلف في خطوة واحدة وتراجعت معهم تلك السيارات

مسافة تكفي لإدخال سيارتين بينهم وتقدم حينها المسافة التي

كانت تفصله عن السيارة ومد يده للباب الخلفي وفتحه

المخرج ~

بقلم الغالية : انجوانا

على لسان جبران
قلبي بحبك يتغنى ….والان انكسر
من يجبر ذلك ويشفي جرحي ويعالج الضرر..
حلمت بكِ ليالي عمري والدهر . . ..
والان بعد كل شي بدات افقدك فهل من صبر …
انصفوني من كل هذا يابشر…..
قلبي تحطم وانتهى الامر ….
مالي قدره للتحمل او الصبر …
اعيدو بلسم روحي قبل ان انتحر ..
هكذا بكل بساطه يأتي غيري وينتصر
اريدك انتي لا غيرك من البشر …..
انا جبران وهو مطر …من المنتصر . .
******

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل السابع عشر

المدخل ~

بقلم الغالية : همس الريح

ايا غسق ..
قلبي بكي
دمعي سخا
روحي تئن
له المشتكى

ايا غسق ..
مطر اتى
قال لنا
هي معي
اين الفدا

ايا غسق
قلبي هوى
صمتا بكا
قلت اتركوني
روحي الفدا

ايا غسق
كيف اللقا
اين النجا
و انتِ هناك
عند العدا

ايا غسق
قلبي يئن
عقلي يجن
و انت هناك
لبي الندا

من جبران الي غسق

*********

لم يكن واثقا من قرارهم ولا موافقا عليه لكن صمته قرئ

عندهم بالتردد أو الاتجاه للموافقة فقال أحد رجاله والهواء

يتلاعب بشعره الكثيف المموج ” ثق بنا سيدي , نريد أن

ندك حصون خماصة ليلة دخولك بعروسك , نريدها هدية

زواجك ولتكن تلك الليلة أكثر تميزا ”

وحرك آخر رأسه بطريقة كوميدية وقال مبتسما بسخرية

” لنوصل رسالة جميلة لشراع صنوان ليلة زواج ابنته ”

وضحك الجميع عدى من اكتفى بابتسامة بسيطة على شفتيه ولم

يعلق على تلك العبارة رغم أن كل شيء من تدبيره وأنه موقن من

أن بعض رجاله لا يوافق ذاك الزواج وإن كانوا لم يعارضوه

ولم تنبس شفاههم بكلمة في وجوده أو في غيابه

هز رأسه بحسنا مستسلما لإصرارهم العنيد فبعد التحرك المريب

للهازان عند تلك الحدود علموا أنهم يدبرون لشن هجوم عليهم ومن

مراقبتهم لهم وجدوا أن الثغر في صفوف جيوشهم كبيرة والتنسيق

معدوم جدا وكأنه عمل فردي وغير منظم , وبعد القذيفة التي سقطت

بينهم هنا فجر اليوم علموا أنهم يناورون ويناوشونهم مستفزين لهم

لذلك قرر مطر التحرك نحوهم قبل أن يبدأ الهازان بعادته الدائمة

وهي القتل الفردي لرجاله قرب الحدود والسخرية منه

جال بنظره بين أعينهم خاصة وقال بحزم المسيطر على

كل شيء حوله ” لن أكرر ما أقوله دائما وما في حضوري

سيكون في غيابي , لا تحرقوا منزلا ولا حقلا ولا شجرة

ومن وجدتموه هناك تعطوه الأمان التام ما لم يقاومكم ”

هزوا رؤوسهم بالطاعة فتابع ” وعليكم أخذ الحيطة منهم

فقد تكون خدعة جديدة فتيقظوا ”

ثم أمسك بكتف الواقف بجانبه وربت عليه وقال مغادرا من

عندهم ” أنا أعتمد عليكم ”

وابتعد مخرجا هاتفه وأجرى اتصالا لم يطل الطرف الآخر في

الجواب عليه فقال وهو يركب سيارته ” هل غادر عمي ؟ ”

جاءه الرد الأنثوي البارد قائلا ” أجل منذ وقت ”

سحب الباب مغلقا له خلفه وقال وقد تحرك بسرعة كبيرة

مثيرا الغبار حوله بشدة ” صليني بمنزل العمال ”

ولم يسمع تعليقا منها وكانت ستضغط الزر وتنقطع

مكالمتهما قبل أن يوقفها صوته الحازم الجاد

” جوزاء ”

ليتصلب إصبعها في مكانه وتنفست بقوة وصلته بوضوح

فتابع ونظره على الطريق المعبد الذي وصله منطلقا فوقه

بسرعة جنونية ” لا أريد ازدحام نساء الليلة ويتحول

المنزل لفوضى ”

قالت من فورها ” وهل نطرد الناس يا مطر وهم جاءوا

لحضور زواج زعيم قبائلهم ! أم نتركهم في الشارع ”

قال ببرود قاطع ” تصرفي ”

خرج صوتها الحاد المتضايق ” مطر هل ستجعلنا

سخرية للناس أكثر من ذلك ”

وأعقب حديثها صمت مميت بعدما انفلت لسانها لأول مرة بدون

أن تكترث لردة فعله ولا لفظاعة ما تقول وهي تتهم قراراته

بالفوضوية فهمست من فورها ” آسفة كنت أقصد أن … ”

فقاطعها بحزم ” لتغادر النساء قبل حضوري يا جوزاء أو لن

أنزل بها هناك وهذا أمر ”

فانقطع الاتصال بينهما مصدرا صفيرا لتغير مجرى المكالمة

وأجابه أحد العمال من فوره قائلا ” الخيام والذبائح وكل شيء

جاهز , هل تأمرنا بشيء آخر سيدي ؟ ”

*

*

راقبت الرؤوس الصغيرة التي تراءت لها من الباب الذي خرجت

منه المرأة للتو فما أن ينفتح ذاك الباب لأي سبب كان تبدأ تلك

الأعين الصغيرة بالتلصص على ما يوجد بالداخل حيث تصلها

همهمتهم الطفولية وهمسهم بوضوح .

نقلت نظرها منهم ليدها في حجرها تراقب الأزهار المرسومة

بالحناء من بداية أصبعها البنصر متتالية تباعا مجتازة كفها وكأنها

أزهار قرنفل غامقة تناثرت فوق قطعة جليد نقية وصولا لساعدها

لتلتف بطريقة متناسقة حتى تنتهي بأعلى ذراعها , وهناك تنهدت

بأسى وأغمضت عينيها بقوة , مر أسبوع تقريبا منذ زفوا لها ذاك

الخبر المفجع ومرت ثلاثة أيام منذ استفاقت من تلك الإغماءة

التي تشبه الغيبوبة ولا تعلم ما حدث لها فيها وما فعلت أو قالت

ومر نصف يوم منذ وجدت نفسها هنا في بلدة حجور الحدودية

مع صنوان حيث أمسكوا بها تلك الليلة , بعدما جلبها عمه في

سيارته وبسرية تامة ولم تسأله عن شيء كما لم يتحدث هوا

معها في شيء سوا جملة واحدة قالها لها ما أن انطلقا فجرا

من هناك ” هذا من أجل مصلحتك يا ابنة شراع كي لا

تتقاذفك الألسن إن علموا أنك لم تدخلي اليوم من حدود

قبائلك ”

ووجدت نفسها في هذا المنزل الشبيه بغرفة واسعة جدا لها باب

بنقوش وزخارف إسلامية مدهشة وامرأتان تقومان بتجهيزها وهي

كالدمية المبرمجة على تنفيذ الأوامر كالمخدرة أو الميتة , فكل ما

تذكره أنها أصيبت بصدمة حولت منها لبكماء , لا تعلم من هول

الخبر عليها أم من تزاحم الأفكار في رأسها ( لما وافق والدي

شراع كل هذا ؟ كيف سلمني لمن قد يكون عدو حرب له في أي

وقت فوق عداوتهم الحالية ؟ كيف يختار أن يمضي يومه دون

أن يراني كما كان يقول ؟ ما الذي فعله مطر شاهين جعله ينصاع

هكذا ؟ والأهم لما لم يخبره أني لست ابنته ويكسر عنفوانه وكل

مخططاته من وراء هذا الزواج الغير معقول وألا منطقي !! )

وهذا ما زاد من خرسها يقينها من أن شراع صنوان لم يصمت

عن حقيقتها عبثا وإن تحدثت هي الآن كما كادت تفعلها من يومين

وأفشت السر قد تضره لأنه ما سكت إلا لأمر مهم ويعلم جيدا أنها

ستفهم بأنه لا يريد أن تتحدث عن ذلك أبدا , لكن فكرة أن لا تخرج

من هنا ! أن لا ترجع لمنزلها !! لوالدها وعمتها وأخوتها وأن تكون

زوجة لذاك الرجل الذي لم تعرف وتسمع عنه سوا الموت والقتل

والتصلب للرأي مهما كان أمور لم يستطع عقلها استيعابها وأشياء

ما كانت تتخيلها ولا في نومها , فكيف تنقلب حياتها هكذا بعد تلك

الليلة التي دخلت فيها حدودهم من أجل أمر لم تنوي به ضررا لأحد

لما الجميع يدخلون ويخرجون ويخالفون القوانين الحدودية وحين

فعلتها هي عوقبت كل هذا العقاب القاسي ؟؟!! أسئلة ما كانت لتلقى

لها جوابا كما لم يلقاه غيرها ولا حتى والدها ولا المقربين ممن

قرر هذا القرار وربطها به برباط قد يدوم للأبد وقد يخلف

تراكمات وجراح للأبد .

لا توجد بذاكرتها سوا تلك الكلمات التي سمعتها من عمته أول ما

أفاقت وفتحت عينيها لتجدها بجوارها وكأنها لم تتحرك منذ ذاك

اليوم والوقت وهي تزيد من ذبحها بما قالته بقلة حيلة وبنبرة

المغلوب على أمره ” هذا قراره يا غسق لا أحد يمكنه مناقشته

فيه ولا مجرد النقاش ليحاول أحدنا تغييره فذاك ضرب من

المحال , أعلم أن الإجبار على الأمر شيء سيء جدا لكن

تأكدي من أنه لن يظلمك أبدا وهو ابن شقيقي وأعرفه ”

وكانت كمن يذر الملح على الجرح المفتوح , جعلتها كلماتها

تلك تغمض عينيها بألم لتتسرب منها أول وآخر دمعاتها

هامسة لنفسها ( كل هذا ولم يظلمني ولا يعرف الظلم !! )

كانت بجملتها تلك لتنهي أي باب للنقاش معها لتعلم أنه أي

اعتراض أو رجاء لها لتحاول عذله عن قراره سيكون دون

جدوى وأن لا تفكر أبدا في استمالتها وكسب تعاطفها , ليزيد

ذلك من بشاعة ذاك الرجل في نظرها , وتسلطه حتى على

أقرب المقربين منه وقررت أن لا تنكسر أن لا تعطيها له أن لا

ينتصر على والدها بها مهما حدث وطال الوقت والزمن فإن لم

يوجد من يناقش ذاك الرجل ومن لا يغير قراراته ومن لا يقف في

وجهه فستكون هي مهما بعد ذاك اليوم ومهما كلفها الثمن غاليا .

انقطع حبل أفكارها الطويل وانفتحت عيناها حين سمعت ركض

الصغيرات في الخارج لحظة دخول المرأة التي خرجت منذ قليل

وعادت ناحيتها بذات ملامحها الجامدة وصمتها الموحش , لا تفهم

لما جلبوها هنا تحديدا ولهذا المنزل دون غيره ولم تسأل ولا تناقش

لأنها تعلم أن ذلك بلا جدوى ولن تجلب سوا الأقاويل لنفسها ولوالدها

قبلها , وصلت عندها تحمل في يدها صحنا خزفيا صغيرا وضعته
على الطاولة بجانبها ومدت أصابعها لذقنها الصغير ورفعته لها برفق

ليرتفع رأسها للأعلى مقابلا لها وانحنت جانبا حيث وصلت يدها لذاك

الصحن وهمست مسمية بالله وبدأت بوضع ذاك السائل بشيء يشبه

عود الشجر في شكل نقاط ابتداء من أعلى حاجبها الأيمن تحفه بهم

حتى وصلت منتصف خدها لتصنع شكلا يشبه الزهرة بوريقات

صغيرة وكان سائلا شديد البياض متوسط الكثافة سريع الجفاف

تساعده بنفخها البسيط له من حين لآخر متمسكة بصمتها المميت

سوى من همسها كلما نظرت لوجه الجالسة أمامها نظرة

متفحصة تقيم بها ما وصلت له في عملها لتهمس

” بسم الله مشاء الله ”

دون أن تتبادل معها أطراف الحديث ولا أن تسألها عن شيء من

أحداث هذا الزواج الغريب لدى الجميع , جمعت كفيها ومررتهما

برفق فوق ذراعيها العاريان فلا شيء يغطي جسدها سوا القميص

الذي ألبسوه لها من الحرير الخالص باللون الأبيض العاجي كماه

قصيران بالكاد يغطيان أعلى الذراعين تحفهما نقوش زرقاء رقيقة

تمر بالكتفين وصولا لياقته المفتوحة الواسعة لتلتف حولها في شكل

زهرات ووريقات صغيرة جدا , وتنساب تلك النقوش الدقيقة عند

جانبيه مرورا بخصره وحتى نهايته عند منتصف الفخذين وما أن

جلست حتى كان أعلاهما ولولا القطعة الحريرية التي ناولوها لها

لتغطيهم بها لما سُتر منها شيء أمامهم , وليست تفهم ما نفع هذا

القميص وما دوره وما معنى ما يفعلون لها فهي لم تعرف هذه

التقوس والعادات أبدا لديهم وبحكم انقسام بلادهم فهم يجهلون

معنى أن تختلف العادات والتقاليد من طرف البلاد لحدودها

الأخرى كما هو الحال في كل مكان .

وضعت العود في الصحن وخرجت كلماتها الهامسة

” أغمضي لي عينيك ”

فانصاعت فورا متنهدة بأسى واستسلام لا تعلم ما نهاية كل هذه

المسرحية التي تشعر أنها تؤدي فيها دورا سينتهي في أي وقت

لتجد أن كل هذا مجرد حلم وانتهى , شعرت بكف تلك المرأة يتكئ

على خدها وبملمس بعض أصابعها والسائل البارد الذي انساب على

جفنها عند الرموش , اعتادت سابقا أن تضع كحلا رطبا خفيف اللون

جدا كما هو الحال عند جميع الفتيات في صنوان حين يتزين لحضور

حفلات الزفاف أو أيام العيد لكن هذا النوع من كحل العينين لم تكن

تستخدمه إلا النسوة المتزوجات ولم تضعه يوما , شعرت بالهواء

يهف على وجهها وهمس تلك المرأة يصلها مجددا قائلة

” لا تفتحي عينيك ”

وما هي إلا لحظات وانفتح باب الغرفة وأطلت منه المرأة الأخرى

لتخبرها أن رجلا كان بسم غريب صعُب على غسق فهم نطقه

ومعناه قد وصل مما جعلها تنفض يديها فورا وأسرعت نحوها

فتتبعتهما بنظرات حائرة وتلك تصل لها والأخرى قد همست

بحزم ” لما زينتها قبل وصوله ؟ ألا تعلمي أنه لا يجوز

وعقابنا قد يكون وخيما ”

فخرجت في صمت والأخرى تتبعها تاركين خلفهم تلك العينان

السوداء الواسعة التي اصطبغ أعلى جفونها فقط باللون الأسود

اللامع الثقيل ليزيدهما حسنا وغرابة تتبعهما باستغراب حتى اختفتا

خلف الباب المفتوح , وما هي إلا لحظات وعادت تلك الهمسات

الصغيرة والضحكات الناعمة واندفع الباب هذه المرة ليكشف عن

ثلاث طفلات لم تتجاوزن الستة أعوام تتقدمهن واحدة لفتت نظرها

على الفور بعينيها العسلية الواسعة وغرتها البنية الناعمة ونظرتها

الحزينة البريئة فابتسمت لها رغم كل ما مرت وتمر به وانفرجت

شفتاها عن ابتسامة صادقة ما أن وقع نظرها عليهن , طفلات من

بلادها تربطهم وحدة الدم والانتماء والوطن وإن كانت الحواجز

فصلت بينهم لعقود وأزمان طويلة , هم مرتبطون بها تشعر بذلك

وبقوة جارفة مصدرها القلب مهما حاولت البشر أن تغير تلك

الحقيقة وتشوهها ومهما فرقت بينهم الدماء والحروب .

شجعت ابتسامتها تلك أقدامهم الصغيرة للتحرك بخطوات وجلة

بطيئة نحوها , كانت أول مخلوقات صغيرة تراها هنا منذ دخولها

أراضي الحالك , بل أول نظرات بريئة وابتسامات صافية نقية

فهي لم ترى أحدا غير ساكني ذاك المنزل وعيني تلك العمة الطيبة

وقد ارتسم الحزن وأمور كثيرة تجهلها في معالمها حتى حول

نظرتها لشيء يشبه الانكسار الذي تعجز السنين عن مداواته .

وصلن عندها يلتفتن للخلف كل حين وقد عادت إحداهن راكضة

بعدما يئست من محاولاتها لثنيهن عن التقدم والعودة معها ووصلتا

الأخيرتين حتى وقفتا أمامها وجمعت عسلية العينين كفيها أمام فمها

الصغير الزهري وقالت بدهشة براءة وعينيها تتوهج لمعانا

محدقة بالجالسة أمامها ” كم أنتي جميلة !! ”

لتزداد ابتسامتها وتشتد حربها مع الدموع التي كانت تخوضها

مع عينيها من أيام كي لا تبكي وتنحب وتنكسر ويظهر ضعفها

أمام أي شخص هنا , مسحت أسفل عينيها بظهر كفها بقوة

وقالت ببحة ” ما أسمك يا جميلة ؟ ”

لتنفرج شفتاها الصغيرة بابتسامة واسعة وكأن معجزة ما حدثت

بتحدثها معها وقالت من فورها ” ماريه … اسمي ماريه

هل أنتي حقا زوجة الزعيم مطر ؟ ”

لتموت تلك الابتسامة على أعتاب شفتيها وينحرها ذاك الحزن

الذي خيم على ملامحها حين ذكرتها بواقع مرير لم تنساه أبدا

كانت تتمنى أن تجد لها إجابة غير الحقيقة بل وتنتظر معجزة ما

لتغير كل هذا فيبقى ثمة بصيص نور في النفق الطويل المظلم

لكن تلك السيدة أنقدتها من ثقل تلك الإجابة حين دخلت ولوحت

بيدها محدثة لهن بسخط ” أخرجا هيا من سمح لكما بالدخول

يا مشاغبات ”

لتتراكض خطواتهما متراقصة مع نغمات ضحكاتهم الصغيرة

ودخلت المرأة الأخرى ضاحكة على ركضهن ثم توجهتا نحوها

وأوقفتها إحداهما لتسقط قطعة القماش للأرض كاشفة عن فستانها

القصير بحريره الأبيض ونظرت لما انكشف من فخذيها وحاولت

سحبه قليل بيديها رغم أنه لم يكن ضيقا لينشد للأسفل لكنها لم تعتد

يوما على مثل هذا القصر في الملابس ، ورغم ملمسه الناعم كانت

تشعر به كالأشواك على بشرتها الرقيقة منذ أدركت أنه جزء من

ثوب العروس الرسمي لديهم ولن تنزعه قبل ذهابها من هنا .

نقلت نظرها للتي انحنت لصندوق آخر وفتحته وأخرجت منه ثوبا

لو كانت في ظروف أخرى لأبدت انبهارها الشديد به ، وكان

عبارة عن القطعة الملحقة بالتي تلبسها الآن , كان كعباءة طويلة

بأكمام طويلة وتأخذ الشكل القمعي عند فتحتها بينما تضيق جهة

الذراع وكان مكونا من طبقتين السفلية من الحرير الأبيض السميك

والعلوية عبارة عن شيفون نيلي اللون فاتح يكاد يكون ببياض الحرير

تحته , مطرز باليد بعناية بنقوش تشبه تلك التي تحف فستانها الذي

ترديه لكن هذه أكثر سمكا وأعرض من النقوش البسيطة تلك .

ألبستاها إياه بحذر منصاعة دون أن تسأل أو تتحدث فآخر ما تريده

أن يعلم الناس هنا أنها مجبرة على كل هذا فلا تريد لأحد أن يفرح

بانتصاره على والدها شراع ولا ذاك الرجل نفسه والمدعو

(مطر شاهين )
ما أن انسدلت تلك العباءة على جسدها حتى اكتشفت أكثر روعتها

وفخامتها وكيف أنها سترت جسدها بالكامل وحتى حناء يديها اختفت

تحت كميها واسعا الفتحتين ، وقفت إحدى المرأتين أمامها تتأكد من

المشابك الكريستالية البسيطة الممتدة على طولها من الأمام لتكتشف

حينها أنها تشبه الأزرار لتلك العباءة وحارت لما ألبسوها لها من

الرأس دون فتحها ! فسبقت تلك المرأة أفكارها وهي تقول بعدما

استوت واقفة وتأكدت من أنها مقفلة تماما ” حاذري من أن

تنفتح أو تفتحيها أنتي ”

تبعتها بنظراتها المستغربة حيث تابعت تلك وهي تعدل لها ياقتها

ونظرها على ما تفعل ” لا ينزعها إلا الزوج , تلك هي أعرافنا

وأضنك تجهلينها ”

أرجفت تلك الكلمات جسدها بوضوح شعرت به في كل جزء منه

ولم يكن سببه تلميحها الأول منذ وجودها هنا صباحا بأنها ليست من

هذه الأرض ولا تعرف شيئا عنها بل بسبب ….. ! أغمضت عينيها

بقوة وشدت بقبضتها على طرف القماش وعقلها يترجم معنى أن ذاك

الرجل وحده من يحق له نزعها من عليها ، ولعبت الطبول بضربات

قلبها وهي تدرك سبب ذاك الفستان القصير وأنها ستقف أمامه به

فتحت عينيها سريعا حين شعرت بإحداهما تسحب شيئا ما على رأسها

ووجهها لتكتشف أنه جزء من تلك العباءة موصولا بظهرها محاطا

بالنقوش أيضا وقد غطى كامل وجهها وصدرها وكتفيها في قصة

دائرية تشبه القبعة الكبيرة وليست بقبعة في الوقت ذاته لأن الأرض

تحتها بقت مكشوفة لها وأدركت ذلك ما أن شعرت بيد على ظهرها

والأخرى تمسك بيدها تحثانها على السير وصوت المرأة السمحة

بشوشة الوجه بينهما قائلة ” هيا فسنخرج الآن سيدتي ”

وسقطت حينها الدمعة التي كانت تكابدها منذ أيام فتلك الكلمات كان

وقعه عليها أكبر من أن تتحمله ومن أن تقاومه دموعها فمنذ الصباح

كانت تناديها بآنستي كلما لزم الأمر وتغير الكلمة الآن علمت أن له

معنا واحد أنها أصبحت زوجة لذاك الرجل , حقيقة لم يقنعها بها

لا ما مرت به خلال الأيام الماضية ولا وجودها هنا طوال النهار

كمن يعيش تمثيلية ستنتهي في أي وقت وكانت كلماتها تلك

كانقشاع لذاك الضباب لتنجلي لها الحقيقة التي كانت

تحاول تجاهلها منذ وقت .

*

*

حركت يديها وساعديها الصغيران الأبيضان المدوران أمام نحول

جسدها وقد احتضن كل واحد منهما سوار أصفر دائري وهي لا

تتوقف عن التحدث للجالسة على السرير أمامها تبتسم لها بحب

مستمعة لحديثها تحكي لها عن حوراء وأنها من أعطاهم الأساور

هي وابنتي عمها الثالث ثم ضمت يديها لصدرها وقالت بابتسامة

واسعة وسعادة وقد عادت لموضوعها الأول والأساسي

” ما أجملها عمتي لو أنك رأيتها فقط ”

ثم عادت تصف بيديها قائلة ” شعرها هكذا طويييل وأسسود ”

ثم أمسكت وجهها بيديها وقالت ” ووجهها عمتي هكذا … إنه … ”

وحين عجز لسانها المبهور عن الوصف قفزت وقالت ” ما أجملها

لم أرى واحدة بجمالها أبدا , وقالت لي أني جميلة تصوري ! ”

فضحكت الجالسة هناك ومدت يدها لها قائلة ” وأنتي جميلة

فعلا وستكبرين وتصبحين أجمل ”

ركضت ناحيتها وصعدت السرير ونامت برأسها الصغير على

صدرها تمسح لها على شعرها البني الناعم فأغمضت عينيها

العسلية الواسعة وقالت بحالمية ” حين أكبر أريد أن أصبح

مثلها وأن يتزوجني الزعيم مطر ”

لتخرج حينها الضحكة الساخرة من الجالس جانبا ولم يشارك في

الحديث منذ البداية كعادته فنظرت جهته بعين واحدة مفتوحة

وهمست ” انظري عمتي إنه يسخر مني مجددا ”

مسحت على شعرها بحنان وقالت ” لا تكترثي له , هذه

أحلامك أنتي لا أحد له بها دخل ”

ابتعدت عنها وجلست معتدلة وقالت ناظرة لها بحيرة

” كيف هي من صنوان وتزوجها هنا ؟!! ”

تنهدت وقالت ” لا أعلم بنيتي ولا أحد يعرف إلا أن

العروس ابنة شراع صنوان ”

وضعت أصبعها الصغير على فمها ونظرت للأعلى قليلا بتفكير

ثم نظرت لها وقالت مبتسمة ” لابد وأنها فعلت كما فعل عمي

شاهر حين خرج من الهازان وجاء هنا وتزوجك ”

لم تستطع تلك إمساك ضحكتها وقالت ” يالا مخيلتك ماريه !! ما

الذي سيدخلها هنا ومنزلها يبعد عنا أميالا كثيرة ؟ ”

خرج حينها المتكئ فوق السرير الآخر ينظر للسقف فقط من صمته

وقال ببرود ” غبية وستدفع الثمن غاليا تلك الحمقاء ”

نظرت له والدته بحزن وقالت ” قد يكون يريدها وتزوجها

لما تكون غبية ؟ ”

ابتسم بسخرية ولم يعلق ولسان حاله يقول ( لن يرحمها أحد وهي

ابنة صنوان وليست منهم ) ووالدته تفهم صمته ذاك وكلامه جيدا

وقد يئست تماما من أن يغير فكرة أنه ليس من هنا وأنها أخطئت

في زواجها من والده ، قفز من السرير على طوله حين علا صوت

المغرب مخترقا غرفتهم الصغيرة وخرج ويديه في جيوب بنطاله

متمسكا بصمته وبروده قاصدا المسجد القريب منهم كما علمه والده

وحرصت عليه والدته من بعده ، ما أن توارى عن نظرها نظرت

للجالسة معها على السرير ونظرها كان أيضا على الباب الذي

خرج منه للتو ثم نظرت لها وقالت بحيرة ” لما هو

غاضب لأن الزعيم مطر تزوجها !! ”

تنهدت بحزن عميق وقالت ماسحة على وجهها ” اتركينا منه

الآن وأخبريني لماذا غبت عني الأسبوع الماضي , هل كنت

مريضة ؟ ”

هزت رأسها الصغير نفيا وقالت بعبوس ” كنت غاضبة من تيم ”

خرجت ضحكتها متقطعة بسبب تنفسها فضمت يدها أما شفتيها

وسعلت قليلا ثم قالت ” لم أعرف قلبك قويا علينا هكذا ماريه ! ”

أبعدت غرتها من أمام عينها بيدها الصغيرة وقالت مبتسمة

” بلى خاصمته حتى وعدني وتصالحنا ”

ثم نظرت لساعدها ولسوارها الأصفر اللامع وقالت بعبوس قبل

أن تترك المجال للجالسة أمامها أن تستفسر عن ذاك الوعد

” حتى أنه لم يقل لي أن أساوري جميلة رغم أنه أول

من أريته إياها ”

خرجت ضحكة صغيرة من الجالسة أمامها وقالت مبتسمة

” لا تتأملي من الرجال كثيرا يا ابنتي خاصة من نوع هذا

الغاضب دائما فسيكون رجلا متعبا جدا لك ”

عادت علامات الاستفهام للدوران فوق رأسها فابتسمت لها

وقالت ” هيا ناولني ثوب الصلاة لأصلي فتيم يبدوا اعتمد

عليك ولم يحظره لي ”

نزلت من السرير من فورها قائلة ” أجل وسأحضر

ثوبي أيضا ونصلي معا هنا ”

*

*

تنهد بأسى ونظره لازال معلقا بالأفق البعيد وهو ينسلخ من حمرته

للابيضاض ليدخل آخر مراحل شفق هذا اليوم ، منذ عاد من الصلاة

وهذا هو مكانه عند أحد نوافذ وسط الطابق الأرضي من منزله وقد

غطى الوجوم على ملامحه مظهرا تلك الخطوط حول فمه وعينيه

لا يعرف بما يصف حاله في تلك اللحظة وما يجب فعله ليرتاح

قلبه الذي يعتصر ألما منذ ساعات النهار الأولى .

نظر جانبا حين شعر بكف يد أحدهم على كتفه لتلتقي عيناه بالعينين

التي لم يخفى عنه احمرارهما من البكاء الذي لم يشهده أحد ثم عاد

بنظره للأفق البعيد فوصله صوتها المنخفض قائلة بحزن

” هذا لن يجدي في شيء يا شراع ، انظر لصحتك

كيف أصبحت تتردى منذ …. ”

ولم تستطع متابعة حديثها وقول تلك الكلمات التي ستذكره بالحقيقة

التي لم ينساها أحد في ذاك المنزل ، تنهدت بعجز وقالت بهدوء

” ما كان بوسعك فعل شيء يا أخي وغسق تعلم ذاك جيد و …. ”

قاطعها بحزن ” أصبحت زوجته اليوم وأنا واقف أتفرج يا جويرية

حتى أني لست من وقّع عقد زواجها ولا سلمتها لزوجها بنفسي

خذلت والدتها بي وخذلتها هي أيضا وانتهى كل شيء ”

نزلت بيدها من كتفه ليده وشدت عليها بقوة وقالت بجدية ونظرها

لازال معلقا بجانب وجهه ” اللوم لا يقع عليك يا شراع ، والدتها

أوصت أن تزوجوها لأحد رجال قبيلتها وحدث وإن رغما عن

الجميع وغسق لن تلقي باللوم عليك أبدا وأنت أكثر من يعرف

مدى حبها لك ، وليست بالفتاة الغبية التي قد يفوتها

أن تحلل الأمور وتفهمها جيدا ”

قال مركزا على نقطة واحدة من حديثها وكأنه لم يسمع بقيته

” قالت لي زوّجها من قبيلتها لكنها لم تقل ابن شاهين بل

طلبت أن لا يصل خبر المولود له ”

مسحت على ذراعه بيدها الأخرى وقالت تجاهد عبرتها من

الخروج ” تمنى لها السعادة يا أخي فلو لوم النفس يجدي شيئا

لعادت من كثرة ما لمت نفسي ولازلت أعض أصابعي

ندما حتى اللحظة ”

تنهد بأسى وأنزل رأسه ونظره للأسفل فمسحت الواقفة بجانبه

عينيها قبل أن تخونها دموعها أمامه وتزيده على ما به وقالت

” هل كان وقع الخبر على مجلس كبار القبائل سيئا ؟ أرى

غمك يفوق واقع زواجها منه ! ”

قال ورأسه لازال مطأطأ للأسفل وكأنه يفرغ ما به ” البعض شجعوا

الأمر ظناً منهم أني ضحيت بها من أجل المهادنة ومصلحة صنوان

جميعها وهم يجهلون حقيقة أنه لم يراهن بالمهادنة أبدا ، والبعض

ضنوا أنه حاصرني بالمهادنة وأراد أخذها ليجعلها نقطة ضعف لي

وغفلوا عن أنه آخر رجل قد يفعلها , فإن اتخذها فعلا كورقة ضغط

يشهرها كلما ادعت الحاجة سيكون أظهر ضعفا بذلك فالضعفاء

فقط من ينهجون ذاك المنهاج المخزي وهو أبعد من أن

يضع نفسه في ذاك الموضع ”

رفع نظره للنافدة مجددا وتابع ” أبناء أخوالها أمسكوهم بالقوة

يريدون الإغارة عليهم واستردادها وإن كان المقابل حربا ولا

يعلمون أنهم بذلك يخدمونه خدمة العمر بعدما وضع ذاك القانون

بأن يأخذ مقابل كل قتيل من رجاله مساحة شاسعة من حقولنا خلف

الحدود ، ذاك الرجل درس كل شيء قبل أن يقدم على أي خطوة .

لقد حاصرنا حتى أشقائها عرف كيف يكبلهم بتلك النقطة التي ضن

الجميع أنها بادرة خير منه وتخدم مصلحتنا جميعا بينما هي تخدم

مصالحه وحده ولن يتجرأ أحد على مس رجل من رجاله

لأنه الكاسب الوحيد حينها ”

ثم قبض يده بقوة وقد أظلمت نظرته بأسى شديد وهمس من

بين أسنانه ” سحقا له ، له عقل ثعلب وقلب أسد ومناورة

نمر , لقد هزمني في لحظة دون حتى قتال ”

نظرت له بتوجس وقالت ” وما كان وقع ذلك على الحالك ؟ ”

هز رأسه نفيا وقال ” أنتي تعلمي أن الأخبار منقطعة عن بعضنا

منذ ولدنا في هذه البلاد سوا ما يتسرب عن الحروب والموت

والقنوات الإخبارية لم يتحدث فيها أحد منهم عن تحليله للسبب

جميعهم يتحدثون عن انتصاراته وخططه وأفكاره وكأنهم

راضين تماما عما فعل ويثقون به حد أن يضنوا أنه

استغل زواجه بها لصالحه وصالحهم ”

ثم أردف بسخرية مؤلمة ” البعض هنا ممن علموا عن وجود

غسق في توز من فترة بدئوا يتناقلون الشائعات بأنها تجولت

في الحقول وأنه رآها عند الحدود وافتتن بها ولم يستطع

مقاومتها فتحايل بالمهادنة كي يتزوجها رغما عنا ”

ضربت كفيها ببعض هازة رأسها بأسى وقالت ” ولما تزوجها إذا

إن كانت جميع تخميناتنا عن السبب مستحيلة وإن كان لن يجلب

له هذا الزواج إلا القيل والقال وهو يدرك ذلك جيدا بالتأكيد ؟؟ ”

ابتسم حينها بسخرية معلقا ” اتركي الأيام تخبرنا كما لمح

هو يا جويرية ”

تنهدت بعجز وتمتمت مغادرة من عنده ” بت أنا الآن التي تتمنى

أن يتحقق باقي رؤيا قطاط ذاك وأن تكون رؤيا فعلا لعل هزيمته

النكراء تكون على يد امرأة منهم ونصفها من صنوان أيضا ”

وغابت بعيدا بكلماتها التي لا يسمعها أحد سواها تاركة إياه خلفها

ولازال نظره معانقا ذاك الأفق وصورة تلك الطفلة التي رباها

على يديه حتى كبرت لا تفارقه لحظة , ولولا شرط المهادنة

ذاك ومصلحة قبائلهم ما توانى لحظة عن الهجوم عليهم

فإما أن يعيدها أو أن يموت دون ذلك .

*

*

أرّقها كثرة تقلبه في السرير بل ومفارقة النوم لعينيه مما جعلها

تسهد أيضا فجلست أخيرا ونظرت لساعة هاتفها التي كانت تشير

لدنوا وقت الفجر لديهم فوضعت الهاتف ونظرت لظهره الذي

يوليه لها وقالت بهدوء ” سلطان ما بك ؟ ”

فاكتفى بالتنهد دون أن يجيب ، هي الأقرب إليه من بين زوجاته

الثلاثة بل هي الأفضل خلقا بينهن ولولا جنون والده بزيادة عدد

أحفاده ما تزوج غيرها بعد زوجته المتوفاة أم وقاص ، وليلته معها

تعد الليلة الساكنة الهادئة الوحيدة التي ينام فيها دون أن يسمع سيلا

من الشكاوي ألا مبررة ولا منطقية , لكنه الليلة ما كان ليرتاح ولا

لينام حتى هنا معها ، طال صمته ولاحظ أنها لازالت جالسة تنتظر

جوابه فهمس بصوت عميق كئيب ” لا شيء يا رقية

نامي ولا تشغلي بالك ”

لنور الخفيف بجانبها ونظرت له مجددا قائلة ” كيف ا أضاءت

لا شيء وأنت لم تنم رغم شدة تعبك ! وتتقلب طوال الوقت

وكأنك تنام على الجمر ”

همس مجددا وببرود ” لن يعنيك ذلك حتى لو أخبرتك فنامي ”

هزت رأسها بيأس منه وقالت ” الهازان في الموضوع إذا ؟

هل أغار ابن شاهين على مدن جديدة ؟ ”

لاذ بالصمت ولم يعلق فتأففت وقالت ” سلطان إن أخبرك

أحدهم أني بلا قلب مطلقا فقد أخطأ ”

قال ولازال موليا ظهره لها ” وأنكري أنك تبتهجين بما يحدث

لهم هناك ؟ واطمئني فابن شاهين لم يغر عليهم ومن أين

سيجد لهم وقتا وزواجه الليلة ”

قالت بضيق ” ما أصاب عائلتي سببه ابن راكان هازان وقبيلة

كنعان وليس الهازان جميعها فلا تقسو عليا في حكمك وضع نفسك

مكاني وقبيلتك تسلم والدك وأخوتك وأبناء أعمامك لابن راكان بدم

بارد ليقتلوهم جهارا أمام العلن بتهمة هم أبعد عن التفكير فيها ”

اكتفى بالصمت ولم يعلق فهزت رأسها بيأس وقالت

” حسنا أخبرني ما يؤرقك على الأقل ؟ ”

قال هاربا من استجوابها ” ابن خالي توفي في اقتتال بين

مجموعة , كانت رصاصة طائشة ”

فتنهدت بحزن متمتمة بالدعاء له بالرحمة وما تجهله أنه توفي

منذ يومين وما كان ليفعل فيه ذاك الخبر ما يحدث معه الآن

وضع إحدى الوسائد على رأسه ممسكا لها يعصرها بقبضته

بقوة وهمس بخفوت من بين أسنانه ” سحقا لسياستك يا

ابن راكان ”

*

*

وبينما كانت قوات الحالك تقف عند أقرب نقطة من حدود خماصة

داخل الهازان كانت الخيام المنصوبة في وسط حوران تعج بأصوات

الرجال والطعام وركض الأطفال وقد نصبت غيرها وبعيدا قليلا عنها

واحدة كبيرة من أجل النساء , والجميع كان مدعوا تلك الليلة والجميع

مبتهج سواء من أيد ذاك الزواج ومن رفضه ومن تحفظ بشأنه , أما

ذاك المنزل الواسع وحسب الأوامر فقد اكتفوا بتنظيفه وتعطيره

وإخلائه من الجميع كما طلب منهم .

التفت برأسه ونظر من فوق كتفه لأحد أقرب رجاله حين أمسك كتفه

بيده وكان ممن اختاروا أن يكونوا معه الليلة وترك مثله جبهة القتال

قال له مبتسما ” لما لا تترك عنك هذا الهاتف واعتمد عليهم فعمك

اقترب بالعروس من حوران وسيدخلون المدينة قريبا ”

التفت له بجسده ووقف مقابلا له وأعاد الهاتف على أذنه مجددا

وقال لمن في الطرف الآخر ” صلني ببشر حالا ”

فابتسم المقابل له هازا رأسه بيأس منه وتمتم هامسا

” من الخطأ اختيارهم هذه الليلة لشن ذاك الهجوم ”

وما أن أنهى كلامه حتى رن هاتفه فرفعه لأذنه واستمع لمن في

الطرف الآخر دون أن يجيب ثم عاد ووضعه في جيبه ومد يده

للهاتف الذي على أذن الواقف أمامه وسحبه من يده قائلا بابتسامة

” السيارات دخلت حوران ورجال المدينة جميعهم خرجوا فهيا

لنزفك وعروسك واترك عنك هذا الهاتف الليلة فلن أعطيه لك

قبل الصباح ”

تركه يأخذه منه دون أن يعلق بشيء وتحرك أمامه جهة الخيام

المصفوفة وقد هب كل من كان فيها واقفا في الخارج ما أن سمعوا

باقتراب السيارات التي جاءت بالعروس من جهة الحدود حيث أنه

وحسب ظن الجميع أنها دخلت من توز في صنوان لقرية حجور

الحدودية لديهم فجر اليوم , وكما يتوقع الجميع فهم يعزون أن جميع

أفعال زعيمهم وقراراته لا يتخذها إلا لأنها تخدم مصالحهم ومستقبلهم

خاصة أنه لم يفصح عن السبب وراء كل هذا , ولأنها ليست عادته

أساسا , ولأنهم أعلم بغيرهم عن مدى تجلده اتجاه كل ما يخص النساء

ومنذ صغره وحتى حين صار فتيا رجحوا أن السبب تكتيك حربي وإن

على المدى البعيد وأعدوها صفقة حرب ناجحة وكأن كل فرد منهم

لا يريد أن يضع ذاك الزعيم موضعا أقل مما يرونه فيه ويلتمسوا

له الأعذار وإن لم يقدمها بنفسه ولم يهتم .

ودخلت السيارات العشرة شوارع حوران بأصوات أبواقها العالية

وأضواءها المتغيرة في ظلمة تلك الشوارع التي لا يزينها سوى الأضواء

الخفيفة للمنازل ليقف من لم يحظر هناك متفرجا من باب أو نافذة منزله

وتلك السيارات تعبر ببطء وكأنها ترقص فوق تلك الأرصفة على لحن

أبواقها حتى اقتربوا من تلك الخيام التي نصبت قريبا من منزل زعيمهم

وقد اصطف الرجال واقفين خارجها بمختلف أعمارهم يراقبون صاحب

الخطوات الواثقة الثابتة وهو يتوجه جهة السيارات التي لاحت لهم من

بعيد متقدمة نحوهم ببطء وثلاثة من أقرب رجاله يسيرون خلفه مثل ظله

خطواتهم تتسم أيضا بتك القوة والثقة ورغم ذلك لازال هو صاحب الهيبة

الأقوى والحركة الأشد ثقة وقد احتضن جسده القوي الصلب تلك البذلة

العاجية التي تميزه عن غيره في هذا اليوم وهو الزي الخاص بالزوج

لديهم بسترته المخصرة الطويلة بعض الشيء منقوشة الأطراف بطابع

رجولي فخم وباللون الأزرق الفاتح , قد عكس بياضها على لون شعره

الأسود اللامع ولحيته المشذبة بعناية وبياض عنقه وعظمة ترقوته التي

قد لفحها حر الشمس معطيا لها لونا متناغما مع شخصيته وصلابته

يسير وهم خلفه لتنقشع تماما صورة ذاك الزعيم وهو يتقدم من سيارة

عروسه في ليلة زواجه وحيدا لا أب لا أخوة لا أعمام ولا أبنائهم

ولا حتى جد , وقفوا أربعتهم دون أن يلحق بهم أحد ما أن وقفت

السيارات تتقدمهم سيارة عمه صقر الذي فتح بابها ونزل منه ونظر

لابن شقيقه مبتسما وقد سقط نظر المقابل له فورا على الجالسة في

الكرسي الخلفي لا يظهر منها شيء سوا الثوب الذي تلبسه مظهرا

هيئة جسدها الأنثوي وكان واضحا إنزالها لرأسها للأسفل من هيئة

جلوسها وإن كانت مستقيمة الظهر , ركز نظره على يديها وقد خانته

توقعاته فلم تكن تقبض أصابعها ببعض بقوة ولا تقبض على قماش

ثوبها بتوتر وخوف بل كانتا مفرودتان على فخذيها لاحظ ذلك واضحا

بانكشاف إحداهما من تحت كميها الطويلان وقد ظهرت أصابعها البيضاء

تزينها أزهار الحناء بلونها الأحمر الغامق في تناسق غريب بينهما , ولم

يفهم أهو مكابرة منها في هذا الوضع الذي تتوتر فيه أي فتاة وتخاف أم

أنها فعلا لا تأبه بشيء !! رفع نظره منها لعمه الواقف في الجانب الآخر

من السيارة ثم رفع يده في إشارة فهمها من حوله على الفور فتراجع

رجاله الثلاثة للخلف في خطوة واحدة وتراجعت معهم تلك السيارات

مسافة تكفي لإدخال سيارتين بينهم وتقدم حينها المسافة التي

كانت تفصله عن السيارة ومد يده للباب الخلفي وفتحه

المخرج ~

بقلم الغالية : انجوانا

على لسان جبران
قلبي بحبك يتغنى ….والان انكسر
من يجبر ذلك ويشفي جرحي ويعالج الضرر..
حلمت بكِ ليالي عمري والدهر . . ..
والان بعد كل شي بدات افقدك فهل من صبر …
انصفوني من كل هذا يابشر…..
قلبي تحطم وانتهى الامر ….
مالي قدره للتحمل او الصبر …
اعيدو بلسم روحي قبل ان انتحر ..
هكذا بكل بساطه يأتي غيري وينتصر
اريدك انتي لا غيرك من البشر …..
انا جبران وهو مطر …من المنتصر . .
******

نهاية الفصل

رواية جنون المطر(الجزء الأول ) للكاتبة برد المشاعر

الفصل الثامن عشر

المدخل ~
بقلم الغالية : حالمهه

مطر مطر مطر..
هآ قد أتى مطر..
غسق غسق غسق..
فتلهربي من الخطر..
مطر مطر مطر..
هآ قد أتى جنون المطر..
غسق غسق غسق..
ويلك من عذابه المنقهر..
مطر مطر مطر..
هآ قد جاء المنتصر..
غسق غسق غسق..
تمتمي بآيات الفلق..
مطر مطر مطر..
هآ قد جاء ورحل..
غسق غسق غسق..
جمالك الفتآن السبب..

*******

دفعت الباب ببطء ودخلت بكرسيها ليسقط نظرها فورا على الجالسة

على السرير منزلة رأسها وتنظر ليديها في حجرها في صمت ثم

سرعان ما حولته منها للكرسي الملقى عليه اللباس الخارجي الأبيض

لزواجها فتنهدت بعجز وتقدمت منها محركة عجلات كرسيها قائلة

” صباح الخير يا ابنتي ”

فخرج لها همسها مجيبة عليها بحروف بالكاد سمعتها وصوت أبح

مخنوق ونظرها لازال على يديها , فاقتربت منها أكثر حتى وصلت

عند سريرها وقد عجز لسانها على أن تبارك لها زواجها بابن شقيقها

وهي نامت هنا وحيدة في غرفتها السابقة ولم يرى أحد ذاك الزوج

منذ أول ليلة أمس ولم يتصل بهم , قالت بهدوء مراقبة ملامحها

العابسة متمسكة بصامتة ” ما كان عليك نزع الثوب بنفسك

يا غسق فذاك فأل سيء على العروس ”

فأشاحت بنظرها بعيدا للجانب الأخر تمنع نفسها بقوة من الانفجار

فيها , فأي شؤم لم يصيبها غير الذي هي فيه وأي سوء هذا الذي لم

تراه بعد ! ظنت أن تلك الأفكار تختص بها عمتها فقط لكنها اكتشفت

الآن أنها متأصلة في جميع أقطار بلادها , شبكت تلك يديها ببعضهما

ونظرها لازال عليها وقالت بذات هدوئها ” يحق لك أن تغضبي

وتستائي لكن مطر ما خرج إلا مرغما ”

ثم تابعت مبتسمة ” لا يوجد رجل يرى هذا الحسن ويخرج

ويتركه إلا مجبرا أو أنه فقد عقله ”

أبعدت وجهها عنها أكثر وابتسمت بسخرية لا تريد أن تراها على

ملامحها وخرج صوتها باردا كالجليد ” لست أهتم لكل هذا ولم

أختره راضية ليزعجني تركه لي فكلها سواء ”

أرادت حقا أن تخفي جرح كرامتها أمامهم فمهما كانت تعلم أنه

لا يريدها ومهما كانت مجبرة عليه فتلك إهانة في حقها وقد

زادت شقيقته تلك الأمور سوءا بما رمتها به كالقذائف فنصف

تعكر مزاجها ليس بسبب ذاك بل بسبب شقيقته وسخريتها منها

ومما فعل بها , وقد اعترفت بعجز أنه إن كان غرضه إذلالها

فقد فعل وإن كان غرضه كسر صورة والدها شراع أمام قبائله

أكثر مما فعل فقد نجح وبجدارة , تنهدت العمة بعجز وقالت

” إذا اصعدي لغرفتك فبقائك هنا لا يجوز وغرفتك وزوجك

مجهزة وأنتي أصبحتِ إحدى سيدات هذا المنزل ”

وجوابها طبعا كان الصمت وقد عضت شفتيها بقوة في عادتها الدائمة

لكتمان خروج الكلمات وهي على رأس لسانها فلا تريد أن تخطئ

في حق هذه العجوز الطيبة ولا أن تظهر انزعاجها الحانق مما حدث

بصراخها الغاضب المحتج , سمعت تنهيدتها القوية حين طال صمتها

وقالت ” سأطلب من إحدى الخادمات إذا أن تنزل لك ثوبا بدل

هذا فهوا غير مريح ولا أعلم كيف نمتِ فيه ”

وخرجت يتبعها الصوت الخفيف لصرير عجلات كرسيها تاركة

خلفها التي رفعت رأسها للأعلى تمنع دموع قهرها من النزول

الدموع التي أقسمت أن لا تنزل منها مهما حدث وسيحدث معها

تمتمت بأسى ساخر ” وهل نمت أنا ليضايقني ! ”

وقد ازداد حنقها فوق ما كان وشدت قبضتيها على الملاءة التي

تغطي بها نصف جسدها السفلي متمسكة بها منذ ليلة البارحة لتستر

فخذيها مع هذا القميص القصير الذي لم تجد له بديلا في هذه الغرفة

التي يبدوا أنهم أخلوها حتى من ثياب المنزل القليلة تلك التي جلبوها

لها لتلبسها فترة إقامتها هنا ، كما لم تجد لها مكانا سوا هذه الغرفة

الكئيبة التي كرهتها من كثرة ما كانت سجينة فيها .

انفتح الباب مجددا فتنفست بضيق من قبل أن ترى الداخل من يكون

فإن كانت المدعوة جوزاء فلن تعد نفسها أبدا بأن تمسك لسانها عنها

ولن تضع تربيتها ومبادئها في الواجهة لأنها الآن بالذات لا تستطيع

تحمل أي شيء من أي أحد ، لكن ولحسن حظ كليهما كانت إحدى

الخادمات التي دخلت مبتسمة تحمل شيئا في يديها وضعته عند طرف

السرير ثم استوت واقفة وقالت وابتسامتها لم تفارقها ” صباح الخير

سيدتي ، السيدة الكبيرة طلبت جلب فستان لك وأنا اخترت هذا ، كما

وجلبت لك معه أيضا ملابس داخلية إن كنت ترغبين في الاستحمام

وإن كنت تريدين الصعود لغرفتك والسيد مطر فهي في ا…. ”

قاطعتها بفظاظة ” شكرا يمكنك المغادرة ”

لكنها بدلا عن ذلك قالت بذات ابتسامتها ” أتمنى أن تكون الثياب

على مقاسك وإلا سترمى قطعا كثيرة قد تم شرائها جهازا لك ”

قبضت أصابعها على قماش الملاءة بقوة وقالت متمسكة بآخر ذرة

صبر لديها ” أريد أن أنزل من السرير وهذا القميص قصير جدا ”

ففهمت تلك فورا وأومأت برأسها باحترام وخرجت مغادرة وقد أغلقت

الباب خلفها فرمت الغطاء من عليها وغادرت السرير ودخلت الحمام

من فورها لعل المياه الباردة تخفف شيئا مما تشعر به ، وما أن وقفت

تحت رذاذ الماء المنساب على جسدها الناعم ومررت يدها برفق على

عنقها حتى شعرت بذاك الارتجاف يسري لجسدها وهي تتذكر لمسته

لها البارحة وحضوره المهيب المسيطر رغم أنها لم تراه , فحتى ملمس

أصابعه وكفه على بشرة يدها وهو يمسكها بكل تملك لازالت تشعر به

حتى الآن ، رفعت وجهها للأعلى مواجها لرذاذ الماء مغمضة العينين

تحاول طرد كل ذكرى ربطتهما البارحة وأولهم تركه لها عرضة للإهانة

من الجميع وعلى رأسهم شقيقته تلك ، وبعد وقت وجهد قضته في غسلها

لشعرها لفت جسدها بالمنشفة وخرجت تحمل ذاك القميص في يدها ورمته

بإهمال مع قطعته الأخرى فوق الكرسي متمتمة ” لنرى أي شؤم هذا

الذي سيحل عليك يا ابن شاهين ”

وتوجهت للسرير من فورها ورفعت ذاك الفستان الطويل المصنوع

من قماش الشيفون بلونه الأزرق الحبري وثلاث أزهار حمراء كبيرة

طبعت عليه و له كمان واسعان ثم يضيقان تحت المرفق ، وسقط نظرها

بعدها على الحزام الأحمر المرفق له ، تأكدت من إغلاق باب الغرفة جيدا

ثم ارتدت ملابسها وذهلت من أنه كان قياسها تماما وأجمل بكثير مما كان

قبل أن تلبسه ، كان بياقة بسيطة دائرية مزينة بمشبك فضي بسيط مرصع

بالفصوص ، وقد وصل طول ذاك الفستان للأرض مغطيا قدميها ومخصرا

عند منتصفه مناسبا لجسدها من الأعلى منسابا باتساع في الأسفل ، رفعت

الحزام العريض الأحمر المصنوع من الحرير الصناعي بلمعته الجميلة ولفته

حول خصرها وربطته في الخلف بعقدة بسيطة ثم مررت يديها بنعومة على

جسدها , هذا النوع من الفساتين لن يكونوا اشتروه من هنا فمن أين أحضروه

تحديدا ! وذوق من هذا في مثل هذه الثياب ؟ رمت تلك الأفكار من رأسها

بسرعة وجلست على طرف السرير وبدأت تمشط شعرها الرطب بروية

وتنهدت بحزن ، لكم تحتاج لعمتها الآن فهي من كانت تقوم بهذه المهمة

عنها ، فما أن تنهي حمامها ولبس ثيابها تنزل السلالم ركضا والمشط في

يدها بحثا عنها لتستقبلها تلك موبخة لها بابتسامة ( انزلي على مهل ولا

تكثري لي العقد في شعرك الطويل )

مسحت طرف عينها تمنع دمعتها من النزول وهي تكرر قسمها لنفسها

أن لا تبكي وأن لا تريهم دموعها متذكرة جملة والدها الدائمة لها منذ

كانت صغيرة ( البكاء يضعف الإنسان بنيتي والضعفاء يصعد الناس

على ظهورهم , مثلما أنهم لا يحترمون ولا يهابون إلا قوي العزيمة )

ووقفت سريعا قبل أن تجد نفسها تجهش في البكاء وهي تسبح أكثر

في تذكرها لذاك الرجل الأعظم في حياتها ، لبست الحذاء الذي جلبته

الخادمة مع باقي الأغراض ثم توجهت للنافذة أبعدت الستائر عنها

وفتحتها على اتساعها ليستقبلها نسيم الصباح برقته ورائحة الأزهار

والأشجار العبقة فجمعت شعرها كله جانبا ومررت أصابعها فيه

سامحة للهواء بتخلله ليجففه ببطء تستمتع بمنظر الحديقة الجميل

لعله يحسن من مزاجها قليلا ، فبالرغم من أنه الجزء الخلفي من

حديقة ذاك المنزل إلا أنه من الروعة ما يليق بأن يكون واجهته

*

*

سار بخطوات ثقيلة وبصعوبة حاملا سلة القمامة التي تكاد توازي

طوله حتى وصل بها للبرميل الحديدي الكبير المخصص لجمعها

في ذاك المقر الواسع لجنود الحدود ، حاول رفعها بكل جهده مسندا

لها على ركبته لكي يرفعها بعد ذلك على كتفه ثم يفرغها كما يفعل

يوميا , ففوجئ بها تطير من يده وينسكب ما فيها داخل ذاك البرميل

فنظر فوقه بسرعة للجسد الذي حجب عنه نور الشمس الساطع ثم مدها

له وقال مبتسما ” حسنا يا تيم ألم تفكر في عرضي لك وتغير رأيك ؟ ”

أخذ السلة الطويلة منه وسار قائلا ” لا ”

فتبعه ذاك سائرا خلفه يديه في جيوب بنطلونه العسكري وقال ” أنا

أعرض عليك عرضا مغريا لن يحلم به فتى في سنك ووضعك

أبدا فوافق وسأعلمك جميع أنواع الأسلحة الخفيفة وسيكون سرنا ”

وقف والتفت له ورفع رأسه ناظرا له تلك النظرة الحادة الباردة

وقال ” ولماذا ؟ ”

وضع ذاك يده على رأس الواقف أمامه ولعب بشعره الأسود

الكثيف وقال مبتسما ” لأني أريد ذلك فقط ”

تحرك حينها تيم من جديد قائلا بذات بروده ” وأنا لا أريد ”

تبعه ذاك الشاب بدون يأس وقال ” حسنا سأخبرك أمرا ”

فتابع تيم سيره جهة باب العيادة الصغيرة متجاهلا له وتابع ذاك

” والدتي من صنوان كما جدتي والدة والدي أيضا ”

وقف تيم حينها والتفت له مجددا ونظر لبذلته العسكرية ثم لوجهه

فقال ذاك بعبوس ” وأعلم معنى أن تكون نصف منتمي لمن

تعيش وسطهم ”

قال تيم ناظرا له فوقه ” لكنك من الحالك ، والدك من هنا ”

بسط كفيه جانبا وقال ببرود ” لكن الكثيرين لا يرون إلا ما يريدون

رؤيته ، حتى المدرسة أذكر كم كرهتها وأنا صغير وكنت أهرب

منها وأتلقى عقابا من والدي كلما وجدني مختبئ كي لا أذهب لها

حتى إخوتي من والدي لم يحبوني قط وكانوا ينادونني بابن

صنوان ”

قال تيم من فوره ” ألهذا أصبحت جنديا مقاتلا ؟ ”

دس يديه في جيوبه مجددا وحرك كتفيه بلا مبالاة قائلا

” في البداية كان الأمر كذلك وكنت أريد أن اثبت لهم أني منهم

لكن الأمر تغير فيما بعد ولم أعد أهتم وأحببت فعلا ما صرت

عليه وزادت ثقتي بنفسي بعدما تدربت هنا ”

سكت تيم لبرهة ثم قال ” ماذا إن غارت الحالك على صنوان ؟

ألم تفكر في هذا ؟ ”

هز ذاك رأسه بلا وقال ” لا خوف من ذلك فأمثالك وأمثالي لا يقاتلون

من اشترك في الدم معهم هذا هو قانون الزعيم ابن شاهين أم نسيت ”

حرك طرف شفته بتهكم وقال ” تبقى أنت ابن الحالك ولست مثلي ”

حرك ذاك رأسه برفض وقال ” أعلم طريقة تفكيرك وأتفهم موقفك

لذلك عرضت عليك أن أدربك عليها سرا ”

قال من مجددا ” ولماذا ؟ ”

ابتسم ذاك وقال ” حتى إن استمر زحف الزعيم مطر على الهازان

وأخذ مدن أكثر وعدت لمدينتك بعد عودة أهلها لها فستستهجنك

الناس يا تيم وأنت أذكى من سنك ومن أن لا تفكر في ذلك ., لهذا

عليك أن تكون أقوى حين تكبر كي يهابك الناس وإن لم يحترموك ”

قال له ببرود ” لن أبقى هنا حين أكبر لتهينني الحالك أو الهازان ”

هز ذاك الشاب رأسه بيأس منه وقال ” وإن يكن فأنت تحتاج لهذا

ومتشوق له , كنت في مثل سنك وأعلم جيدا ما يعني لك إمساك

السلاح وتعلمه , وستحتاج لكل هذا حين تكبر يا تيم صدقني ”

ثم ابتسم بانتصار وهو يرى علامات التردد على ملامحه وقال

” لن يعلم أحد أعدك وستشكرني مستقبلا يا تيم ”

حرك عينيه قليلا بتفكير ثم نظر له وقال ” سأفكر في الأمر ”

لتنطلق ضحكة الواقف فوقه وقال ” لا تقل بأنك ستسأل والدتك

أولاً لأنها لن تترك تأتي هنا مجددا ”

تحولت ملامحه للضيق وقال ” أنا لا آخذ رأي والدتي في

شيء أريده وأقتنع به ، لست طفلا ”

لعبت أصابعه بشعر الواقف تحته وقال ” وأنا متأكد من ذلك جيدا ”

ثم مد يده له مصافحا وقال ” أنا أسمي عمير وأريد أن نكون

أصدقاء أيضا ”

نظر تيم ليده لبرهة ثم مد يده الصغيرة بالنسبة لتلك اليد وصافحه

ذاك بقوة ألمته ثم أرخى يده عنه وقال ضاحكا ” وأول ما سنفعله

أن نجعل هذه اليد قوية جدا ”

*

*

وضعها لها في حجرها برفق وهمس ” داعبي شعرها

ووجهها الآن لتستيقظ ”

نظرت لها بحزن وحنان وحب وقالت ” ما أجملها وأصغرها

لا يبدوا عليها أبدا أنها في الرابعة من عمرها وكأنها لم

تجتز الثالثة