8,381 اجمالى المشاهدات,  3 اليوم

رواية مذاق العشق المر (الجزء الثاني من سلسلة وتاهت بين القلوب حكايا )


اقتباس …
“ابعد عني ..”
صرخت بها وهي تدفعه بما تبقى لديها من قوة ..
تحشرج صوتها للحظات وهي تقول بينما تضم جسدها بذراعيها “انا بكره جسمي عشان لمسته …بكره قلبي اللي دقلك …بكره حتى نفسي اللي في يوم انتمت ليك ”
مد كفيه في تردد فحذرته نظراتها الملتاعة من اي قرب اخر ليدافع في وهن عن جرمه :
“كان غصب عني …افهمي بقا…محبتش غيرك …للي حصل كان ”
قاطعته تصرخ في جنون :
“اللي حصل كان خيانة ..كان جرح عمري كله …كان ابن حرام هيفضل طول عمره قدام عينك يفكرك بذنبك وحقارتك ”

الفصل الأول
بسم الله
“تعلن الخطوط الجوية التابعة لمصر للطيران عن وصول رحلتها رقم 704 والقادمة من باريس “، تردد النداء فى انحاء المطار ليتنهد رجل فى منتصف الستينات تقريبا وهو يضيق عينيه ليعادل الرؤية التى ضعفت بفعل الزمن ويجول باحثا عن وجه غاب عن عينيه لسنوات طويلة ، وجه يحمل بملامحه ذكريات الطفولة وعنفوان الشباب وطيشه وجنونه ، اعوام طويلة فصلت بينهما الا ان الوصال لم ينقطع وان كان هاتفيا، ربما كان هذا كافيا ليبقى ميثاق الصداقة قائما لكل هذا العمر رغم كل مافصل بينهما من مسافات ،أخذ يدقق النظر باحثا عن صديقه الذى قرر بعد اعوام طويلة العودة الى ارض الوطن مع ولديه حتى تلاقت اعينهما اخيرا ففتح كل منهما ذراعيه من قبل ان يقترب حتى من الاخر ، خطوات مسرعة متعثرة من كليهما دفعتهما فى النهاية الى عناق طويل وحميم بثا فيه كل ما اختزناه من مشاعر وذرفت فيه كثير من الدموع ، دموع الحنين لكل شىء للصحبة للوطن للاهل ولكل ذكرى حلوة كانت ام مرة ، دموع الكهولة ما اسهلها وما ايسر ان تراق فى لحظة وكأنها تخرج كل ما مر به الانسان على كل فترات حياته ، بعد دقائق استطاع كل منهما التخلص من بين ذراعى الاخر وان بقيت الايادى متشابكة بعض الشىء ، نظر محمود الى صديقه الغائب في حنين قائلا ” اخيرا يا سمير ..رجعت بلدك اخيرا ”
دمعت عينا سمير فى تأثر وقال ” اخيرا يا محمود ” وترك يده وهو يشير الى طفل فى التاسعة من العمر يرتدى نظارة سوداء ، كان اشقرالشعر يحمل ملامح اوربية صميمة ، مسح محمود على شعره وهو يقول ” على ابنى ”
مد محمود يده للطفل ليصافحه فلم يستجب ، فأشار سمير الى عينيه ليمتقع وجه محمود فى صدمة فالطفل كفيف ، تخلص من صدمته ليمسك بكتفى على وينحنى مقبلا جبينه وهو يقول ” ازيك ياعلى ..معلش يابنى مش بعرف فرنساوى ”
تفاجىء محمود للمرة الثانية حين رد عليه على بابتسامة ” بتكلم عربى كويس يا عمو ..ازى حضرتك ”
اعتدل محمود فى دهشة فرؤية هذا الطفل بملامحه الغربية تلك يتحدث العربية تبدو مزحة بالفعل وقبل ان يعلق ابتسم سمير وهز رأسه وهو يشير الى فتاة تبدو فى منتصف العشرينيات تقف خلفه وهو يقول” ودى ايلى ..ايلينا بنتى ”
يبدو ان هذا هو اليوم العالمى للذهول فقد فتح محمود ثغره وهو يتأمل تلك الفتاة التى وقفت تبتسم فى ثقة ، كانت على عكس شقيقها تحمل ملامح مصرية صميمة ورثتها بالطبع عن ابيها ويبدو انها لم ترث من امها ملمحا واحدا ، كانت قمحية البشرة بنية العينين وللدهشة كانت ترتدى حجابا بسيطا وانيقا يتناسب مع زيها الراقى والمحتشم ، قطعت ايلينا تأمله وهى تقول ” عمو محمود ازى حضرتك ..بابا كلمنا كتير عنك ”
ابتسم محمود وهو يضع يديه فى خصره وينظر الى سمير قائلا ” ماشاء الله ولادك بيتكلمو عربى كأنهم اتولدو واتربو فى مصر مع ان عمرهم ما زاروها ”
ضحك سمير فأردف محمود ” بصراحة لما قولت انك جاى مع ابنك وبنتك متخيلتش انهم هيكونو كدة ..انا قولت هلاقى اتنين خواجات..لكن اتفاجئت بيتكلمو عربى كويس وكمان ايلينا فرنساوية ومحجبة ”
ردت ايلينا نيابة عن ابيها فى ادب جم ” احنا اه مشوفناش مصر قبل كدة بس لينا نص مصرى ..وبالنسبة للحجاب فده فرض على كل مسلمة واعتقد انه مش متحدد لا ببلد ولا جنسية ”
نظر لها محمود فى اعجاب وقال ” ماشاء الله ياسمير عرفت تربى ”
قال محمود فى تأثر وهو يأخذ ولديه تحت ذراعيه ” مش لوحدى ..جانيت الله يرحمها كانت ليهم نعم الام ”
تنهد محمود فى تعاطف وهو يرى صديقه يرثى قصته القديمة وقال ” الله يرحمها ..” ، اما بداخله فلا زال ذهوله على وضعه ،جانيت الفرنسية المتحررة التى خسر سمير اهله من اجل الارتباط بها وغادر ارض الوطن باكمله من اجلها ولامه كل انسى على وجه البسيطة وحذره من عواقب ما يفعله تنجب له ولدين يسرا القلب والعين هكذا ، كيف ربتهما معه وعلى حد علمه انها لم تكن مسلمة حين تزوجها و..، قطع شروده صوت سمير وهو يقول ” مش يلا بينا يامحمود انا والولاد محتاجين نرتاح” ، تنهد محمود وهو يشير الى سائقه الذى رافقه ليساعدهم فى نقل الحقائب .
****************************************************************
فتح سمير باب المنزل القديم ،منزل العائلة ،خطا فى تردد وكأن صدى اصواتهم لازال يجلجل فى اذنه كآخر مرة له فى هذا البيت ، تلك الاصوات التى كانت تعلو وتعلو لتعنى شيئا واحدا انه لم يعد له مكان ، تبعته ايلينا وهى تمسك بكف اخيها لتمنعه من التعثر ، نظر محمود الى صديقه الذى كان يتأمل كل زاوية من زوايا المنزل فى بطء ويتلمس الجدران فى حنين جارف ، رغم القسوة والنبذ والحرمان تظل العائلة هى الملجأ والمأمن يظل عشقها كعشق الوطن لعنة ، ظل سمير يتأمل المنزل وهو يستدعى كل ذكرياته به ، به قضى بعضا من طفولته وجل شبابه ، فى هذا المنزل بدأت احلامه وطموحه ، هذا المنزل يحمل رائحة من حنان امه وبعضا من شدة ابيه ، كل شىء فيه بقى على حاله الا الارواح الطيبة التى كانت تسكنه ، اقترب من منضدة وضعت عليها صورة لامه وابيه رفعها ودمعة تسيل على وجنته وهو يمسح بكفه عليها ويمر امام عينيه شريطا سريعا لذكرياته يتوقف عند المحطة الفاصلة ، جانيت الفرنسية التى عشقها ولم يندم يوما على حبه لها الذى كلفه الكثير ، دخلت حياته منذ ثلاثون عاما ، كان شابا يافعا سعيدا بوظيفته الجديدة فى احدى شركات الاستثمار الاجنبى حين رأى جانيت لاول مرة وقد جاءت لزيارة مصر مع وفد فرنسى ، كان مرافقا لهذا الوفد ولفتت جانيت بجمالها عقله العابث فهو لم يكن أكثر من شاب سطحى التفكير كأغلب جيله ، حاول التقرب اليها فتفاجىء بها تسأله فى احدى المرات عن الاسلام وتطلب منه ان يتحدث لها عنه ، تفاجىء سمير بطلبها فهو بالكاد يؤدى صلاته ولم يكن بالالتزام او الخبرة الكافية لهذه المهمة التى بالفعل لمست قلبه ، فلم يكن امامه خيار سوى ان يتعلم ويعلمها ، اقتربا معا من الله وسلكا طريقهما اليه سويا ، واكتشف معها لذة ايمان افتقدها فى حياته ، تعلمت جانيت معه كل شىء عن الاسلام وتبقى فقط القرار الاخير وهو اشهارها لاسلامها ،فى هذا الوقت لم يكن لدى سمير ادنى شك ان جانيت قد اصبحت جزءا هاما فى حياته وانه بالفعل احبها وتمناها زوجه له ليكملا معا الطريق ، فعرض عليها الزواج ولم يحسب ان ردة فعل اهله ستكون بهذا العنف ، فقد رفضتها العائلة ورفضته معها ولفظته تماما خارجها ، حاول سمير وحاول سنوات ولكن دون جدوى ، بل واستغل والده نفوذه ليضيق عليه العيش فى وطنه فأصبح يفصل من عمل ولا يلبث ان يستقر فى غيره ليفصل منه ثانية حتى انتهى الامر واتخذ قراره بالهجرة الى باريس وبلا عودة فهو لن يحتمل ان يبقى فى وطن تحاك له فيه المؤامرات من اقرب الناس اليه ، لن يحتمل ان تنبت مشاعر الكراهية بقلبه تجاه اهله او تجاهه منهم ، لن يحتمل ان يحرم عليه رؤيتهم وهو على بعد كيلو مترات منهم، لن يحتمل ان ..، ” سمير ” انتبه على صوت محمود فاستدار له وهو لازال يحمل صورة والديه بين اصابعه ” انت كنت بتقول حاجة يا محمود ” نظر محمود الى الصورة وقال فى تعاطف ” بقول لو محتاج تشوف مكان تانى .اشوفلك ”
وضع سمير الصورة وهو يقول لمحمود فى امتنان ” كتر خيرك يا محمود لحد كدة ..كفاية اوى تعبتك فى تنضيفه وتجهيزه تانى ”
قال محمود فى عتاب ” احنا اخوات يا سمير ..وبعدين يعنى هوا انا اللى نضفته بنفسى ماهم الخدامين ..”
واضاف وهو ينحنى قليلا ” اه بالمناسبة انا شوفتلك مكان مناسب للكافيه اللى انت عاوز تفتحه ..مع انى قولتلك ملوش لزوم وتشتغل معايا وانت اللى مش عاوز ”
هنا تدخلت ايلينا فى الحوار قائلة ” حضرتك برضه هتفتح كافيه فى مصر ”
هز سمير رأسه قائلا ” ايوة يا حبيتى انا مش بفهم فى حاجة غير كدة ”
هزت ايلينا رأسها فى تفهم ونظرت الى المكان فى تفحص سريع وقالت ” هشوف اوضا ليا واوضة لعلى عشان نستريح ..بعد اذنكو ” واخذت ايلينا بيد على وادخلته الى احدى الغرف ، كان كفيفا ولكنه ذكيا للغاية ويمتلك من الحكمة مالا يمتلكه من تجاوزه بالعمر سنوات لم يكن من هؤلاء الذين يتذمرون من اعاقتهم ليحيو حياة درامية بل كان متعايشا معها كأنه امر طبيعى قدر لكل البشر ، كعادته حين دخل الغرفة اخذ يتعرف عليها بلمساته ويحفظ كل شىء فى ذاكرته بسرعة ليستطيع التحرك بها فى حرية ، عقدت ايلينا ساعديها وهى تراقب اخاها بابتسامة ملاك حارس يراقبه دوما بعلمه او دون علمه ، فعلى لم يكن اخاها الاصغر بل هو صديقها المقرب الذى تستمع الى رأيه فى بعض الاوقات حين يعرض حلولا لمشاكلها بسيطة كبساطة تفكيره ونقية كنقاء قلبه الذى لم يلوث بنزاعات البشر بعد ، جلس على على طرف الفراش وقال وهو يخلع نظارته ” كدة حفظت الاوضة خلاص ..باقى الشقة لما ارتاح شوية ”
ربتت ايليلنا على كتفه قائلة ” تحب اساعدك فى حاجة حبيبى ”
ربت على يدها قائلا ” شكرا ايلينا بس ياريت لو تجيبيلى شنطتى من برة ”
احضرت له ايلينا الحقيبة وفتحتها ولم تتدخل كما يحب فهى واثقة فى قدرات على التى تجعل ايا كان يشك فى كونه كفيف من الاصل ، تحسس على الحقيبة واخرج ثوبا للنوم منها واعاد غلقها من جديد فقالت ايلينا ” تحب ارتبلك الهدوم فى الدولاب ”
بدأ على فى فك ازرار قميصه وهو يقول ” من امتى يا ايلينا بتساعدينى ..انتى عارفةانى بحب ارتب حاجتى بنفسى ”
قالت ايلينا بسرعة ” حبيبى انا مقصدتش حاجة ..انا اقصد ان المكان جديد مش اكتر ”
ابتسم على قائلا ” بس انا حفظته وحفظت كمان الدولاب فيه كام رف وكام دلفة ما تقلقيش ” همت ايلينا ان ترد لولا ان قطع رنين الهاتف صوتها فتنهدت ليقول على ” روحى ايلينا ردى على تليفونك وارتاحى شوية انتى كمان ”
نظرت ايلينا الى على قائلة فى جدية وهى تنظر الى هاتفها ” لو احتجت حاجة حبيبى بس ناديلى ”
ابتسم على بينما خرجت ايلينا لتفتج باب الحجرة المجاور لعلى مباشرة وتفتح المكالمة هاتفة بالفرنسية التى تجيدها اكثر من العربية فهى اللغة التى ظلت تتحدثها سنوات ” صوفيا ..كيف حالك عزيزتى ”
جاءها صوت صوفيا الساخر ” كيف حالك انتى وحال الصحراء التى سافرت اليها ”
امتعض وجه ايلينا وهى ترد ” مصر ليست صحراء ابدا صوفيا ..انا واثقة انها جميلة ”
ضحكت صوفيا قائلة ” ربما… ولكن ليست اجمل من فرنسا وطنك يا عزيزتى ”
ابتسمت ايلينا وهى تتأمل الغرفة ” وهنا وطنى ايضا يا صوفيا ”
تنهدت صوفيا قائلة ” بالمناسبة حينما علم ريان بسفرك اقام الدنيا ولم يقعدها ..لا اعرف حقا علام ينوى بالضبط تجاهك ”
زفرت ايلينا فى ضيق قائلة ” فليذهب الى الجحيم ..لقد انتهينا ولا سبيل للعودة بيننا ابدا ”
_ولكنه يحبك ايلينا انتى تعلمين ذلك
قالت ايلينا فى حنق ” هذا ليس حبا ابدا ..لقد حاولت كثيرا وانتهى الامر ولن ابقى طيلة عمرى فى دائرة الخطر ”
_ربما لم تحبينه بالقدر الكافى لتحمل المخاطرة من اجله
اغمضت ايلينا عينيها وقالت ” عزيزتى صوفيا دعى عنك تلك الاحلام الساذجة فهناك اشياء كثيرة اكبر من الحب تتحكم بنا ”
_حقا لا اعرف بما اجيبك ولكن اتمنى لك السعادة فيما تختارينه
ابتسمت ايلينا وقالت ” وانا ايضا صوفيا ..وبالمناسبة هل فكرت فيما قلته لك ؟؟”
ضحكت صوفيا وقالت جملتها المعتادة التى سأمتها ايلينا بالفعل ” فيما بعد ايلينا فيما بعد ”
قالت ايلينا فى احباط ” لافائدة ترجى منك ايتها المتهورة …انتبهى لحالك جيدا ..وتوقفى عن نسيان اشيائك فى كل مكان فلم اعد موجودة خلفك دائما لاجمعها ..مع السلامة ”
انهت ايلينا المكالمة وهى تنظر الى اثاث الغرفة العتيق والراقى فى الوقت ذاته ، كان طراز البيت عربيا كلاسيكيا للغاية رأته فى كثير من الافلام المصرية القديمة التى كانت تتابعها لتشعر بها انها تأخذها لجولة فى وطنها الام ، نظرت الى صورة كبيرة تحتل جزءا ليس بالهين من احد الجدران ومن الواضح انها لجدها ، ملامحه صارمه ذو حاجبين كثين وشارب مفتول ونظرة قاسية لا تعلم هل اصطنعها ام الزمن كان كفيل بنقشها على ملامحه ، بدأت فى فك حجابها وهى تقف امام المرآة تفرد شعرها الغجرى الاسود الذى يمتد الى نهاية ظهرها ليعطها مظهرا مثيرا يختلف تماما عن مظهرها البرىء بالحجاب ، لم ترث ايلينا ملمحا واحدا من ملامح جانيت ورثت اكثر من ملامح محمود فجمالها كان مصريا خالصا له جاذبيته يزيده تلك النظرة الواثقة المتحدية فى عينيها وشخصيتها المنفردة الممتزجه بالتزام شرقى فى الخارج والتزام غربى عملى فى داخلها ، تمنت كثيرا ان تزور مصر فى الماضى ولكن لم يخطر ببالها الاقامة ولا تعرف لما قرر ابوها العودة فى ذلك التوقيت بالذات وخاصة بعد ان مر على وفاة جانيت خمس سنوات وحياتهم واعمالهم مستقرة كثيرا فى باريس التى تحبها ولم تفكر ابدا فى تركها ففيها عاشت كل ذكرياتها مع امها الراحلة وفيها صديقاتها العديدات على اختلاف ثقافتهن وفيها خاضت اكثر من معركة من اجل حجابها ، معارك لاتنتهى وتشعرها بلذة حقيقية فهى كانت تجاهد من اجل مبادئها ودينها وستختفى تلك اللذة فى وطن اسلامى كما تتوقع عن مصر ، لا تعرف لما تشعر بعدم الارتياح منذ ان قرر والدها العودة الى مصر ، لاتدرى سببا لشعورها بالاختناق منذ ان وطئت قدمها ارض المطار ، تنهدت وهى تتعزى انها مجرد اعراض لاى بداية ونقلة جديدة فى الحياة ودعت الله ان تكون بداية موفقة
*************************************************************
ترأست سميرة مائدة الافطار حيث غاب زوجها هذا الصباح لمقابلة صديقه فى المطار كما اخبرها ، نظرت الى الاطباق المتراصة بعناية وتأكدت ان الخدم ليسو بحاجة الى اى لفت نظر هذا الصباح فقد نفذو اوامرها دون اى اضافات او نقصان معتاد ، نظرت الى السلم حيث كان يهبط ابنها الاوسط زين بخطواته السريعة التى تتلائم تماما مع جسده الرياضى ذو الطول الفارع وتبعته اخته ايتن بخطوات متمهلة تناسب تماما حذائها الانيق ذو الكعب المرتفع الذى يصدر صوتا بدا مزعجا لاذن اخيها وهو يرتطم برتابة بدرجات السلم الرخامى ليتجاوزها مسرعا وهو يتأفف ويقف فى لحظات امام امه يقبل يديها ورأسها ككل صباح قبل ان يتخذ مجلسه وتتبعه ايتن لتفعل المثل وتتخذ مجلسها بدورها ليبدءا فى تناول الطعام ، شبكت سميرة كفيها ببعضهما وهى تنظر الى السلم من جديد للحظات وتضيق عينيها ليقول زين فى خبث ” ماما ..يوسف زمانه نازل ولا احنا مش مكفينك والا ايه يا ست الكل ”
هزت سميرة رأسها وهى تقول ” ابنى البكرى واللى شايل همكو كلكو من زمان مع ابوكو ”
ابتسم زين ونظر الى شقيقته ايتن قائلا ” شايفةواخد الحب كله واحنا ..” وهز كتفيه فى حركة مسرحية ساخرة فتصنعت ايتن الامتعاض فهزت امها رأسها واساريرها تنفرج تدريجيا وهى ترمق يوسف يهبط السلم فى هيبته المعتادة ، يبدو ان الطول سمة وراثية فى العائلة فيوسف كان اكثر طولا من اخيه ، نظراته جدية يحمل سترته على ذراعه ونظارته الشمسية الانيقة تعلو رأسه ، اقترب يوسف من امه وقبل يدها ورأسها فى احترام وهو يقول ” صباح الخير على عيونك يا ست الكل ..يا احلى حاجة فى الدنيا كلها ”
ربتت سميرة على كفه وهى تقول ” صباح الفل يا حبيبى ..اقعد افطر يلا ”
نظر يوسف الى زين وايتن قائلا فى تهكم ” نازلين اكل اكل مش بتستنو حد ابدا ”
قال زين وهو يبتلع طعامه ” انت اللى اتأخرت وساعة البطون بقا انت عارف ”
رد يوسف وهو يسحب كرسيه ليجلس ” انا مبتكلمش عنى انا بتكلم عن بابا هوا فين ؟؟”
ردت امه وهى تضع بعض الطعام فى طبقه ” خرج من بدرى يقابل واحد صاحبه فى المطار ”
ابتسم يوسف بامتنان لأمه وقال ” ده صاحبه اللى كان مسافر باريس مع مراته ومرجعش تانى ”
هزت سميرة رأسها قائلة ” ايوة هوا ..رجع مع ابنه وبنته وناوى يستقر بعد الغربة ”
قال يوسف وهو يبدأ بتناول طعامه ” الراجل ده غريب اوى ..بابا لما كان بيحكى عنه كنت بحس انه مخه فيه حاجة …بقا معقول يسيب بلده واهله عشان خاطر واحدة ”
تنهدت ايتن وقالت ” بيحبها يا ابيه …الحب بيعمل المعجزات ”
نظر يوسف الى اخته نظرة طويلة وقال وهو يعود الى طعامه ” حب ايه وكلام فارغ ايه ..الحب مش موجود غير فى الروايات الخايبة اللى بتمققى فيها عنيكى ياست ايتن …ده واحد ضعيف الشخصية جرى ورا نزواته ”
قالت سميرة فى صرامتها المعتادة ” عيب يا يوسف اللى انت بتقوله ده متنساش والدك بيعزه قد ايه ”
نظر يوسف الى امه وقال فى اعتذار ” مقصدتش حاجة يا ست الكل ..بس الحكاية انى مش مقتنع تماما بحاجة تاخد من الواحد عقله وكيانه ويقولك حب ..حب ايه بس وبتاع ايه ”
تمعنت به سميرة للحظات وقالت ” مشكلتك يا يوسف انك جد اوووى وبتاع شغل وبس ..مش عارفة والله هتتجوز ازاى ولما تتجوز مراتك هتعمل فيها ايه ” حك يوسف ذقنه بسبابته وهو ينظر الى طعامه كأنه المفر من القصيدة اليومية التى ستلقيها امه على مسامعه ، فكل الطرق لديها تؤدى الى طريق واحد الزواج ،ضحك زين وهو يميل الى يوسف قائلا ” استلقى وعدك بقا ..موال كل يوم ”
وبدأت امه بالفعل قصيدتها التى يحفظها عن ظهر قلب ” يوسف حبيبى ..انت مش ناوى تفرح قلبى بيك بقا ..يابنى انت عندك دلوقتى اتنين وتلاتين سنة هتستنى ايه بس …اللى فى عمرك دلوقتى عندهم عيل واتنين وتلاتة ..كل ما جبلك عروسة تطلعلى فيها القطط الفاطسة …اختار انت يا حبيبى لو عايز بس فرحنى ”
كان يوسف كالعادة يتظاهر انه يسمعها بينما يتناول طعامه بهدوء فقد تعود على هذا كل صباح ولكن حين اضافت امه الجزء الجديد كاد ان يبصق مافى فمه ” ايه رأيك فى سمر بنت عمك اهى حلوة وغلبانة ”
ازدرد يوسف طعامه بصعوبة وهو يقول ” سمر مين …نهار اسود ..دى عيلة ”
ردت سميرة فى جدية ” اولا عشر سنين فرق مش كتير …ثانيا زى ما ابوك بيقول احنا اولى بلحمنا ..البنت اتيتمت بدرى وهيا واخوها ملهمش غيرنا ”
ابتسم يوسف فى خبث وهو ينظر الى زين قائلا ” مادام احنا اولى بلحمنا يبقا زين اولى بقا ..هوا قريب فى السن منها …خمس سنين ارحم كتير من عشرة ..وبعدين انا شايفها ميالة ليه ”
رفع زين حاجبه فى استنكار وقال ” جرا ايه يايوسف سمر زى اختى …من فضلك متهزرش فى الحاجات دى ”
تخطاه يوسف بنظراته لينظر الى ايتن قائلا ” وحسام بقا ياخد ايتن بالمرة ده قرب يبوس رجلك يا مفترية عشان توافقى ”
قطبت ايتن حاجبيها وقالت فى غضب ” ده نجوم السما اقربله منى …انا اتجوز واحد زى ده على آخر الزمن ”
تضايق زين من طريقتها فى الحديث على ابن عمه وصديقه فالتفت لها قائلا فى استنكار ” وماله ده ان شاء الله يا ست هانم …راجل محترم ويعتمد عليه ”
لوت فمها فى سخرية وقالت ” ومالها سمر يا سى زين ماهى حلوة وصغيرة ودكتورة علاج طبيعى اد الدنيا والف مين يتمناها ”
زفر فى غضب قائلا ” دى غير دى ”
مالت اليه وصوتها يعلو اكثر ” الاتنين واحد من حقك تختار وانا مش من حقى ليه ؟؟”
قال زين من بين اسنانه ” وطى صوتك واتكلمى بأدب ”
رفعت صوتها اكثر وهى تقول ” انا اتكلم زى ما انا عاوزة ”
رفع زين صوته بدوره وهو يقول ” انتى قل…” قاطعته سميرة وهى تقول ” الله الله حلو اوى يا بيه يا محترم انت والهانم ..متضربو بعض قدامى احسن ”
ربت يوسف على كف امه وقال ” اهدى يا ست الكل عشان صحتك ”
ونظر الى اخويه فى صرامة وقال ” صوتكو يعلى تانى فى وجود ست الكل رد فعلى مش هيعجبكو نهائى فاهمين ولا لا ”
زفرت ايتن فى ضيق وهمت لتقوم قائلة ” انا رايحة كليتى ”
رمقها يوسف بنظرة ارعبتها وقال ” محدش يتحرك غير لما ماما تسمحله فاهمة ولا لا ..اتفضلى اقعدى ”
ضغطت ايتن باسنانها على شفتها السفلى وجلست فى تأفف بينما ابتسمت سميرة وهى تنظر الى ولدها فى امتنان وكأنها تخبره انه دوما لها نعم السند ، نظرت الى السلم بابتسامة قالت بعدها فى خفوت صارم ” ولاد عمكو نازلين مش عايزة حد فيكو ينطق بكلمة تضايقهم ”
جاءت سمر ومن خلفها حسام الذى بحث تلقائيا عن كرسى مقابل لكرسى ايتن وابتسم لها فى خجل وهو يضبط نظارته على وجهه فى ارتباك ، نظرت له ايتن فى ضيق لتشيح بوجهها بعيدا ، حسام لم يكن بالجاذبية والوسامة التى تحلم بها فتاة مثل ايتن بالكاد تجاوزت سنوات مراهقتها وهى الان فى التاسعة عشر من العمر ، كانت تشدها المظاهر وحسام بمظهره المتواضع كان يئد اى محاولة منه للفت انتباهها لتتقرب منه وتتعرف على جوهره الحقيقى ، هو فقط يرتبك امامها وتضيع منه الكلمات الا انه ناجح فى عمله يدير احدى شركات المجموعة بنجاح مذهل ، صرامته تخيف كل موظفينه واسمه معروف فى الاوساط الثقيلة لرجال الاعمال مثله كيوسف وزين على الرغم من انه اصغرهم فهو فى السادسة والعشرين بينما زين فى السابعة العشرين .
اما سمر فجلست على كرسيها فى حزن فقد سمعت مادار بينهم من حوار قبل ان يصل اخوها ، وزعت نظراتها بين الجميع فقد سمعت منهم مايكفى هذا الصباح ، تعرضت للرفض من ابنى عميها وكأنها مجرد عرض او بضاعة يراد التخلص منها لانها لم تعد لها قيمة ، لم يكلف احد نفسه بسؤالها هى عن رأيها قبل ان تطرح للبيع هكذا وكأن موافقتها امر مفروغ منه فمن ستجد افضل من ابناء البدرى للزواج ، لقد عاشت فى هذا المنزل كأمانة يخشى عليها من السرقة لم تنل ولو نصف الحرية التى نالتها ايتن فحياتها اقتصرت على الجامعة والمنزل ولكنها لم تشعر فى حياتها بالاهانة مثلما شعرت بها فى هذه اللحظة ، لم تستطع ان تتحمل اكثر فاستئذنت الجميع وعادت الى غرفتها لتذرف دموعها بعيدا عن الجميع كما اعتادت .
**************************************
” متشكر ايلينا ” قالها محمود وهو يتناول فنجان قهوته منها وهى تبتسم وتمرر فنجانا اخرا لأبيها لتجلس فى مقعد مجاور له ، ارتشف محمود من قهوته وقال فى تلذذ ” الله تسلم ايدك ”
قالت ايلينا فى سعادة ” شكرا يا عمو ..”
واضافت وهى تميل للأمام قليلا ” كنت عاوز اسأل حضرتك على المكان اللى احنا فيه ايه مداخله ومخارجه اقرب سوق او سوبر ماركت ..” قاطعها محمود قائلا ” حيلك حيلك ايه يا بنتى ده كله ”
هزت ايلينا كتفيها قائلة ” حضرتك عارف ان بابا بقاله سنين برة مصر واكيد كل حاجة اتغيرت ..هنحتاج لحاجات كتير نشتريها مش هنعيش على الدليفرى ”
ابتسم محمود وهو ينظر الى سمير ثم الى ايلينا وواصل ” بس البلد جديدة عليكى ايلينا هبعتلك حد من الشغالين يساعدك ”
بسطت ايلينا كفيها امامها قائلة ” لا لا لا ..انا مبحبش حد يعملى حاجة فى بيتى انا بحب اعمل كل حاجة بنفسى ”
ابتسم محمود وهو يتذكر ايتن وسمر التى لا تجيد احداهما اى شىء سوى الثرثرة عديمة المعنى ، اتاه صوت سمير ليخرجه من عالمه ” مستغرب ليه …ايلينا ست بيت شاطرة جدا والدتها توفت من خمس سنين وهيا شالت مسئولية اخوها والبيت كله ”
مط محمود شفتيه ونظر الى ايلينا متسائلا ” وناوية برضه تشتغلى مع بابا فى الكافيه ؟؟”
ردت ايلينا ” لا انا هدور على شغل فى مجالى ”
_مجالك ؟؟
ربت سمير على كتف ايلينا قائلا ” ايلينا مصممة ازياء بتصمم ازياء للمحجبات بس وكان ليها شهرة واسعة هناك فى باريس وسط العرب والمسلمين ”
ابتسم محمود وهو ينظر لها فى اعجاب واضح لم يستطع اخفائه وفكرة ما تراود عقله ” حلو اوى ..يبقا مش محتاجة تدورى احنا مجموعتنا بتوكيل لبس معروف واكيد هنحتاجك ..انا هكلم يوسف يسلمك شغل من بكرة ”
شبكت ايلينا اصابعها وقالت ” لحظة واحدة يا عمى بس ..اولا حضرتك مشوفتش شغلى ولا السى فى بتاعى عشان تعرف اذا كنت مناسبة للشغل ولا لا …ثانيا واضح ان حضرتك مش اللى بتدير الشغل يعنى سورى ابن حضرتك هوا اللى من حقه يحدد ده ”
عقد محمود ساعديه وهو يتراجع فى كرسيه قائلا ” حاسس ان فيه ثالثا قوليها بالمرة ”
حكت ايلينا كفها بجبينها قائلة ” بصراحة انا مبحبش موضوع الواسطة فى الشغل ده خالص انا احب لما اكون موجودة فى مكان اكون موجودة عشان المكان ده محتاجلى ومحتاج شغلى ..يعنى انا مش هقبل اشتغل وانتو ممكن متكونوش محتاجين مصممين ازياء اصلا وهتشغلنى مجاملة ”
رد محمود ” خلينا ناخدها واحدة واحدة ..انا فعلا مش ماسك الشغل ويوسف هوا رئيس مجلس الادارة وانتى متعريفهوش معندوش مجاملات فى الشغل يعنى لو شغلك مش عاجبه لو حتى امه مش هيقبل وجودك وده برضه اجابة على سؤالك التانى انك مش هتكونى موجودة فى مكان مش محتاجك ” ..اما بالنسبة لحاجتنا لمصممين ازياء فده حقيقى ..احنا فعلا محتاجين تغير ..اديكى شايفة الحجاب فى الشارع عامل ازاى …يا اما لبس ضيق مينفعش يتقال عليه حجاب اصلا يا اما مهرول ويكره الناس فى الحجاب وانا اهو شايف لبسك قدامى راقى ومحترم وفى نفس الوقت شيك فوجودك فى المكان هيكون اضافة كبيرة ..وزيادة اطمئنان ليكى انا مش هقول ليوسف حاجة على علاقتنا ببعض ..انتى هتروحى تقدمى السى فى بتاعك وتوريه شغلك وهوا يحكم ايه رأيك ؟؟”
تنهدت ايلينا وهى تنظر الى سمير فقال ” متبصليش انتى طول عمرك مسئولة عن قراراتك ”
رفعت ايلينا رأسها قائلة ” خلاص ياعمو حضرتك ادينى العنوان واى رقم تليفون اقدر اتواصل بيه مع الشركة عشان اعرف اخد معاد ”
قال محمود فى اهتمام ” طب خلينى اساعدك فى موضوع المعاد ده لان الدنيا بتبقى زحمة عنده وممكن تتأخرى على ما تقابليه ”
رفعت ايلينا حاجبها وهى تشير بسبابتها قائلة ” عمو انت وعدتنى مش هتتدخل ”
نظر محمود الى سمير فى استسلام قائلا ” بنتك واضح انها عنيدة ..عنيدة جدا …خلاص يا ستى اللى يريحك “

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثاني

الفصل الثانى
دلف محمود الى حديقة القصر ، طوى بقدمه بساط العشب الأخضر المنسق بعناية ، أرسل بكفه تحياته الى العامل المختص برعايتها وهو يثني مجهوده ، ابتسم وأبطأ خطواته وهو يرى زوجته سميرة تجلس على الأرجوحة المقابلة للمسبح ترتدى نظارتها الطبية وتمسكك بين يديها كتاب الله ترتل آياته فى خفوت ،اتجه اليها وجلس الى جوارها فى هدوء فخلعت نظارتها والتفتت اليه وهى تغلق المصحف قائلة ” صدق الله العظيم ” وأضافت بابتسامة حانية” حمد لله ع السلامة ”
بادلها ابتسامتها قائلا ” الله يسلمك ”
احتضنت المصحف قائلة ” صاحبك رجع مع ولاده خلاص ؟؟“
هز محمود رأسه قائلا ” ايوة ” واضاف بعد ان ضيق عينيه وتمعن بوجهها لحظات ” مالك حاسس وشك متغير ليه ”
زمرت شفتيها قائلة في عدم رضا ” هيكون مالي.. هيكون فيه ايه غير البهوات عيالك ” وقصت له باختصار ماحدث صباحا على الافطار
فزفر محمود فى ضيق قائلا” انتى عارفة انه كان هيرفض وبعدين سمر متنفعهوش هوا ”
لوحت بكفها قائلة في يأس” يعنى اعمل ايه كل ما اجبله واحدة يرفضها ..بقا عنده اتنين وتلاتين سنة ولحد دلوقتى عازب ..ناقصه ايه هوا مش فاهمة ؟؟..لو كان هلاس زى باقى الشباب كنت قلت عاوز يقضيها ..لكن ده موارهوش غير شغله وبس واى واحدة تتمنى منه بس اشارة ”
شرد محمود ببصره فى المسبح أمامه لحظات فقالت سميرة وهى تلوح بكفها امامه ” رحت فين بكلمك ”
ظل محمود ينظر الى المسبح في شرود قائلا ” والله يا سميرة انا فى دماغى حاجة كدة لو نفعت يبقا ابنك ربنا بيحبه ”
قطبت سميرة حاجبيها فى اهتمام فنظر لها محمود واخبرها بما يفكر فيه فشهقت وهى تضع يدها على صدرها فى صدمة قائلة ” خواجاية يا محمود ..ده الحل اللى عندك ..عايز تجوز ابنك لواحدة لا عارفين هيا اتربت ازاى ولا على ايه ”
قاطعها محمود وهو يبسط كفيه أمامه لتهدأ قائلا ” اهدى شوية فيه ايه ..انتى لو شوفتيها مش هتصدقى انها اتربت فى فرنسا ..حجاب واخلاق وتربية ومسئولة ويعتمد عليها ”
رمقته سميرة بعدم تصديق وقالت ” مش عشان بنت صاحبك تجامله بابنك يا محمود ”
رد محمود فى عتاب ” اجامله فى ابنى ؟؟…طب ايه رأيك ان البنت اصلا كانت رافضة تشتغل مع ابنك ولحد دلوقتى متعرفش حاجة عن الموضوع اصلا ”
مررت سميرة يدها على وجهها فى نفاذ صبر وقالت ” انا مش فاهماك ..لزمته ايه اللف والدوران ..انا معنديش مانع اخد يوسف ونروح نشوفها مادام عاجباك ”
حك محمود ذقنه بسبابته فى تفكير ” انتى عارفة ان ابنك مش نافعة معاه الطريقة دى وبيروح معاكى تقضية واجب مش اكتر ..ابنك محتاج واحدة تحركه ..واحدة يعرفها من غير ما يكون مفروض عليه انه يعرفها ..يكتشفها هوا بنفسه من غير ضغط ..طريقتك فشلت معاه وانا متأكد ان لو حطيت البنت دى فى طريقه هتعجبه ”
ضيقت سميرة عينيها فى تفكير وقالت ” طب افرض انه رفض يشغلها ولا شغلها معجبوش ..انت لازم تكلمه وتوصيه ”
نهض محمود قائلا ” انا عايز الموضوع يمشى طبيعى ابنك لماح ..وهيا زيه بالظبط ” ونظر اليها نظرة ذات مغزى مضيفا ” بس ده ميمنعش من محاولة من بعيد من غير ما اخلف وعدى معاها ”
**************************************
انهمك يوسف فى تركيز شديد على الحاسوب امامه فى مكتبه الفخم بمجموعة البدرى قبل ان يقطع تركيزه دخول محمود والده ، نهض يوسف فى سعادة مطلقا كل عبارات الترحيب في قاموس اللغة فأشار له والده ليجلس قائلا ” اقعد ياواد انت وبطل الشويتين اللى بتعملهم على امك دول ..انا ابوك ياواد فاهم ”
حك يوسف رأسه بكفه قائلا ” ليه بس كدة يا حاج هوا انا ليا غيركو ؟؟“
نظر محمود ليوسف لحظات تأمل فيها ملامحه المرهقة وقال بامتعاض ” كنت فين امبارح باليل يا يوسف واوعى تقول انك كنت فى شغل ”
اطرق يوسف برأسه ارضا وقال ” لا ياحاج مكنتش فى شغل ”
ابتسم محمود بزاوية فمه فى سخرية قائلا ” يعنى كالعادة كل ليلة فى كباريه شكل …بتفضل تسكر لحد متبقاش قادر تقف على حيلك وترجع ع الشركة على ما تقدر تفوق الاول وبعدين ترجع البيت ”
مرر يوسف يديه فى شعره وقال دون ان ينظر الى ابيه ” يا حاج ما دام مفيش حاجة بتأثر على شغلى يبقى خلاص من حقى اعيش حياتى زى اى حد ”
ضرب والده كفيه ببعضهما قائلا “هو انت ازاى عايش بالازدواجية دى ؟؟…بالنهار مثال للالتزام والاحترام وباليل بتتحول ..يا شيخ ده انت امك النهاردة بتقولى لو كان هلاس ..امال لو عرفت انك كل يوم مع واحدة شكل هتعمل ايه ..يا بنى ده انت عندك اخت اتقى الله ”
نهض يوسف قائلا في هدوء غريب كأنه يتحدث بالمنطق” انا مبخدعش حد ولا بوعدهم بحاجة ..كل واحدة عارفة اخرها ايه وبتاخد المقابل ..وانا اه علاقاتى كتير بس موصلتش للغلط اللى فى دماغك ”
قال والده من بين اسنانه فى غيظ فهدوء ولده يذهب بضبط نفسه أدراج الرياح ” غلط ؟؟…كل ده ومفيش غلط ..ده مجرد وجودك مع واحدة غلط ..لو مسكت بس ايدها ده اكبر غلط وحرام ..انا نفسى اعرف انت بتعمل فى نفسك كدة ليه ..اطلع من اللى فات بقا يا يوسف ”
تحركت عضلة في جانب وجه يوسف أخبرت أبيه عن استياءه للتلويح بأمر يحاول تناسيه فاحتد قائلا ”بابا لو سمحت انا مش طفل واقدر ..“ تراجع والده فى صدمة من حدته فتنهد يوسف وقال فى اعتذار وهو يتنهد ” انا آسف يا بابا..حقك عليا ..“
اشاح محمود بوجهه للحظات ، ما كان عليه ان يذكر اى شىء يخص ما مضى تماما ، تنهد فى عمق بدوره ليتجاوز الموقف بأسره وينفذ الى ما يريد وقال ” اقعد نستني كنت عاوز اقولك ايه ”
جلس يوسف في هدوء فتابع محمود ” انا حاسس ان احنا بقالنا فترة مبنجددش استايلات اللبس اللى بنزلها وخصوصا ازياء المحجبات ”
تنحنح يوسف قائلا وهو يستعيد عمليته” والله يا بابا على يدك احنا بنتعامل مع اكبر مصممين ازياء فى البلد ”
لوح محمود بكفه في عدم رضا قائلا ” افكارهم كلها بقت قديمة ومكررة ..احنا محتاجين دم جديد ”
مد يوسف شفتيه فى تفكير وقال ” ممكن ننزل اعلان فى الجرايد ”
هز محمود رأسه قائلا ” اعلان ايه بس يا يوسف ده انت بيجيلك الشركة هنا كل يوم يييجى ميت واحد مبتقابلهمش ..“
اخذ يوسف يدق بقلمه على مكتبه وقال فى حنكة رجل أعمال ناجح ” كلهم موهوبين ممكن ..بس مبتدئين وانا مش هغامر بسمعة الشركة ”
ضحك محمود قائلا ” جرى ايه يا يوسف انا اللى هعلمك البيزنس كله ماهو الا عبارة عن مغامرة ”
تنهد يوسف وقبل ان يرد دلفت هالة سكرتيرته فرفع يوسف نظره اليها قائلا ” خير يا هالة فيه ايه ”
قالت هالة فى رسمية ” فيه واحدة برة يا فندم بتقول انها مصممة ازياء وعايزة تقابل حضرتك ..ابعتها على قسم المصممين زى اللى قبلها ولا تحب تقابلها ”
نظر يوسف الى محمود الذى نظر الى هالة قائلا ” واضح ان البنت دى بينها وبين ربنا عمار ”
ابتسم يوسف قائلا ” دخليها ياهالة”
اومأت هالة برأسها فى نفس اللحظة التى نهض فيها محمود فقال يوسف ” على فين يا بابا ..مش هنقابلها سوا ؟؟؟؟“
تصنع محمود عدم الاهتمام وقال ” شوفها انت بقا يا يوسف ” تابعه يوسف في دهشة وهو يخرج وقال ” على فين يا حاج الباب من هنا ”
ازدرد محمود ريقه قائلا بابتسامة” لا ما انا هخرج من هنا عشان هعدى على زين قبل ما امشى ”
ولم يمهله محمود فرصة فحين فتحت هالة الباب كان محمود قد خرج بالفعل ، جلس يوسف على كرسيه فى وقاره المعتاد بينما دخلت ايلينا فى خطواتها المتمهلة الواثقة حين رفع يوسف نظره اليها لتلتقى عيناهما للمرة الاولى، نظر لها يوسف فى تمعن من اخمص قدمها الى رأسها ليلفت نظره زيها الراقى المحتشم وتناسق الالوان الواضح ، ابتسمت فى روتينيه قطعت تأمله ” السلام عليكم ”
رد فى رسمية مماثلة ” وعليكم السلام ”
واشار الى الكرسى قائلا ” اتفضلى اقعدى ” جلست ايلينا فشبك يوسف اصابعه واستند بمرفقيه على المكتب قائلا ” نتشرف بالاسم ”
ردت ايلينا ” ايلينا سمير ..خمسة وعشرين سنة ”
هز يوسف رأسه قائلا ” طيب انسة …ولا مدام ..“ وقطب حاجبيه فى محاولة لتذكر الاسم الصعب على ذهنه فتنهدت ايلينا قائلة ” انسة يافندم …واسمى ايلينا ”
ابتسم يوسف قائلا ” سورى بس الاسم غريب شوية ..المهم انتى اشتغلتى قبل كدة ولادى مجرد هواية ”
وضعت ايلينا الملف الذى كان بيدها امامه فى هدوء قائلة ” ده جزء من شغلى قبل كدة ” اخذ يوسف الملف وتراجع على كرسيه وهو يتفحصه جيدا ليدرك انها ليست هاوية ابدا بل محترفة ، الازياء طرازها غريب وجديد وربما هذا ما كان يريده بالضبط ، قال دون ان يرفع عينه عن الورق ” انتى بتصممى لبس لمحجبات وبس ”
هزت ايلينا رأسها قائلة ” ايوة ”
قال يوسف بابتسامة ” شغلك كويس جدا ..افكارك جديدة واحنا محتاجين لده ” واضاف وهو يميل الى الامام قليلا ” هتشتغلى معانا تحت الاختبار شهر وبعدين نقرر هتكملى ولا لا ”
واضاف وهو ينهض ايذانا بانتهاء المقابلة ” اما بالنسبة للمرتب والماديات ونظام الشغل ومواعيده فده كله عند هالة برة هتفهمك كل حاجة ” ومد يوسف يده ليصافحها حين نهضت بدورها قائلة ” فرصة سعيدة انسة …“
ردت ايلينا بابتسامة ” ايلينا واسفة جدا مش بسلم على رجالة ”
تنحنح يوسف فى احراج وهو يعيد كفه الى جيب سترته ويهز رأسه في تفهم قائلا ” طيب تقدرى تتفضلى ”
خفضت ايلينا رأسها كتحية والتقطت ملفها لتخرج بينما عينا يوسف البنيتان تتابعها بابتسامة لا يعرف لها معنا
***********************************************************************
مر محمود قبل رحيله على مكتب زين ، وجده مشغولا بدراسة احدى المناقصات التي ستدخلها المجموعة فلم ينتبه لظهوره ، تنحنح محمود ليعلن عن وجوده فنهض زين مسرعا في احترام ليرحب بأبيه ويقبل يده ، ابتسم محمود وزين يعرض عليه ان يجلس على رأس المكتب مكانه فرفض باشارة من كفه وجلس على مقعد أخر قائلا “اقعد انت راخر وبلاش أدبك الزايد ده ”
ابتسم زين في بساطة ليتأمله محمود لحظات ، هو لا يشبه أخاه مطلقا ، زين مثال للالتزام والاستقامة في كل وقت وحين ، وهو ما اثبته له بطلبه الذي كرره وهو يحك رأسه في خجل “بابا لو سمحت أنا مش عايز السكرتيرة اللي برة دي ”
مسح محمود وجهه بكفه في ملل قائلا “وبعدهالك يا زين …مالها دي كمان …البنت شاطرة جدا في شغلها ومعملتش غلطة واحدة ..اوعي تقولي لبسها !!”
رفع حاجبيه وخفضهما ليرد على أبيه قائلا “بالظبط ..ومش بس لبسها لا طريقتها في الكلام ولا أسلوبها ولا..”
قاطعه محمود في تذمر قائلا “انت مفيش واحدة بتعجبك أبدا …كل ما تيجي واحدة تقولي لبسها وطريقتها …احنا هنلبس الناس على مزاجنا يا زين ..مهياش عايزة تتحجب هيا حرة مش هنقطع عيشها ..”
قطب زين حاجبيه في عدم رضا قائلا ‘يا بابا مش موضوع حجاب ”
استند محمود بمرفقيه على المكتب وهمس له في غيظ “ما تحبكهاش يا زين ..ما تحبكهاش يا حبيبى ..انت حتى أختك مش عاجبك لبسها وعاوزها تتحجب ..”
وغمز بعينه قائلا “لما تبقى تتجوز ابقا اعمل ما بدالك في مراتك ان شالله حتى تنقبها ”
ابتسم زين وهو يشيح بوجهه فلا فائدة ترجى من محاولة اقناع أبيه بوجهة نظره مطلقا ، دق محمود على المكتب ليلفت نظر ولده وهو يقول “مش ان الاوان بقى …عاوزين نفرح بيك يلا ..بما اننا خلاص فقدنا الأمل في اخوك نفرح امك بيك انت ”
ابتسم زين في تندر وقال “ايه يا حاج لقتلي عروسة ”
بسط محمود كفيه قائلا “هو فيه احلى ولا أجمل من سمر بنت عمك ”
لم يأخذ زين الحديث على محمل الجدية فهو على تمام الثقة أن الجميع يعلم أن سمر مثل ايتن تماما بالنسبة اليه ، مجرد شقيقة صغرى “وبعدين بقا يا حاج ..ما انت كلكو عارفين انها أختي ”
حدق به محمود للحظات في حنق حتى انفجر به قائلا “خوتة لما تبقى تخوتك انت كمان …أختك منين ان شاء الله ”
نهض زين من مقعده واتجه الى أبيه يربت على كتفه قائلا في محاولة لترضيته “ايه بس يا حاج مالك ..انا وسمر اتربينا مع بعض زي الاخوات فعلا ..ما تكبروش الموضوع في دماغ البنت ”
ازاح محمود كف ولده في عنف وهو يقول ” اوعي يا واد انت …انا هقوم امشي ”
ونهض ليغادر بالفعل بين ابتسامات زين من طريقته ، ابتسامات لم يجعله محمود يهنأ بها وهو يلتفت له قائلا في حنق “وحياة سميرة أمك… السكرتيرة اللي برة دي ما هتتحرك من مكانها ”
تلاشت ابتسامة زين وهو يعلم جدية أبيه حتى لو كانت الجملة تبدو كمزحة ، وقبل أن يفتح محمود الباب التفت له مرة أخيرة قائلا وهو يشير باصبعه يمينا ويسارا في سرعة “خليها بقا رايحة جاية قدامك كدهو ..لحد ما تقول حق برقبتي عايزة اتجوز ”
************************************
كانت ايتن تعبث بهاتفها حين دخلت امها الى غرفتها بشكل مفاجىء وهي تهز رأسها فى تأفف ، رفعت ايتن نظرها اليها قائلة ” ماما؟؟..خير فيه ايه ؟؟“
اقتربت سميرة والتقطت الهاتف من يدها قائلة ” عاوزة اتكلم معاكى شوية ”
مررت ايتن يدها فى شعرها قائلة في ملل ” فى ايه ”
قالت امها فى ترقب ” فى الموضوع اللى اتفتح الصبح ”
رفعت ايتن حاجبيها فى استنكار وقالت ” موضوع ايه ..هوا بقا موضوع خلاص ؟؟“
تنهدت سميرة قائلة ” انا مش عارفة ايه اللى مش عاجبك فى حسام ”
نهضت ايتن وقالت فى غيظ مشوب بانكار ” قصدك تقولى ايه اللى ممكن يعجبنى فى حسام ؟“
نهضت سميرة وقالت لابنتها فى تحذير ” اتكلمى بأدب عن ابن عمك يا بنت ”
ابتسمت ايتن فى سخرية وقالت وهي تكتف ذراعيها ” ابن عمى وبس على عينى وراسى مش هتكلم ..انما اكتر من كدة لا هقول وهقول كتير كمان ” واشارت بسبابتها الى صدرها قائلة ” انا اتجوز حسام ..طب ازاى ؟؟..ايه اللى ممكن يشدنى فيه من اصله ؟؟…قصير كدة ومكعبر ومش بيعرف يلبس ولا يتشيك زى باقى الناس ..بحسه بيلبس لبس واحد عنده تسعين سنة ..عنده ايه يتحب اصلا ”
اشاحت سميرة بوجهها للحظات حتى تكتم غيظها من سطحية تفكير ابنتها وعجرفتها الفارغة لتلتفت لها من جديد قائلة بأقصى قدر ممكن من ضبط النفس ” عنده قلب من دهب مش عند حد ..بيخاف عليكى من الهوا الطاير ..بس اقول ايه واحدة تافهة زيك بتاخد بالمظاهر هتقدر ازاى واحد زيه ..انتى عايزالك واحد من الخنافس اللى ماشين فى الشارع يضحك على عقلك بكلمتين وبعد الجواز يصبحك ويمسيكى بعلقة ”
زفرت ايتن وقالت فى ضيق وحدة واضحة ” هيا الدنيا كلها مفيهاش غير حسام ..ريحى نفسك يا ماما لو اخر حد فى الدنيا مش ممكن اتجوزه ”
” صوتك عالى ليه ” صوته الصارم جعلها تنتفض على الفور لتلتفت تجد يوسف يعقد حاجبيه وهو يقترب منها ” قلت قبل كدة محدش صوته يعلى فى وجود ماما ”
واضاف فى نبرة غاضبة ” فاهمة ولا افهمك بطريقة تانية ”
امسكت سميرة بذراع ولدها قبل ان يقترب من شقيقته أكثر فهى تعرف نوبات غضبه جيدا وتخشى أن يمس ابنتها احداها ، هي تعرف أنها خطه الأحمر الذي يرفض مجرد الاقتراب منه ، قالت في قلق ” خلاص يا يوسف ..مكنش قصدها ”
ابتسم يوسف لسميرة لينفي ما تفكر فيه وتخشاه بينما التفت الى ايتن وهو يعيد الى ملامحه الصرامة من جديد قائلا ” سيبها يا ماما ..حسام ده الف واحدة بتفهم تتمناه لكن دى واحدة تافهة بتاخد بالمظاهر وبس ” اخفضت ايتن نظرها في خجل بينما ربتت سميرة على كتفه قائلة ” حبيبى شكلك تعبان روح ريح انت ”
فرك يوسف عينيه قائلا ” فعلا كان يوم طويل اوى ”
تذكرت سميرة ان هذا اليوم هو يوم لقائه مع ايلينا فحاولت ان تتحايل عليه لتعرف اى شىء ولو من بعيد لتقول فى تلعثم وحذر” ماهو العادى يا يوسف ولا فيه حاجة جدت ”
رد يوسف وهو يتثاءب ” ايه الجديد يعنى ..اهو نفس الطحنة كل يوم ” ومال على رأسها مقبلا اياه وهو يقول ” تصبحى على الف خير ”
وقبل ان يهم بالخروج نادته ايتن ” ابيه يوسف ”
التفت لها فقالت وهى تفرك يديها فى خجل ” متزعلش منى انا اسفة ”
اتسعت حدقتى يوسف وقال فى استنكار ” اعتذارك ده امك اولى بيه ولو رفعتى صوتك عليها تانى مش هقولك هعمل ايه ..ده آخر تحذير ”
امسكت ايتن بكف امها وقبلته قائلة فى طفولة ” مامى حبيتى مش بتزعل منى ابدا ”
ابتسمت سميرة وهى تمسح على شعرها فرفع يوسف حاجبيه وخفضهما قائلا ” بقا كدة ..ماشى اطلع انا منها بقا ”
وكرر تحيته على امه قبل ان يغلق الباب ويذهب لتتعلق عينا سميرة بالباب خلفه ، تذكرت ذهابها لرؤية ايلينا بالامس مع محمود زوجها وان كان انبهار محمود بها بعد ذلك لايساوى عشر انبهارها بها ، لا يمكن بالفعل ان تقارن بأى عروس اخرى اقترحتها على ولدها من قبل ، بساطتها تدينها حنانها على اخيها ، كل شىء فيها ادهشها عن حق وجعلها تبتهل لله ان تكون هى الزوجة الصالحة لولدها بل تمنت منها نسخة اخرى منها لولدها زين ، اخبرت محمود انها توافقه على خطته وستدعمه فيها بكل قوتها فهى لن تتنازل على ان تكون ايلينا زوجه لابنها .
*************************************************************
كان سمير فى غرفته يكتم تأوهاته فمنذ ان عاد الى وطنه والألم يزداد ، قلبه المريض لم يعد يحتمل المكابرة وهو يجبره على أن يواصل دون ادنى اعتبار لحالته .
تمدد على فراشه بعد ان اخذ قرصا من دوائه واخذ يلهث فى تعب ، طرق باب غرفته ليدخل على وهو يتحسس الطريق امامه ، فاعتدل محمود فى فراشه وحاول ان يوازن صوته قائلا ” فيه حاجة يا على ؟؟“
وصل على الى حافة الفراش وجلس عليه قائلا ” انا اللى جاى اسألك السؤال ده يا بابا ..فيه حاجة ؟؟“
اغمض سمير عينيه في محاولة لكتم المه وقال ” قصدك ايه ؟؟؟“
التفت على بوجهه وتحسس الفراش حتى وصل الى كف ابيه فقبض عليها قائلا ” ليه بتخبى عننا انا حاسس بيك بتتأوه طول الوقت ”
حدق سمير فى ولده للحظات هذا الفتى يفاجئه دوما ، لديه قدرات تفوق المبصرين ، الأعمى هو من يظن بهذا الطفل العمى ، تنهد وهو يضغط على كف ولده قائلا ” معقول يا بابا لسة بتستغرب …انا صحيح اعمى بس ربنا ادانى نعمة وحاسة تانية اقوى بكتير من البصر ..احساسى ..زى عينيكو بالظبط اللى بتشوفو بيها ..بيه برسم ملامحكو وبشوف وشوشكو ..عمرى ما حسيت انى فيه حاجة ناقصة ”
طالعه محمود من جديد ، هذا ليس طفلا فى التاسعة ابدا بل هو رجل فى حكمة السبعين ، ربت على كفه قائلا ” انت عاوز تعرف ايه يا على انا كويس يا حبيبى ”
ابتسم على قائلا ” حضرتك قررت بعد سنين طويلة نرجع مصر ..رغم ان ماما ماتت من خمس سنين فليه التوقيت ده بالذات وبعدين طول الوقت حاسس انك تعبان وبتخبى ”
دمعت عينا سمير فاقتربت يد على تتحسس خده وتمسح دمعته قائلا ” انا اسف بابا مقصدتش ازعلك انا كنت حابب بس اطمن عليك ”
وقبل ان يرد سمير شعر الاثنان بباب الشقة يفتح فمال سمير الى ولده هامسا بحزم ” على اوعى تتكلم قدام اختك فى حاجة ”
كان على يريد ان يكمل حديثه او يسأله عن سر عدم رغبته فى الافصاح عن مرضه ولكنه رضخ لابيه وقال فى ادب ” حاضر يا بابا ”
دخلت ايلينا عليهما وقالت في مرح ” السلام عليكم ”
رد سمير وعلى ” وعليكم السلام ”
وضعت ايلينا حقيبتها على منضدة مجاورة وارتمت على كرسى قريب وبدأت فى فك حجابها لتحصل على بعض الاسترخاء وهى تطلق العنان لشعرها الغجرى المثير ، قالت وهى تضيق عينيها وتنظر الى سمير ” مالكو ..بابا انت كويس ”
ابتسم سمير قائلا ” اه بس الكافيه خد منى مجهود ” واضاف بضحكة حاول جيدا ان تبدو طبيعيه ” الظاهر انى كبرت وعجزت خلاص ”
ابتسمت ايلينا وهى تدلك رقبتها ” عجوز ايه يا بابا انت لسة فى عز شبابك ”
قال سمير فى اهتمام ” طمنينى عليكى اخبار الشغل ايه ؟؟“
مدت ايلينا شفتيها قائلة في سعادة” ماشى الحال …الشهر اللى اتحطيت فيه تحت الاختبار عدى خلاص وهبدأ اشتغل فى ازياء هتنزل فى الكوليكشن بتاع الموسم الجاى ..متتخيلش انا قلقانة قد ايه ”
نهض سمير فى الم تحامل ليخفيه ومسح على شعرها قائلا ” وليه القلق زى ما نجحتى هناك هتنجحى هنا برضه ان شاء الله ”
هزت ايلينا رأسها قائلة ” التصميمات اللى انا قدمتها تعتبر غريبة شوية ومش عارفة الناس هنا هتستقبلها ازاى ”
وتنهدت وهى تنظر الى ابيها قائلة ” انا بحب اكون دايما عند ثقة اللى قدامى ويوسف ادانى ثقته وانا مش عايزة اخذله ”
قطب والدها حاجبيه فى اهتمام قائلا ” يوسف ”
تنحنحت ايلينا وقالت ” ماهو الشركة اللى بيديرها الباش مهندس يوسف وهوا ادانى كل الصلاحيات ”
نظر سمير فى عينى ابنته للحظات فارتبكت وتراجعت قائلة ” انا هروح اغير هدومى عشان نتغدى سوا ”
واتجهت ايلينا الى غرفتها ،وقفت تتأمل نفسها امام المرآة لحظات وهى تعبث فى شعرها فى شرود وتتساءل لماذا ارتبكت هكذا حين ذكر اسمه ؟؟، لماذا طالعها والدها بتلك النظرة ، هى لا تنكر مطلقا انها تعجب بذكائه ورجاحة عقله ففى هذا العمر يدير هذا الصرح الكبير ليحفر له اسما ناجحا واضحا فى سوق رجال الاعمال ، يعجبها انضباطه وجديته وايمانه بموهبتها فقد وافق على المغامرة بطرح عملها فى السوق ولا بد ان تكون على مقدار ثقته ، تنهدت وهى تضع يدها على شفتيها تنكر تلك الابتسامة التى تلوح على ثغرها وتكرر على نفسها هذا ليس اعجاب امرأة برجل هو مجرد اعجاب بشخص ناجح فتجربة ريان لم تخرج منها بعد ، نظرت الى الكراس التى رسمت فيه التصاميم بابتسامة وتساءلت هل سيعجبه ؟؟
اما ما حدث فى صباح اليوم التالى فلم يعجبها هى وتغيرت تلك الصورة التى رسمتها فى خيالها ليوسف لتحل محلها صورة اخرى اكثر ملائمة له.

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثالث

تابعته في شرود وهو يتفحص آخر ما أنجزته من تصميمات على حاسوبها الصغير، عبثت باحدى أطراف حجابها المتدلية على كتفها في ابتسامة لا تعرف كيف تستوطن شفتيها كلما تأملته عن قرب هكذا ، نظر اليها بابتسامة رضا محت بسرعة ابتسامتها البلهاء تلك وهو يقول في حماس ” التصاميم غريبة بس جميلة ..انا شايف ان شاء الله شركتنا هتنفرد بيها ”
ازدردت ايلينا ريقها فى ارتباك لا تعرف مصدره ، ارتباك يصيبها فقط حين يثني على عملها أو ينفحها احدى ابتساماته ، ارتباك لا تجد له تفسير وتخشى أن تعرف له مبرر ” أتمنى يا فندم ”
اغلق يوسف الحاسوب أمامه ونظر لها فى تمعن ، داعب ذقنه بسبابته لحظات قائلا ” قلقانة ؟؟“
هزت كتفيها محاولة التظاهر بالثبات من هجوم نظراته المباغت دون أن تتحاشاه قائلة ” أكيد ..حضرتك شيلتنى مسئولية واسم المجموعة ودى حاجة مش سهلة أبدا ”
رفع يوسف حاجبيه وخفضهما قائلا في تقدير ” مكنتش هعمل كدة لو مكنتش واثق من النجاح ” واضاف وهو يشبك اصابعه ويميل اليها قليلا معطيا الفرصة لعطره أن يتسلل الى أنفها ليربكها أكثر ” وواثق كمان انك اضافة كويسة للمجموعة ”، تراجعت للخلف وتنحنحت لتستعد ان ترد مجاملته ،وقبل أن تفعل فتح الباب فجأة فظنها يوسف هالة مديرة مكتبه ولكنه تفاجىء بما جعل فكه الأسفل يتدلى ببلاهة فقد وقفت فتاة شقراء تبدو فى منتصف العشرينيات تقربيا ترتدى تنورة قصيرة جدا من اللون الاسود لا تتجاوز منتصف فخديها مع سترة من نفس اللون يظهر من تحتها قميص ابيض فتحت أزراره بما يكفى لإظهار جزء لايستهان به من صدرها ، خطت فى ثقة بكعبها المرتفع الذى تعالى صوت ارتطامه بالارض مع تعالى نبضات قلبه المتوترة ، اقتربت أكثر وقالت فى دلال وبلكنة أجنبية معربة ” يوسف ” تنهد ليعادل أنفاسه المتسارعة والتي تشي بوضوح عن حالة القلق الحادة التي أصابته وحين ركضت فى اتجاهه لترتمى بين ذراعيه ابعدها فى رفق وهو ينظر الى ايلينا فى احراج والتى بدورها كانت تتابع ما يحدث وهى تخفض رأسها أرضا لتهدر نظرات ذهولها بعيدا عنهما ، نظر يوسف الى الفتاة قائلا فى غضب وبفرنسية سليمة ” جينا ؟؟..ماذا تفعلين هنا ؟؟؟“ ..وكيف تمكنت من الدخول الى مكتبى ؟؟“
ابتسمت جينا وهى تحاول ان تحيط عنقه بذراعيها ” لا يوجد احد بالخارج ..ماذا عزيزى ألم تشتق الى جينا حبيبتك ”
أنزل يوسف ذراعيها قبل أن يبلغا عنقه قائلا في تأفف” لايصح ما تفعلينه هذا أبدا …هذا مكان عمل رجاءا توقفى عن هذا واخبريني ماذا جاء بك الى هنا ”
ابتسمت فى خبث قائلة ” اتعني الى مصر أم الى عملك ؟؟“
زفر فى نفاذ صبر وهو يترك ذراعيها في ملل” الاثنان ”
مالت بوجهها قليلا لتنسدل خصلة من شعرها على وجهها فى اثارة وهي تقول ” أنسيت أنني مضيفة طيران ياعزيزي ..كان لدي رحلة إلى مصر ..وبمجرد أن وطئت قدمي أرض وطنك قدمت إلى هنا مباشرة لأستزيد برؤية عينيك البنيتين هاتين وملامحك التى أعشقها يا فارسي الجميل ”
نظر يوسف الى ايلينا التى أشاحت بوجهها الى الاتجاه الآخر وهو يتنهد ظنا أنه قد افلت فهى لا تعرف الفرنسية على حد علمه ، عليه أن يتظاهر بأقصى درجة من الجدية اذن لتظن أنها مجرد عميلة أجنبية تتعامل بوقاحة الغرب وانفتاحهم ليس أكثر ، التفت الى جينا قائلا في صرامة ” جينا لا تخدعي نفسك لم تكن بيننا هذه العلاقة أبدا ..علاقتنا كانت عابرة خالية من أي مشاعر….علاقتنا كانت للمتعة فقط….أنا لم أخدعك فلاتوجد أنثى على وجه الأرض بامكانها تحريك مشاعر يوسف البدرى ”
اقتربت جينا وأمسكت بياقة قميصه قائلة في دلال ” أواثق أنت أنني لم أفعل أم أنني لا استطيع أن أفعل ”
زفر في ضيق وهو ينزل كفيها ” أخبرتك أن تتوقفي عن هذا ”
التفتت جينا الى ايلينا ورمقتها من اخمص قدمها الى رأسها كأنها لم تنتنبه لوجودها سوى الان، رفعت الثانية نظراتها اليها هذه المرة لتتواجه العيون بتحد لم يفهم له يوسف معنا ، نظرت جينا من جديد اليه قائلة وهى تكتف ذراعيها ” حسنا عزيزى انت تعرف اين انتظرك ..واعرف جيدا كم تشتاقنى وان تظاهرت بالعكس ..هل ستأتي ؟؟“
اراد يوسف ان يصرفها من امامه بأى طريقة فهو يخشى من تماديها أكثر من هذا فعض على شفته السفلى قائلا ” نعم سأفعل ”
ابتسمت فى ظفر وهى تتراجع للخلف وترسل له قبلة فى الهواء ، اغمض يوسف عينيه فى تقزز كأنه يمتنع عن استقبال تلك القبلة المجازية، التفت الى ايلينا التى كانت تشيح بوجهها عنه محاولة بقدر المستطاع اخفاء انفعالاتها وصدمتها فيه فقال لها بالفرنسية دون وعي ” اذهبي الى مكتبك الان ايلينا وسنتابع غدا ” انتبه للغة وحين هم ان يكرر ما قاله بالعربية وجدها ترد فى حنق بالفرنسية أيضا ” حسنا سيدي نتابع غدا ”
اتسعت حدقتا يوسف وقبل ان تصل الى الباب لترحل ناداها قائلا فى تلعثم ” انتى بتعرفى فرنساوى ؟؟“
توقفت لحظات قبل ان تستدير له قائلة ” فرنساوى والمانى وانجليزى ..بعد اذنك ”
مرر يوسف يده فى شعره وهو يشده فى غيظ من هذه الفرنسية الغبية ، لا يحب ان تنتقل تلك الصورة عنه بين موظفينه او اهله وان كان والده قد علم بالمصادفة فلن يسمح لتلك المصادفة بالتكرار من جديد ، لايعرف حقا هل يمقت نمط حياته هذا ام يحبه ام هو مجرد اعتياد ورهبة من التغيير ، هل بامكانه ان يغير معتقده عن النساء يوما ما انهن لم يخلقن الا من اجل المتعة وان الزواج بمسئولياته قد يسلبه اياها، عض على شفته السفلى فى حنق وهو يتذكر نظرة ايلينا له وحظه العاثر فى معرفتها بالفرنسية بينما كان يتحدث مع جينا بحرية ظنا منه انها لاتفهم اى شىء مما يقول ، حاول تذكر ماقاله وهو يجول فى مكتبه فى غضب حاول التنفيث عنه فرفع سماعة الهاتف اخيرا وطلب من هالة مديرة مكتبه الحضور وفى لحظات كانت أمامه ، نظر لها يوسف فى غضب أرعبها قائلا ” سيادتك كنتى فين ؟؟“
نظرت له هالة فى تساؤل فواصل يوسف بلهجة لاول مرة يحدثها بها ” الاقى الناس داخلة عليا من غير معاد وكأنها وكالة من غير بواب ..سيادتك ملكيش لزمة هنا ولا ايه ”
قالت هالة بسرعة وفى توتر ” يافندم انا روحت الحسابات عشان ”
بسط يوسف كفه امامه قائلا ” ولا كلمة …انتى من النهاردة مش مديرة مكتبى وهنقلك مكان تانى ” لمعت الدموع فى عينى هالة ولكنها لم تؤثر تماما فى يوسف وحين همت بالحديث لتسوق له اى مبررات اكتفى يوسف بأن اشار الى الباب وقال فى اصرار ” على مكتبك وفترة مؤقتة وحد هياخد مكانك ” فذهبت من امامه وهو يلعنها ويلعن جينا فى سره كلما تذكر ماحدث ونار غضبه تتأجج اكثر ولا يعرف لما غضبه يتضاعف اكثر لان المصادفة هذه المرة اختارت ايلينا بالذات ، زفر فى غضب وهو يغلق عينيه ويزيح تماما الفكرة عن رأسه ، نعم هى مختلفة فى كل شىء وذكية ولكن اعجابه بها لا يتعدى اعجابه بموظف نشيط ومجتهد ولا يمكن ان يتخطى اكثر من ذلك فهى فى النهاية مجرد انثى ، والاناث لديه يخضعن لقاعدة لاتشذ عنها سوى أمه، لم يستطع ان يبقى فى مكانه اكثر غادر المجموعة بعد ان ترك خبرا لزين وحسام برحيله ، وبينما كان يغادر طرد هاجسا قويا عن باله بلا رجعة ، هاجسا يدفعه الى الذهاب الى مكتبها وتقديم اى مبرر لما حدث ولكنه تراجع فلتعتقد ما تعتقد ولتذهب الى الجحيم ما شأنه فقد حدث ما حدث .
***************************************************
” قلقتنى ياسمير مالك ؟؟“ هتف بها محمود في خوف بينما كان يجلس مع سمير على إحدى الطاولات فى مقهاه
وضع سمير جبينه بين سبابته وابهامه ليمسده قائلا ” خايف اوى يا محمود ”
قطب محمود حاجبيه في قلق قائلا ” من ايه يا سمير ما تتكلم على طول ”
لاحت شبح ابتسامة يأس على شفتى سمير وهو يتنهد قائلا ” الدكاترة قالو خلاص اني حالة قلبى مش مستحملة ”
اغمض محمود عينيه فى ألم متذكرا ماعاناه سمير مع مرضه في الماضي وقال ” المرض ده لسة بتعاني منه ؟؟“
مسح سمير وجهه كأنه يخفي علامات ألمه البادية بوضوح على ملامحه قائلا ” طول عمرى متعايش معاه بس الظاهر خلاص هنجيب اخرنا مع بعض ”
مد محمود يده ليربت على كف سمير قائلا في حنان ” متقولش كدة يا راجل الدكاترة بتحب تهول خلى املك فى الله كبير ”
رفع سمير حاجبه قائلا ” انا مش خايف على نفسى يا محمود انا خايف على عيالى من بعدى مش هيبقالهم حد …انا لما لقيت المرض بيتمكن منى رجعت بيهم على مصر على طول كنت خايف يكملو باقى حياتهم فى الغربة وينسو كل اللى اتعلموه ويبقو خواجات زى اللى عايشين معاهم ..لكن هنا اهو الاسم عايشين وسط اهلهم وناسهم ”
، عض على شفته السفلى وهو يقاوم تأثير هذا الهاجس الصعب في تخيل قسوة الحياة على أبنائه من بعده ، قبل أن يرفع رأسه مجددا ويضيف بلهجة كلها رجاء“ لو جرالى حاجة يا محمود ..عيالى أمانة فى رقبتك ”
قال محمود ودمعة تعاطف تلوح فى عينيه ” ياراجل ان شاء الله تبقا كويس وتفرح بيهم وعيالهم وعيال عيالهم كمان ” واشاح بوجهه للحظات قبل ان يقول ” هوا حد فيهم عارف بالموضوع ده ؟؟“
اشار سمير بسبابته في نفي ” لا أبدا ..على بس هوا اللى حاسس …بس ايلينا متعرفش ومش عايزها تعرف كفاية اللى هيا فيه ..شالت مسئوليتنا انا واخوها وهيا مكملتش عشرين سنه اكيد هتعرف بس فى الوقت المناسب …المهم دلوقتى يا محمود ..عيالى مش هيبقالهم حد بعدى ابقى خلى بالك منهم عشان خاطرى ” امتعض وجه محمود وقال ” ياراجل بطل بقا ..الأعمار بيد الله ان شاء الله خير ..ان شاء الله ” وشرد محمود بعينيه وهو يتذكر نيته تزويج ايلينا بوسف وتمنى لو كان بامكانه ان يخبره على ما خطط له ولكنه تراجع وشىء ما حول الامر كله الى النقيض تماما ، لقد أوصاه الرجل بولديه وهو يسعى لتزويج ابنته بولده الذى يعرف جيدا هفواته ونزواته ، ألايعد هذا ظلما لايلينا ؟؟ ، ألايمكن اعتبارها خدعة وانانية منه للنظر الى صالح ولده فقط دون أدنى اعتبار لتلك التى ستعانى معه حتى وهي تحاول اصلاحه ؟؟، ومن هنا بدأ محمود جديا فى صرف الفكرة عن باله .
*******************************************
دخلت ايلينا الى منزلها ، اغلقت الباب خلفها واستندت بظهرها اليه للحظات وهى تقطب حاجبيها فى غضب لم تتخيله هكذ ابدا ، كان مهذبا دائما فى التعامل معها وراقيا الى ابعد حد لم يتجاوز معها ولو بنظرة، ابتسمت فى سخرية وهى تتذكر انها فى بعض الأحيان ظنته خجولا ،كيف يجيد التمثيل الى هذا الحد الذى لا يجعله يختلف عن الواقع ، تذكرت كلماته مع جينا في اشمئزاز ماذا يعنى بعلاقة عابرة دون مشاعر ؟؟، هذا الحقير الذى خدعت فيه ماذا يقصد ، شعرت بالاختناق وهى تستحضر بذاكرتها مشهدها وهى تحاول ان ترتمى بين ذراعيه وتحيط عنقه بذراعيها ، قطع افكارها تسلل رائحة طعام الى انفها فظنته اباها ولكنها تفاجئت حين ذهبت الى المطبخ بعلي وهو يقلب بعض الطعام على النار ، شهقت فى صدمة فالتفت لها على حين شعر بوجودها قائلا ” حمدلله ع السلامة ”
لوحت ايلينا بكفها قائلة في صرامة ” انت بتعمل ايه يا على ؟؟“
واصل على تقليب الطعام قائلا في بساطة ” بطبخ ”
اقتربت ايلينا وحملت الاناء من على النار وخبطته على السطح الرخامى فى غضب كادت به أن تحطمه وهى تقول ” انا كام مرة قولتلك متولعش البوتاجاز ولا تدخل المطبخ وانا مش موجودة ”
قال على فى احتجاج ” دى مش أول مرة ايلينا أنا كنت بدخل المطبخ هناك على طول ”
انحنت ايلينا لتكون فى مستواه قائلة فى حزم ” هناك انت حافظ المكان وعارف كل حاجة فيه هنا لسة ..عارفين كلنا ان عندك قدرات خاصة بيك بس فى الاول والاخر لازم تقدر ظروفك مش كل مرة الدنيا هتمشى تمام ..فاهمنى ؟؟“
اخفض علي رأسه بانكسار ولم يرد فشعرت ايلينا بالندم على طريقتها الجافة التى تتحدث بها اليه لاول مرة ، عن اى ظروف تتحدث ،علي حتى لم يتعثر مرة واحدة فى طريقه وضعت يدها على كتفه وقبل ان تنطق قال ” انا راجع اوضتى بعد اذنك ”
نظرت الى اناء الطعام وهزت رأسها فى الم منذ متى تعامل اخاها هكذا ، منذ متى وهى تلوح بظروفه فى اى مشكلة ، كيف سمحت ان يكون هو وسيلتها في التنفيس عن غضبها ، اتجهت الى غرفته لتجده يجلس على طرف الفراش مطرقا رأسه فى حزن جعلها تلعن نفسها وتلعن هذا اليوسف الذى جعلها تفقد اعصابها على اعز مخلوق على قلبها ، اقتربت منه ومالت على رأسه مقبلة اياه فى حنان وقالت ” حقك عليا يا حبيبى كنت متوترة شوية ومتضايقة ”
ظل على مطرق الرأس فجلست ايلينا الى جواره وهى تحيط كتفيه بذراعيها قائلة ” خلاص بقا ..انت عارف انى مقدرش على زعلك كنت خايفة عليك ”
رفع على رأسه قائلا في ألم مشوب بكبريائه المعتاد ” انا مقدر ظروفى وبتعامل على اساسها بس مش معنى انى اعمى انى اتحرم من كل حاجة… انتو ليه كلكو مستهونين بنعمة الاحساس اللى ربنا ادهالى ”
تنهدت وهى تضمه الى صدرها قائلة ” يمكن عشان مش عندنا يا علي ..يمكن ”
وابتسمت وهى تضع وجهه بين كفيها تمسد ما زواه بين حاجبيه قائلة ” لو عايز تطبخ يا سيدى اطبخ بس وانا موجودة ..انت عارف ان هنا ممكن تحصل مشكلة فى الانبوبة بتاعة الغاز الغريبة دى ..اكون موجودة على الاقل عشان اصوت والم الناس تساعدنا ”
ضحك علي فمسحت ايلينا على شعره الاشقر قائلة ” وعشان اثبتلك ان عندك قدرات وانا مؤمنة بيها هنبدأ اتفاقنا من النهاردة ..المطبخ هناك روح كمل اللى انت بتعمله وانا اهو موجودة ”
ظهر التردد على وجهه فربتت ايلينا على يده مشجعة وهى تقول ” يلا ” رن جرس هاتفها فأضافت ” يلا هرد على صوفيا وارجعلك ” ابتسم على ولم تحاول ايلينا مساعدته هذه المرة اكتفت بمراقبته من بعيد وهى تتحدث مع صوفيا بصوت منخفض حتى لا يصله ” صوفيا ازيك ”
صمتت صوفيا ولم ترد فواصلت ايلينا ” صوفيا انتى بتعرفى عربى كويس وانتى اصلا من اصول مصرية فاتكلمى معايا عربى لو سمحتى ”
صمتت صوفيا قليلا وبعدها تنحنحت قائلة ” داكووووغ هكلمك عربى واهو بالمرة منساش..مال صوتك ”
أخرجت ايلينا لسانها لترطب شفتيها وتساءلت هى بالفعل ماذا بها ومايهمها فليكن يوسف ما يكن ، كررت صوفيا السؤال فتنهدت ايلينا قائلة ” مش عارفة صوفيا بس انا حاليا فى حالة صدمة ” وقصت لها كل ماحدث صباحا مع يوسف ، ضحكت صوفيا قائلة ” وانتى متضايقة ليه برضه مش فاهمة ؟؟؟.هوا حر فى حياته ”
تلعثمت ايلينا فى الرد فهو السؤال ذاته الذى تطرحه على نفسها دون ان تجد له اجابة” مكنتش فاكرة انه كدة ..كام شهر اهو بشتغل معاه كان فى منتهى الاحترام والادب وفى الآخر يطلع على علاقة باللى اسمها جينا دى ”
تنهدت صوفيا قائلة ” امممم واللى مضايقك بقا انه ليه علاقات ولا انه ليه علاقة بجينا بالذات ” واضافت بنبرة هادئة ” ولا لأن الكلام بيتعاد قدامك للمرة التانية ” صمتت ايلينا ولم ترد وذكرياتها تطوف فى رأسها كطواف الحجيج ، لقد شعرت باختلافه فهل أصبح حدسها لاقيمة له لهذه الدرجة لقد تخيلت انه ..وفجأة نفضت عن رأسها الفكرة تماما ، لماذا تبحث عن اجوبة ؟؟، لا ولم ولن يهمها امره مطلقا فليكن ما يكن ، قالت صوفيا حين لم تجد ردا منه ” ايلينا مالك ”
بعد لحظات ردت ايلينا لتغير من دفة الحوار بأكمله وتقنع نفسه ان الامر لا يعنى لها اى اهمية ” بقولك صوفيا ..فكرتى فى اللى قولتلك عليه ”
ردت صوفيا فى ضيق ” لسة بفكر ايلينا ..الموضوع مش سهل ابدا ”
هزت ايلينا رأسها قائلة ” عارفة وعندى ثقة فى دماغك وتفكيرك خدى قرارك براحتك ”
وتبادلا بعدها حوارا قصيرا قبل ان توصى كل منهما الأخرى بنفسها خيرا وتنهيا المكالمة ، ظلت ايلينا تحتفظ بالهاتف فى قبضتها وهى تطرق به على كفها الاخر دون وعى وشعور بالغضب والسخط على يوسف لا يمكنها السيطرة عليه او التخلص منه او حتى ايجاد مبرر له ، شعور لم يراودها نصفه حتى حين حدث هذا مع ريان خطيبها السابق ودون وعى سقطت دمعة منها انكرتها على نفسها ومسحتها على الفور اللعنة لماذا تبكي ايضا ؟؟، من اين تداهمها تلك المشاعر ولمن ؟؟؟، والى اين تذهب بها ؟؟، لن تخضع لها ابدا وخاصة بعدما رأته منه ،بعد ان خرج من تلك الصورة التى حصرته فى اطارها ، حاولت ان تقنع نفسها انها صدمة طبيعية كصدمتها فى اى انسان تخيلته فى شىء غير حقيقته وربما اراحها هذا الاعتقاد كثيرا ، اطمئنت ان علي قد انتهى مما يصنعه وترك المطبخ الى غرفته فعادت بدورها الى غرفتها ،تمددت على فراشها ويدها تتسلل الى حجابها تنزعه لتطلق العنان لشعرها المثير يفترش وسادتها وهى تردد ” جينا من جديد ”
هزت رأسها وهى تستعيد مشهدها مع خطيبها السابق ريان ، حين وقف امامها فى هذا اليوم وقال بكل وقاحة ” ايلينا بلاش تكبرى الامور جينا مجرد صديقة مش اكتر ..انا بحبك انتى وهتجوزك انتى ايه اللى مزعلك ”
قالت ايلينا فى سخرية ” انت عمرك ما هتتغير ابدا هتفضل طول عمرك كدة مهما احاول معاك مفيش فايدة ”
زفر ريان فى ضيق قائلا ” يووه ايلينا انا فعلا اتغيرت كتير عشانك ”
قالت ايلينا وهى تكتف ذراعيها محاولة التحكم في غيظها من فشل محاولتها معه لاصلاحه ، هي ليست ثائرة من أجله بل من اجل روحها التي لم تألف الفشل ولم تعهده ” اتغيرت عشانى وانا قولتلك مش عاوزاك تتغير عشانى ..عاوزاك تتغير للصح عشان انت غلط لكن تكون معايا انسان ولوحدك انسان تانى وبعد فترة تقول هيا دى حياتى اذا كان عاجبك ” واضافت فى كبرياء ” لا ياريان انا مش هتحمل حياتك بكل هفواتها ونزواتها دى ..انا بدأت اقتنع فعلا ان الطبع بيغلب التطبع وان مفيش بنى ادم بيتغير ..احنا مع الوقت اللى بنتعود .وانا مش ناوية اتعود ولا استسلم لطباعك دى ”
عقد ريان حاجبيه قائلا ” يعنى ايه ؟؟“
تنهدت قائلة ” يعنى تعتبر كل حاجة بينا انتهت والمرة دى بحد ومتحاولش تكلم بابا لان المرة دى فعلا مش ناوية ارجع ” عادت ايلينا من ذكرياتها ، لن تعيد تجربة ريان من جديد ولن تجازف بمشاعرها مع اى رجل وتوهم نفسها انها بامكانها تغييره فقد اقتنعت تماما انه لايوجد شخص يتغير فذاك مجرد وهم تخلقه مشاعرنا لنبرر فقط احتفاظنا بمن نحب فى حياتنا .
*****************************************
خلع يوسف نظارته الشمسية واخذ يبحث بعينيه عنها فى المكان فوجدها هناك على احدى الطاولات المطلة على الشارع بجوار نافذة كبيرة تحتل الحائط باكمله ، زفر فى ضيق واتجه اليها وما ان رأته حتى رسمت ابتسامة واثقة على شفتيها ونهضت لتعانقه فاوقفها بكفه قائلا ” اقعدى مكانك انتى فاكرة نفسك فين هنا ”
هزت جينا رأسها وتنهدت وهى تجلس قائلة ” مادام اتكلمت عربى يبقا انت متنرفز ”
كاد يوسف ان يجلس ولكنه توقف فى منتصف الطريق وانحنى اليها قائلا ” انتى بتتكلمى عربى كويس كدة من امتى ”
ابتسمت جينا وقالت وهى تعبث فى شعرها الاشقر وتلف احدى خصلاته على اصبعها ” انا بقالى سنة بتعلم عربى وحبيت اعملهالك مفاجئة ..“
جلس يوسف وقال وهو يحاول التصنع بالهدوء ” انت ازاى تيجى شغلى من غير ما تعرفينى ؟؟“
ردت جينا فى تذمر وهى تشد خصلاتها ” كنت فاكرة ده هيفرحك مش هيخليك تعمل كدة ”
قطب يوسف حاجبيه وقال فى صرامة ” جينا الا شغلى ..اللى حصل ده ميتكررش تانى ”
زمرت جينا شفتيها وقالت فى دلال ” اعمل ايه يا يوسف ..وحشتنى اوى ..انت ليه مش قادر تفهمنى ولا بتحس بيا انا بحبك يا يوسف بحبك ”
اشاح يوسف بوجهه وزفر فى ضيق قائلا ” بصى يا جينا …انا من الاول كنت صريح معاكى وقلتلك متستنيش اى مشاعر منى ..احنا كل اللى بينا علاقة عادية جدا بنتبسط فيها احنا الاتنين من غير وجع دماغ ..“
عضت جينا على شفتها السفلى حتى كادت تدميها قائلة ” بس انا كنت فاكرة انك مع الوقت هتقدر تحبنى زى ما حبيتك ..كنت بقول يمكن مع الوقت اكون مميزة عن الباقيين ”
اخرج يوسف علبة سجائره واشعل واحدة واخذ ينفث دخانها فى بطء وهو يتمعن بها قائلا ” اسمعينى ..انا مفيش واحدة مميزة عندى ..وانتى عارفة كويس ان فى حياتى فيه كتير غيرك .يعنى تقريبا فيه نسخة منك فى كل بلد بسافرها وهنا كمان فيه كتير جدا ” ومال الى الامام وهو يقول فى خبث ” بس ده ما يمنعش ان فعلا عندك ميزة وهيا اننا بقالنا اكتر من سنتين مع بعض واى واحدة غيرك مبتاخدش الوقت ده كله ..انا اتفقت معاكى من الاول جينا ..قلبك ابعديه عن المعادلة ..فمتجيش دلوقتى وتعيشى دور المخدوعة وعموما ملحوقة لو عايزة ننهى كل حاجة دلوقتى ننهيها ” والتقط علبة سجائره وهم بالفعل ان ينهض فأمسكت جينا بكفه وقالت فى حذر ” استنى ”
نظر يوسف الى كفها وابتسم فى ظفر وعاد ليجلس فى هدوء فتابعت جينا فى الم ” انا محدش حسسنى فى الدنيا انى رخيصة زى ما انتى حسستنى يا يوسف ”
هز يوسف رأسه قائلا ” هنعيده تانى يا جينا ..بعد اذنك ” وهم بالمغادرة بالفعل فضغطت على كفه اكثر وقالت ” طب حتى لو بالوضع ده توعدنى انى على طول هفضل موجودة فى حياتك ”
ابتسم يوسف وهو يضع كفه على كفها ” طول مانتى بتسمعى الكلام اه اوعدك ”
فقالت فى ترقب وهي تلقي بسؤالها التالي” حتى لو فى يوم حبيت واتجوزت ”
ضحك يوسف ضحكة عالية وقال ” حبيبتى اطمنى انا لا هحب ولا هتجوز فريحى بالك ” واضاف وهو يشير بسبابته ” بس طبعا لو انتى اتجوزتى انا مش هيبقا ليا علاقة بيكى ”
سحبت يدها من كفه وقالت ” وانا لو اتجوزت هعرفك ليه من اصله مفيش واحدة متجوزة وبتحب جوزها تعرف حد عليه ”
ابتسم يوسف فى تهكم وقال ” لا فيه وفيه كتير كمان ”
قالت فى حيرة ” قصدك ايه ”
تنهد قائلا ” متشغليش بالك المهم زى ما قولتلك ..الوضع بينا هيبقا بشروطى واهمها ان اللى حصل النهاردة ميتكررش تانى ولو اتكرر ” قاطعته جينا فى خوف ” مش هيتكرر يوسف ..مش هيتكرر“
اتسعت ابتسامة يوسف قائلا ” يبقا اتفقنا ” والتقط قائمة الطعام من على الطاولة قائلا ” ها…تحبى تاخدى ايه ”
نظرت له وهى تتمعن به فى شرود قائلة ” اللى تحبه انت ”
لاتدرى ماالذى يفعله بها هذا الشرقى الغبى لقد قبلت منه مالم تقبله من اى رجل قط ، جينا ايقونة الفتنة والجمال التي يركع تحت قدميها المئات من امثاله تلهث خلف من يعتبرها مجرد نزوة ولا يخفى هذا بل يعلنه ويصارحها به ويهددها بالرحيل هكذا بكل بساطة لا يخشى ان يفقد جينا ؟؟؟، لقد ذابت فى سحره منذ زمن منذ ان التقته فى احدى رحلاتها ، سحرتها ابتسامته وملامحه الشرقية التى تجعله يبدو احيانا كأحد فرسان العصور الوسطى ، هى من طاردته مرارا وتكرارا حتى رضخت هى له فى النهاية وبشروطه ، قبلت ان تكون مجرد علاقة عابرة وهى تأمل ان تتعمق تلك العلاقة اكثر واكثر مع مرور الوقت ووقوعه فى سحر انوثتها التى لاتقاوم ولكن كأنه لايبالى بكل ذلك فكم دفعته لان يقترب منها كم دعته علانية لذلك ولكنه رفض وهى لم تفقد الامل بعد ستجعله يوما ما يرضح لها وحينها سيعرف حقا ان الابتعاد عن جينا ليس بالامر الهين ابدا .
**************************************
وقفت تراقبه من بعيد وهو يهتم بحوض زهوره كما اعتاد كل صباح ، منذ الطفولة وهي تعرف حبه لهذا الحوض المميز ، يرفض أن يقترب منه أي حدائقي ويصر أن يوليه هو كل اهتمامه ، تمنت لو أخذت مكان تلك الزهرة التي يتلمسها هناك في رقة كأنه يخشى على نعومتها من لمسة يديه ، لمسة لازالت تحفظ رقتها ودفئها منذ الطفولة حين كانا يلهوان سويا ، لمسة ضنت عليها أعرافه ودماثة خلقه من التفكير فيها حين شبت ونضجت وأصبح اقترابه منها بحدود ، تحبه ولا تعرف منذ متى ، تحبه دون أن تفكر في مشاعره تجاهها ، تحبه فقط دون النظر الى أي اعتبارات أخرى ، لا يهم أنها لم يكن لديها الفرصة لتعرف غيره ، لايهم ان لم يكن يشعر بها مطلقا الأهم هو أنه لم يعشق بعد وعمها يعدها بين طيات حديثه بين الحين والأخر انه لها وهي تعرف أنه لن يعترض فان لم يفعلها عشقا فسيذعن لأبيه برا ورفقا ، ابتسمت في نفسها وهي تتمنى ككل مرة تراه يهتم بزهوره ان تذهب اليه وتخبره بحبها الذي لا يشعر به بتاتا ويصر على وضعها في اطار الأخوة ، تنهدت وهي تراه ينصب قامته وينظر الى حوض الزهور الخاص به في رضا ايذانا بانتهاء عمله ، ابتسمت وكل ذرة من خلاياها تكرر اعترافها الذي أصبح كقسم تتلوه كل صباح، قسم بعشقها اللامتناهي لزين الدين البدري. .
***********************************
كانت ايلينا تدقق النظر فى حاسوبها طيلة الاجتماع الذى عقده يوسف بموظفينه ليناقش اخر الاستعدادات للموسم الصيفى الجديد ، حاولت تجنب نظراته بقدر المستطاع فعينيها كانت تعرف انها تحمل انفعالات تخشى ان يلحظها فهى تعرف جيدا انهما كتاب مفتوح يوشى دائما بكل ما يعتمل فى صدرها من مشاعر
” ها ياجماعة ..نسمع اقتراحتكو ” قالها زين فى عملية وهو ينقر بقلمه على المائدة فانتبهت ايلينا ورفعت يدها تطلب الحديث فنظر لها يوسف نظرة سريعة قائلا ” اتفضلى ”
بادلته ايلينا نظرة خاطفة وبدأت تتحدث فى عملية قائلة ” احنا براند معروف للكل ويعتبر رقم واحد فى مصر بس الفكرة اانكو بتخاطبو فئة معينة من الناس وهى الطبقة الغنية لان الاسعار زى ما انا شايفة عالية جدا ”
عقد يوسف حاجبيه فى اهتمام قائلا ” ده طبيعى احنا خامتنا كلها مستوردة وعلى درجة كبيرة من الجودة وده بيدى ميزة لمنتجاتنا عن اى منتجات تانية ”
هزت ايلينا كتفيها قائلة في عملية ” وليه لازم تكون الخامات مستوردة ..فيه خامات مصرية بجودة عالية برضه ”
نظر يوسف الى زين وتنهد قائلا ” مش فاهم برضو قصدك ايه ..نشتغل بالمصرى ؟؟
التقطت ايلينا ملفا امامها ومررته الى يوسف وهى تقول ” انا عملت دراسة عن الخامات المصرية المناسبة لشغلنا واخترت اجود الانواع واتأكدت بنفسى انها متقلش فى كفائتها عن المستورد ” واضافت وهى تدقق النظر فى حاسوبها وتضغط بعض الازرار ” عشان بس يكون الموضوع واضح ..انا بقترح نشتغل بالاتنين المصرى والمستورد ونعرف المستهلك ده طبعا …المصرى اكيد هيكون سعره اقل ومناسب للطبقة العادية اللى بتمثل اغلب الناس فكدة كله هيقدر يلبس من البراند بتاعنا ومنتجاتنا هتكون انتشرت بشكل اوسع وهيكون لينا كمان السبق فى حاجة زى دى ”
لم يستطع يوسف ان يخفى نظرة الاعجاب وهو يقول ” فكرة عظيمة ”
تابع زين وهو يقلب فى الملف ” هيا هتبقا مغامرة باسم الشركة ” واضاف وهو يضيق عينيه قائلا في اعجاب ” بس الدراسة اللى انتى عاملاها مش متساب فيها ثغرة ”
القى يوسف نظرة على زين وعاد ينظر الى ايلينا قائلا بابتسامة هادئة ” البيزنس كله قايم على المغامرات ..هنبدا التنفيذ من بكرة ..“
وتراجع فى كرسيه مضيفا ” ولو المغامرة نجحت هيبقا ليكى مكافئة خاصة ايلينا ”
لم تستطع ايلينا منع الحنق السجين بداخلها من التسلل الى نبراتها وهى ترسم ابتسامة ساخرة على شفتيها قائلة ” انا بقوم بشغلى ومش مستنية مكافئات ”
نظر لها يوسف فى دهشة منعته ان يرد عليها فى الحال فمن تظن نفسها لتحدثه بتلك الطريقة ، تنحنح زين حين شعر ان يوسف قد يفقد اعصابه من جملة ايلينا فقال مسرعا“ حد عنده اقتراحات تانية ” ولم يمهلهم فرصة للرد وهو يقول بينما ينهض ” الاجتماع انتهى تقدرو تتفضلو ”
انصرف الجميع وتأخرت ايلينا فى جمع حاجتها واغلاق حاسوبها ويوسف يتابعها فى حنق حتى لمح خروج اخر موظف من عنده وقبل ان تلحق به ايلينا اوقفها وهو يهتف فى صرامة ” استنى عندك “

رواية مذاق العشق المر

الفصل الرابع

توقفت للحظات دون أن تنظر اليه وهي تعض على شفتها في غيظ فهي لاتطيق أن تنظر اليه مطلقا منذ أن رأته مع جينا ولا تطيق نفسها لضيقها هذا الذي تحاول اخفائه دون جدوى ،من يكون هذا المحتال ليقحمها في صراع كهذا ، من يكون ليستحوذ على بعض من اهتمامها بل كبريائها كأنثى يمنعها ان تعترف أنه يستحوذ على أكثر من بعضه بكثير ، تنفست فى عمق قبل ان تلتفت اليه وهى تحتضن حاسوبها الصغير قائلة ” خير ”
خطا تجاهها ببطء مميت أراد به العبث بأعصابها قائلا فى لهجة قاسية أشبه بوعيد ” الطريقة اللى كلمتيني بيها دي ما تتكررش تاني ..مفهوم ”
ضيقت ايلينا عينيها في تفكير وقالت غير عابئة به ” أنهي طريقة مش واخدة بالي ” ثم ابتسمت فى سخرية وقالت وهي تطرق بسبابتها على صدغها كأنها تذكرت ” اه قصدك عشان قولت اني مش مستنية مكافأة على شغلي ” هزت رأسها للحظات قبل ان تواصل فى تحد غريب ” هوا المفروض كنت قولت ايه …خيرك مغرقنا ياسعادة الباشا ومكافئتى الحقيقية هيا رضاك عليا ..متأسفة التملق ده مش طبعي ”
حاول يوسف التظاهر بالهدوء فقد استفزته بالفعل فقال وهو يضع يده في جيب سترته ليمنع نفسه من صفعها وارتكاب اكبر حماقة في حياته بضرب أنثى للمرة الأولى ” قصدك ايه ان شاء الله ان الموظفين هنا بينافقوني ”
هزت ايلينا كتفيهاوقالت في بساطة” والله انت ادرى بموظفينك ..واذا كنت انا شايفة انى مش محتاجة أعمل اللي هما بيعملوه ولا اقول كلامهم ..المفروض ان حضرتك محتاج لكل واحد بيشتغل هنا زي ماهما بالظبط ما محتاجين شغلهم ..فسوري يعنى محدش ليه فضل على التاني ”
لم يعرف يوسف حقا بما يرد عليها ،جرأتها في الحديث ألجمته ،طريقتها أعجزته عن الرد فلو في موقف آخر لطرد من يتكلم معه بتلك الطريقة دون أن يتناقش معه فيما فعله من الأساس ولكن هو في حيرة في أمره لما لا يفعل هذا ؟؟، بل في حيرة أكبر لماذا يهتم بمراقبة نبراتها وانفعالاتها ،عينيها ،اصرارها كل شىء فيها، حتى أصابعها الطويلة الرفيعة وهي تدق على حاسوبها في رتابة ،وحين لم يصلها رد منه استدارت لتذهب ،حاول اغاظتها بأي شىء ، لن ترحل هكذا دون أن تأخذ نصيبها من استفزازه ،أوقفها في حزم قائلا ” مين سمحلك تمشي ؟؟“
عقدت حاجبيها واستدارت له قائلة ” فيه حاجة تانية ؟؟“
تصنع يوسف الغضب وقال ” فيه إن قبل ماتمشي لازم تستأذني من مديرك ولا ده كمان بتعتبريه نفاق وتملق ”
صمتت ايلينا هذه المرة ولم ترد فأسعده هذا وهو ينظر اليها تقف كتلميذة معاقبة أمام معلمها وهو يجلس على طرف مائدة الاجتماعات ويعبث بقلم بين اصابعه مستمتعا بنظرات الغيظ فى عينيها وأخيرا أشار بقلمه قائلا ” تقدري تتفضلي”
تنفست ايلينا في عمق شعر به أنها اخذت هواء الغرفة بأكمله في صدرها فلقد منعت نفسها بصعوبة من التقاط حاوية الأقلام أمامه وتلويحها فى وجهه ، أما هو فأخذ يراقبها وهى تبتعد بخطوات منزعجة سريعة وكأنها تركل الأرض بقدميها عوضا عن توجيه تلك الركلات له هو ، لم يتمالك نفسه بعد أن خرجت من اطلاق ضحكة عالية عابثة قطعها فجأة وهو يتساءل عما أصابه ، لماذا سمح لها بتحديه دون أن يطردها ، كيف هزت تفكيره بهذه الطريقة ، لا …هو فكر فى الاحتفاظ بها فقط ليرد لها الصاع صاعين ويؤدبها على وقاحتها وبالفعل لقد تلذذ بمضايقتها ، لا يوجد انسان يتلذذ بمضايقة شخص ي..، ضرب على جبهته فى قوة أين ذهب به تفكيره ؟؟؟، إنها مجرد أنثى ، مجرد أنثى يا يوسف ، والأنثى فى حياته لاتشغل حيزا أكبر من حيز المتعة فقط ، أمه هى الاستثناء الوحيد وماتبقى من النساء كلهن سواء واعتصر ذهنه بالذكرى البعيدة ، برودة مشوبة بألم ضربت اوصاله ، ألم اشبه بصفعة افاقة ليثوب الى رشده كان لازما ليبقى حائلا بينه وبينها بل بينه وبين أي انثى .
*******************************************
اجتمعت عائلة البدرى على العشاء كعادتها كل ليلة ، لحظات مرت من الصمت المطبق لا يقطعها سوى صوت دقات الساعة الأنيقة العملاقة في بهو القصر الواسع متناغمة مع ارتطام الأشواك بالأطباق الصينية الفخمة صانعة نغمة مملة قطعها زين بخفته المعتادة قائلا ” وحدوه يا جماعة ايه السكوت ده ”
ردد الجميع فى خفوت ” لا اله الا الله ” ، ابتسمت سمر وهي ترفع رأسها تتأمله في حب وهو لم يلحظها كالعادة فعادت تنظر إلى طبقها مجددا في خيبة أمل ، لحظتها سميرة فتنحنحت وهي تنظر الى محمود تخبره بنظرة ما رأته ليبتسم لها ويخبرها بنظرة أخرى أنه رأى كل شىء فابتسمت وهي تنظر الى الجميع قائلة ”أخبار الشغل ايه ياولاد ”
نظر زين الى يوسف وقال في حماس واضح ” اه صحيح يا يوسف شفت ايلينا النهاردة والفكرة اللى قالتها ..انا مش عارف أنت ازاى وافقت كنت فاكر انك أول حد هيعترض ”
وضعت سميرة كفيها تحت ذقنها وقالت وهي تتظاهر بالبراءة ” مين ايلينا دي؟؟“
رد يوسف قائلا في اهتمام واضح وهو يشير بشوكته” دي بنت اشتغلت معانا من فترة ..ذكية جدا وعندها خبرة كبيرة رغم سنها الصغير ..النهاردة عرضت عليا فكرة عمرها ما جت فى بال حد وأنا واثق انها هتنجح ” وأكمل يوسف حديثه عنها في حماس وهو يستعرض فكرتها ويشرحها بالتفصيل بينما تتابعه سميرة فى سعادة وتختلس النظرات الى محمود بين الحين والاخر بحوار لا يفهمه غيرهما وحين انتهى يوسف قال محمود في اعجاب ” والله بنت هايلة ..الفكرة كويسة وهتخلى منتجاتنا تاخد فرصة أعلى في التسويق ”
اخذت سميرة تعبث في طبق السلطة الخضراء أمامها وقالت ” بس أول مرة يا يوسف اشوفك بتتكلم على ست بالحماس ده ” ونظرت له فى تمعن لتضيف ” كنت على طول بتشوفهم مينفعوش فى حاجة ”
ارتبك يوسف وتباطىء في مضغ طعامه وهو يبحث عن رد مناسب حتى ازدرده دون ان يكمل مضغه وهو يكذب ما رأته أمه عن أي حماس تتحدث ؟؟، قال زين بابتسامة وباعجاب يشوب نبرات صوته ” هيا تستاهل بصراحة ..هايلة جدا …بنت ممتازة ” ، غصت سمر بطعامها فلم يلحظها زين كالمعتاد واحمر وجهها خجلا حين وجدت سميرة تلاحظ ما هي فيه وتشير لها برأسها أن تتناول كوب الماء أمامها ، فأخذته لتسكبه بأكمله في جوفها في توتر، للمرة الأولى تلحظ نبرة اعجاب في صوت زين وهو يتحدث عن فتاة ، عليها أن تتحرك قبل أن يضيع منها للأبد ، أما يوسف فلا يعرف لما تضايق من وصف اخيه وأنكر هذا الضيق على نفسه وحاول اخفائه بكل طريقة متظاهرا بتناول طعامه ولكن كاميرتي المراقبة الخاصتين بأمه كانت تسجل كل شىء في دقة وتخزنه في سلاسة وسعادة تملؤها أن ولدها بالفعل اخذ اول خطواته فى الطريق الذى تتمناه فيه وأن هناك من تمكنت من تحريك أي شىء ولو قليل من اهتمامه ، حاول يوسف تغيير دفة الحوار بأكمله قائلا ” أومال فين ايتن ؟؟“
ردت سميرة وهي تهز رأسها في ملل ” بقالها ساعة بتتكلم فى التليفون برة في الجنينة ”
نهض محمود قائلا ” أنا هطلع اشوفها وبالمرة أشرب قهوتى في الجنينه“
كانت ايتن تتحدث فى الهاتف بصوت منخفض نسبيا وأقرب للهمس حين وجدت حسام يقف أمامها فجأة ، انتفضت فى هلع وكاد الهاتف يسقط من يديها لولا ان التقطته فى اللحظات الاخيرة ، رفع حسام كفه وقال في اعتذار ” أنا آسف خضيتك مكنش قصدى ”
نظرت له ايتن وهي تزفر في ضيق قائلة ” عادي بقا ولا يهمك ”
حك حسام رأسه في خجل معتاد وهو يحاول أن يبحث عن كلمات ليقولها ويفتح ثغره ويغلقه كل لحظة وهو يقول ” اااا..انتي انتي كويسة ؟؟“
تأملته ايتن فى حنق وهي تضغط الهاتف بيدها قائلة ” اه أنا كويسة ” وكتفت ذراعيها في انتظار ما يريد قوله حتى زفرت فى نفاذ صبر قائلة ” حسام انت عاوز حاجة ”
عدل حسام من وضع نظارته على وجهه كعادته ان توتر وقال ” هاااا ..لا ابدا مش عاوز حاجة ”
ردت بصوت مرتفع ينم عن غضبها ” أومال واقف هنا ليه ؟؟؟“
تراجع حسام فى احراج قائلا ” انتي متضايقة اني واقف معاكي ”
مررت ايتن يدها على وجهها كمحاولة لتهدأ وقالت ” حسام احنا عايشين فى بيت واحد وبنشوف بعض كل يوم وانت واقف قدامي بقالك ربع ساعة ومش عارفة انت عاوز ايه ..وانا بصراحة عايز اكمل مكالمتي ..ممكن ”
تنحنح حسام فى احباط كلما حاول الاقتراب منها أبعدته في قسوة ، نعم أمامها يرتبك ، أمامها فقط تظهر خبرته الضئيلة في التعامل مع النساء ، أمامها يفقد صرامته المعتادة التى ترعب موظفينه ، أمامها لا يعرف ماذا يقول بل يفقد النطق تماما ، ملت مشاعره الثرثرة بداخله وأصابته بالضجر من طيلة حبسه لها في صدره فهي تريد الانطلاق تريد التحليق الى أبعد مدى في سماء محبوبته العنيدة ،لو كان بامكانه ان يعطى لتلك المشاعر فرصة ، مجرد فرصة لتتحدث هى ، كم يتمنى لو ان آيتن شعرت به و..“ انت بتعمل ايه هنا ؟؟؟“
انتفض حسام فى فزع على صوت عمه ليفيق من شروده ليجد ايتن قد رحلت وعمه يقف امامه، تلعثم حسام فى الرد ونظر حوله في ارتباك كاللص الذي ضبط متلبسا وقال ” أنا ..أنا كنت لسة راجع من الشغل ”
مال اليه عمه وقال في صرامة ” تعالى ورايا ”
عدل حسام من نظارته كالعادة ان توتر وتبع عمه الى الداخل وقبل أن يصل محمود الى مكتبه ويغلقه عليهما طلب من أحد الخدم استدعاء يوسف ، جلس محمود الى مكتبه يتمعن فى حسام للحظات حتى قال في جدية ” بتحب ايتن مش كدة ”
اتسعت حدقتا حسام فى صدمة وأخفض رأسه وهو يحكها فى خجل ، لا يعرف هل يستجوبه عمه أم يوبخه ،أخذ عمه يطرق المكتب بأنامله فى غيظ قائلا ” والله البنات حتى ما بقو بكسوفك ده يا اخي ..ما ترد يا بني …“
رفع حسام رأسه في بطء وتلاشى نظرات عمه بقدر الامكان وهو يرد في حياء وبصوت هادىء ” أنا مبتمناش حاجة من ربنا غير ايتن ”
تراجع عمه فى كرسيه قائلا ” وايه اللى مسكتك لحد دلوقتي بقا ”
وقبل أن يرد طرق يوسف الباب فقال ابوه وهو يشير له بكفه ” تعالى يا يوسف ”
قلب يوسف شفتيه في حيرة وهو ينظر الى حسام المرتبك بشكل مثير للضحك قبل ان يجلس أمام ابيه قائلا ” خير يا بابا ؟؟“
نظر محمود الى حسام قائلا بابتسامة ذات مغزى ” كل خير ان شاء الله …حسام طلب ايد ايتن وانا وافقت ”
عقد يوسف حاجبيه في دهشة بينما اتسعت حدقتي حسام وتدلى فكه فى بلاهة محاولا النطق فتشنجت عضلات لسانه بفعل الصدمة ولم تسعفه بحرف واحد فقال عمه وهو يطالعه في استمتاع واضح ” ايه مالك ..تنحت كدة ليه ؟؟…كنت ناوي تفضل العمر كله تحبها في صمت ولا ايه ؟؟؟“
حاول حسام النطق ففتح ثغره عدة مرات قبل أن يتحرك لسانه أخيرا مطلقا جملته المبعثرة بين الفرحة والخوف ” عمي بس ايتن ممكن متوافقش ”
ضحك عمه قائلا في بساطة غريبة ” ده مش ممكن ده أكيد ”
ارتسمت البلاهة على وجه حسام فواصل محمود في جدية حافظ فيها على ابتسامته ” بص يا حسام ..ايتن فى الاول وفى الآخر عيلة ..وانت رغم انك لخمة بس راجل ويعتمد عليك ومش هلاقي لبنتي احسن منك ”
تنهد حسام في حزن قائلا ” أيوة بس مش لدرجة انك تغصبها ”
قال محمود وهو يلوح بكفيه ” ومين قال اني هغصبها انا بس هديكو فرصة تعرفو بعض عن قرب ولو هيا فضلت على رأيها يبقا خلاص ..بس خلي بالك دى هتبقى فرصتك الوحيدة يا حسام ”
هز حسام رأسه قائلا في تردد ” يا عمى بس انا خايف من …“
قاطعه محمود فى صرامة وهو يشير بسبابته قائلا ” كلمة واحدة يا حسام ..عايز ايتن ولا لا ”
أغمض حسام عينيه للحظات ، هو بالطبع لا يملك سوى اجابة واحدة عقدت لسانه مجددا عن أي رد غير ” طبعا يا عمى انت بتسألني ؟؟“
قال محمود في ارتياح ” خلاص يبقا تسيبها عليا وملكش دعوة بحاجة ” وأشار بيده مواصلا ” روح انت دلوقتي ارتاح ”
وبعد ان تركه حسام نظر الى يوسف الذى بدا شاردا فى عالم اخر ولم يعقب تماما طيلة الحوار على عكس عادته ، فناداه وهو يدق بقلمه على المكتب قائلا ” روحت فين يا بني ”
نظر له يوسف نظرة يعيها محمود جيدا وقال ” بابا انا مش موافق على اللى بيحصل ده ”
حك محمود جبينه بيده قائلا ” ليه شايف ان حسام يتعايب فى حاجة ”
رفع يوسف حاجبيه فى تفكير قائلا ” بالعكس حسام مش هنلاقي احسن منه لايتن ” واضاف بصوت منخفض وهو يميل الى ابيه ” بس بنتك مش عايزاه ”
مد محمود شفتيه قائلا ” اختك دي حته عيلة مش عارفة مصلحتها وكمان طايشة وممكن أي حد من شباب اليومين دول يلف دماغها ويضحك عليها بكلمتين عشان طمعان فى فلوسها ..أنا واثق انها لو ادت لنفسها فرصة انها تعرف حسام هتحبه …هوا صحيح الواد خيبة ومخبل بس احنا عارفينه وعارفين اخلاقه عاملة ازاي ”
نظر يوسف لوالده لحظات ونهض بعدها قائلا وهو يشيح بوجهه فى الاتجاه الاخر ” حضرتك كدة بتعيد التاريخ من تانى ”
نهض محمود بدوره ونظر الى يوسف بغضب قائلا ” يوسف أختك مش زيها ..وكفاية بقا اللى انت بتعمله فى نفسك وفينا ده اطلع من اللى فات بقا يا يوسف كفاية ”
حاول يوسف ان يميل عن هذا الطريق ويأخذ الحديث الى منحنى اخر ليجنب نفسه ألما ليس في حاجته الان فقال محاولا تلطيف الأمور ” وأنا بعمل ايه مضايقكو بس ؟؟“
قال والده بسخرية امتزجت بغيظ ” بتعمل ايه ؟؟لحد دلوقتى قاعدلنا من غير جواز ”
ابتسم يوسف وهو يحول الأمر لمزحة كالعادة قائلا ” وده عشان كل اللى بتجبهوملي ماما ..سورى يعنى عاهات ”
لم يتمالك محمود نفسه فضحك قائلا ” حرام عليك بقا القمرات دول عاهات ”
مرر يوسف يده فى شعره قائلا ” بابا انا مش بتكلم عن الشكل ..انا بتكلم عن ده ” واشار بسبباته الى رأسه
جلس محمود من جديد وهو يقول ” خلاص يا يوسف انت رجل اعمال كبير وبيورد عليك اشكال والوان معقول ولا واحدة قدرت تلفت نظرك ” وفجأة لاحت صورة ايلينا فى خياله دون ان يشعر ، لاحت كأنها اجابة وحيدة على سؤال أبيه ، اجابة أقر خطأها بسرعة وهو يطرح صورتها بعيدا ويقول فى ضيق ” بابا انت عارفني ..انا بتاع شغل وبس ومبحبش ادخل اى امور شخصية فيه ”
لوى محمود فمه قائلا في تذمر” طيب ابقى شوفلك صرفة بقا مع امك ليجرالها حاجة من تحت راسك ”
عقد يوسف حاجبيه قائلا ” يعنى هوا مفيش غيرى ما عندكو زين اهو ركزو معاه شوية ”
ضم محمود قبضتيه الى بعضهما قائلا ” يا حبيبي انت ابنها البكرى وفرحتها بيك غير فرحتها بزين وايتن ” نظر يوسف الى ابيه وهو يهم بالمغادرة ويلقى بجملته الروتينيه التى ينهي بها مثل هذه الامور ” ربنا يسهل ..محتاج مني حاجة ؟؟“
اشار محمود بيده في يأس قائلا” سلامتك ..روح ارتاح ”
تركه يوسف وهو يفكر في كل ما كان ينتوي فعله ، كلمات سمير الأخيرة ووصيته له بأبنائه جعلته يفكر فى التراجع ، هو يعرف يوسف جيدا ويكاد يجزم أن ايلينا ستغير فيه الكثير وتنتشله من بركة الماضى السحيقة التي يغوص فيها ولكن كيف يجازف هكذا بانسانة ؟؟ كيف يفكر فى ابنته ويزوجها بشاب صالح هل لو كانت ايلينا ابنته سيقبل بيوسف زوجا لها ؟؟، ولكن ايلينا ليست ايتن ، ايتن مجرد فتاة طائشة تحتاج الى من يقومها أما ايلينا فهي ناضجة نظرتها للأمور تختلف كثيرا عن فتاة في عمر ايتن ، أخذ محمود يقلب الأمر فى رأسه حتى وصل الى الحل الذى لا يظلم ايلينا به مطلقا .
********************************************
تمددت ايلينا في فراشها وهي تعبث في شعرها فى شرود ، تذكرت ماحدث بينها وبين يوسف فى الصباح ورغم حنقها منه الا أنها أحبت هذا التحدي ،لاحت ابتسامة على شفتيها دون أن تشعر وصورته تلوح أمامها حاملة كل انفعالاته ، طريقة حديثه ، ابتسامته ، رائحة عطره الذي …..، وفجأة اعتدلت لتجلس وهى تمسك جبهتها وتعتصرها بين أناملها بقوة ، من يكون يوسف هذا ليشغل حيزا من تفكيرها ؟؟؟، انه مجرد شاب عابث يدعي الفضيلة أمام الجميع ، هو لا يحمل أي ملمح من ملامح الزوج الذى تمنته ، زوج ؟؟، هل خطرت تلك الكلمة على بالها حقا ، يبدو أن عقلها قد اختل تماما ، تنهدت وهي تتناول هاتفها من على المنضدة لتهاتف صوفيا ، هاتفتها مرة بعد مرة دون أي رد ، ظلت تحاول حتى جاءها الرد بعد ساعات ، هتفت ايلينا فى قلق ” صوفيا كنتى فين حرام عليكي ؟؟؟….موتيني من القلق و…“ وللحظات قطعت ايلينا حديثها لتواصل بعد أن تذكرت نبرة صوفيا المهتزة في الرد” صوفيا انتي مال صوتك ”
تأخر رد صوفيا ” صوتي ماله كويس اهو ”
امتقع وجه ايلينا وقالت في غضب وهي تقبض على الهاتف بقوة تكاد تحطمه ” صوفيا انتي سكرانة ؟؟“
لم ترد صوفيا فصاحت ايلينا أكثر ” انتي ايه مفيش فايدة فيكي ابدا ..هوا ده اللى اتفقنا عليه ؟؟..هتفضلي طول عمرك مستهترة ”
قالت صوفيا بلهجة لم تلحظ ايلينا الانكسار فيها ” كفاية ايلينا ارجوكي ”
واصلت ايلينا وغضبها يتزايد حتى كاد صوتها يوقظ القاهرة بأحيائها مجتمعة ” انتي مش ممكن تكوني انسانة طبيعية ابدا …هتفضلي طول عمرك كدة ”
هنا انفعلت صوفيا وصرخت بها” كفاية بقا ..كفاية ..انتي مش عارفة حاجة ابدا …طول عمرك بتحكمي على الناس من برة …طول عمرك مبتعترفيش بأى ظروف …جربتي تعيشي ظروفي او ظروف اى حد قبل ما تحكمي من برة ”
قالت ايلينا في قسوة حملت كثيرا من التهكم ” الظروف دى هيا الشماعة اللى زيك بيعلقو عليها اخطائهم ”
شاب البكاء صوت صوفيا وهي تقول في مرارة ” اللى زيى …بتتعاملي مع الناس على أنك أحسن منهم برضه ..انتى حتى مفكرتيش تسأليني مالي ..أنا مش سكرانة يا ايلينا ..انا بموت ..عارفة يعنى ايه بموت ”
تنفست ايلينا في عمق وهي تدرك أخيرا ما قالته وما تناسته تماما عن صوفيا وظروفها نبض قلبها فى خوف وقالت فى هدوء حمل نبرة اعتذار بين ثناياه ” صوفيا ..انتي ..انتي تعبانة ؟؟“
قاطعتها صوفيا قائلة ” وانتي يهمك فى ايه ..انا اصلا مفرقش مع حد ولا حتى اهلي …روحى ايلينا عيشي حياتك ومتفكريش فيا تاني ..أنا مش عاوزة حد ” واغلقت صوفيا الخط ،حاولت ايلينا مهاتفتها من جديد دون جدوى فقد أغلقت الهاتف تماما ، تركتها فى قلق وحيرة وندم ، تسرعت كالعادة فى الحكم وقست عليها غير عابئة بنبرة الانكسار فى صوتها ، ظلت الليل كله مستيقظة تعيد محاولاتها مرارا وتكرارا دون جدوى ، تخشى أن يصيبها سوء ، الندم يجلدها وهي تعرف أنها تستحق جزاءا لجلدها صوفيا بقسوتها دون حتى أن تحاول معرفة ما بها ، لقد خذلت صديقتها وكانت معولا اضافيا يضرب في اخر جدران الرحمة التي ترجوها من الدنيا ….
**********************************
كاد زين أن يصعد الدرج الى غرفته حين اوقفته سمر ونادته في رقة ” زين “، نظر لها زين بابتسامة فقد كانت بمثابة اخت صغرى له وقال ” ايوة يا سمر عايزة حاجة ”
احتضنت سمر كتبا الى صدرها وقالت ” أنا باخد كورس انجليزى وفي حاجات مش فاهماها ومحتاجة مساعدتك أنا عارفة أن مستواك فى الانجليزي فوق الممتاز ”
استند زين بمرفقيه على سياج السلم قائلا ”بس كدة .. يلا ” ابتسمت وهي تتبعه الى احد المقاعد القريبة في غرفة الاستقبال ، جلس وانتظرها تجلس في مقابله وتضع كتبها على المنضدة أمامها في اللحظة التى كان يضع فيها هاتفه فتلامست أنامله بظهر كفها ، لمسة لم يشعر هو بها الا أنها كانت أشبه بمس كهربائي عنيف اصابها فانتفضت للخلف ، ضيق زين عينيه في اهتمام قائلا ” سمر …مالك فيه حاجة ” ، ازدردت ريقها المحمل بتوترها الزائد وهي تجمع شعرها الى كتفها الأيمن قائلة بنبرة تحمل تبعثر وشتات امرها ” لا …مفيش حاجة …يلا نبدأ ” ، تنهد في حيرة وهو يفتح كتابا أمامه ويطالعه في دقة ، لحظات قصيرة استغرق فيها بتركيزه ليعطها الفرصة في تأمله والاستمتاع بقربه كما يحلو لها ، زين يزداد وسامة مع الوقت ، شعره الكثيف الذي يحتفظ بلونه البني الداكن منذ الطفولة وعينيه العسليتين التي يبرز صفاء لونها هذا الحليب النقي الذي يحطهما ، لكنه تعكر اليوم بحمرة خفيفة ربما كانت ناتجة من ارهاقه في العمل ، تنهدت في عمق ، العمل !!، هناك فتاة في العمل تمثل خطورة لديها الان ، هناك أخرى تحدث عنها بكل حماس واعجاب ، اخرى لا يمكنها أن تحمل له معشار ما تحمله هي ، نظرت الى أصابعه الرفيعة وهي تقلب في صفحات الكتاب وتتساءل ، ماذا تنتظر لتخبره بحبها ، الى متى ستظل تاركته على اعتقاده بأنها تعده أخا لها ، لماذا لا تخرج الكلمة بنفس سلاسة جريان حبها في كيانها بأكمله ، لا بد أن توثقها ، لا بد أن تخبره بها قبل أن تندم على كتمها بعد ذلك ، أخذت نفسا عميقا كأنها تستعد للغطس بأعمق البحار قبل أن تناديه “زين ”
التفت لها فازدردت ريقها قائلة ” زين أنا …أنا ..”قطب زين حاجبيه قائلا في حيرة “انتي ايه يا سمر ” وانعقد اللسان من جديد وارتدت الكلمة خاسئة الى مخبئها في ثنايا القلب دون أن تأخذ فرصتها الكاملة في أن تعافر لتثبت مصداقيتها واستبدل اللسان جملته بأخرى “أنا حاسة اني تايهة ومش فاهمة حاجة ” ربما أصاب اللسان في التعبير عن جزء مما تعانيه ولكن لم يصب عقل زين في التقاط ما تقصده ، ربما لأنه لم يجربه مطلقا ، ابتسم وهو يرفع الكتاب قائلا ” ولا يهمك …الموضوع سهل خالص ” ، ابتسمت في حزن وهي تنظر الى الكتاب تشكو لسطوره ، بل الأمر صعب للغاية فماذا سيكون أكثر قسوة من أن تذوب عشقا في حب من لا يشعر بك …..
تابعت عينا سميرة ما يحدث فى اهتمام الى أن خرج محمود من غرفة مكتبه أخيرا واتجه ليجلس مقابلا لها ، أشارت سميرة برأسها الى زين وسمر قائلة ” وبعدين يا محمود فى عيالك دول ”
ضيق محمود عينيه قائلا ” تفتكرى يكون عاوز سمر ”
هزت سميرة كتفيها قائلة ” وليه لا من زمان وهما منسجمين مع بعض ”
قلب محمود شفتيه قائلا ” ممكن يكون حب اخوي مش اكتر …احنا لو فكرنا نجوزهاله مش هيعترض بس البنت كدة ممكن يظلمها معاه ”
اومأت سميرة برأسها وهي تنظر لهما فواصل محمود ” على فكرة يا سميرة أنا وافقت النهاردة على خطوبة ايتن وحسام ”
التفتت له سميرة فى دهشة ألجمتها عن النطق فقال محمود ” مالك انتي التانية ..حسام مش عاجبك فى ايه ”
قالت سميرة فى توتر ” انت عارف اني متمناش لايتن حد أحسن من حسام بس هيا مش هتوافق ..هتغصبها يعني تتجوزه ”
تنهد محمود قائلا ” لا مش هغصبها تتجوزه ..بس هغصبها تعرفه عن قرب ..هيتخطبو فترة وبعدها نشوف ”
مررت سميرة يدها على رأسها قائلة ” ربنا يستر ” ونظرت الى زوجها نظرة ذات معنى وقالت ” وبالنسبة للبيه الكبير …هنفضل سايبينو كدة ” واضافت فى همس ” أنا حاسة من طريقة كلامه انه بدأ يميل للبنت ”
ابتسم محمود قائلا ” بس ابنك مش بالسهل يعترف بده ”
هزت سميرة كتفيها وقالت ” واحنا مش كل مرة ناخده على راحته ”
عقد محمود حاجبيه فى دهشة فواصلت سميرة في استمتاع ” اسمعني وانا هقولك ” واستمع الى ما قالته وقد كان هذا هو الجنون بعينه الا إنه بالنسبة ليوسف المنطق الوحيد.

رواية مذاق العشق المر

الفصل الخامس

راقبتها في ألم وهي تتتلقى صدمتها وتبكي كما لم تبكي من قبل ، صغيرتها المدللة التى تخشى دوما تهورها ترفض ما أقروه بشأنها مهما حاولت اقناعها أنها مجرد تجربة ليس أكثر ، تمنت لو ضمتها الى صدرها بقوة لتهدأ ولكن الموقف ربما احتاج هذه المرة قليلا من القسوة وبعضا من الحزم ..
” مفيش داعى للى بتعمليه ده على فكرة ” قالتها سميرة وهي تربت على ظهر ايتن التي كانت تنتحب بشدة وهي تقول ” انا يا ماما..انا تجوزونى حسام ليه حرام عليكو ؟؟؟”
حاولت أمها كتم انفعالها من غرورها المعتاد حتى وهي بهذا الحال وقالت ” وبعدين يا ايتن هتزعليني منك ليه ؟؟”
نهضت ايتن وهي تمسح عينيها بظهر كفها وتقول ” انتو مش بتحبوني ابدا .انتو بتحبو حسام وبس وعايزين تفرحوه حتى على حسابي انا ”
نهضت سميرة وربتت على كتفها قائلة في لوم ” فى أب وأم ميتمنوش السعادة لولادهم ؟؟”
ردت ايتن في عصبية امتزجت بنحيبها ” وانتي شايفة ان حسام ممكن يسعدني انا مبحبووش يا ماما مش بطيقه ”
تنهدت سميرة وهي تمسح دموعها بابهاميها قائلة ” يا حبيبتى محدش هيغصبك ..انتو هتتخطبو فترة كدة وبعدين لو مش قادرة خلاص ”
نظرت لها ايتن فى شك فواصلت سميرة وهى ترتب خصلات شعرها التى تبعثرت من الانفعال ” اهدى بقا شوية ..انتى مش بتثقى فى كلام امك ولا ايه ؟؟”
تمعنت بها ايتن طويلا ولم تستطع أن تخفي غيظها فقالت ” اشمعنى انا ؟؟”
عقدت أمها حاجبيها فى تساؤل قائلة ” اشمعنى انتى ازاى ؟؟”
ردت ايتن من بين اسنانها فى حنق ” ليه ما أجبرتوش يوسف او زين انه يتجوز سمر هوا كمان ..ولا عشان انا بنت يعنى وهتقدرو تغصبوها انما هما رجالة محدش يقدر عليهم ”
ردت سميرة فى صرامة ” ايتن انا مستحملاكى من الصبح ومستحملة دلعك ومع ذلك هرد عليكى …الست غير الراجل يا ايتن ..انتى لسة صغيرة بس انا هحاول ابسطهالك …لما الواحدة تتجوز واحد هيا مبتحبوش بس يبقا كويس وراجل بجد يقدر يحتوييها ويديها الأمان والحنية عمرها ما هتقدر تقاوم ده كله وهتحبه مع الوقت …لكن الراجل غير.. لو مبيحبش مراته حتى لو قتلت نفسها عشانه ولا هيحس بيها وسمر بنتنا زيكو بالظبط ومرضلهاش بالظلم ”
أشارت ايتن الى صدرها قائلة ” بس ترضيهولى انا ..صح ؟؟”
أشاحت سميرة بوجهها لحظات عادت بعدها لتزفر فى ضيق وهى تقول ” وبعدين بقا ؟؟؟…بصى ابوكى خد قرار فى الموضوع خلاص ..وانا رأيى تليميها شوية بدل ما يعند بجد ويخليها كتب كتاب وانتى عارفة محدش هيقدر يعصاله كلمة ”
أشاحت ايتن بوجهها وهى تبتسم فى سخرية نعم هى تعرف ان حسام مجرد تابع لابيها، مجرد رجل هش،لاقرار له ولا شخصية ، القرار اتخذه أبوها وهو سينفذ حتى وهو يعلم أنها لا تحبه ، قطبت حاجبيها في حنق ، تخيله فى اطار الزوج يصيبها بالغثيان ، كيف تتزوج من حسام هذا ؟؟؟، حسام الذى لا يجيد صياغة كلمتين على بعضهما ،كيف تقدمه الى صديقاتها يهيئته تلك ، اما الحقيقة التي غفلت عنها او تغافلت بتفكيرها السطحي لم تكن هكذا ابدا فحسام رغم كونه شخص بسيط الا أنه شخصية جادة للغاية ،ربما خبرته فى النساء لا تتعدى حبه الجارف لها والذي غرق فيه بكل كيانه منذ الطفولة ، كان لبقا فى الحديث الا معها فجأة تتوه الكلمات وتذوب بين شفتيه ولا يعرف ماذا يقول ، كم تمنى لو شعرت به، لو بادلته ولو جزء بسيط من مشاعره او أولته حتى بعضا من عطفها ، حين أخبره عمه بقراره تأرجحت مشاعره بين السعادة والخوف ، سعادة أن يمتلك الدنيا كلها طوع يديه وخوف أن تعطه الدنيا ظهرها وتحتج وترى ان مشاعره ليست مهرا كافيا لامتلاكها ، وبين السعادة والخوف انتصرت الأولى بضربة حب قاضية ، حبيبته بين يديه فليترك كل مخاوفه للأيام ربما أثبتت له العكس .
******************************************
وقفت ايلينا الى جوار النافذة التى تحتل حائطا باكمله فى مكتب يوسف وهى تحاول الاتصال بصوفيا للمرة الالف دون جدوى ، حاولت بكل الطرق ان تصل اليها ، قست عليها ولكن بدافع حبها لها وشعورها بمسئوليتها منها، فطالما أعدت صوفيا ابنتها وليست ابنة خالتها وصديقتها المقربة ، راسلتها عبر كل الوسائل ولم تتلقى ردا واحدا، تنهدت ولم يعد لديها سوى حل واحد ، ارسلت رسالة قصيرة لها وهى تمني نفسها ان ترد هذه المرة حين تقرأ محتواها ، اما يوسف فكان جالسا على طاولة الاجتماعات يراقبها دون وعى وهو يضع يد على وجنته والأخرى يطرق بها بالقلم على المائدة ، يقتله الفضول ليعرف من توليه كل اهتمامها هذا وتحاول الاتصال به رغم تجاهله ، الفترة الماضية جعلتهما قريبين أغلب الوقت بحكم العمل فلم يخلو الأمر من شد وجذب مستمر ، لا يعرف لماذا يحب تحديها دوما وهو الصارم الذى لايقبل فى عمله أي تجاوز او اعتراض ، وهى رغم حنقها منه الا ان دهشتها كانت اكبر من اخلاقه التى لا تتلائم ابدا مع الحوار الذى سمعته يدور مع جينا فهى لم تلمح فى نظراته او تصرفاته اى شىء يخيفها او يخجلها ، ولم يكن هذا الأمر معها فقط فقد كان مع جميع الموظفات لديه ، بل لمحت ما هو أكثر ، لمحت احداهن وهي تحاول التودد اليه أكثر من مرة ورغم جمالها المثير ونعومة أنوثتها التي لاتقاوم لم تلقى منه سوى التجهم والتجاهل وحين أفرطت في محاولتها ولم يعد تجاهله ذو قيمة تذكر كان ابعادها الى احدى فروع الشركة حلا مناسبا للغاية ، لماذا يبدو هكذا بأكثر من وجه ،لماذا رفضها وهو على حد علمها سمعته يخبر جينا ان هناك الكثيرات وان علاقته بها عابرة ، ماذا يعنى بعابرة ؟؟؟، استيقظت من افكارها على صوته وهو يقول ” مش كفاية كدة ونيجى نشوف شغلنا ؟؟”
قبضت على الهاتف بين يديها وقالت دون أن تلتفت اليه” الاجتماع لسة مبدأش ومحدش جه بدرى غيرى ”
اعطاها يوسف شبح ابتسامة قائلا ” ومش المفروض تجهزي للاجتماع ولا ايه ؟؟”
عقدت ايلينا حاجبيها والتفتت تخطو تجاه المائدة قائلة ” وانا مالى انا …اجهز لاجتماع ليه؟؟”
رفع يوسف حاجبيه وخفضهما قائلا ” انا سبق ووعدتك ان لو فكرتك نجحت فهيبقى ليكى مكافأة ” وقبل ان ترد قاطعها بكف يده وقال ” انتى من النهاردة مديرة مكتبى ” قالها يوسف وهو يتمعن النظر فى وجهها ليقرأ انفعالاتها بمفاجئته ، متشوق هو ليعرف كيف ستستقبل الأمر ، متشوق لما يتوقعه ويعرف أنها ستخالفه ليجد النقيض تماما ،وجدها جامدة لا تعطه اشارة واحدة عما يجول بداخلها ،لحظات وأشاحت بوجهها قائلة ” اسفة جدا انا مرتاحة فى قسم التصميمات ”
زمر يوسف شفتيه وتأملها لحظات استند بعدها على المكتب بكفيه وهو ينهض فى بطء قائلا فى هدوء صارم ” انتى بأى حق تقولى موافقة ولا مش موافقة اصلا ..الظاهر النجاح اللى عملتيه خلاكى تتغرى وتكونى فاكرة ان احنا منقدرش نستغنى عنك ” واشار بسبابته قائلا فى تحذير ” انتى هنا مجرد موظفة وانا مديرك وزيك زى اى حد لو فى يوم قصر فى شغله او منفذش الاوامر هيترمى برة ”
تنهدت لتهدىء من انفعالها وتتجاوز وقاحته ثم واجهته بتحد وهى تقول ” انا عمرى ما بقصر فى شغلى مش لانى بخاف انى اترفد..لا.. لانى عندى ضمير ..حضرتك تعرفه ؟؟…اما بالنسبة للغرور فدى ثقة بالنفس وفى موهبتى ولو انتو استغنيتو عنى ففيه الف مكان هيستنى اشتغل فيه ..والنجاح اللى حقققته معاكو هيعملى دعاية مجانية ”
تأملها لحظات قبل ان يطلق ضحكة عالية قائلا ” انتى طيبة اوى.. حضرتك بتهددينا بطريقة شيك يعنى انك تقدرى تشتغلى فى مكان منافس بعد ما عرفتى عن شغلنا كتير ..احب اقولك ان ..” وقبل ان يكمل قاطعته ايلينا فى حدة وغضب ” مش اخلاقى …مش انا اللى اسرب اسرار عن شغل كنت فيه عشان اكسب مكان فى شغل جديد ”
تنهد يوسف لينهى هذه المناقشة قائلا وهو يجلس من جديد” اسمعى انا هعلن فى الاجتماع دلوقتى انك هتبقى مديرة مكتبى وانا كلمتى مبتتردش ابدا ..يا بكرة الصبح تكونى على مكتبك يا برة الشركة خالص ”
سأنتقم منك ولن يكون لك سعر
هويت في حب رجلا متحجر القلب .. قاسي .. عنيد
إتهمني كذبا و ز…
همت ايلينا ان ترد لولا ان بدأ توافد الموظفين بالفعل ونفذ يوسف ما اخبر به ايلينا التى حاولت كتم غيظها وحنقها بقدر المستطاع لتتمكن من اتخاذ قرار مناسب، ولكن ماهو القرار المناسب ؟؟، عجزت لأول مرة أن تتخذ أي رد فعل ، وما ان انتهى الاجتماع حتى كانت اول من يغادر المكان كطفلة تنتظر موعد انتهاء يومها الدراسى ، راقبها يوسف وهو يخفى ضحكاته بصعوبة فهو حقا لا يعرف لماذا يستلذ باستفزازها ، استمتع كثيرا وهو يتابع غيظها واحمرار وجهها حنقا وهو يلقي قراره على الموجودين ، راقب توترها وهي تكاد تعتصر قلمها بين أصابعها وترمقه بكل حنق العالم ، واجه نظراتها الحانقة بابتسامات سمجة، واجه توترها ببرود تقمصه باحتراف ، شعور يفوق الفوز بكأس العالم وهو يراها تنسحب هكذا من امامه دون أي رد فعل لأول مرة .
**********************************
وفى قصر البدرى جلس محمود مقابلا لزوجته فى غرفتهما وهو يقول ” ايه مالك …هترجعى فى كلامك ولا ايه ؟؟”
نظرت له سميرة فى صرامة قائلة ” ارجع مين ..لا طبعا ده انا ماصدقت ..كل الموضوع انى خايفة من رد فعله ”
ابتسم محمود وهو يمسك بكفيها قائلا ” وانتى ناسية ان ابنك عنده نقطة ضعف لصالحنا ” واشار برأسه اليها ” انتى ..ابنك ميقدرش يزعلك ولا يكسرلك كلمة وانتى لازم تلعبى ع النقطة دى على قد ما تقدرى ”
ابتسمت سميرة وهى تربت على كفه ” ان شاء الله ..محتحجش لكل ده ..البنت كويسة ومش هيلاقى احسن منها وبعدين مشوفتش كان بيتكلم عنها ازاى ”
هز كتفيه قائلا فى احباط ” للأسف بيتكلم عنها زى اى موظف عاجبه شغله مش اكتر “ابتسمت سميرة واضافت ” اه بس عمره ما اتكلم عن بنت بالذات كدة ..انا متفائلة خير ان شاء الله” وصمت الاثنان وهما ينظران الى بعضهما البعض والى الباب الذى يطرق بدقة يوسف المميزة ، اغمضت سميرة عينيها فى قوة وقالت ” ادخل ”
دلف يوسف الى الحجرة وعلى ثغره ابتسامة هادئة ، انحنى على كف امه يقبله والمثل مع ابيه وهو يقول ” قالولى تحت انكو عايزينى …خير ”
ابتسمت سميرة ابتسامة حفظها يوسف جيدا فقال وهو يهز رأسه ” امم ..تقريبا انا عرفت ..هوا الموضوع اياه عروسة مش كدة ؟؟”
اتسعت ابتسامة سميرة وهى تهز رأسها فأشار يوسف بكفه قائلا ” طيب قبل ما نبتدى الاوامر بتاعة كل مرة اللى انا حافظها ..روح غير هدوك …وخد شاور وروق نفسك ” واضاف بابتسامة عابثة ” وده كله عشان الهانم اللى معرفش هيا مين واللي مش هتختلف عن غيرها ”
اشارت له امه بسبابتها في اعتراض قائلة ” يوسف روح غير يلا يا حبيبى مش هنعيد نفس الموال كل مرة ”
قال يوسف وهو يخلع رباطة عنقه ” هوا انا نطقت ..حاضر ..معادنا الساعة كام ؟؟”
ردت سميرة فى هدوء ” سبعة ان شاء الله ”
هز يوسف رأسه وهو يقول ” حاضر هروح أجهز بعد اذنكو ”
ضربت سميرة كفيها ببعضهما وهى تقول ” زى كل مرة بيحاول ياخدنا على قد عقلنا انا مش عارفة الواد ده مش عاوز يتجوز ليه لو كان هلاس ومقضيها كنت قلت مش عاوز حد يقيد حريته لكن ده محترم ومؤدب وعينه مبتترفعش من الأرض ”
كاد محمود ان ينفجر ضحكا ولكنه تمالك نفسه بصعوبة ، هو لايريد ان يصدمها فى ولدها البكر المثل الاعلى لاخوته فلايوجد شخص يعرف عن يوسف ما يعرفه هو وقد حاول مرار وتكرار اصلاحه دون فائدة ، هو يدرك ان ولده يفر من تجربة مؤلمة بألم اخر ، هو يدرك ان النساء لا يمكن ان يتجاوزن لديه حدود المتعة فقط اما ان يعطى اسمه لامرأة فمحال ،لا شىء سيغير ما به الا حب حقيقى تمنحه امراة تحمل من الرقة والقوة ما يجعله ينسى كل ما عاناه ولا توجد فتاة تجمع النقيضين بل كل المتناقضات التى تثير ذهن كذهن يوسف مثل ايلينا .

اما يوسف فعاد الى غرفته ودلف الى المرحاض ،تخلص من ملابسه ووقف تحت المياه ، اصبحت تلك اللقاءات التقليدية روتينا تفرضه امه على حياته كل فترة وهو يجاريها فقط لارضائها ، لم يهتم كالعادة لمعرفة اسم العروس او عائلتها او اى شىء عنها ،ولما يهتم ؟؟وهو فى النهاية سيصرفها باحدى طرقه ، لديه أكثر من طريقة وأكثر من خطة دائما للخلاص ، أصبح مع الوقت اكثر خبرة بتلك الامور وبينما يستغرق فى افكاره تذكر موقفه مع ايلينا فى الصباح فابتسم دون وعى ، سؤال خبيث طرأ على باله في تلك اللحظة ، ترى لو كانت عروس هذه المرة تشبه ايلينا في طباعها ، أي الطرق وأي الحجج سيستخدمها لصرفها ،هز رأسه وهو يخبر نفسه ان ايلينا تلك لا يمكن ان تكون لها شبيهة مطلقا …
قاد يوسف سيارته والى جواره ابيه حين فكر ان يقطع الصمت لا أكثر فقال ” هيا العروسة مين المرة دي بقا ..مين قالكو عليها ولا شفتوها فين ؟؟”
ردت سميرة التي جلست على المقعد الخلفي وهي تربت على كتفه ” دى تبقى بنت صاحب بابا ”
نظر يوسف نظرة سريعه لامه ثم الى الطريق قائلا وهو يعقد حاجبيه فى تفكير ” اوعى يكون قصدكو على اللى لسة راجع من فرنسا بعياله ”
رد محمود بابتسامة ”ايوة هوا بعينه ”
قلب يوسف شفته السفلى فى حيرة وهو يقول ” وانتى عاجبك الكلام ده يا ست الكل …هتجوزينى خواجاية ؟؟؟اومال فين كلامك ليل نهار فاظفر بذات الدين ”
ضربت امه على كتفه بلطف قائلة ” دلوقتى تشوفها وتعرف فعلا هى من ذات الدين ولا لا ”
هز يوسف كتفيه وقال ضاحكا ” على رأيك يا خبر دلوقتى بفلوس بعد عشر دقايق يبقى ببلاش ”
وبعد دقائق كان محمود مع ولده يوسف وزوجته سميرة فى استقبال سمير فى منزله ، انقضت نصف ساعة فى الأحاديث العادية التى ملها يوسف وأخذ ينظر فى ساعته فى تأفف وهو يتساءل لماذا تأخرت العروس، هو يريد ان يراها ليخرج اى عيب فيها كالعادة وينتهى الامر ، تناول كأسا من امامه ليشرب فى نفس اللحظة التى سمع امه تقول ” ياأهلا بزينة العرايس وأحلى البنات ..ماشاء الله قمر ” ، رفع يوسف نظره اليها وما ان تعرفها حتى غص بما فى فمه من الصدمة وهو يحملق بها فى ذهول وينهض فى تباطؤ قائلا فى تلعثم ” هوا انتي ؟؟“
اطرقت ايلينا برأسها الى الأرض ونظر يوسف حوله ليجد الجميع يحملق به بين الدهشة والاستياء فزفر محاولا استعادة هدوئه وهو يميل الى أمه قائلا ” عاوزك ” وابتسم لسمير قائلا ” معلش ممكن اكلم ماما بس كلمة على جنب ”
قال سمير وهو يشير الى الشرفة ” اه طبعا اتفضل ”
اخذ يوسف بذراع امه فى رفق الى الشرفة وحين انفرد بها قال من بين اسنانه فى غضب وهو يضرب سياج الشرفة بقبضته ” ايه اللى بيحصل ده بقا بالظبط ”
تصنعت أمه البراءة وقالت ” ايه رأيك فى المفاجأة دى بقا ؟؟؟…لقيت البنت عاجباك وبتتكلم عنها ليل ونهار جيت وخطبطهالك ”
كاد يوسف ان ينفجر غيظا وهو يحاول التحكم بنبرة صوته حتى لا ترتفع وقال ” عاجبانى ايه وزفت ايه ..انا مقصدتش انها عاجبانى بالشكل ده ”
امسكت سميرة بكفه قائلة ” المهم انها فعلا عاجباك ” نظر يوسف باتجاه ايلينا وعاد ينظر الى امه قائلا ” والهانم طبعا كانت عارفة انها بنت صاحب بابا وكمان عارفة انى جايلها النهاردة وكانت معايا الصبح ومقالتليش ..بتعلم عليا يعنى ” وقبل ان ترد امه مسح يوسف وجهه وقال ” ماما انا مش موافق على اللى بيحصل ده ..مستحيل اتجوز البنت دى ابدا ”
وصمت لحظات وهو يضيق عينيه في تفكير قائلا ” وبعدين هيا اصلا هتوافق ازاى …ده انا وهيا مش بنطيق بعض ”
احتدت امه عليه هذه المرة وقالت وهى تنظر خلفها لتتأكد ان لا احد يسمع حديثهما ” اسمعنى بقا …أنا سايباك تدلع براحتك بقالك كام سنة وكل واحدة تطلعلى فيها القطط الفاطسة وانا عمرى ما ادخلت… لكن دى بقا عيبها ايه ان شاء الله ..طلعلى عيب فيها ”
نظر يوسف تجاهها وحاول ان يجد عيبا واحدا فيها ولكنه عجر او ربما رفض خياله رغم كل شىء ان يرى بها خللا ، طأطأ رأسه فى استسلام فقالت امه فى ظفر ” شوفت بقا ” واضافت وهى تكتف ذراعيها ” وبعدين مالك محموق اوى كدة يعنى كنت شوفتها وافقت عليك مش يمكن ترفض ”
تعلق يوسف بهذا الأمل ولكن ان كانت سترفضه لماذا وافقت على مقابلته من البداية ، تذكر كل الخلافات بينهما وعلل ذلك انها ربما ارادت ان ترد له الصاع صاعين لتخبره فى منزلها انها ترفض الاقتران به ورغم ان هذا السبب يثير سخطه الا انه بدا مريحا فهو ليس على استعداد ان يربط اسمه بأى انثى ايا كانت ، ، عاد يجلس بجوار امه وهو ينظر لها فى غيظ كأنه يخبرها انه فى هذا المكان مرغم تماما ، نظراتها الواثقة المصوبة اليه تزيد حنقه منها وكأنها تخبره انها تستمتع تماما بهذا المشهد ، كور قبضته اليمنى وضربها بكفه الايسر وكأنه يتمنى ان يوجهها الى فكها ليمحو فقط ابتسامتها السخيفة تلك ، سمع والده وهو يقول ” من الاخر كدة يا سمير احنا مفيش بينا الرسميات السخيفة دى ..احنا جاييين نطلب ايد بنتك ايلينا لابننا يوسف ”
اعتدل سمير فى جلسته قائلا ” اايلينا بنتك زى ماهى بنتى …ونسبك شىء يشرفنى ..بس الرأى الاول والاخير ليها ”
ابتسم محمود وهو ينظر الى ايلينا قائلا ” ها يا عروسة ايه رأيك ..لو محتاجة وقت تفكرى قولى متتكسفيش ”
نظر يوسف اليها فى ترقب لينتظر ردها الذى صعقه تماما اذ اطرقت ايلينا برأسها للحظات قبل ان تتنفس فى عمق وترفع رأسها من جديد قائلة ” انا موافقة ”

رواية مذاق العشق المر

الفصل السادس والسابع

الفصل السادس..
لم تره هكذا ربما منذ أن خرج للحياة من رحمها ، لم تعهده غاضبا من قبل الى هذا الحد …قاد السيارة بسرعة دفعت أباه الى الصراخ به فلم يعبأ بأحد وهو يعتصر المقود بين يديه ويتجنب النظر اليهما ..كأنها رحلة فرار لا يعلم سببها سواه ، أو كأنها رحلة موت يهدد الجميع باصطحابهم معه فيها …وصل الى القصر فهبط من سيارته مسرعا وتبعه أبواه في صمت ..تقابل مع زين الذي ناداه عدة مرات ولم يجبه ،فتح باب غرفته فى عنف ، فك رباط عنقه فى عصبية والقاه ارضا في حنق ، نظرت سميرة الى الرباط وتنهدت لتنظر اليه من جديد قائلة ” ايه مالك ؟؟..ماتهدى كدة وتكلمنى ”
استدار لها يوسف فى حدة ، فتح ثغره للحظات وأغلقه وهو يغلق عينيه في قوة كمحاولة للسيطرة على ما سيتفوه به لسانه ، عض على شفته السفلى قبل أن يفتح عينيه ويمسح وجهه هاتفا ” مالي..انتي بتدبسيني يا ماما ؟؟“
عقدت سميرة حاجبيها تسأله في استنكار ” بدبسك!!!! ..بنت اخلاق وأدب وجمال وانت نفسك ياما قلت فيها شعر ..جاى دلوقتى تقولى بدبسك ؟؟“
اقترب زين ليربت على كتف أخيه قائلا” اهدى بس يا يوسف وفهمنى فى ايه ..العروسة معجبتكش زى كل مرة ؟؟ايه الجديد بقا ؟؟“
نظر له يوسف وهو يعض على شفته مجددا فى غيظ حتى كاد يدميها ليهتف مجددا” حضرتك عارف العروسة تبقى مين… تبقى ايلينا اللى بتشتغل معانا ”
ضيق زين عينيه في دهشة ليهمس ” ايلينا ازاى يعنى ؟؟“
اشار بكفه الى سميرة وهو يهتف بزين ” اسألهم ”
هزت سميرة رأسها واقتربت من زين تمسك ذراعه تسأله ” انت عارفها يا زين ؟؟؟مش كدة ؟؟؟البنت تتعايب فى حاجة ..شوفت عليها حاجة ؟؟“
مرر زين يده فى شعره وهو ينظر الى وجه يوسف الذى احمر من الغضب قائلا ” بصراحة البنت مشوفتش لا فى اخلاقها ولا فى ذكائها ”
رمقه يوسف وتهكم به” خلاص يا اخويا ما دام عاجباك اتجوزها انت ” ابتسم زين وهو يشيح بوجهه ليقول ” والله انا معنديش مانع بس انت سبقتنى وخلاص مبقاش ينفع ”
دفعه يوسف فى حنق فقاطعته سميرة فى عصبية ” فى ايه يا يوسف انت فاكر ان البنت رمية ومش لاقية حد يتجوزها ولا ايه دى الف مين يتمناها ”
بسط يوسف كفيه امامه قائلا ”بسسسس… اديكى قولتى الف مين يتمناها ..تتجوز واحد من الالف دول وتحل عن سمايا ”
اقتربت سميرة منه كأنها تتوسله” يوسف البنت دى فعلا لو ضاعت منك مش هتلاقى زيها .. .الزوجه الصالحة فى الزمن ده بقت عملة نادرة ..اه البنات فعلا على قفا من يشيل بس اللى هتنفعك واحدة زى ايلينا ” واضافت فى حنان وهى تمسك بكفيه ” بس يا حبيبى لو فيه حد فى حياتك قول وانا اروح اخطبهالك بنفسى ..انا ميهمنيش غير سعادتك …نفسي أفرح بيك بقا يا يوسف ” وافلتت دمعة من عينها تعلم جيدا تأثيرها به فرق لها قلبه على الفور …يحبها لدرجة التقديس ، يضعها فى مرتبة خاصة لا يضاهيها احد ..يعلم كما تعلم أنها نقطة ضعفه الوحيدة ، اقترب ليمسح بأنامله دمعتها …رسم ابتسامة بسيطة على وجهه ليتخطى الموقف معها وقبل رأسها قائلا ” انا اسف يا ماما انى اتعصبت عليكى ..أنا بس اتفاجئت ..حاضر هعملك اللى انتى عاوزاه …وهتجوز اللي انتي اخترتيها ”
صفر زين وهو يضع يده فى جيب سترته ” مش شايفين انكو بتتكلمو على اساس انها وافقت ..ممكن جدا متوافقش على فكرة ”
امتقع وجه يوسف بينما ابتسمت سميرة لتخبره في جذل” لا ماهى وافقت ”
وهذا ما حير يوسف لماذا ؟؟، لماذا قبلت به وهي تعلم عنه كل ما تعلم ..لحظات ابتسم بعدها فى خبث مرددا وهنا مربط الفرس .
**************************************
تمددت ايلينا فى فراشها وتنهدت فى عمق في محاولة لاسترخاء تحتاجه بشدة بعد كل هذه المواجهات الساخنة مع يوسف ، ابتسامة خبيثة طلت في حياء مجتازة شفتيها وهي تتذكر وجهه حين أعطتهم موافقتها على الخطبة ، مررت يدها في شعرها شاردة فيما حدث حين عادت من عملها الى المنزل لتجد محمود يجالس سمير اباها ، تقدمت بابتسامة عذبة لتحيييه وعينيها تتابع بتساؤل نظرة الوجوم على وجه والدها الذى ربت على الأريكة جواره مبتسما وهو يقول ” تعالى يا حبيبتى جنبى ..عمك محمود عايزك فى كلمتين ”
نظرت الى محمود في ترقب قبل أن تتحرك لتجلس الى جوار ابيها ، ابتسمت مجددا وهى تضع حقيبتها على المنضدة قائلة ” اؤمرنى يا عمى ”
ابتسم محمود من أدبها وقال ” الامر لله يا حبيبتى ..اخبار شغلك ايه ويوسف عامل معاكى ايه ؟؟“
نظرت له فى حيرة تخلصت منها سريعا لترد قائلة ” الحمد لله الشغل ماشى كويس ”
نظر محمود الى سمير وشبك اصابعه وهو يطأطأ رأسه ارضا للحظات قبل ان يرفعها من جديد قائلا بسرعة وكأنه يخشى التراجع ” شوفى يا بنتى من غير لف ولا دوران ومقدمات ملهاش لزمة انا عاوز اطلب ايدك ليوسف ابنى ”
تراجعت ايلينا فى ذهول ونظرت الى أبيها فى انتظار اى رد منه او تفسير ، عن أي خطبة يتحدث هذا الرجل انها عائدة لتوها من شجار محتدم معه كالعادة من أين خرج بتلك الفكرة المختلة !!!،حاولت قول أي شىء فتلعثمت ” ح..حضرتك قولت ايه ؟؟“
استند محمود بمرفقيه على ركبتيه مواصلا وكأنه يدير صفقة ما ” قبل أي حاجة لازم تعرفي حاجات كتير عن ابني وأولها عيوبه …يوسف بتاع ستات ومش بس كدة ده بيشرب كمان ”
شهقت في عنف وهى تسمع منه هذا الكلام ، نعم سمعت حواره مع جينا ولكن لم تتخيل ان تسمع وصف أبيه بنفسه ، لم تتخيل أنه يعرف حقيقة ولده ويتجاهل، تنهدت في عمق فالحوار على كل حال ليس منطقيا من الأساس وليكن ابن البدري هذا ما يكن ، ماشأنها هي وقبل أن تعطي فرصة لتفكيرها في انكار هذا وادعاء عدم أهميته سارعت قائلة وهى تحاول ان ترسم ابتسامة على ثغرها ” وحضرتك متخيل ان بعد كلامك ده أنا ممكن أوافق عليه ”
واصل محمود وكأنه يزيح حملا من على كتفه ” يوسف مش كدة ايلينا ..أقصد ان فيه ظروف وصلته لده ..يوسف محتاج مساعدة ..محتاج حب حقيقى يوجهه للصح ..محتاج ست تصحح مفاهيمه ..مش من حقي أقول ظروفه ايه لأن دي حكاية مر عليها سنين طويلة ممكن هوا مع الوقت يقولك بنفسه ..للأسف هوا كان جزء من حكاية قديمة وصعبة خلته يرفض أي ارتباط من أي نوع ”
قالت ايلينا وهى تدير حدقتى عينيها فى تفكير ، هذا الرجل سيدفعها الى الجنون حتما ” رافض أي ارتباط ازاي اذا كان حضرتك دلوقتي بتقول انه بتاع ستات ”
تنحنح محمود قائلا في حرج” اه بس ده لزوم أنه يتبسط وبس ”
أشاحت ايلينا بوجهها فى تقزز قائلة ” اه كدة فهمت ”
لحقها محمود قائلا ” متفهميش غلط يوسف علاقته بيهم عمرها ما وصلت للحرام ابدا ”
ابتسمت ايلينا فى سخرية قائلة ” على أساس ان العلاقات بالطريقة دي مش حرام ولا لازم يرتكب كبيرة من الكبائر ..انا اسفة يا عمى انا مش هقدر ارتبط بيه ”
وهمت بالنهوض لولا أن وقف محمود بدوره أمامها يمنعها قائلا ” انتي بتشتغلى مع يوسف بقالك اد ايه ايلينا ”
ردت ايلينا في بساطة دون أن تعى ماسبب السؤال ” من ست شهور تقريبا ”
ضم محمود كفيه الى بعضهما قائلا ” عمره حاول مرة انه يتجاوز حدوده معاكى ..عمرك شوفتيه تجاوز حدوده مع اى موظفة من الموظفين ” اغمضت ايلينا عينيها وهي تحاول أن تستخلص اجابة منصفة ، رغم ماعلمته عنه الا أنه كان مهذبا معها الى أبعد حد ، بالفعل كان يتعمد اغاظتها ولكن حتى نظراته لم تحمل أي تجاوز والحال مع باقى الموظفات ، ردت ايلينا بعدها ” لا عمره ما حاول وده لأنه بيحب يحافظ على شكله ومنظره فى شغله مش اكتر ”
هز محمود رأسه قائلا ” مش بس كدة …يوسف عمره ماضحك على واحدة ولا عشمها بحاجة ..أغلب اللى يعرفهم هما اللى جريو وراه وعارفين كويس وضعهم فى حياته ايه ”
تذكرت ايلينا وقتها حواره مع جينا ، نعم لقد ذكر لفظ علاقة عابرة في طيات حواره وطلب منها الاتنتظر منه اى مشاعر موضحا أنهما اتفقا على ذلك من البداية ،الان فهمت ما يعنيه ولكن هذا لا يمنع كونه منحطا ولن تغير رأيها في أخلاقه مطلقا ، وجدت نفسها تقول في تهكم ” لا فعلا ونعم الاخلاق ”
ونظرت الى أبيها الذي كان يتابع الحوار في صمت وقالت ” ساكت ليه يا بابا متتكلم ”
هز سمير كتفيه قائلا ” انتي ناضجة وكبيرة كفاية يا ايلينا عشان تقررب أنا واجبي أنصحك وبس ”
أشار محمود الى ايلينا قائلا ” اقعدي بس يا بنتى خلينا نكمل كلامنا ”
جلست فى استسلام فواصل محمود وهو يجلس بدوره ” انا قولتلك لحد دلوقتى على عيوب يوسف بس متكلمتش على مزاياه ..يوسف راجل بمعنى الكلمة ..طول ماانتي معاه هتكوني فى أمان ..هوا بس محتاج واحدة زيك تشده معاها للطريق الصح ..أنا من أول ما شوفتك وأنا واثق انك تقدري تقومي بالدور ده ” وأضاف في تردد ” واللى خلانى أصر اكتر اني حسيت ان ابني شايلك احساس جواه ”
التفتت له ايلينا وقالت وهى تشير بيدها الى صدرها في ذهول ” ناحيتي أنا ..أكيد بتهزر ؟؟؟“
رد محمود فى جدية ” يوسف عمره ما هيعترف بسهولة حتى قدام نفسه انه حب ..مش هيقدر يترجم احساس مجربوش قبل كدة من أصله بالعكس ده هيرفضك بكل طريقة وهيحاول يبعدك كمان ”
ضحكت ايلينا وهى تضرب كفيها ببعضهما قائلة ” ده على أساس انى هوافق عليه اصلا عشان هوا يرفض ..انتو عايزه يرفضني واروح اقله انا اللى هموت واتجوزك ..انت بتتكلم ازاي يا عمي ”
قال محمود في حزم ”احنا هنحطه قدام الامر الواقع ”
ابتسمت ايلينا من اصراره على موافقتها وهو يعطيها بنفسه كل أسباب الرفض ” حضرتك بتتكلم كأني وافقت ”
رد محمود فى رجاء ” ايلينا انا ابني فعلا محتاج مساعدتك وانا واثق ان محدش هيقدر يقوم بالدور ده غيرك ..وبعدين مفيش حاجة هتتم غصب عنك مفيش جواز من اصله هيحصل غير لما يوسف يتغير بجد وانتى اللى هتقرري ده ..انا مش هخدعك واقولك ان معركتك معاه سهلة بالعكس دى هتبقى عنيفة وزى ما قولتلك هيحاربك بكل طريقة وهيحاول يبعدك ”
شعرت بحيرتها تتضاعف وهي تدفع ارادتها خطوة للموافقة وجزء من كيانها الغبي يدفعها معه فردت وهى تضع جبينها بين سبابتها وابهامها تخبره باحدى مبرراتها التي لازالت في طور المقاومة وترفض الاستسلام ” عمي للاسف انا مقتنعة تماما ان مفيش بنى ادم بيتغير وان الطبع غلاب زى ما بتقولو هنا فى مصر ”
قال محمود بسرعة ” ويوسف طبعه مش كدة ..قولتلك مجرد ظروف اتعرضلها ”
هزت ايلينا رأسها ، لا يعرف كم تكره تلك الكلمة ” تاني ظروف ..حضرتك مش متخيل انا بكره الكلمة دى قد ايه ..الشماعة اللى بنعلق عليها كل غلطنا والحقيقة ان الغلط عمر ما بشوفله مبرر ”
قال وهو يتشبث ببعض الامل معطيا اياها مثال يفهمه مثلها جيدا ” أي انسان ممكن يتغير ..رابعة العدوية مثلا شوفي كانت ايه وبقت ايه ..ربنا قادر على كل شىء بس بيبعتلنا اسباب وانتى هتكونى السبب اللى هيغير يوسف للأحسن ”
نظرت له هذه المرة دون ان تنطق ، تفتت كل مبرراتها فجأة وتهاوت أمام جزءا من ارادتها الخبيثة في الموافقة فواصل محمود ” طبعا انا عارف انك محتاجة وقت تفكرى فيه ” ابتسمت في تعب وهزت رأسها ليشعر محمود بالأمل يتزايد ” انا هستنى تليفون منك متتأخريش عليا ”
وذهب تاركا اياها مع أبيها الذى ابتسمت وهى تربت على يده قائلة ” ها يا بابا رأيك ايه ”
نظر لها سمير فى تعب وقال ” رأيي ان مهما تحاولى تخبى مش هتقدرى تخبى عليا انا ابدا ..انتى زيك زى يوسف بالظبط ..انتي كمان مشاعرك اتحركت ناحيته بس اخلاقك وتربيتك ودينك رافضين وجودها ناحية يوسف بالذات ..ومشاعرك دى هيا الى مخلياكى عاوزة تساعديه وخايفة عليه من الطريق اللى ماشى فيه ”
ارتبكت ايلينا ووالدها يواجهها على هذا النحو بما لم تعترف به حتى لنفسها فقالت ”بابا انا ” اشار لها والدها لتصمت مواصلا وهو ينهض لينهى الحوار ” لو قررتى تساعديه خدى بالك من حاجة مهمة وحطيها حلقة فى ودنك لو حد واقع فى حفرة وانتى مادة ايدك عشان تخرجبه فرصته انه يوقعك تحت اكبر من فرصة انقاذه ..بس انا عارفك كويس وعارف انى عمرك ما بتستسهلى ..تجربتك مع ريان مختلفة عن دى خدى بالك ..ريان كانت مجرد خطوبة تقليدية ومكنش فيها أي مشاعر من ناحيتك ..لكن يوسف ” وصمت بعدها ليغادر المكان قائلا ” زى ماقولتلك قبل كدة ده قرارك وانا دورى انصحك وبس ” وقبل جبينها وهو يدعو لها بصلاح الحال ، انتشلتها نغمات العود الخاص بعلي من أفكارها ، الصغير يحب الموسيقى وأتقن العزف عليه في وقت قياسي والمدهش أنه يختار نغمات شرقية عتيقة وكلمات صعبة الفهم على فتى في عمره ، ابتسمت وهي تنهض من فراشها لتقترب أكثر من صوته الشجي بمرح ، استندت الى الباب وهي تسمعه يشدو رائعة احمد شوقي
“مضناك جفاه مرقده
وبكاه ورحم عوده
حيران القلب معذبه
مقروح الجفن مسهده
يستهوي الورق تأوهه
ويذيب الصخر تنهده
ويناجي النجم ويتعبه
ويقيم الليل ويقعده
الحسن حلفت بيوسفه
والسورة أنك مفرده
وتمنت كل مقطعة
يدها لو تبعث تشهده ” ، رددت كلماتها دون وعي وعقلها شارد تماما
الحسن حلفت بيوسفه
والصورة أنك مفرده “، لفت خصلة من شعرها حول اصبعها بابتسامة حالمة ترسم ملامحه للحظة ، عينيه البنيتين وتلك الخطوط الصغيرة التي ترتسم حولهما حين يبتسم ، شعره الناعم حالك السواد وأنفه المستقيم في شموخ غريب ، لحيته القصيرة المهذبة باستمرار والتي لاحظت اخفائها لغمازة صغيرة في ذقنه او ما يسمى طابع الحسن ..أما شفتيه فهما ….هزت رأسها في عنف وهي تردد ” استغفر الله ..استغفر الله ،”
وعضت على شفتها السفلى وهي تغلق الباب لتقف خلفه مستندة اليه وهي تقول في نفسها ” مش حلو أوي يعني …عادي خالص وأقل من العادي كمان ”
رن الهاتف لينقذها من مواجهة نفسها بادعائها الكاذب فابتسمت وهى تعود الى واقعها بصوت صوفيا ونبرته الطفولية المميزة قائلة ” صوفيا ..لسة صاحية ؟؟“
ردت صوفيا فى ارهاق ” مكنش ينفع انام من غير ما اطمن عليكى ..انتى واثقة من قرارك ايلينا ”
جذبت ايلينا الغطاء عليها وقالت كأنها لم تسمعها ” انا اسفة صوفيا اسفة بجد اني كنت بالقسوة دى عليكى ”
تنهدت صوفيا قائلة ” اللى حصل حصل ايلينا ..انا خلاص نسيت ”
قالت ايلينا في تقدير مشوب بكثير من الاعتذار ” متعرفيش مكالمتك معايا فرقت كتير ازاى ”
ابتسمت صوفيا قائلة ” خدتى قرارك بسرعة ايلينا ..كنتى محتاجة وقت اكتر من كدة ”
ردت ايلينا فى شرود ” لوفكرت مش هغامر ..هيا فى الأول والآخر مغامرة ”
لحظات من الصمت قطعتها صوفيا قائلة في حماس مفاجىء كعادتها ” على فكرة انتى ليكى عندى خبر حلو …انا جايالك مصر قريب ”
***********************************
وفي الصباح كانت ايلينا على موعد مع معركة اخرى تعرف انها ستواجهها حتما مع يوسف ، جلست على مكتبها الجديد كمديرة لمكتبه وهى تنقر بقلمها فى توتر وتحاول ان تكون اهدأ ، رفضت المنصب مسبقا ولكنها الآن تحتاجه بشدة ، أنبأتها رائحة عطره المميزة عن قدومه ، لحظة مرت وجدته بعدها يدلف الى المكان وخلفه الساعى كالعادة يحمل حقيبته ، توقف عند مكتبها وخلع نظارته الشمسية ليرمقها بنظرة نارية جاهدت لتخفي انفعالها بها ، التفت بعدها الى الساعي ليأخذ منه حقيبته ويصرفه بايماءة من رأسه قبل ان يميل اليها قائلا فى غلظة” حصليني” تنهدت في قوة لتستعد لمواجهة تعرف صعوبتها وتحمست في الوقت ذاته لرؤية بارد المشاعر هذا وهو ينصهر أمامها غيظا كلوح الجليد ، تبعته الى مكتبه وهي ترسم على ثغرها ابتسامة تعرف جيدا أنها سيتفز تماما بها ، لن تننكر انها تراه جذابا أكثر وهو على عصبيته تلك ، وجدته واقفا يعطيها ظهره وما ان شعر بالباب يغلق حتى التفت لها قائلا ” انتى بتستعبطى صح ؟؟“
هزت ايلينا كتفيها قائلة في هدوء ” فيه حاجة غلط فى الشغل يا فندم ؟؟“ وفتحت ملف كان بيدها قائلة ” أنا رتبت لحضرتك المواعيد النهاردة على حس..“ قاطعها وهو يلتقط الملف من يدها ويطيح به أرضا قائلا من بين أسنانه ” بطلي استعباط انتي عارفة أنا بتكلم على ايه ”
علقت نظراتها للحظة بينه وبين الملف الملقى أرضا وعادت تبتسم من جديد لتخفي توترها ” حضرتك احنا فى شغل والمفروض ان ” لم يمهلها فرصة للكلام وهو يشير بسبابته اليها قائلا ” مش انتي اللى هتعلمينى اتكلم فين وازاى ..ومش حته عيلة زيك هتقدر تضحك عليا ”
كتفت ايلينا ذراعيها وقالت فى هدوء كاد ان يفتك به غيظا ” أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلم على ايه ”
نظر الى الأعلى لحظات وقال بعد أن مسح وجهه بيده ” مش فاهمة ؟؟….مقولتيش ليه من الاول انك تبقى بنت صاحب بابا ”
هزت كتفيها بلا مبالاة قائلة ” وكانت هتفرق معاك فى ايه ..انا قدمت السي في بتاعي زي أي حدد وحضرتك بنفسك اللى اخترتني ”
وضع يديه فى خصره وقال ” والله!!!… طيب مكنتيش تعرفى اني جايلك مع اهلي باليل ”
ردت فى صدق ” مكنتش اعرف ”
مال اليها وقد اوشك حاجبيه الكثيفين ان يلتصقا ببعضهما من شدة تقطيبه لهما ” ووافقتى ليه ؟؟“
ردت وهى تعود خطوة للخلف متجنبة مزيدا من التوتر بقربه ” وانت اتقدمتلي ليه ؟؟“
صاح في نفاذ صبر ” مترديش على سؤالي بسؤال ”
ردت في تحد ” خلي اسئلتك منطقية الأول وانا ارد عليك ”
استدار يوسف ليعطها ظهره لحظات مسح فيها وجهه بكفه وعاد ليواجهها من جديد قائلا ” ما علينا من ده كله ..انت دلوقتي هتروحي وتقولى لباباكى انك مش عايزانى ”
قطبت حاجبيها في اهتمام قائلة ” لا مش هقول كدة ..انا اديت لباباك ومامتك كلمة وانا مش برجع فى كلامى ..لو حابب انت ترجع براحتك ”
بسط كفيه امامه قائلا كأنه يساير طفلة ” خلاص ياستى وانا اهو بقولك انى رجعت فى كلامى ومش عاوزك.. روحى بلغيهم ”
قالت فى برود وكأن الامر لا يمثل لها أي قيمة ” طنط سميرة وعمو محمود اللى كلمونى فى الموضووع من الأول انت روح قولهم انك رافض وهما يبلغونى ”
رد فى ذهول ” وهيا هتفرق معاكى فى ايه ان شاء الله ” واضاف وهو ينظر اليها فى حنق يزداد وهو يراها لا تعبأ به مطلقا ” دى لو واحدة غيرك واحد قالها انه مش عايزها مكنتش اديته فرصة حتى يكمل الجملة ”
هي تعرف انه يختار اقسى الكلمات ليجعلها تتراجع و لن تجعله ينتصر هكذا من اول جولة ” اوكى انا هكلم طنط سميرة واقولها انك مش عاوز ” وهمت ان تغادر لولا ان اوقفها صوته وهو يقول ” استنى هنا رايحة فين …اوعى تقوليلها كدة ”
ابتسمت للحظة قبل أن تتصنع الحيرة والتجهم مجددا بتميز وتلتفت اليه قائلة ” حيرتنى معاك ..عايزنى اعمل ايه دلوقتى ؟؟“
حك يوسف جبينه بيده وقال في ترقب ” عاوزك تقولى ان الرفض من ناحيتك انتى ”
ردت وهى تقلد لهجته وطريقة نطقه للجملة” اسفة مبكدبش ”
اقترب منها تدريجيا وهو يقول ” يعنى ايه مبتكدبيش وانتى موافقة عليا ازاى وليه اصلا ” واضاف فى وقاحة وهو يغمز بعينه ” تكونيش بتحبيني ..ولا طمعانة بقا فى الهيلمان ده كله ”
عضت ايلينا على شفتها فى غيظ ، هذا الوقح المغرور يتجاوز حدوده ” لا ده ولا ده واسبابى هحتفظ بيها لنفسى ”
رد وهو يشيح بكفه ” احتفظى باللى انتى عاوزاه بس خليكى فاكرة انا مش عاوزك واتقدمتلك واتدبست فيكى بس عشان رغبة ماما مش اكتر وانا مبحبش ازعلها ” واخفض صوته وهو يقول فى جدية ”بس خدي بالك انتى متعرفيش حاجة عنى ..احسنلك ابعدى …افتكر اني نصحتك ”
نظرت الى اليمين واليسار وقالت ” على فكرة النهاردة احنا عندنا شغل كتير فياريت لو خلصت كلامك نبدأ ..ولا غيرت رأيك ومش هبقا مديرة مكتبك ”
هز يوسف رأسه فى خيبة امل قائلا ”لسوء حظى وحسن حظك انى مش برجع فى كلمة قولتها والا كان زمانك مرمية برة الشركة ”
علمت جيدا نيته فى استفزازها فلن تعطه ما يريد أبدا ..ابتسمت لتغيظه قائلة في استفزاز ” خلاص بعد اذنك هروح اشوف شغلى ” ، تابعها وحنقه منها وصل الى اقصاه ، تمنى لو صفعها فقد استفزته كما لم يفعل انسان على البسيطة من قبل .. سؤال واحد لازال يحيره …سؤال ترفض تلك السمجة الاجابة عليه .. لماذا قبلت به ،كيف وهى على الاقل علمت جزء من حياته بحواره مع جينا ، جلس على مقعده فى تهالك…هل عليه أن يسلم بالأمر الواقع ..هل حبه لأمه وتقديره لها سيدفعه للاستسلام …هل سيخالف وعده لنفسه ويربط أنثى باسمه …لا لن يكن …لن يسمح لهذا الزواج ان يتم مهما كلفه الثمن وسيسحق ثقة المغرورة تلك فى نفسها هذه تحت قدميه لتعلم من تواجه .
*****************************************
استرخى محمود فى مقعده وأخذ نفسا عميقا قبل ان يرتشف من فنجان القهوة الذى اعدته له سميرة بيديها، لسنوات طويلة لم يستسغ طعم القهوة الا من يدها ، ابتسم لها قائلا وهو يستلذ بمذاقها في فمه ” لسة ابنك شايط ”
ضحكت سميرة قائلة في تسلية ” هوا شايط بعقل ..ده خرج من بدرى عشان ميشوفش حد فينا ”
وأضافت وهى تنظر الى الفراغ فى تفكير ” انا بدعى ربنا ليل نهار ان ربنا يهدى ابنك ويحببه فيها ويتم الجوازة دى على خير ..لو ضاعت منه مش هيلاقى زيها ابدا ”
ربت على كفها في حب قائلا ” اطمنى يا ام يوسف …ابنك فعلا جواه حاجة ليها..بس اقول ايه بقا العند ”
احتوت كفه في كفها وهي تقول بابتسامة حالمة ” ياما نفسى يكون ليها اخت زيها كدة ناخدها لزين ”
تنهد محمود قائلا في حزم ” زين الدين بنت عمه اولى بيه ..بس فى الأول والاخر راجل مقدرش اغصب عليه وفى الاخر يظلم البت معاه ..انتى عارفة ولاد اخويا امانة فى رقبتى هتحاسب عليها قدام ربنا ” وطأطأ رأسه مضيفا في وجع ” كفاية كنت السبب فى حرمانهم من ابوهم وامهم ”
قالت سميرة فى رقة وهى تضع يدها على كفه ” تانى يا محمود …الموضوع عدى عليه كتير اخرج منه بقا ”
هز رأسه قائلا فى حزن ” بس لوكنت ..“ وضعت اصبعها على ثغره قائلة ” ربنا يرحمهم برحمته يا محمود انت عملت اللى عليك وزيادة وعيالهم حطتهم فى عنيك وعاملناهم حتى أحسن من عيالنا ”
رفع محمود نظره اليها لتطالع بهما حزنه الذى عاش به لسنوات طويلة وعقدة الذنب التى ظلت ملازمة له ودمعة تناضل أن تظل محافظة على مكانها خلف جفونه فغيرت من مسار الحديث قائلة ” بقولك ايه ؟؟؟احنا عايزين نحدد معاد للخطوبة ..وننزل مع البنت تنقى شبكتها ..ايه رأيك ”
ابتسم محمود فى حزن قائلا ” كلميها واتفقى معاها ”

☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆☆
الفصل السابع

التقط يوسف هاتفه فى تأفف وهو ينظر الى اسم جينا ، فتح المكالمة ورد عليها فى اقتضاب وملل وحين شعر بباب المكتب يفتح لتظهر من خلفه ايلينا تحمل عددا من الملفات رسم على ثغره ابتسامة واسعة غير عابىء بوجودها وهو يغير من طريقة حديثه مع جينا تماما ” انا عارف ..انتى كمان وحشتينى اوووى ..انا عندى بس شوية شغل وهكلمك تانى ..باى باى حبيبتى ” استمعت الى كلماته بغضب حاولت جاهدة اخفائه ، غيرتها أقوى من أي قوة لانكار وجودها وهو يردد على مسامع جينا عبارات هيامه وغزله ، ضغطت على الملف الذى بيدها حتى كاد يتكور بين اصابعها واظافرها بالفعل قد تخللت احدى وريقاته ، حقا هى لاتعرف من اين تبدأ طريقها معه و..“ بتبصيلى كدة ليه ؟؟“ قاطعها يوسف وهو يدور بكرسيه الجلدى فى برود ، ردت وهى تتنفس فى عمق ” ببصلك ازاى؟؟“
ابتسم وهو ينظر الى الملف الذى كاد ان يتكور فى يدها ” اسألى نفسك ” ونهض فى بطء ليواجهها قائلا ” عشان بس تبقى عارفة ..جينا مش الوحيدة ده فى غيرها كتير ..وانا بقا مش ناوى اتغير عشاان حد ”
اشاحت بوجهها للحظات قبل ان تنظر اليه من جديد قائلة ” اللى بيتغير بيتغير عشان خاطر نفسه وعشان هوا عارف أنه ماشى فى سكة غلط ..اللى بيتغير بيتغير للصح مش عشان خوف على منظره وشكله مش اكتر ”
مط شفتيه قائلا ” عاجبانى فلسفتك دى ” وجلس على طرف مكتبه وصمت لحظات قبل ان يضيف فى جديه ” انتى هتتعبى كتير لو فكرتى تتجوزينى وده لأنى عمرى ما هحبك ابدا ”
هزت كتفيها فى لامبالاة تفتك به قائلة ” الحب مش كل حاجة ”
تضايق من برودها فحاول اغاظتها قائلا ” وانا بالنسبالى مقدرش اعيش مع واحدة متربطنيش بيها اى مشاعر فتوقعى بقا فى اى لحظة انى ممكن اتجوز عليكى ”
لن يربح معركته تجاهها ابدا هى تدرك غرضه من استفزازها ، وضعت الملف على المكتب وكتفت ذراعيها قائلة فى هدوء ” مثنى وثلاث ورباع ..ده شرع ربنا حد يقدر يعترض عليه ”
نهض يوسف من جلسته فى صدمة وقال ” بقولك هتجوز عليكى ايه مش فارق معاكى خالص ”
تراجعت لتحتفظ بمسافة بينهما قائلة ” هيكون فارق معايا لو بحبك مثلا ..بس انا مش بحبك خالص ”
رد فى حنق ” اومال عاوزة تتجوزينى ليه ”
قالت فى هدوء غير مكترثة به ، تلذذت كثيرا بحرصه على اجابة لسؤاله وحيرته في الوصول الى شيء لن تجعله يبلغه مطلقا” قولتلك محتفظة باسبابى لنفسى ”
هنا فقد أعصابه تماما وقبض على معصمها قائلا ” بطلى استفزاز ” نظرت اليه فى شر وبعينين كلهما تهديد لا يتناسب مع برائتهما المعتادة وقالت وهى تحاول ان تفلت يدها من قبضته دون فائدة ” لو فكرت تلمسنى بأى شكل هتشوف منى اللى عمرك ما شوفته ” ، استمتع بنظراتها تلك ، اثارته بهذا التغيير ، بكل متناقضاتها لا يستطيع ان ينكر انها تثير فضوله جنونه حيرته حقده تثير كل متناقضاته بمتناقضاتها ، كم تمنى لو تمادى اكثر و..، قطع استرسال افكاره الوقحة وهو يقبض على معصمها اكثر قائلا ” انا بقا عايز اشوف اللى عمرى ما شوفته ”
استمرت في محاولة تخليص معصمها منه فابتسم لنجاحه اخيرا في مضايقتها ولو قليلا ، لحظات وترك يدها وهو يتراجع قائلا ” طبعا انا اتمنى اعمل اى حاجة تضايقك بس مش يوسف البدرى اللى يلمس ست غصب عنها ”
نظرت له فى تهكم وهي تدلك معصمها من قبضته قائلة ” بتلمسهم بمزاجهم بس حاجة فعلا تشرف ”
عاد ليجلس على رأس مكتبه وهو يزفر فى ضجر قائلا ” انجزى شوفى انتى كنتى جاية ليه خلصينى ”
حملت الملفات من جديد وبدأت فى عرضها عليه واحدا تلو الاخر ، كان منشغلا عنها بصراعه الخاص الذي يشتعل مع اي اقتراب منها .. هو يريد ان ينكر انها بالفعل مميزة وذكية وجميلة واضافة كبيرة لاى مكان تعمل به …يريد أن يخضعها لتصنيفه الخاص لأي أنثى.. يريد ان تظل هكذا بعيدة عن قلبه الذى احاطه باسوار شائكة تمزق اى صورة مثالية لامرأة قبل ان تقترب من ابوابه ، يشعر بالخطر وحصونه تنهار امام رقتها واحدا تلو الاخر ومقاومته تتضاءل وهو يراقب كل شىء فيها باهتمام ، ولكن لا ….هى لاشىء ، هى مجرد امر فرض عليه ليرضى امه وسينهيه فى الوقت المناسب ، لن تقتحم انثى حياة يوسف البدرى ابدا .
أما هي فحالتها لم تختلف عنه فصراعها الخاص كان يحتدم بداخلها بدوره بعد ان واجهها والدها بمشاعرها تجاهه ، كانت تحاول ان تقنع نفسها انه يحتاج للمساعدة فحسب ولكن التساؤلات التى جابت خاطرها لم تجد لها اجابة ، لماذا هو ؟؟، لماذا جازفت من جديد من اجله ؟؟، لماذا تتحمل فظاظته وتتنازل عن كثير من كرامتها وهو يرفضها مرة بعد مرة ؟؟، لماذا يجمع كل المتناقضات فى آن واحد ترى حنانه واحترامه لأمه وترى فظاظته مع اخرين ، ترى احترامه معها ومع غيرها من الموظفات وترى وقاحته مع جينا ، ترى أى ظروف مر بها وتحدث عنها والده ؟؟، لن تهدأ حتى تعلم قصته كاملة وسيعرف ابن البدري من منهما سيربح المعركة .
********************************
مر شهر لم تختلف فيه الأمور كثيرا بينهما كل منهما كان يستلذ بتحديه للاخر ولو فى امور بسيطة ، لم يتوقف عن محاولاته المستمرة لابعادها عن طريقه دون جدوى ، ألهته محاولاته الدءوبة عن مواجهة تلك المشاعر التى تتسرب الى خلاياه وتتصدع لها اسوار قلبه المحصنة ، كان يردد دوما بينه وبين نفسه انه يكرهها ويكره وجودها الذى فرضته الاقدار عليها .
اما ايلينا فحتى هذا الوقت لاتعرف من اين تبدأ طريقها معه فهو لم يعطها اى فرصة تماما ، اصبح يغرقها فى العمل اكثر واكثر حتى تمل منه ومن تحكماته وفى المقابل كانت تنجز كل ما يطلبه منها فى دقة تثير دهشته واعجابه رغما عنه ، وفى يوم الخطبة لم يهتم ويعطها راحة وبدورها لم تطلب هذا الامر مطلقا ، استغرقت فى عملها حين رن هاتفها برقم صوفيا قائلة بصوتها الطفولى ” مفاجأة انا فى المطار ”
نهضت ايلينا فى دهشة قائلة ” فين ؟؟…ليه مقولتيش يا صوفيا من الاول ”
ضحكت صوفيا وقالت ” كنت عايزة اعملهالك مفاجأة يلا تعالى خدينى ”
وضعت ايلينا يدها على رأسها وهى تنظر الى باب مكتب يوسف ثم الى الملفات امامها وتقول ” طيب صوفيا دقيقة وهرجعلك ”
حاولت التحدث الى ابيها فوجدت هاتفه مغلقا ، ضربت الارض بقدمها فى غيظ وهي تلقي بهاتفها على المكتب ،انتفضت فى ذعر حين رفعت بصرها من جديد لتجده أمامها ، نظر لها في تهكم قائلا ” مالك ؟؟شوفتى عفريت ؟؟“
عادت لهدوئها بسرعة وقالت ” لا بس..“ قاطعها يوسف وهو يتجه الى مكتبه قائلا ” ورايا ”
وضعت يدها فى خصرها ونظرت الى مزهرية صغيرة على مكتبها وتمنت بالفعل لو جربت متانتها على رأسه فهذا المغرور البارد يثير غيظها الى اقصى درجة .
جلس على رأس مكتبه وانتظرها حتى جاءت لتقف امامه ، تأملها للحظات ..دقق في ارتباكها وحيرتها ومنع نفسه بصعوبه من سؤالها عما بها ، لايريد ان يعترف انه يهتم بأمرها مطلقا ، قال فى هدوء وبلهجة آمرة ” انا عاوزك تعمليلى مقارنة بين ارباح السنة دى وارباح السنة اللى فاتت وعاوز تقرير عن كل مناقصة دخلناها وكمان تقرير بالخامات الجديدة اللى قررنا ندخلها فى شغلنا وكمان ..“
قاطعته في ذهول ” ثوانى بس ده كله هيتعمل امتى ”
رد وهو يسترخى فى كرسيه ببرود ” النهاردة ” صمتت وهى تتأمله فى حيرة ، أهذا الرجل مختل أم يدعي الاختلال ؟، فواصل فى ظفر امتزج بشماتة ” ومش هتمشى غير لما يكون الورق ده كله قدامى يا ….يا عروسة ”
اغمضت عيناها في قوة ،هكذا اذن !!، يتحداها كالعادة فليكن ، تنهدت قائلة ” تمام يافندم بس لو ينفع بس ممكن استئذن نص ساعة بس عشان ..“ قاطعها باشارة من كفه ” قولت مش هتتحركى قبل ما تخلصى كل اللى طلبته منك ”
زفرت فى ضيق وشعرت انها بالفعل فى مأزق حقيقى ، وماذا تفعل مع صوفيا التي تنتظر وحيدة في المطار ..لن تترك الفتاة هكذا مهما حدث …ستتنازل عن جولتها معه هذه المرة فقط وساحة المعركة لازالت أمامها طويلة ، كادت ان تنطق لولا ان فتح الباب وظهر زين من خلفه فتنهدت فى راحة وهى تسرع اليه قبل ان يدلف للداخل ، ابتسم لها قائلا ” حظى حلو النهاردة كدة انى اشوفك ..بس فيه عروسة بتيجى شغلها يوم خطوبتها ؟؟“
ابتسمت قائلة ” نعمل ايه بقا ؟؟“
واضافت فى خفوت وهى تميل للامام قليلا ” حكم القوى ”
ضحك زين وهو ينظر الى يوسف الذى التفت اليه بضيق لا يجد له مبرر ، اقتربت ايلينا منه وهمست فى رجا ء” زين ممكن اطلب منك خدمة ”
اشار زين الى عينيه قائلا ” من عيونى اؤمرينى ”
ابتسمت فى امتنان قائلة ” متشكرة جدا.. بعد ماتخلص مع يوسف ابقى عدى عليا ”
وخرجت ليتقدم هو جالسا امام اخيه وهو يقول ” ده انت مفترى منزل البت يوم خطوبتها ”
تنحنح يوسف وهو يحاول ان يخفى علامات الامتعاض على وجهه ، نظر الى الباب لحظات حيث خرجت ايلينا وقال ” عاجباك ايلينا يا زين ؟؟“
نظر زين الى الباب دون ان يدرى ما رمى اليه اخوه وقال ” بصراحة نادر لما تلاقى حد زيها دلوقتى ”
نهض يوسف من على رأس مكتبه ليجلس مقابلا لاخيه قائلا فى تردد ” زين انت معجب بايلينا ؟؟“
قطب زين حاجبيه وقال فى حدة ” انت بتقول ايه يا يوسف الحاجات دى مفيهاش هزار ”
قال يوسف وهو يميل اليه ليتمعن به أكثر هو لم ينسى مطلقا حماس أخيه لها من البداية ، لا ينكر أنها تشبهه كثيرا في طباعه ” انا مش بهزر ..لو ايلينا عاجباك خدها يازين ”
تمعن زين بأخيه للحظات قبل ان يقول فى جديه ” بص بقا …ايلينا بنت يتمناها اى حد ..لكن انا مش هبص لواحدة هتبقى مرات اخويا ومش بس كدة …دى حبيبته كمان ”
اعتدل يوسف وقال فى صدمة أربكت نبرته ولعثمتها ”حببية مين يا زين ..هوا انا بطيقها اصلا ؟؟“
ابتسم زين لارتباك اخيه وقال ” انت لسة فى مرحلة المقاومة يا يوسف بس بعد فترة هتستسلم …وهتبطل تعاند حبك ليها اللى بيكبر جواك ..المفروض تحمد ربنا ان مشاعرك ورطتك مع الشخص الصح ..مش تفضل تعاند ”
تنهد يوسف وهو يشيح بنظره بعيدا قائلا ” انت بتقول اى كلام يازين انا مش بعترف ان فيه حاجة اسمها حب اصلا ”
ضرب زين بكفيه على فخديه وهو ينهض فى بطء قائلا ” بكرة تشوف يا يوسف ” واستدار ليذهب وقبل ان يفتح الباب التفت لأخيه قائلا ” ابقى ارحم الغلبانة اللى برة دى شوية ..ملهاش اى ذنب فى الصراع اللى جواك ده ”
تنهد يوسف وهو ينظر الى اخيه الذى غادر وتركه يردد فى نفسه ” ملهاش ذنب ..شكلها هتبقى الذنب نفسه ”
دق زين على مكتب ايلينا فى رفق فرفعت رأسها اليه قائلة ” جيت فى وقتك ” نظر الى الملفات المتراكمة حولها قائلا” ايه ده كله ؟؟“
اشارت برأسها الى غرفة اخيه في حنق وقالت ” اسأله ”
ابتسم زين للحرب الباردة بينهما فقالت ايلينا ” خلينا فى المهم …انا بنت خالتى رجعت من باريس وحاليا فى المطار واخوك منعنى استئذن ”
قطب حاجبيه في ازعاج وهو يهم ان يعود الى اخيه ” ايه الكلام الفارغ ده ” اوقفته ايلينا وهى تقول ” ارجوك يا زين مش عاوزة حد يتدخل هوا فاكر انى مش هستحمل …وانا هوريه انى هقدر ..بس صوفيا واقفة فى المطار بقالها نص ساعة ودى اول مرة ليها فى مصر ”
رفع زين حاجبيه قائلا ” صوفيا !!”
هزت ايلينا رأسها قائلة ” انا بعد اذنك طبعا ادتلها رقمك وشافت الصورة اللى انت حاططها على الواتس اب وهتعرفك ..عارفة انى هتعبك بس انا بحاول اكلم بابا وهو مش بيرد ”
ابتسم زين قائلا في رفق ” تتعبينى ايه بس يا ايلينا ..انتى من النهاردة تعتبرينى اخوكى ولما تحتاجى اى حاجة هتلاقينى جنبك …ولو اللى جوة ده مزعلك انا مستعد ا..“
قاطعته ايلينا وهى تضحك قائلة ” اللى جوة ده سيبهولى ” ونظرت الى ساعتها لتضيف ” يلا بقا البنت وقفت كتير فى المطار ”
***********************************
جلست صوفيا على احدى حقائبها وهى تنظر الى ساعتها للمرة الألف وتزفر فى ملل ، رفعت الهاتف فى تلقائية وهى تنظر الى صورة زين من جديد قائلة ” اتأخرت ليه ؟؟؟…زهقت من الوقفة بقا“
وبعد دقائق كان زين فى قاعة الانتظار لايدرى عما يبحث ، تخيل ان يجد نسخة اخرى من ايلينا فى ردائها وطريقتها وبتلقائية بحث عن اى فتاة محجبة فى المكان فلم يجد ، سمع صوت أنثوى ناعم من خلفه يقول ” مساء الخير ”
التفت الى الصوت ليتفاجىء بفتاة لاتشبه ايلينا على الاطلاق فملامحها كانت اوربية صميمة ، بيضاء البشرة صافية لا تخفيها بأى من مساحيق الزينة ، شعرها اشقر ترفعه للاعلى على هيئة كعكة صغيرة فوق رأسها ليعطيها مظهرا طفوليا ، اما عينيها فقد اربكته حين نظر اليها فلاتوجد كلمة تصف انه بالفعل غرق فى جمال لونها الاخضر العشبي الساحر وبريقها الذى كاد يفقده توازنه ومع ذلك فقد اشاح بوجهه في ضيق من ملابسها المثيرة فقد ارتدت سروالا ضيقا من الجينز يكاد ينفجر صادحا بما يخفيه وفوقه قميص قصير يحدد انحناءات جسدها بشكل ملفت للنظر وبالكاد يصل الى خصرها ، انتشله صوتها من افكاره وهي تقول ” انت زين مش كدة ؟؟؟“
هز رأسه قائلا ” صح“
تأملته لحظات قبل ان تقول فى بساطة وهي تصفق بكفيها ” انتى احلى كتير من الصورة ”
رفع زين حاجبيه وخفضهما فى دهشة من جرأتها ، بالفعل تختلف عن ايلينا تماما ، انتبه الى نظرات الرجال التى كانت تحدق بها فى اعجاب وانبهار واضح فزفر فى غضب وهو يتجه الى حقائبها قائلا ” يلا بينا ”
والى جواره ركبت السيارة تتابع العالم من حولها فى بهجة وليد يستكشف الدنيا من حوله ، هتفت فى سعادة ” مصر حلوة اوى ..كنت فاكراها مجرد صحرا ”
رد فى اقتضاب ” ده اللى بيصورهولكو هناك ؟؟“
نظرت له فى حيرة لقد اخبرتها ايلينا عن فظاظة يوسف ولم تتوقع مطلقا ان زين نسخة اخرى منه ، اما هو فقد كان يحاول اخفاء حيرته وصدمته ، لم يتخيلها بهذا التحرر ، هل هى ليست على نفس الدين ؟؟، اصابه الفضول فى مقتل فأراد التحايل على السؤال قائلا ” انتى فرنساوية فرنساوية ولا والدك برضه من اصول مصرية زى ايلينا ”
ابتسمت صوفيا لاهتمامه وقالت ” انا والدى مصرى برضه كان صاحب عمو سمير انا اسمى صوفيا احمد مصطفى ”
تنهد في عمق وهو يضغط على مقود السيارة ” أحمد … يعنى انتى مسلمة ؟؟“
هزت كتفيها دون ان تدرى ما يرمى اليه قائلة ” تقريبا ”
نظر لها بسرعة قبل أن يركز في الطريق أمامه من جديد قائلا في تهكم ” تقريبا ” بينما صمتت هي فى غيظ فقد تضايقت من عدم اكتراثه بها وهى من تعودت ان تلفت نظر كل الأعين من حولها ، تأملت ملامحه من جديد وابتسمت وهى تردد فى نفسها فارس شرقى وسيم ولكن غليظ القلب وأعمى البصر ، عادت تنظر الى النافذة من جديد ملتزمة الصمت حتى أوصلها الى بيت سمير .
*******************************
قطع رنين الهاتف تركيز ايلينا الشديد وهى تحاول ان تنجز عملها فى اسرع وقت وبدقة شديدة ، فتحت المكالمة قائلة ” ايوة يا زين وصلت صوفيا ؟؟“
رد زين ” ايوة يا ايلينا روحتها عند عم سمير ”
ابتسمت بامتنان ” شكرا يا زين ”
رد في بساطة ” لا شكر على واجب ..بس بنت خالتك دى مش شبهك خالص ”
تساءلت وهى تتابع الحاسوب امامها ” اه فعلا هيا ورثت ملامح مامتها اكتر وما ورثتش من باباها حاجة ”
ـ”انا مقصدتش كدة”
ضيقت عينيها وقالت فى تفكير ” اومال قصدك ايه ؟؟“
رد زين بسرعة ” ولا حاجة متشغليش بالك ” ولكنها فهمت ما يرمى اليه فأنهى هو المكالمة قبل أن يطرح الأمر لمناقشة يعرف أنه لن يقبل فيها أي مبرر قائلا ” يلا بقا خلصينا انتى وسى يوسف بدل ما الناس تيجى باليل متلاقكوش ”
ابتسمت وهى تغلق المكالمة وتمسح وجهها فى ارهاق قائلة ” منك لله يا يوسف …منك لله” واضافت فى اصرار وهي تنظر الى باب مكتبه” بس على مين والله لتشوف ”
وفى تمام الثانية ظهرا أنهت ماطلبه منها يوسف الذى لم يصدق انها فعتلها فى هذا الوقت القياسى ، حاول البحث عن أي خطأ فلم يجد …أسقط فى يده اخيرا وتركها تذهب لتستعد للحفل الذى كان مقررا له فى السابعة مساءا.1

تفتكرو مفاجئات يوسف في الخطوبة هتخلص 😂😂😂

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثامن

أغلقت ايلينا باب المنزل خلفها ووقفت تستند اليه لحظات ،تنهدت وهى تفك حجابها فى ارهاق واضح ، قدمت صوفيا على صوت اغلاق الباب وصاحت فى طفولة وهي تفتح ذراعيها
” وحشتيني ايلي”
اندفعت اليها ايلينا وضمتها فى قوة و بادلتها الأخرى مشاعرها فى حرارة وهي تتشبث بها تشبث الطفل التائه الذي عاد الى أحضان أمه ،ابتسمت ايلينا وهي تمسح على شعرها هامسة في شوق
” وانتى وحشتينى صوفيا ..وحشني جنانك وهبلك ”
أفلتت صوفيا نفسها من بين ذراعي ايلينا وهي تتظاهر بالغضب
” وانتي يا عاقلة ..نازلة الشغل يوم خطوبتك وراجعة كمان متأخر ”
ردت ايلينا فى تعب وهى ترتمي على أحد المقاعد القريبة
” حكم القوي بقا نعمل ايه ”
قطبت صوفيا حاجبيها في تساؤل
” حكم ايه ؟؟“
تنهدت ايلينا وابتسمت فى ارهاق مردفة
”مع الوقت هتتعودي على المصطلحات دي متخافيش ”
جلست صوفيا على يد المقعد فى خفة وهي تنفي ما قالته صديقتها
” وقت مين ..دى زيارة وهرجع باريس تاني”
مسحت ايلينا جبهتها فى ارهاق ، هي ليست على استعداد لمناقشة الأمر مطلقا معها الآن
” سيبيها لله ..يمكن الظروف تتغير ”
وأضافت وهي تغمز بعينها لتحول الأمر إلى مزحة
” أو ربنا يرزقك براجل مصري أصيل يتجوزك ويلمك فى بلدك بقا شوية ”
مالت صوفيا اليها متهكمة
” راجل ايه ؟؟مصري ؟؟…لا لا انسي …مش كفاية اللي بعتهولي يجيبني ده ”
نظرت لها ايلينا فى اهتمام تسألها
” زين ..حرام عليكى يا شيخة ”
عقدت صوفيا ذراعيها وقالت في ازعاج
” شكله نسخة تانية من اخوه ”
تراجعت ايلينا هاتفة في دهشة
” زين ؟؟“
أكملت صوفيا وهي تشيح بوجهها
” قليل الذوق الا حتى ما مد ايده يسلم عليا ”
هزت ايلينا رأسها وقالت فى تفهم
”اه كدة فهمت ..هوا عشان الراجل بيغض بصره ومحترم يبقا ميعجبكيش ”
لوت صوفيا فمها فى عدم فهم وهمست
” بي ايه ؟؟؟“
نهضت ايلينا ومسحت على رأسها لتخبرها في حنان” للأسف صوفيا انتي متعرفيش حاجات كتيرة عن دينك وأنا ياما حاولت معاكي وانتي مكنتيش بتديني فرصة ..والحقيقة ان زين غير يوسف خالص ” واضافت وهي تتنهد في حزن
” للأسف ”
ابتسمت صوفيا فى خبث قائلة
” وللأسف دى عشان انتى حبيتى يوسف مش كدة ؟؟“
تراجعت ايلينا فى ارتباك وقالت كأنها تدرء عن نفسها تهمة
” لا طبعا مبحبوش مين قال كدة ؟؟“
تمعنت به صوفيا واقتربت منها لتواجهها بما تنكره
” عمرك ما كنتى هتجازفى تانى بتجربة زى تجربة ريان ..عمرك ما كنتى هتغيرى نظريتك ان الطبع يغلب التطبع ”
حاولت ايلينا التملص منها بأي سبب اخر
” مكالمتك فرقت معايا كتير وكمان كلام باباه خلانى احس انه غير ريان تماما ..وانه مر بظروف خلته يحكم بمعايير مختلفة ”
امسكت صوفيا بكتفيها تجبرها على مواجهتها من جديد وهي تردف
” انتى خلاص اتورطتى معاه بمشاعرك ايلينا ..انتى بس كل خوفك انك متقدريش تغيريه فتضطرى تبعدى عنه وانتى مش عايزة تبعدى ايلينا ”
تسللت كلمات صوفيا الى اذنيها بل الى ذهنها مباشرة رفض عقلها التسليم لهذا وهي اعتادت أن تتبعه ، اعتادت أن تكون له اليد العليا .. فانحرفت الكلمات الى طريق آخر تبحث عن اجابة أكثر صدقا، الى قلبها الذي كان له رأي صريح أعلنه بنبضة عالية قوية كادت أن تهز كيانها بأكمله لتخبرها أن الحقيقة أقوى من أن تنكرها.. لتخبرها أن العقل هذه المرة لن يفيدها مطلقا فالاجابة الواضحة لدى القلب وحده ، لقد أحبت… لقد سقطت في عشق لن يفيدها انكار وجوده من عدمه ، محتال ..وقح ..وبه كل ما تكرهه من صفات ولكنها …أحبته .. حاولت ان تبتسم لتتهرب من المواجهة وهي تهمس في تعب
” بقيتى فيلسوفة يا صوفيا ”
واضافت وهى تقترب منها فى حنان
” مقدرش انكر ان كلامك وقتها فرق معايا جدا وخلانى اغير طريقة تفكيرى ..طمنينى صوفيا انتى دلوقتى احسن ”
اطرقت برأسها فى حزن قائلة
” هبقا أحسن ايلينا ..هبقا أحسن ”
وكعادتها تخلصت من حزنها سريعا وقفزت وهى تصفق بيديها قائلة
” يلا بقا خلينا نستعد ..انا جبتلك فستنان خطوبتك معايا زى ما طلبتيه بالظبط ..هنبهرهم النهاردة بجد”
وبعد ساعتين بالضبط كانت ايلينا تتألق بثوبها الستان الذى أحضرته لها صوفيا من اللون الموف الهادىء ، كان مميزا وراقيا كأغلب ثيابها ، لفت حجابا من نفس اللون على رأسها وفوقه أضافت صوفيا طوقا صغيرا من الورد الابيض واقتربت في حذر لتضيف لها بعضا من مساحيق الزينة فرفضت ايلينا بشدة وزجرتها فى حنق ” صوفيا دى حاجة ع الضيق مش مستاهلة ده كله ” وانهت الحوار قبل أن تعطي فرصة لالحاحها المضجر ملقية نظرة اخيرة على نفسها فى المرآة لتخبرها بامتنان
” جميل ذوقك صوفيا …الفستان تحفة ”
لوت صوفيا فمها فى انزعاج وهي تمتم
” ده مش ذوقى خالص انا جبته على ذوقك انتى ” وأزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي ترهف السمع لتهتف وهى تقطب حاجبيها
” ايه ده الناس جم وأنا لسة مجهزتش ” …قفزت من مكانها كمن لدغها عقرب سام واتجهت لحقيبتها تنبش محتوياتها في عشوائية ، تابعتها ايلينا للحظات وهى تلوح باصبعها محذرة
” صوفيا البسي حاجة مناسبة ”
لم تعبأ بها مطلقا وهى تقلب بمحتويات الحقيبة يمينا ويسارا في حيرة ، هزت إيلينا رأسها في يأس ، تنهدت وهي تنظر إلى الباب وتضع يدها على صدرها تقاوم توترها وتتساءل للمرة الألف هل تسير بالطريق الصحيح ؟؟هل سيلاحقها الفشل في تجربتها المجنونة تلك كما لاحقها من قبل ، هل يوسف يستحق منها المجازفة وتحمل كل ما تجابهه من مخاوف ، هل يستحق أن تتوقف من أجله عن مقاومة تلك المشاعر الخبيثة التى تتسلل الى قلبها وتتملك كل يوم من كيانها أكثر ، مشاعر أشبه بأعراض مرض يضعفها ويسلبها ارادتها حتى في الخلاص منه فقد انتهى الوقت ، تخشى أن تكون هى الأضعف فيسحبها هو الى عالمه ، رفعت رأسها فجأة ترفض بقوة هذا الاحتمال …لا لن يحدث …لن تتنازل عن مبادئها من أجل هفوة من هفوات النفس ..أطرقت برأسها مجددا وقلبها ينفي مؤكدا رفضه لهذا التصنيف ..قلبها يرفض الاهانة فهو لايعرف الهفوات ..قلبها يخبرها
“توقفى عن الكذب ايلينا ، واجهى نفسك ، انه …“
قاطع أفكارها طرق والدها على الباب فابتسمت وسمحت له بالدخول بعد ان نظرت الى صوفيا لتجدها لازالت تعبث فى حقيبتها ، أطل والدها بابتسامة هادئة وقال فى اعجاب وعينيه تلمع من السعادة
” بسم الله ما شاء الله ..قمر حبيبتى ”
ابتسمت فى خجل وانحنت تقبل كفه فقبل جبينها بدوره واحتضن وجهها بين كفيه قائلا فى حنان بالغ
” انتى متأكدة من الخطوة دى ايلينا ”
تنهدت وهي تنظر له في رجاء ، لا يعرف أنها فقط على وشك انهاء كل شىء بمجرد كلمة ، استعادت بعضا من ثباتها لتخبره بنبرة هادئة
” ادعيلى بابا وادعيله هوا كمان ”
ربت سمير على وجنتها في حب
” طب يلا العريس مستنى برة مع اهله ”
اومأت برأسها قبل ان تلتفت الى صوفيا تنبهها مجددا
” صوفيا اجهزى بسرعة هستناكى ”
ردت صوفيا وهى تقارن بين ثوبين في كلتا يديها ” حاضر حاضر عشر دقايق بس ”
تأبطت ذراع ابيها في تردد وخرجت اليهم ..وقع نظرها فى البداية على سميرة التى نهضت على الفور واحتضنتها فى سعادة وهى تتمتم بكل عبارات الاعجاب ، بحثت عيناها عنه في تلقائية وهى بين احضان سميرة حتى تلاقت بنظراته التي لم تستطع ان تفسرها ، حدق بها طويلا وخيل اليها أنه يرمقها باعجاب وتلاشى الخيال حين اشاح بوجهه في حنق وملل واضحين .. تجاهلته وهى تتلقى التهانى من باقى العائلة ، اتجهت سميرة اليه ولكزته في خبث ليتقدم الى عروسه فتنهد قائلا بابتسامة مصطنعة
” مبروك ”
ردت بابتسامة فاترة بدورها
” الله يبارك فيك ”
اشارت سميرة الى الاريكة قائلة
” تعالى يا عريس يلا جنب عروستك ..عشان تلبسها الشبكة ”
تقدم اولا ليجلس على طرف الأريكة وهو يجذب حافتى سترته فى غيظ مشوب بتوتر لايعرف مصدره ، تبعته وجلست على طرف الأريكة الاخر وكل منهما يشيح بوجهه فى اتجاه فقال زين محاولا تلطيف الأجواء
” تلبسو الدبل قبل ولا بعد الجاتوه ؟؟“
لم يعبأ يوسف به بينما ضحك الباقون فأجابته ايلينا وهى تفرك يديها ” هنستنى صوفيا ..دقيقة وهتخرج ”
عقد محمود حاجبيه متسائلا
” مين صوفيا ؟؟“
” أنا ”
قالتها صوفيا وهى تتبختر فى دلال مرتدية ثوبا من اللون الاحمر يضيق على جسدها ويرسم منحياته باثارة وقد رفعت شعرها بتسريحة بسيطة ووضعت زينتها بشكل دقيق افقدها مظهرها الطفولى لتخرج امرأة تضج أنوثة وجمالا ، نظر الجميع اليها فى دهشة فأوضحت ايلينا
” صوفيا بنت خالتي ”
وعرفتها بالباقيين حتى وصلت الى زين وقالت
” الباشمهندس زين اكيد عارفاه ”
نظرت اليه بابتسامة واسعة ولكن وجهه المقتضب أزاح ابتسامتها جانبا وهو يلوي فمه قائلا
” أهلا ”
تنحنحت سميرة قائلة
” مش يلا يا عريس تلبس عروستك شبكتها ”
رفعت ايلينا حاجبها فى اعتراض لتقول ” لا طبعا ولا هيلمس ايدى من اصله ”
رفع يوسف حاجبه بالمثل وعجز عن اخفاء غيظه فمال اليها هامسا من بين أسنانه
” لا حوش انا اللى هموت والمسك ”
ابتعدت عنه وهى تحدق به فى صرامة، ابتسم محمود وسمير وهما ينظران الى بعضهما البعض ، لينظر الأول الى سميرة قائلا
” خلاص يا سميرة لبسيهالها انتى ”
وبالفعل التقطت سميرة العلبة المخملية الأنيقة لتفتحها امام ايلينا التى لم تستطع ان تنكر ذوقها العالى رغم كراهيتها للمجوهرات ، البستها سميرة شبكتها وقبلتها فى حنان واعطت يوسف حلقته الفضية فدسها فى جيبه بعد ان احتفظ بها لحظات بين اصابعه ..التفت الى ايلينا ليقرأ رد فعلها فبرعت كالعادة فى رسم اللامبالاة على وجهها ، لم ينتبه الحضور بما فعله يوسف وانشغلو بتهنئة بعضهم البعض على الخطبة وتقديم التهانى الحارة واطلقت سميرة زغرودة رغم عدم اتقانها للامر مما اثار ضحك الجميع ،تدخل زين بخفته المعتادة ليلطف الأمر
” دلوقتى بقا ناكل الجاتوه ”
ضرب محمود كفيه ببعضهما قائلا
” هوا انت ايه حكايتك يا ابنى انا حاسس انك جاى مخصوص تاكل جاتوه ..هوا انت محروم ولا حاجة ”
تصنع زين الجدية وقال
” اومال انت فاكرنى جاى عشان يوسف مثلا ..الا الجاتوه ده انا موصي عليه ”
نظرت له صوفيا فى تمعن… ابتسامته بدت لها جذابة وزادت من وسامته أكثر …لم تتخيل ان هذا المتجهم بامكانه أن يضحك هكذا
ضحك سمير بدوره قائلا
” خلاص ياعم زين نقوم نجيب الجاتوه ”
وهم ان يغادر الى المطبخ فأوقفه زين بكفه قائلا
”ابدا والله ما يحصل ارتاح انت يا عم سمير قولى بس المطبخ فين وانا هتعامل ”
حاول سمير اثناءه و ولكنه اصر فتبعه وهو يحمل علب الجاتوه الى المطبخ ونظر الى صوفيا قائلا
” معلش حبيبتي روحى ساعديه ”
هزت صوفيا رأسها وهى تتبعه فى تردد… وجدته يوزع الاطباق امامه بعد ان فتح علب الجاتوه ليبدأ فى رصفه بها ، تنحنحت لتنبهه الى وجودها وقالت
” أساعدك ازاى ؟؟“
أجاب دون ان يلتفت اليها ” متشكر مش محتاج مساعدة ”
نظرت الى اليمين واليسار فى احراج .. تقدمت وأخذت ترصف الجاتوه فى الأطباق مثله ولم تستطع أن تقاوم رغبتها فى تذوقه بعد كل حديثه عنه ، فأخذت قطعة صغيرة وتذوقتها ولاكتها فى فمها فى تلذذ واضح وهى تغمض عينيها قائلة
” امممم ..حلو اوى ”
التفت لها ولاحظ سقوط قطعة من الكريمة على ذقنها فابتسم دون أن يعلق ..قطبت حاجبيها وهى تتساءل عن سر ابتسامته هذه وقبل أن تستفسر منه وجدته يقلب في الأدراج كأنه يبحث عن شىء فاستبدلت السؤال
” بتدور على ايه ”
رد وهو يفتح درجا
” على الشوك ”
مدت يدها لتفتح أحدهم فى نفس اللحظة التى مد يده بدوره ليفتح نفس الدرج فتلامست أنامله مع اناملها الباردة ليبعدها بسرعة كمن لسعته نار .. لم تنتبه هي للامر أو ربما لم تعطه اهمية فهمس زين وهو يعطيها ظهره ” انا آسف ”
رمقته فى حيرة وسألته
” على ايه مش فاهمة ؟؟“
قطب زين حاجبيه فى حيرة واستنكار هل لم تشعر بلمسته ؟؟، ام انها اعتادت ان تلمس عن قصد ودون قصد حتى اصبح الامر لديها عاديا ، ازداد حنقه منها حين وصل الى رأسه هذا الاحتمال .. انتهت من رصف بعض الأطباق فقالت في هدوء وهي تحملها لتخرج بها ” يلا بينا ” .. تابعها وهي تخرج بطريقة لم يتابع بها انثى من قبل تابع شعرها الاشقر وقدها الممشوق و..، هز رأسه بعنف ماذا فعلت به هذه الفتاة ستقوده الى الجحيم حتما ان ظلت امامه ، عادت الى المطبخ من جديد لتحمل طبقين آخرين فوجدته لازال فى مكانه موليا لها ظهره وهو يضع يديه فى جيب سترته فمدت أناملها فى تلقائية الى كتفه قائلة
” انت واقف كدة ليه ؟؟فيه حاجة ؟؟“
انتفض من لمستها ولعن نفسه اكثر أن تؤثر به كل هذا القدر فالتفت لها فى حدة وقال فى لهجة أشبه بالتهديد ” ايدك دى ما تلمسنيش تانى ..فاهمة ؟؟“
تراجعت وهى تقبض كفها فى الهواء لا تفهم بالضبط مافعلته لتنال منه هذا ، تسمرت للحظات تبحث عن اجابة يخبرها بها فلم تجد سوى نظرات سخطه الغير مبررة ، التمعت الدموع فى عينيها فتنهد فى عمق وهو ينظر حوله ليجد صينيه كبيرة وضع عليها أطباق الجاتوه المتبقية وخرج بل فر من أمامها ..فر من قلبه الذى كاد يتوقف من تزايد نبضاته الغير مفهوم وهو يرى التماع الدموع فى عينيها .. يحثه على اشياء يرفضها عقله وتدحضها مبادئه تماما ، لم يعش صراعا هكذا من قبل ومن أجل من ؟؟، من اجل فتاة لم تتجاوز العشرين من العمر لم يلتقى بها سوى من ساعات ، حاول ان يقنع نفسه انه اعجاب ذكورى بحت بفتاة صارخة الجمال لتعود نبضات قلبه تكذب ادعائه فهو لم يرها بتلك النظرة ابدا بل تمنى لو خلع سترته وغطى جسدها به ليحميها من اى نظرة تخترقها ، اللعنه لما تمنى ذلك ؟؟، من تكون تلك الشقراء بالنسبة اليه ؟؟،لقد رأى أجمل منها من قبل ولم تحدث احداهن ولو ذرة من هذا التأثير به
تابعته عيناها حتى خرج لتتحرر من دموعها ، لما عاملها بهذه القسوة ؟؟، لما فر منها كأنها شىء يثير تقززه ؟؟، ماذا فعلت لتستحق كل هذا الغضب ؟؟..ضغطت على شفتيها فى غيظ ، لماذا لم تعنفه ؟؟؟لماذا تركته يذهب هكذا دون ان ترد له الصاع صاعين ، منذ متى يهينها شخص وتتركه يذهب هكذا فى سلام ، لماذا غرقت فى نظراته هكذا حتى تاهت بين قسوته وجاذبيته وتأرجحت الى أيهما تميل ، شعورها بالنبذ دائما يقتلها ، لقد لفظت من ابيها وامها وعائلتها بأكملها وتلقت العطف من كل اسرة بعضا من الوقت ، لولا وجود سمير وعائلته لتدمرت تماما ، حافظت لها ايلينا على بعض من شرقيتها بقدر المستطاع ولكن ازدواجيتها لم تفارقها ابدا ،أما ما حدث الليلة فلا يمكنها تقبله أو تفسيره، زين هو اول رجل ينظر اليها هكذا ، لم يكترث بجمالها فيجيل نظره فيه بنهم ، هو اول رجل يشيح بنظراته عنها وكأنها قطعة من القماش البالى لا قيمة له ، اقسمت فى نفسها ان ترد له اهانته والا تتركه يمر هكذا مرور الكرام .
…………..
مال حسام الى أيتن التي تقف جواره وهو يهمس في حب
“عقبالنا ”
زفرت وهي ترمقه في حنق للحظة قبل أن تشيح وجهها لتخبره وهي ترفع كفها الأيمن
” ما احنا مخطوبين اهو ..عقبالنا في ايه ”
ابتسم ليقف أمامها ويقول
“أقصد فرحنا أن شاء الله ..لما انتي ترضي عني وتحددي معاد بقى ”
عضت على شفتها ، لقد ملت حقا من تلك اللعبة السخيفة ، ملت من احتمال حسام هذا ولو بعضا من الوقت لتتمكن من اقناع أبيها أنها أخذت فرصتها ولم تحبه لينهي الأمر كما وعدها ..لو أخبرت حسام نفسه بالأمر سيبلغ أباها وسيرفض انهاء الخطبة ، تساؤله دوما لا يمل من طرحه ، كرره مرارا وتكرارا هل هي مرغمة على هذا واجابتها لاتتغير هي ليست مرغمة هي تأخذ فرصتها ليس أكثر ، اجابة قد تبدو له منطقية وهي اكثر كذبة منمقة تمكن خيالها من صياغتها حتى تمر تلك الشهور على سلام .
…………..
تركت العائلتان يوسف وايلينا على أريكتهما وابتعدا قليلا حتى يتركا لهما مساحة فى الحديث وضع يوسف ساقا على الأخرى وأخرج هاتفه يعبث به بينما ظلت ايلينا تنظر في كل الاتجاهات وهو يتابعها بطرف عينه حتى زفر فى ملل
” خيليتني بتدوري على ايه ؟؟“
لم تنظر اليه وهى تتابع بحثها وتجيبه
” على صوفيا ”
ابتسم فى خبث وهو يفكر فى طريقة جديدة لمضايقتها قائلا في نبرة حاول صبغها باعجاب
” صوفيا …مش عارف مطلعتيش زيها ليه ”
التفتت اليه فى تساؤل فواصل فى استفزاز
” بصراحة أجمل منك بكتييييير ”
كان يعرف جيدا طبيعة اى امرأة وحساسيتها من الانقاص من جمالها امام اخرى وان كانت اقرب الناس الى قلبها ولكن لايلينا قواعدها الخاصة دائما ،ابتسمت وهى تميل اليه قليلا هامسة في ثقة
” ده بمقاييسك انت ”
صفر بشفتيه كمحاولة لدهس ثقتها كعادته
” للدرجادى شايفة نفسك حلوة ؟؟“
اعتدلت وهي تضع ساقا على الأخرى مثله وتقول
” مش مهم انا شايفة نفسى ازاى ..المهم انا راضية عن نفسى ولا لا ..لما بقف قدام المراية بحب اللى انا شايفاه ..لما انام بحس انى مرتاحة ..كفاية اوى احساسى ده ..اهم حاجة فى الحياة هيا الرضا ..اهم حتى من السعادة ..لأن السعادة مش معناها انك ماشى صح بالعكس الغلط ساعات بيكون طعمه أحلى بس الندم احساس مبيتوصفش ”
وأضافت وهى تتمعن به
” راضى عن نفسك يا يوسف ؟؟”
تنهد ولم يجد ردا .. وجدت كلماتها طريقها الى قلبه وغزته فى لطف لتشعر هي ان هناك بعضا من الامل وان الأمر يستحق الصبر والمجازفة ، نهضت من جواره الى المطبخ تبحث عن صديقتها وفي نيتها أن تؤنبها على ثوبها الملفت فقد خالفت اتفاقهما تماما، ولكنها نست كل شىء فجأة حين رأت صوفيا وهى تستند الى الحائط وتبكى بطريقتها الطفولية التى اعتادتها ايلينا تبكيها حين تحزن بشدة ، كانت تنتحب وهى تمسح دموعها بظهر يدها ، انتفضت لرؤيتها هكذا واندفعت تجذبها لتضمها الى صدرها تسألها في قلق
” صوفيا حبيبتى مالك ..انتي تعبانة ؟؟“
هزت صوفيا رأسها بالنفى فواصلت ايلينا
” حد هنا ضايقك ؟؟“
هنا اندفعت صوفيا تهتف في غضب من بين شهقاتها
” البنى ادم المتخلف الهمجى ده اللى اسمه زين ”
اتسعت حدقتا ايلينا من وصفها لزين وسألتها في استنكار
” عملك ايه ؟؟“
انتحبت صوفيا اكثر فأمسكت ايلينا بكتفيها تكرر سؤالها ” عملك ايه صوفيا ؟؟“
رفعت صوفيا عينيها المنتفختين الى ايلينا وقصت لها كل ما حدث وهى تكيل لزين كل انواع السباب والشتائم التى تعرفها حتى كادت ايلينا ان تصرخ بها لتتوقف ولكنها تمالكت نفسها قائلة فى حسم
” صوفيا عيب كدة ميصحش ”
تذمرت صوفيا وقالت في اعتراض
” كل ده بس عشان لمست كتفه ..يكلمنى بالطريقة دى ”
عقدت ايلينا حاجبيها فى تفكير …صوفيا هذه المرة محقة ..حتى لو كان زين ملتزما الى هذا الحد فلم يكن هناك داعى لهذه الثورة كان يكفيه ان يلفت نظرها بلباقته التى اعتادتها منه ، هذا الفج الغليظ الذى تتحدث عنه صوفيا ليس بزين مطلقا ، ربما …خاطر مر على بالها فابتسمت فى أعماقها وتمنت لو صح ظنها ولكن كيف بهذه السرعة !!..ربما كانت مجرد بدايات.. وصوفيا ايضا ليس من طبعها ان تكتفى بالبكاء او تبكى من الأصل جراء اى اهانة ، الطبيعي انها كانت ستصفعه او ترد له كلماته اللاذعة كما اعتادت منها ..أما ان تقف هكذا تبكى بحرقة فهذا لم تعهدها عليه مطلقا ، قاطعت صوفيا افكارها تسألها
” انا بقا عملت ايه لده كله ؟؟“
انتبهت لها فتنهدت وهى تمرر يدها على شعرها قائلة فى حنان
” صوفيا حبيبتى فيه حاجات هنا كتير مختلفة عن باريس مع الوقت هتتعودى عليها ”
برمت صوفيا شفتيها وتهكمت
” وقت ؟؟….وقت ايه ..انتى متخيلة انى ممكن اقعد فى بلد زى دى …انا هرجع باريس تانى وفى اقرب فرصة كمان ”
وانسحبت من امامها لتخرج …اصطدمت بنظرات زين التي علقت بمدخل المطبخ دون وعي .. لاحظ احمرار عينيها وأنفها من البكاء فأشاح بوجهه فى ألم أنكره على نفسه ولم يكترث بوجوده بقدر اكتراثه بايجاد مبرر له ..بينهما فقط ساعات كيف يهتم لأمرها من الأساس …وحين تلاشى نظراتها شعرت أنه كالعادة يزدريها فأسرعت الى الشرفة في محاولة لتنظيم انفاسها وهى تضع يدها على قلبها الضعيف تتوسله ألا يلحق بها نوبة من نوباته ، لحظات مرت قبل ان تلتفت على صوت طرقات على باب الشرفة ..وجدته يقف فى تردد ، اخذت انفاسها تتسارع من جديد.. لن تتركه يفلت هذه المرة ، هذا المتعجرف يستحق اقسى الكلمات فى قاموس اللغة ولكن أين ذهبت الكلمات عليه اللعنة فتحت فمها لتحاول ايذاءه بأى عبارة ولكنها توقفت حين قاطعها
” أنا آسف ”
اتسع ثغرها أكثر وصمتت تماما كأنه خدرها بكلمته تلك ..خدرها للدرجة التي لم تشعر فيها بدمعتها التى غافلتها وسالت دون وعى …أخفض رأسه ليخفى تأثيرها عليه مرددا
” حقيقى اسف ”
ولم يترك لها مجالا للرد اذ انسحب على الفور وهو يهمس
” بعد اذنك ”
أهو بالحق يتعمد أن يثير جنونها… لا تنكر ان ملامحه لفتت نظرها من البداية فهى اقرب صورة من ملامح فارسها… بشرته القمحية وعينيه السوداوين التى يعلوهما حاجبان كثيفان وشعره البني الداكن الذى تعشق صوفيا لونه ولولا انها شقراء لصبغت شعرها بنفس اللون بعد ان رأت كم يبدو جذابا به ، حين رأته تخيلت انه سيكون ككثير من العرب فى باريس متساهلا ووقحا الى حد كبير فى التعامل مع من يظنها اجنبية ولكنها تفاجئت به يزهد بعينيه عنها ، تفاجئت بفظاظته التى تلاشت منذ دقائق بحنان غريب أخرسها تماما ، حنان جعلها تغرق فى عينيه اكثر وتغوص باحثة عما هو اجمل فى اعماقه ، كلمة واحدة كانت كافية لتفعل بها كل ما فعلته وجعلتها تتساءل هل من الافضل ان تغادر الى باريس قبل أن يثير هذا الفارس العربى جنونها اكثر ؟؟؟؟
************************
مر أسبوعان على الخطبة ويوسف لايتوقف عن سخافاته باغراقها فى العمل حتى تمل ، لازال يقاوم وهى تعرف أن معركتها تحتاج الى كثير من الوقت ولكن هناك فرصة وستتمسك بها ، أغلقت المكالمة مع ابيها بعد أن اطمئن عليها وشعور خفي بالقلق يداهمها عليه فهى تلاحظ ان صحته تتدهور ويجاهد بقوة ليخفى المه عنها مخبرا اياها ان الامر لايتعدى كونه ضيقا من تصرفات ابن عمها الذى ظهر فجأة ، انشغلت فى عملها اكثر حتى تتمكن من انجاز ما طلبه منها هذا المتغطرس ، وبعد فترة نظرت الى ساعتها لتنتفض فى فزع لقد تعدت الساعة الحادية عشر مساءا دون ان تشعر ، اللعنة عليك يا يوسف ، القت بقلمها ونهضت لتستعد للذهاب وقبل ان ترحل دخلت الى مكتبه لتضع بعض الملفات التى انجزتها وابتسمت دون وعى وهى تشم رائحة عطره لازالت عالقة بالمكان ، شعرت بقوة الرائحة تزداد تدريجيا فقطبت حاجبيها وهى تنظر تلقائيا تجاه الباب ..تراجعت فى فزع حين وجدته خلفها وهو في حالة ثمالة واضحة ، أمسك بجبينه وهو يترنح فى عدم توازن ليرفعه بعد قليل ناظرا اليها يسألها فى تلعثم
” انتى بتعملى ايه هنا ؟؟؟..مروحتيش ليه ؟؟“
كتفت ذراعيها وهتفت فى غضب فتلك هي المرة الأولى التى تراه هكذا
” ايه خايف على منظرك عشان بشوفك وانت سكران ”
اقترب منها بخطوات غير متزنه و هتف بها
” دى حياتى اذا كان عاجبك ..بسكر وبعرف ستات ..عاوزة تتجوزينى ليه بقا ؟؟“
وأضاف وهو يقترب منها أكثر ويمسك كتفيها ليهزها فى قوة أدركت بها انه ليس فى وعيه تماما فهو لم يفعلها من قبل مطلقا
” ليه ؟؟…فيكى ايه يحيرنى ويتعبنى كدة ؟؟؟…انتى مين اصلا ..اخرجى من حياتى ”
لم يكن فى وعيه أبدا وهو يقربها منه اكثر وهى تحاول التملص من بين ذراعيه وتصرخ به
” انت بتعمل ايه يا يوسف فوق بقا.. ”
قربها أكثر منه وهو يميل عليها بأنفاسه المشبعة برائحة الخمر لتشيح بوجهها في تقزز ويهتف هو
” قولتلك ابعدي …انتي أصريتي …لازم تعرفي القرب مني بيوجع ازاي ”
“فوق يا يوسف ..فوق …أنا ايلينا ”
صرخت بها وهى تحاول الفكاك منه باستماته ولكنه كان فاقدا للادراك تماما واخذ يقترب ويقترب اكثر وهى تحاول التملص والمقاومة دون أدنى فائدة ..

رواية مذاق العشق المر

الفصل التاسع

حاول أن يشتت تركيزه فى أي شىء
تابع التلفاز لفترة ثم أغلقه
طالع كتابا ولم يتعد صفحتين منه وألقاه جانبا لم يستطع الدوري الاسباني لكرة القدم ولا أدب نجيب محفوظ اللذان يمثلا عشقا خاصا له ان يطرحا صورة الفاتنة الشقراء عن خياله ، احتلت صورتها شاشة التلفاز وهي تتهادى في مشيتها أمامه بينما تتناثر خصلاتها في عشوائية حول وجهها وعنقها ..
محت ابتسامتها ما خط على صفحات الكتاب لتخلق سطورا نقشتها ببريق ثغرها …
أغلق جفونه تماما فتسللت بينهما في خفة كأنها تتحداه برقة تبدو أقوى من أي ارادة يمتلكها ..
أمسك جبهته بيده وهو يتأفف ماذا فعلت به ؟؟
لم يحدث أن نبض قلبه بتلك الطريقة حتى فى مراهقته ..بينهما مجرد أيام ..ماذا بها لتلبسه الحيرة في أغرب ثيابها؟؟…اختلطت مشاعره لأول مرة تجاه نفس الفتاة ، شعر بحاجته للطمها على ملابسها المثيرة .. ولكن لما ؟؟…حين كان يرى مديرة مكتبه ترتدي مثلها كل ما كان يفكر به أن يبعدها فوجودها يضايقه ..أماهي فلا ..بل الأدهى انه شعر بحاجته لضمها حين رأى دموعها ..شعر للحظة أن أنامله ستخونه وتمتد لتمسحها…لا ليس أنامله بل شفتيه هي من ارتجفت تبغى التقاطها و….
عليها اللعنة الى الجحيم ستأخذه عاجلا أم آجلا ..من تكون لتأخذ كل هذا الحيز من تفكيره ، أخذ يدق على جبهته وهو يهتف مرددا” ابتعدي ”
دق باب غرفته فظنها أمه فلا يوجد شخص يطرق غرفته في هذا الوقت المتأخر سواها ، نهض فى خفة وهو يبتسم ليفتح لها فتفاجىء بسمر أمامه ، رمقها فى ذهول ولكنه تخطاه سريعا ليسألها فى صرامة
” سمر عايزة ايه وايه اللى جابك هنا فى ساعة زى دى؟؟ ”
ردت وهى تهم بالدخول
” ممكن بس ادخل الاول ”
سد عليها زين الطريق يمنعها في حزم
” تدخلى فين انتى مجنونة !!! ”
وأضاف وهو يزفر فى ضيق
” سمر انتى مبقتيش صغيرة ..انتى هتخلصى جامعتك السنة دى وهتشتغلى ..مينفعش عمايلك دى ..قولى عايزة ايه بسرعة وخلصينى ”
نظرت الى يديها التى شبكتها فى توتر ثم الى وجهه وتلعثمت
” أنا أنا ”
ضرب زين كفيه ببعضهما وهمس من بين أسنانه
” يارب نخلص ”
تفاجىء بعدها بيدها تمتد الى وجنته ..تسمر للحظات والصدمة أعجزته عن اتخاذ أي رد فعل فواصلت وهي تهمس بنبرة هائمة
” انت هتفضل لحد امتى مش حاسس بيا ابدا ..زين انا بحبك ”
اتسع ثغره فى ذهول..حملق بها في بلاهة ..حبس أنفاسه للحظة ..لم يظن أن يصل تفكيرها الى تلك النقطة مطلقا ..معاملته لها كمعاملته لايتن ..كم كرر على مسامعها أنها أخته الصغرى …لم يصدر منه مطلقا ما يؤجج تلك الهلاوس …
حرر انفاسه الحبيسة ليمد يده يزيح كفها عن وجهه فى عنف في نفس اللحظة التى مر فيها محمود ليراه يضع يدها فى كفه قبل أن يفلتها وهو يدقق في نظراتها الهائمة لولده فهتف والدم يندفع الى رأسه
” ايه اللى بيحصل ”
واقترب منهما ليبدل النظر فيهما للحظات قبل أن يضيف في صرامة
” كنتى بتعملى ايه عند زين يا سمر ”
رد زين بسرعة نافيا عنه تلك التهمة التى كادت ان تلحقها به تلك المجنونة
” سمر مكنتش عندي يا بابا ”
وأضاف في تلعثم وهو يرمقها في غيظ
” دي كانت جاية تسألنى على حاجة ”
لفحه محمود بنظرة شك أحرقت ما يحاول خلقه من مبررات وسأله في ترقب
” تسألك على ايه ان شاء الله فى ساعة زى دي ؟؟“
تراجع خطوة وحاول اضفاء كل ما امتلكه من ثبات الى نبرته التى هزها كذب لم يتقنه مطلقا وفتتها نظرة أبيه المتمعنة في انتظار اجابة
” كانت بتسألني على سنتر تاخد فيه كورس انجليزي غير اللي بتروحه عشان مش عاجبها ”
عض محمود على شفته السفلى وأشاح بنظره الى سمر فلم تعلق على أي كلمة ..فقط احتفظت ببقايا نظراتها الهائمة محاولة هدرها في أي اتجاه ..أمرها فى حزم
” روحي يا سمر أوضتك يلا ”
هزت رأسها ونظرت الى زين الذى أشاح بوجهه في حنق ، تابعها محمود حتى دلفت الى غرفتها ليقترب من ولده ويقف امامه للحظات يتبين صدقه ويقرأ ما يخفيه ، هو غير يوسف يعلم هذا جيدا ولكنه شاب فى النهاية وسمر ابنة عمه جميلة ويثق أنها تميل اليه ، تنهد وهو يقول في محاولة لاحتواء موقف لايفهمه ولكنه يخشى أن يضعه في اطاره الصحيح
” زين ..سمر تبقى بنت عمك يعنى شرفك وعرضك ”
اتسعت عينا زين ..ماذا ظن به ابيه !!! ..همس مسرعا في عتاب ” ايه لزمته الكلام ده يا بابا ..حضرتك بت…“
لم يستطع أن يكمل عبارته لم يطعه لسانه أن يناقش أبيه في شكه به فواصل أبوه ” لو عايز سمر اتجوزها ..انا بتمنى ده من كل قلبي ..لكن اللى شوفته من شوية ده مش ابني ..ابني عمره ما كدب عليا وانت بتكدب يا زين ”
كاد زين في تلك اللحظة أن يخبره بكل شىء عن جنون ابنه اخيه فهو يرفض مجرد ظنه سوءا به ولكنه اكتفى بقوله
” بابا ..سمر بالنسبالى زى ايتن بالظبط ”
كتف والده ذراعيه نافيا حديثه
” لا يا زين سمر مش زى ايتن ..ايتن اختك سمر لا …وياريت تفكر دايما فى حسام وتشوفه بيحافظ على أختك ازاي ”
حاول زين أن يرد فأنهى والده الحوار قائلا
” روح نام يازين عندك شغل بدري”
ألقى محمود جملته وانصرف ليغلق زين باب غرفته في غيظ ، تلك الحمقاء فيما تفكر بالضبط ، لابد ان يؤدبها على ماقالت لتستيقظ من أوهامها تلك ، كادت أن تتسبب له في أزمة مع أبيه …وبين نوبات غضبه عادت صورتها تتهادى أمامه في خفة متحدية كل شيء ليبتسم رغما عنه قائلا
”وبعدين معاكي .. انتى مش عايزة تحلي عني ابدا ”
*****************************
فتح عينيه على صوت نحيب وشهقات مكتومة تخترق أذنيه ..فرق جفنيه عن بعضهما في بطء مقاوما هذا الصداع المزعج الذى ألم به ، أغمضهما مجددا بقوة قبل ان يفتحهما ثانية ويحاول أن يستوعب أين هو وماذا يحدث حوله ، انتفض بسرعة من كرسيه حين رآها تقف مرتجفة فى احدى زوايا الغرفة وهي تغطى جسدها بسترة له وتمسك بطرف حجابها تحكمه على رأسها محملقة به في ذعر ، للحظات لا يعرف كم مرت ظل يرمقها بعينين متسعتين كأنه سيحتويها بأكملها فيهما ليستوعب ما يحدث ، المشهد أمامه لا يحتمل سوى تفسير واحد يرفضه بكل تفاصيله ،لم يفعلها سابقا و لن يفعلها الان معها بالأخص ، استطاعت حروفه أن تفلت أخيرا من قيد صدمته فهدر وهو يلهث فى انفعال
” ايلينا ايه اللى حصل ”
تعالت أنفاسها للحظات قبل أن تصرخ به
” مش عارف ايه اللى حصل ..انت مش بنى ادم ابدا ..انت حيوان حيوان ” ”
استدار وهو يضع كفه على جبينه يفركه بقوة محاولا تذكر اى شىء دون جدوى ، لقد ثمل كالعادة ولا يعرف حتى كيف وصل الى هذا المكان
اقترب منها وحاول ان يمسك كتفيها فصرخت
” اوعى تلمسنى ”
واضافت فى بكاء ألجم كثيرا من صراخها
” انت ليه عملت كدة ؟؟…ليه حرام عليك ”
لوح بكفيه في عجز وهو يصرخ
” انا مش فاكر حاجة ..ايلينا انا اذيتك …معقول اكون اذيتك …ارحمينى وردى عليا ”
ردت فى مرارة ” معقول مش فاكر جريمتك كمان ”
همس فى خفوت وصدمته تبعثر حروفه مجددا
” جريمتي ”
وارتمى على مقعد قريب فى تهالك غير مصدق انه اصبح ذئب انتهك عرض فتاة وثقت به ، اضطربت انفاسه أكثر فسمعها تقول
” هات المفتاح اللى قفلت بيه الباب خلينى اخرج ”
ضرب رأسه بكلتا يديه وهو يتهكم من نفسه ضاحكا في هم
” انا حبستك كمان ؟؟“
حبس رأسه بين كفيه للحظات وهو يطرقها بهما كأنه يحاول استدعاء أي جزء من ذاكرته ..يتوسل عقله أن يخبره كيف غاب وماذا حدث في غيابه.. نهض بعدها في ضعف وهو يحاول ان يتمالك نفسه قائلا وهو يواجهها من جديد
” ايلينا انا لازم اصلح اللى حصل ده فورا …هنكتب الكتاب فى أسرع وقت انا هظبط كل حاجة من غير حد ما يحس ”
تغيرت فجأة نظرتها المذعورة الى نظرة نارية يعرفها جيدا ..خلعت سترته عنها وألقتها تجاهه فى غضب وهي تهتف في صرامة
” حصلني على تحت ”
حملق بالسترة على الأرض ثم تابعها وهي تخرج من الباب الذي لم يكن موصدا من الأساس و ثغره يتسع في ذهول ، هل كانت مزحة أم خدعة أم ماذا ؟؟..كلا الأمرين يعني أنها أجادت التمثيل إلى أبعد حد ، تبعها وقد تملكه غيظ العالم منها وتمنى لو تمكن من رأسها وحطمه جراء لعبها بأعصابه على هذا النحو، وجدها تنتظره أمام سيارته تكتف ذراعيها وتنظر له من أعلى الى أسفل في جمود فاقترب منها قائلا من بين أسنانه في غيظ
” ايه اللى انتى عملتيه ده ؟؟“
أجابته وجسدها يهتز غضبا
” ده اللي سيادتك كنت هتعمله ”
أشار اليها بسبابته نافيا في قوة
” أنا مستحيل اعمل حاجة زي دي ”
هزت رأسها وهي تطلق ضحكة متهكمة
” هوا أنت فاكر حاجة اصلا ؟؟…أنت دخلت عليا سكران وقربت مني ولولا أن اغمى عليك من الشرب الله اعلم كنت هتتمادى لحد فين ”
هز رأسه نافيا فى استنكار واضح مشوب بكثير من غضبه مما فعلته به
” كدابة …أنا عمري ما أقرب لست غصب عنها حتى لو كانت حالتي ايه ”
أشارت بسبابتها تخبره في ثقة
” هو انت فاكر ولا عارف ..انا فى خمس دقايق أقنعتك باللى انا عاوزاه كله ”
استند الى باب سيارته يبحث عن رد ..قدرتها على خداعه أغاظته بالفعل فمال اليها فى غضب
” ده يثبتلي قد ايه انتي ممثلة شاطرة وتستاهلي الأوسكار على أدائك ”
تأملته لحظات قبل أن تردف فى مرارة
” هوا ده اللى فارق معاك …ليه يايوسف ؟؟…ليه ؟؟…ليه تغضب ربنا وتسكر ..ليه تعمل فى نفسك كدة ..ليه تشرب حاجة تفقدك عقلك وارادتك ..انا عملت اللى عملته بس عشان اثبتلك ان ممكن اى حد يستغل حالتك فى يوم ويخدعك .انت ناقصك ايه لده كله ..شاب من عيلة وعنده فلوسه وشغله ونجاحه بدل ما تشكر ربنا على نعمه بتعصيه ”
تغيرت ملامحه الممتعضة وارتخت عضلات وجهه المتشنجة بغضب لتشعر ببعض من أمل يخبرها أن طريقها معه قد يصبح أسهل ان تخلى فقط عن بعض من عناده ، لمحت حزنا يطفو على السطح ويمتزج بنبرته وهو يغمغم في ألم شاردا
” للأسف كل الناس بتشوف من برة وبس ”
ضيقت عينيها فى تساؤل تمنت أن يعطها جوابه
” مش فاهماك ”
تنهد فى خفوت والتفت لها ..تأملها للحظات ظنت فيها أنه سيخبرها الان بكل شيء ولكن أمنيتها البسيطة تلاشت بجملته الحازمة
” مش مهم ..يلا عشان اوصلك ”
استعادت جديتها ونظرت حولها قائلة
” فى وقت زى ده مينفعش طبعا اركب معاك لوحدي”
ضرب بكفه على السيارة وهتف في غضب
” نعم !!!…وانتي لو خدتي تاكسي ان شاء الله مش هتبقى لوحدك ..وانتى ضامنة سواق التاكسي ومش ضامناني مثلا ..اومال لو مكنش الفيلم اللى اتعمل من شوية ده كله من اخراجك ”
لم تستطع أن تخفي ابتسامتها فابتسم بدوره وهو يقول في حنان تساءلت هل تحمله نبرته بالفعل أم أنه من محض ما تتخيل
” اركبي يا ايلينا …مش هطمن عليكي تروحي لوحدك فى وقت زي ده ”
رمقته فى دهشة.. هل يعني ما قاله حقا ؟؟..هل يخشى عليها بالفعل؟؟ ..و أصابه نصيب من دهشتها فهو لا يعرف كيف خرجت منه تلك الكلمات بهذه البساطة فلم يمهل لتأثيرها وقت ليمحوه تماما قائلا
” متنسيش انك أمانة فى رقبتي ولازم احافظ عليكي ”
تنهدت وهي ترفع رأسها في شموخ تخفي به خيبة أملها بجملته التالية ..فتحت باب السيارة لتجلس الى جواره ولم يتفوه أحدهما بكلمة طيلة الطريق فكل منهما كان شاردا فى عالمه الخاص ..
هي تفكر ببوادر الأمل التي لاحت بوضوح فى تلك الليلة.. فقط تمنت لو فتح قلبه وأخبرها بما يشغله ، تمنت لو شاركته أحزانه.. أحلامه ..كل حياته ، أغمضت عينيها فى قوة ،لم يعد هناك داع للانكار هي بالفعل تحبه ..
أما هو فجزء منه يفتك به الغيظ يقاومه جزء آخر يحمل لها انفعالات أخرى لا يجد لها مسما ..مشاعر لم يختبرها مسبقا وليس لديه أدنى فكرة ليفك طلاسمها .. لم يعد يعرف الى أين تأخذه ..ولكن ربما ترك لها يده وتنازل عن جزء من غروره وعناده ..والبداية قراره من هذه الليلة ألا يقرب الخمر مجددا .
*************************
ارتفعت ضحكات الفتيات وهن يفترشن أرض حديقة قصر البدرى بعد انتهائهن من تناول الغداء الذي دعا محمود عائلة ايلينا اليه ، أخذن يتبادلن الحديث والذكريات في سعادة وأكثرهن مرحا بالطبع كانت صوفيا بطفولتها المعتادة ،تابعتها سمر في تمعن ..لا تشعر بالراحة مطلقا لوجود تلك الفرنسية الفاتنة التي لاحظت أكثر من مرة نظرات زين المبهمة اليها …لم تتحمل وجودها أكثر فنهضت تاركة المكان تماما ، لم يتأثر الجمع بغيابها واستمرت الفتيات في حديثهن حيث قالت صوفيا وهى تميل الى ايتن فى عبث
” واااو شكله بيحبك أوي ”
التفتت لها ايتن تسألها في توتر
” قصدك مين ؟؟“
أشارت صوفيا برأسها باتجاه حسام الذى أخذ يسترق النظر اليها بين الحين والاخر كمراهق غر فزفرت ايتن فى ضيق
” بس يا صوفيا انتي كمان الله يكرمك ”
عقبت ايلينا وهى تتناول تفاحة من طبق الفاكهة أمامهن ” والله حسام شاب محترم وطيب وناجح جدا في شغله وبيحبك كتير يا ايتن ”
عقدت ايتن حاجبيها وهي تهتف فى ضجر
” غيرو السيرة الزفت دي ..ممكن ؟؟“
وحين همت صوفيا بالرد رمقت زين يمر من الحديقة الى الجانب الخلفي من المنزل فتنحنحت وهي تنهض فى خفة قائلة
” عن اذنكو شوية وراجعة ”
، ولم تمهل سؤال ايلينا الوقت لتسمعه
” على فين صوفيا ”
ونظرت الى الشال الذى نسته كالمعتاد وهى تتمتم فى غضب
” برضه صوفيا نسيتيه.. البنت دى مش معقولة ”
تبعته حتى وجدته يقف أمام حوض صغير للزهور تتوسطه زهرة حمراء مميزة وهو يمسك بخرطوم مياه ويبدأ فى ريه ، اقتربت وتنحنحت لتلفت انتباهه فالتفت لها لحظة ثم أشاح بوجهه فابتسمت وهي تقترب من الحوض أكثر قائلة
” الله ..حلو الحوض ده اوووى ..انت اللى بتهتم بيه على طول ”
رد فى اقتضاب ” أيوة ”
همست وهى تشير بسبابتها تجاهه
” الوردة دى شكلها مميز ..اسمها ايه ؟؟“
كاد زين ان يلتفت اليها ولكنه تراجع وأجابها
” مبهتمش اسمي الورد ”
قالت وهى تقترب تتأمل الوردة فى اعجاب
” بس وردة مميزة زى دي لازم يكون ليها اسم ”
لم يرد فسألته في احراج
” زين هوانت ليه مش بتبصلى وانت بتكلمني ؟؟”
عض على شفته السفلى يجيبها في حذر
” لو قلتلك مش هتزعلى ؟؟“
عقدت صوفيا ساعديها تجيبه ببساطة
” مش هزعل أوعدك ”
رد دون ان يلتفت اليها
” بصراحة مش قادر أبصلك وانتي لابسة اللى انتي لابساه ده ”
احمر وجهها خجلا..نظرت الى جسدها في بطء .. الى قميصها عاري الذراعين والكتفين فتذكرت الشال التي أعطته له ايلينا وطلبت منها ارتداؤه ونسيته كعادتها في نسيان كل شىء فطرقعت اصابعها وقالت
” طيب ثوانى ”
وركضت كالأطفال لتعود اليه بعد لحظات وهى تغطي ذراعيها وصدرها بالشال.. ابتسمت وهى تحكم اغلاقه عليها
” كدة تقدر تبصلي ”
أفلتت منه ضحكة صغيرة رغما عنه وهو يسألها
” صوفيا انتي عندك كام سنة ”
ردت دون أن تدرك ما يعنيه
” واحد وعشرين سنة بالظبط ”
اتسعت ابتسامته لتسأله فى فضول
” شكلي أكبر من كدة ؟؟“
اتجه ليغلق صنبور المياه والتفت اليها أخيرا نافحا اياها نظرة باسمة وهو يجيبها
” بالعكس شكلك بالكتير تمنتاشر سنة ”
شعرت لأول مرة ببراءة نظرة رجل لها ، شعرت برقيه وبالفعل أحبت اشاحة نظره عنها وعدم تدقيقه فى وجهها وملامح جسدها ، أحبت اخلاقه ، اختلافه التام عنها …وهو كان يقاوم بشدة سعادته من هذا القرب .. يود أن يعرف أكثر عنها ،كل شىء يتعلق بتلك الحورية التى تدخله الجنة بمجرد نظرة واحدة من عينيها هاتين ، لم يعد يهتم بالطريق الذى تأخذه اليه ، فلتأخذه الى جنتها أكثر ليغرق في نعيمها ، نظر اليها لحظات قبل أن يسألها
” صوفيا ..هو انتي اهلك ازاى موافقين تسيبيهم وتيجى تعيشى مع بنت خالتك وفى بلد لوحدك ..على حسب ما قولتي والدك مصرى ازاي يقبل بحاجة زى كدة ؟؟“
مررت يدها فى شعرها وجذبت بعض خصلاته كعادتها ان توترت ..خفضت رأسها للحظات قبل ان تهمس فى حزن لم يعد يهتم بتفسير تأثيره عليه
” ممكن اقولك بعدين ”
وأحكمت الشال اكثر على جسدها وهى تقاوم ارتجافة ألمت بجسدها فجأة .
…………….
وفى مكان آخر نهضت ايتن من جوار ايلينا لترد على هاتفها ….تركتها وحدها لتشرد فيما حدث منذ أيام ، فؤاد ابن عمها قد تجاوز حدوده بالفعل ، ظهر في البداية مطالبا بالمنزل الذى يقيمان فيه فالطابق باكمله عبارة عن شقتين مملوكتين للعائلة ، والذى لايعلمه فؤاد هو أن جده قد كتب هذا المنزل باسم سمير قبل وفاته كتعويض له فهو لم يرث أي شىء من أمواله الطائلة التى استولى عليها اخوته بتوكيل عام حرره لهم فى مرضه ، عاد فؤاد بعد زمن يطالب بحقه فى المنزل رغم عدم حاجتة اليه فقد أورثه أبوه الكراهية لعمه مع المال الطائل الذى تركه له ، ولكن كل شىء تغير حين رأى ايلينا بقوتها وتحديها له فتغيرت وجهته تماما اليها هي وطلب من عمه الزواج بها ولكنها رفضت بقوة لتبدأ ملاحقاته ومضايقاته لينال موافقتها غير مبال بخطبتها لاخر …
“ سرحانة فى ايه ؟؟؟“
شعرت بصوته فرفعت رأسها اليه تجيبه فى حزن
” ولا حاجة متخدش فى بالك ”
قطب جبينه فى اهتمام نافيا اجابتها
” ولا حاجة ازاي شكلك متضايق..لو عندك مشكلة قولى يمكن اقدر اساعدك ”
نهضت لتقف أمامه تخبره بما تتمنى أن ينكره
” عايز تفهمنى انه هيفرق معاك اصلا ..انت ما بتصدق تلاقى حاجة تضايقنى ”
تراجع خطوة للخلف ..لقد توقف عن مضايقتها ،توقف عن اغراقها فى العمل كعادته ، علاقته بها لم تكن كأى خطيبين ولكن كانت هناك هدنة على الاقل في الوقت الحالي ..،أشاح بوجهه يهمس في ألم
” للدرجادى ايلينا شايفانى انسان وحش ؟؟“
تنهدت فى عمق وهي تهمس في حب لم تشعر بمعانقته لنبرتها
” لو كنت شايفاك انسان وحش مكنتش ارتبطت بيك يا يوسف ”
ابتسم فى شرود
” وبعد اللى عرفتيه عني بتشوفينى كويس ؟؟“
ابتسمت قائلة
” احساسى قالى انك ممكن تتغير …واحساسى مش هيكدب عليا ابدا ”
التفت لها بابتسامة صافية فبادلته ابتسامته لأول مرة دون تهكم او اصطناع أو تحدى أو أي شىء من هذا القبيل ، ابتسامة كانت كافية لتجعل قلب يوسف يستجيب لنبضاته لأول مرة دون مقاومة .
*********************
” زين ..زين ”
قالتها سمر في عنف فالتفت لها زين الذى كان لازال شاردا فى الطريق الذى رحلت منه صوفيا ، رد فى ضجر وهو ينظر الى سمر الذى أصبح يعاملها بجفاف منذ ما كادت ان تتسبب به بينه وبين والده
” نعم فيه حاجة ؟؟“
كتفت ذراعيها وردت فى حدة
” الخواجاية دى كانت عايزة منك ايه ؟؟“
تراجع فى دهشة فواصلت
” نظراتها ليك طول الوقت مش مريحانى ..والنهاردة كمان كانت ..“
قاطعها هذه المرة فى حدة قائلا
” كفاية يا سمر ..صوفيا ضيفتنا عيب تتكلمى عنها كدة ”
اقتربت منه خطوتين وهمست في رقة ” اعمل ايه يازين ..بحبك وبغير عليك ”
زفر زين في حنق من أين جاءت تلك الفتاة بكل تلك الجرأة بل الوقاحة …لم يعهدها هكذا مطلقا فهتف فى استنكار
” تانى …احنا مش قفلنا الموضوع ده خلاص ”
ردت فى اصرار غريب
” تانى وتالت ورابع ..زين ارجوك ادينى فرصة مادام مفيش حد فى حياتك ”
وفجأة لاحت صورة حوريته أمامه وكأنها تنفى ما قالته سمر نفيا قاطعا ولكنه تجاهل هذا ليخبرها فى جديه
” شوفى يا سمر انتى بنت عمى وعارفة انا بعزك اد ايه ..انتى اختى ومفيش اخ بيتجوز اخته ولا ايه ؟؟“
ردت والدموع تلمع بعينيها
” حرام عليك يا زين ليه تعمل فيا كدة ؟؟“
تنهد زين في نفاذ صبر
” لاحول ولا قوة الا بالله ..سمر افهمينى هيبقا حرام عليا لو اتجوزتك وظلمتك معايا ..انتى بكرة ربنا هيكرمك بحد يحبك ويقدرك ”
ردت وصوتها يتمزق من النحيب
” انا مش عاوزة غيرك انت يا زين حتى لو هتظلمنى انا راضية بالظلم مادام هبقا معاك ”
كان لايدرى حقا ماذا يفعل لها.. هي اخته ولا يمكن ان ينظر اليها الا هكذا فهتف فى قسوة متعمدة
” الموضوع منتهى يا سمر ومش هنفتحه تانى فاهمانى ”
نظرت له فى خيبة امل وانطلقت تركض من امامه ، تاركة داخله اسئلة شتى ؟؟، هل كان الأمر سيتغير لو لم تظهر صوفيا فى حياته ..هل كان رد فعله سيختلف ، لم يكن يخطط ابدا للزواج عن حب ، كان سيتزوج زواجا تقليديا بحسابات العقل فقط وربما ترك الأمر برمته لأمه لتبحث له عن الزوجه المناسبة ولكن كل هذه الموازين قد انقلبت فى لحظة فلم يعد العقل وحده كافيا لاقناعه ، القلب الذى يتحدى المنطق وكأنه يختار الصعاب ليعشقها ، عاد الى نظرة الحزن فى عينى صوفيا فزادت حيرته وتمنى لو عرف عنها الكثير والكثير وبالفعل فى الصباح كان على مكتب ايلينا يتحجج بمراجعة بعض الملفات ..أخذ يدور فى الحديث ولا يعرف من أي زاوية ينفذ الى غرضه حتى وجدها فتسلل منها
” بس صوفيا مش شبهك خالص يا ايلينا ..حاسس ان انتو الاتنين اتربيتو بطريقة مختلفة رغم انكو قرايب ”
شعرت ايلينا باهتمامه بصوفيا كما شعرت بميلها اليه وفى نفسها تمنت لو كان كل منهما للاخر فزين بالفعل قادر على انتشال صوفيا مما هى فيه ، ردت وهى تعرف انه يدور حول السؤال ليس اكثر ” فعلا ”
حك ذقنه بسبابته قائلا
” هيا اهلها فين ؟…وازاى سايبينها كدة ؟؟؟“
شبكت ايلينا اناملها امام وجهها تخبره في حزن
” دى حكاية طويلة وتوجع القلب بجد …توجع القلب بجد يازين ”
فى تلك اللحظة كان يوسف يخرج من مكتبه واخر ماسمعه هو عبارة ايلينا الاخيرة ورأى اخاه ينظر لها فى تأثر واضح وتركيز وهو يكاد يلتهم ملامحها بعينيه او هكذا خيل له ليضرب بداخله هذا الاعصار ، أعاصير ونيران وزلازل وكل الكوارث الطبيعية التى تصيبه حين يراها تحادث اى رجل حتى وهو يوقن انها لاتتجاوز اى حدود ، مشاعره تصيبه بالدهشة مالذى يتطور بداخله تجاهها ؟؟، ماهذا الشعور السخيف الذى الم به وهو يراها تحادث زين ،ربما لأنه يرى زين هو الانسب لها او يشك انها تراه كذلك ، تنحنح حتى لايظهر عليه الانفعال وقال
” ازيك يا زين ..كنت عاوز حاجة ؟؟“
نهض زين وهو ينظر الى ايلينا يابتسامة زادت من سخط يوسف حين بادلته اياها كأنه قد اتخذ فرمانا بحكر ابتسامتها عليه
” لا خلاص شوية ملفات وراجعتها مع ايلينا وماشى ..بعد اذنكو ”
تابعه يوسف وهو يزمر شفتيه حتى اختفى لينظر الى ايلينا بغضب لم تعرف مصدره وهو يسألها في غيظ مكتوم
” مش ملاحظة انك مزوداها معاه ؟؟“
ردت في استنكار واضح
” مع مين وقصدك ايه ؟؟“
رد فى تهكم وهو يشير برأسه حيث خرج زين
” مع زين وعارفة انا اقصد ايه كويس ”
نهضت من مقعدها فى غضب لتهتف في فى شراسة
” انا عمرى ما اتجاوز حدودى مع حد ..ومسمحلكش بتلميحات من النوع ده ”
تابع وكأنه لايسمعها
” لما هوا عاجبك كدة ؟؟؟متجوزتيهوش ليه من الاول بدل ما اتدبس انا فيكى ”
وكعادته فى غضبه لاينتبه ابدا لما يتفوه به …وهى لم تستطع ان تبتلع اهانته هذه المرة ، حبها له منعها من مواصلة تلك اللعبة التى تأخذ كثيرا من كرامتها وهى تفرض نفسها عليه مرة بعد مرة .. بل الأدهى يتهمها بعلاقة مع أخيه يعرف جيدا برائتها منها فقط ليتملص من ارتباطهما ، فى الماضى تحملت ولكن الان وهى تعى تماما حقيقة مشاعرها لم تستطع …رفعت رأسها فى شموخ تخبره
” انا بقول كفاية لحد كدة ..لما توصل للدرجادى يبقى كل حاجة بينا تنتهى احسن ”
قالتها وهى تنتظر منه اى رد.. اى كلمة تدل على تمسكه بها ولو لمرة واحدة ..
زاد حنقه عليها من تظن نفسها …أهو مجرد لعبة بين اصابعها تلهو بها كما تشاء ابتلع ريقه فى غضب قائلا وهو يرفع كفه الايمن
” على فكرة انا اصلا ملبستش دبلتك …لانى عارف من الاول ان المهزلة دى لازم تنتهى ”
لم تتوقع ابدا ان يكون بهذه القسوة ..وقتها علمت أنها تعيش حبه وحدها وهولايبالى بها فكان قرارها التى اتخذته في حينها ..

رواية مذاق العشق المر

الفصل العاشر

رأى صدمتها جلية فى عينيها ودمعة تحجرت كصخرة صلبة فيهما تشتهي بعضا من ضعفها لتتفتت وينحدر حطامها على وجنتيها ولكن كبريائها المعهود يحمي صلابتها ويحفظ قوتها كالمعتاد ..
طالعته للحظات عاجزة عن الرد..أخفض رأسه يتحاشى نظراتها.. أدرك أخيرا وقاحة ما نطق به ..
رفعت رأسها في شموخ لتخبره في حسم حررت به نبرتها المختنقة :
” فعلا مش لازم تستمر ولازم يكون لها نهاية ودلوقتي ”
تنهد في عمق وهم أن يعتذر عما تفوه به لولا دخول والده المفاجىء وهو يلهث بشده ووجهه يبدو عليه الاضطراب :
” يوسف مبتردش على تليفونك ليه ؟؟“
والتفت الى ايلينا في قلق ساده ترقب وهو يقول :
” عمك سمير تعب شوية ونقلناه المستشفى ”
***********************************
احتضنت صوفيا كف ايلينا بين راحتيها وهي تقول فى حنان
” اهدى يا ايلينا ..عمو محمود هيبقى كويس ان شاء الله ”
التفتت ايلينا فى ألم الى علي الجالس جوارها مطرقا فى حزن معاتبة :
” تبقا عارف يا علي وما تقوليش ؟؟“
رد علي فى هدوء:
” دى كانت رغبته يا ايلينا ”
هتفت فى ضيق :
” رغبته ”
اقترب حينها محمود ليربت على كتفها فى رفق مواسيا :
” ايوة يا ايلينا باباكى مكنش عايزك انتى بالذات تعرفى حاجة عن مرضه ”
والتفت الى يوسف الذى وقف يستند الى الحائط ليحثه باشارة من عينيه على النطق بأي شىء ولكن ناظريه المعلقين بايلينا لم يلتقطا اشارته بل تابعاها في صمت ، تؤلمه دموعها الحبيسة …يقتله حزنها وخوفها فى وجوده ، كم تمنى لو أزاح صوفيا جانبا واحتواها بين ذراعيه حتى تهدأ..كم تمنى لو ضغط كفها بين كفيه يمنحها الأمان والعطف ..يشعر أنه أحق منهم جميعا بها في تلك اللحظات ..
يعلم جيدا انها لن تقبل منه اى كلمة بعد ما تفوه به فى الصباح وهو لا يعرف حقا كيف يعتذر ، كلمات المواساة والاعتذار كلاهما تجمد على لسانه ..
خرج الطبيب من عند سمير فهرع الجميع اليه ليضع يده فى جيب معطفه ويتحدث بعمليه بحته :
” الاستاذ سمير حالته متأخرة للاسف …الجراحة هيا الحل الوحيد رغم انها فى سنه هتبقى مغامرة بس مفيش اختيار تانى ”
اقتربت ايلينا وهى تمسح دمعة لم يعطها قلقها على أبيها الرفاهية في محاولة اخفائها :
” انا هتمسك بأى امل يرجع بابا لينا ”
رد الطبيب وهو يهز رأسه فى تفهم :
” الجراحة هتتكلف حوالى 300الف ..والأمل برضه مش كبير ”
هنا تدخل يوسف وقد تضايق من لهجة الطبيب المحبطة ”مادام فيه امل هنتمسك بيه والفلوس مش مشكلة خالص شوف الأنسب ايه واعمله ”
هز الطبيب رأسه ليستأذن الذهاب فنظرت ايلينا الى يوسف تخبره فى حدة :
” محدش هيدفع مليم واحد فى علاج بابا ”
نظر يوسف ومحمود الى بعضهما البعض فواصلت في حسم :
” انا هبيع الكافيه وبابا عنده رصيد كويس فى البنك ولو وصلت هبيع البيت كمان بس مح.“
قاطعها محمود وهو يقطب جبينه فى استنكار :
” ايه يا ايلينا الكلام الفارغ ده عايزة تبيعى اللى وراكي واللى قدامك …واحنا لزمتنا ايه ؟؟؟“
واصل يوسف الحديث غير مكترث بما قالته:
” سيبك منها يا بابا ..انا هجهز الفلوس وهتابع كل حاجة بنفسى ”
هنا قطبت ايلينا حاجبيها وهتفت فى غضب :
” انت بتتكلم بصفتك ايه ؟؟؟انت بالذات مش هقبل منك حاجة ..احنا نهينا كل حاجة بينا خلاص نسيت ولا ايه ؟؟“
وزع محمود نظراته بينهما ليسأل في حذر
” نهيتو ايه ؟؟؟…ايه الكلام الفاضى ده ؟؟؟؟…هوا شغل عيال ولا ايه ؟؟؟“ …بتتصرفو من دماغكو ملكوش كبير ..اسمعو بقا …مجرد ما سمير ما يفوق هيتكتب كتابكو وده بناء على رغبته ”
التفتت له ايلينا فى تمعن لتتبين صدق ما قاله.. ، اهذه خطة جديدة ام ماذا ؟؟..فليكن الأمر ما يكن لقد اكتفت منه وانتهى الأمر ..
” حضرتك بتقول ايه ؟؟“
هدأمحمود من نبرته واقترب ليمسك بكتفيها فى رفق هامسا :
” حبيتى باباكى عاوز يطمن عليكى …وهوا ده اللى حصل صدقينى وهتتأكدى بنفسك اول ما يفوق ان شاء الله ”
نظرت الى يوسف وتذكرت كلامه الجارح صباحا ورفضه المتكرر لها مرة بعد اخرى واتهامها بالتساهل مع أخيه ..ألجمت انتفاضة كرامتها مشاعرها هذه المرة وانفردت بالقرار فاختنق صوتها وهي تضع النهاية غير قابلة بحلول أخرى مطلقا :
” لا ياعمى اسفة ؟؟؟مش هفرض وجودى على حد تانى ..اتفاقنا لحد هنا وانتهى ”
والتفت اليه ترمقه بنظرة عاتبه لتذهب من أمامه ..
دوى صدى كلمتها في اذنيه …اتفاق !!!…أي اتفاق ..دارت كل الأحداث الماضية في رأسه لتتلاحم مع جملتها الأخيرة متأهبة أن تعطه اجابة صريحة على سؤال طالما طرحه عليها ورفضت اعطاءه ولو توضيح ..التفت الى ابيه ينهي حيرته :
” اتفاق ايه اللى بتتكلم عنه ؟؟؟“
زفر محمود فى ضيق يسأله بدوره :
” انت فعلا قولتلها انها مفروضه عليك ”
ازدرد يوسف لعابه ليقاوم ألمه وهو يتذكر ما أخبرها به صباحا فأشاح بوجهه في توتر ففهم محمود ان ولده قد قال ما هو أبشع فتنهد ليخفى ضيقه ويخبره في لوم:
” بص يا يوسف ايلينا الف مين يتمناها واذا كنت فاكر ان احنا فرضناها عليك فالعكس هوا اللى حصل ”
نظر له يوسف فى حيرة لم يتركه أبوه غارقا فيها طويلا ليقص له كل شىء من البداية.. فلم يصدق ما سمعه وهتف فى صدمة :
” ده الاتفاق اللى تقصدوه ؟؟؟…يعنى كانت عاوزة تتجوزني عشان كدة بس …دخلت معاكو فى لعبه لعبتوها سوا عشان كدة؟؟؟“
رمقه محمود فى صرامة :
” البت مكدبتش عليك فى حاجة يا يوسف اتقدمتلك للشغل عادى وانت وافقت وانت بنفسك بعد كدة اللى خلتها مديرة لمكتبك ”
تنهد حينها وهو يتذكر أن هذا ما حدث بالفعل ..نظر اليها وقد وقفت تنظر الى ابيها من خلال النافذة الزجاجية للعناية المركزة ، نظرة لم يفهم محمود محتواها …اهى نظرة غضب ام غيظ ام حب ام كل هذه المشاعر امتزجت فى تلك النظرة التى يراها فى عينى ولده للمرة الاولى ، تابعها فى حيرة ، حيرة من نفسه قبل كل شىء…ولكن لا… لن يتركها تنهى لعبتها متى شاءت وبقواعدها هي ..
ربما كانت تلك وقتها حجته …حجة ساقتها مشاعره أمام غروره وعناده لتبرر رغبته في وجودها …
ضيق عينيه في تمعن حين اتسعت عيناها فجأة وفغرت ثغرها وهى تهتف فى سعادة :
” بابا فاق ”
*************************************” حمدلله ع السلامة يا بابا ”
قالتها ايلينا وهى تقبل كف ابيها الذى قرب جبينها منه ليقبله فهمست اليه فى عتاب :
” كدة برضه يا بابا تخبى عليا ”
ابتسم وهو يمرر يده على رأسها :
” الظاهر خلاص يا ايلينا مبقاش فيه فايدة من المقاوحة اكتر من كدة ”
قاطعه محمود في صرامة امتزجت بكثير من العطف :
” متقولش كدة يا راجل ..ان شاء الله تقوم بالسلامة وتفرح بيهم ”
اضافت ايلينا وهى تصدق على كلمات محمود :
” ايوة يا بابا ان شاء الله تعمل العملية وتقوم وبالسلامة ”
وضع سمير يده على صدره وتنهد فى الم :
” عملية ايه بس ؟؟؟…دى غالية اوى والامل فيها مش كبير ”
تخلص يوسف من صمته أخيرا هذه المرة :
” ملكش دعوة بالمصاريف خالص ياعمى ..احنا مش اهل ولا ايه ؟؟؟“
نظرت له ايلينا فى ضيق بينما رد محمود بابتسامة ممتنة :
” تعيش يا يوسف انا كل اللى بفكر فيه دلوقتى علي وايلينا لو جرالي حاجة مش هيبقا ليهم حد غيركو ”
دمعت عينا ايلينا وهمست بصوت متلعثم وقد ارتعد داخلها لمجرد الخاطرة
” بابا متقولش كدة انت هتعمل العملية وهتبقى كويس ”
نظر سمير اليها وواصل فى حنان :
” انا خايف عليكي انتي بالذات ايلينا ابن عمك شكله مش هيجيبها البر ابدا ”
قطب يوسف حاجبيه متسائلا في حيرة :
” ابن عمها ..ايه الحكاية بالظبط ”
تنهد سمير ليخبره :
” طلبها للجواز وانا رفضت مش فارق معاه كونها مخطوبة من غيره …طول الوقت عمال يهددنى ويهددها ”
نظر يوسف الى ايلينا هاتفا فى استنكار :
” انتى ازاى متقوليليش على حاجة زى دى ؟؟؟“
رمقته بنظرة معناها وهل كنت تهتم يوما بشىء يتعلق بي ، أفحمته نظرتها فازدرد ريقه وهو يقول بنبرة أهدأ
” متخافش ياعمي ..محدش يقدر يأذي ايلينا وانا على وش الدنيا ..ومادام الموضوع وصل لكدة يبقى اسمحلي اناعارف انه مش وقته بس لو هنعجل بكتب الكتاب يكون أفضل“
نظر الجميع اليه فى ذهول وأولهم ايلينا هل طلب الزواج حقا ؟؟…هل جن هذا الرجل وسيدفعها للجنون معه ..عن أي زواج يتحدث ..تهكمت فى نفسها حين فهمت مقصده ..فالموقف لا يحتاج الى شرح مطلقا .. شهامة ليس اكثر..شفقة ربما ..تختلف أسبابه ولكنها تتفق في اجباره على الزواج من جديد ولكن بشكل غير مباشر …قبلت أن تجبره سابقا وهي تنكر حبها له مدعية رغبتها في اصلاحه ..أما اليوم وكل جزء من كيانها يصدح بعشقه لن ترضى بشفقة او شهامة ، تفاجئت بسمير يرد نيابة عنها :
” انا عن نفسي موافق ..لما تتجوزو محدش هيقدر ييجي جنبها لا ابن عمها ولا غيره ”
حملقت به ايلينا ..أبوها قد وصل خشيته عليها حد الذعر ..حد قبوله بيوسف وهو يعرف عنه ما تعرفه .. اذن قد استسلم لمرضه ويأسه
تابع محمود الحديث عنه فى سعادة:
” يبقى خلاص على بركة الله نكتب الكتاب وبعدها نستناك تقوم بالسلامة من العمليه عشان نعمل الفرح ”
تردد سمير قائلا :
” عملية بس انتو عا…“
قاطعته ايلينا هذه المرة وهى تعرف طريقها جيدا ” بابا لازم تعرف ان مفيش جوازة هتتم من قبل ما توافق انك تعمل العملية ”
نظر لها سمير بابتسامة يسألها في رفق
” انتى بتساوميني يا بنت انتى ؟؟؟“
وبرغم انها كانت مزحة الا انها كانت حقيقة لقد كانت بالفعل تساومه وهو تقبل مساومتها تلك بصدر رحب ..يعلم أن ابنته تحب هذا اليوسف ..تحب للمرة الأولى في حياتها ..ويشعر من نظرات يوسف اليها أنه يبادلها الشعور ذاته ولكن بعده لم يرضخ ..يعلم أن ابنته قوية وستغير فيه الكثير ..فقديما عشقه لأمها غير حياتهما سويا ..ربما تكررت القصة من جديد ..من يدري ؟؟
**********************************************
تم عقد قرانهما بالفعل فى المشفى ،ورغم السعادة التى حلقت فوق الجميع الا ان الحزن والقلق كان من نصيبها وهى تشعر ان حبيبها يتزوجها رغما عنه للمرة الثانية وان ادعى عكس ذلك ليحافظ على ماء وجهه لا أكثر ، نعم تغير وقد لمست بنفسها هذا التغيير ووقعت فى غرام يوسف الجديد بكل ما فيه حتى بغروره وعنجهيته …غرقت بكل مشاعرها وكيانها فى كل تفاصيله ولن تقبل منه ابدا بأقل مما تشعر به تجاهه ، لن تقبل ان تعيش عذابات حبه وحدها لتكون وسيلته لارضاء غروره كرجل ليس اكثر
أما الحيرة فكانت من نصيبه هو … يرى غيامة حزن تعكر صفحة وجهه الصافي .. اهو ندم ؟؟
ام انها تخشى تلك الخطوة وتفتقد الامان معه ؟؟؟
ام لأن لعبتها خرجت عن الحد الذى رسمته لها ؟؟
أم هو قلقها على أبيها ؟؟ .
…………….
انفرد كل منهما بالآخر بعد عقد القران فى حديقة المشفى …
طال الصمت بينهما كأن كل منهما يعطي للاخر فرصة فى توضيح موقفه أولا .
كانت هى الأسرع فى تمزيق هذا الصمت السخيف فقالت وهي تنظر امامها :
” على فكرة انا وافقت على الجواز بس عشان بابا يوافق يعمل العملية ..لكن متخافش مش هدبسك معايا كتير ”
عض يوسف على شفتيه فى غيظ وهو يتذكر كلماته الوقحة وهمس في خجل :
” انا اسف مقصدتش المعنى ده ابدا ”
ابتسمت فى حزن قائلة:
” متعتذرش انت فعلا معاك حق ..أنا فعلا زودتها ..انت رفضتني اكتر من مرة وكان لازم يكون عندى كرامة ”
كاد ان يصرخ بها أن تتوقف ولكنها واصلت :
” انا طبعا بشكرك على شهامتك ووقفتك معايا ..واوعدك ان التدبيسة دى مش هتستمر كتير وبمجرد ما بابا يفوق ويبقى كويس هننفصل وتقدر تشوف حياتك ”
ولم تمهله فرصة للرد ابدا فلو امهلته ستحرم نفسها من الاحتفاظ بكرامتها للحظة الأخيرة.. سيرى دموعها التى اخفتها عنه فى كبرياء وأطلقت عنانها بمجرد أن أعطته ظهرها …كيف سمحت لنفسها بالتورط في حبه هكذا !!..كيف ؟؟ .
راقبها في ألم وهي تختفي من أمامه وسخطه على ذاته يزداد… لماذا لم ينتزعها من افكارها السخيفة هذه ؟؟
لماذا يرفض ان يعترف لنفسه بانه لايتحمل فكرة ابتعادها ؟؟
يرفض هجرها ..
يكره حزنها..
يمقت شعورها بالخوف فى وجوده ..
يحب قوتها عنادها مشاكستها…
كل شىء فيها يثير جنونه ..
لماذا لم يستجب لمشاعره وألجم جسده الذي كاد أن يتحرك ليزرعها بين ذراعيه بقوة لتكون تلك الاجابة الصحيحة والرد المناسب على كل ما زعمته .
. ***********************************
كانت صوفيا فى غرفتها تضع اللمسات الاخيرة لبورتريه خاص مزجت فيه الالوان بشكل رائع فبدت حتى أجمل بكثير من الصور التى التقطتها للنيل فى الغروب ، تأملته فى رضا قبل ان تزيحه جانبا وتستلقى على فراشها وهي تتأوه فى خفوت ، اغمضت عينيها لحظات ثم فتحتهما وهي تبتسم فى خبث ، مدت يدها تلتقط هاتفها من على المنضدة تطالع عليه صورة زين الذى يضعها على تطبيق ” الواتس اب ” صورة يبتسم فيها بوداعة أخذت لبها منذ ان طالعتها للمرة الاولى ، ملامحه الشرقية المنحوته تتوه فيها دائما وتذكرها بفرسان العرب القدامى التى قرأت عنهم فى الاساطير ، لا تستطيع حتى الان تحديد ماهية شعورها نحوه فكثيرا ما تشعر بالحنق منه حين يتجنبها او يشيح بنظره عنها وذاتها تلك الافعال تجذبها اليه اكثر ، نظرت الى صورته من جديد وهي تمرر اصبعها على ملامحه كأنها تريد ان تحفرها بذاكرتها ، نهضت من جديد وابتسامة حالمة تزين ثغرها وهى تتجه الى كراس الرسم وتبدأ فى خط ملامحه بدقة ومهارة ، وبعد ساعة او يزيد انتهت من رسمه بالقلم الرصاص فوضعت القلم فى فمها ورفعت حاجبيها قائلة :
” طبعا الأصل احلى ..بس انت اجمل حاجة رسمتها فى حياتى ”
ابتسمت وهي تضع يدها على ثغرها …لقد أصبحت تستخدم العربية في التفكير وتلاشى دور اللغة الفرنسية التي لم تتحدث غيرها لسنوات تماما ..أمسكت الصورة واخذت تتأملها وهى تجوب الغرفة بلاهدف ..
لحظات وخطرت على بالها فكرة لم تأخذ سوى لحظات أقل لتضعها قيد التنفيذ ، قامت بتصوير الرسم وأرسلته الى رقمه الذى تحتفظ به منذ ان اعطته لها ايلينا وهى فى المطار ، تعلم انه لا يمتلك رقمها فهل سيكتشف انها من فعلت هذا ؟؟؟هل تراه يشعر بهذا الاضطراب الذى تشعر به .
رن جرس هاتفه يعلن عن وصول رسالة عبر الواتس اب ففتحها ليجد صورة مرسومة له بالقلم الرصاص فى غاية الدقة والاتقان خطتها انامل بارعة ومحترفة ، قطب حاجبيه فى تفكير من فعل هذا ؟؟، لحظات مرت قبل ان يبتسم وهو يفرك جبينه ، تراها هى ؟؟، حوريته الجميلة التى لاتفارق باله والتى افقدته توازنه وجعلت قلبه ينبض كمراهق دون ادنى ارادة منه ، هل قضت الليلة بأكملها تخط ملامحه ؟؟هل يشغل نفس الحيز الذى تشغله فى حياته ؟؟هل يشاركه قلبها تلك النبضات الغريبة التى يشعر بها للمرة الاولى ، لا يعرف لماذا اصبح شعوره يقينا وهو يعطيها رده بتغيير صورة ملفه الشخصي الى تلك الرسمة الدقيقة التى أرسلتها واستوعبت هي هذا الرد منه ولم تصدقه ، ولكن تراه فهم ما تعنيه ؟؟؟
أو بالأحرى هل تفهم هي ماذا تعني من خلف ما فعلته ، الأمر قد تعدى كثيرا مجرد انجذاب.. لقد وصل بها الى تنحية فكرة سفرها تماما ..فوجودها في مصر لم يعد مقتصرا على مرض محمود فقط كما تدعي .
***************************
تنهد يوسف وهو يتهالك على مقعده متمتما فى حزن ” لاحول ولا قوة الا بالله ”
تلقى الخبر من أبيه منذ لحظات عبر الهاتف ، أخبره بصوت متهدج يحاول أن يسيطر على نبرته بأن رفيق العمر انتقل الى جوار ربه، مات الرجل قبل أن يستمتع بدفء وطنه ويعوض حرمان الغربة ، مات بعد أن اطمئن الجميع الى استقرار حالته وهجرته الامه ، مات قبل موعد جراحته بيوم واحد فلله في خلقه شئون ..
وكل اليه والده مهمة ابلاغ ايلينا بالأمر ،بقي على وضعه هكذا لدقائق ينظر الى الباب في شرود ينبش به عقله عن أي طريقة تحمل الخبر دون أن يصدمها به ، مرر يده على وجهه في ألم فكل الطرق ستؤدى الى حقيقة واحدة..
لقد رحل والدها الذى لمس بنفسه كم تحبه وتحترمه وتعده صديقا وليس مجرد اب ، كيف ستسقبل خبر موته بعدما عاشت في أمل نجاته طيلة الأيام الماضية .. مجرد تخيل الحزن على وجهها يفزعه ، ماذا عساه ان يفعل ؟؟
نهض من كرسيه اخيرا واتجه للباب الذى يفصل بينهما ليفتحه فى بطء ، لم تنتبه له وقد انهمكت فى العمل، فبعد ان اطمأنت على صحة ابيها عادت لتنجز بعض الاعمال الهامة التى كانت تحت مسئوليتها رغم انه اعفاها من ذلك ، ظل واقفا للحظات وهو يبحث مجددا عن أكثر الكلمات رقة لينقل لها به الخبر
شعرت برائحة عطره كالعادة فرفعت اليه رأسها بابتسامة متعبة وقالت :
” يوسف ..انا قربت اخلص اهو بس فيه حاجات كتير محتاجة امضتك عليها ”
نظر اليها للحظات في حزن عقد لسانه عن نطق حرف فأطرق برأسه في عجز لتشعر بأن هناك خطب ما ، نهضت من مكتبها وسألته فى حذر:
” يوسف مالك حصل ايه ؟؟“
انتفض قلبها ليضرب صدرها في قوة وهو يشيح بوجهه عنها ، وضعت يدها على على صدرها تقاوم ألم انقباضه فالأمر يبدو انه يخص صحة ابيها ، التمعت الدموع فى عينيها وهى تقترب منه أكثر قائلة فى تلعثم وشفتاها ترتجف فى خوف :
” الموضوع ليه علاقة ببابا ..رجع انتكس تانى ..رفض يعمل العملية ولا ..“
وصاحت به وهي على وشك الانهيار :
” يوسف رد عليا بقا ”
أمسكت بذراعه في توسل وهي تكرر سؤالها فرفع نظره اليها والمته نظرة الهلع والخوف والضياع فى عينيها فلم يشعر بنفسه تماما وهو يحتويها بين ذراعيه كأنه يحميها من قسوة الحقيقة ويخفيها عن مرارة واقعها وأدركت هي كل شىء فبقيت جامدة وهى تتمتم فى صدمة :
” ازاي ؟؟…انا سايباه كويس ….ازاي”
وسالت دموعها ليشعر بها يوسف تبلل قميصه لتحرقه تماما وهو يراها للمرة الأولى ، زاد من ضمته لها وهي تهمس فى انهيار :
” بابا مات يا يوسف.. بابا مات ”
مسح على رأسها فى حنان قائلا بنبرة متهدجة :
” انتى ايمانك قوى يا ايلينا ..ادعيله حبيبتى ”
نطقها بصدق وباحساس عاشق يتعذب من اجل محبوبته نطقها دون ان يشعر أنه قالها ..نطقها دون أن يفكر كيف خرجت بتلك السهولة …نطقها من أعماقه حين اعترف ألمه من أجلها بالحقيقة ..ولسوء حظه لم تشعر بها أبدا .. لم تشعر بأنها انتزعت اعترافا صريحا منه ،ألم فقدان الأب والصديق كان كافيا لعزلها عن العالم بأسره ..كافيا عن عدم ادراكها أنها بين ذراعيه تتلقى منه حنانا لم تعهده مطلقا … أغمضت عينيها فى ألم وهي ترفع رأسها من على صدره هامسة بايمان تحاول به مقاومة انهيارها :
” انا لله وانا اليه راجعون ”
اخذت ترددها وهو يمسك بكتفيها ويشعر بارتجافها حتى خفتت حركتها فجأة لتسقط فجأة بين ذراعيه مغشيا عليها ليهتف فى ذعر ” ايلينا ”
******************************************
تكفل محمود وابنائه بدفن سمير واقامة العزاء له فى الوقت الذى كانت ايلينا فيه تحاول التماسك قدر المستطاع هى واخيها وتعينها على ذلك صوفيا وسميرة وايتن .
وبعد مرور اسبوع دق الباب ففتحته صوفيا لتجد يوسف ومعه زين يحملا بعضا من الطعام كعادتهما كل يوم منذ وفاة محمود ، ألقى يوسف التحية عليها وسألها فى روتينيه عن أحوالها وأحوال علي ليذهب بعدها الى ايلينا مباشرة التي أخبرته صوفيا انها لاتفارق غرفة ابيها .
تركها مع زين التى نظرت اليه وسألته في تردد
” تشرب ايه زين ؟؟“
ابتسم زين قائلا
” مش عاوز اتعبك ”
شبكت اناملها قائلة :
” يبقى قهوة مظبوطة انا بشوفك على طول بت..“ وتوقفت عن استرسالها وهي تحك رأسها فى خجل لقد اخبرته ببلاهة انها تهتم بأدق التفاصيل به فتنحنح هو ليخفى سعادته قائلا :
” خلاص ..يبقى قهوة مظبوط ”
راقبها وهي تدلف الى المطبخ وتلتفت اليه فى توتر ، لقد كاد ان يخبرها حين وقعت عيناه عليها منذ لحظات الأسود يليق بك يا جميلة ولكن لا ليس الاسود فحسب بل كل الوان الدنيا كأنها خلقت من اجلك كأنك من تعطينها رونقها وبريقها وتميزها ، بريئة كالاطفال وعيناك تلك اه منها لم أعرف من قبل عينين بصفائهما أبدا ، حدائق الجنة ورياضها يعيشها من ترمقينه فقط بنظرة منهما..
لمح على المائدة كراس رسم صغير فابتسم في خبث وهو ينظر باتجاه المطبخ ليتأكد انها لا تراه ، اخذ يبحث فيه عن شىء واحد يؤكد له حقيقة ظنه ، ظل يبحث ولكنه لم يجد مبتغاه حتى انتفض على صوتها وهى تقول بينما تضع القهوة أمامه :
” عجبك رسمي؟؟“
تنهد زين وهو يهز رأسه بالايجاب وقال في احباط لاحظته صوفيا على الفور :
” حلو اوي ..فنانة بجد ”
وأعاد اليها دفترها وهو يتساءل في نفسه هل لم تكن هي بالفعل ؟؟، لا ربما امتلكت دفترا غيره …
قالت صوفيا فى خبث وقد أدركت ما يفكر فيه :
” شكله معجبكش وبتجامل وشك باين عليه انه متضايق ”
ارتشف زين من القهوة أمامه ليزدردها عوضا عن ريقه الذى كاد ان يجف من فرط التوتر والاحباط :
” أبدا..اصل ….“ وهز رأسه وهو يتمتم
” الظاهر اني كنت فاهم غلط ”
رسمت صوفيا البلاهة على وجهها وقالت:
” بتقول حاجة زين !! ؟؟“
تنهد في عمق قائلا :
” متاخديش فى بالك ”
دلف يوسف الى غرفة ايلينا فوجدها تقف بجوار النافذة وهى تحمل بيدها صورة لأبيها وتتأمل الدنيا في شرود ، شعور بالضياع يراه فى عينيها ويمقت ان تشعر به فى وجوده ، لم يخفي ألمه وهو يراها على هذا الضعف الذى لم يعهدها عليه ، التفتت له وابتسمت فى شحوب وقبل أن تمد اناملها لتمسح دموعها كانت أنامله هى الأسرع تلك المرة فمسح دموعها بابهاميه وتأملها للحظات وهو يضع كفيها فى كفيه قبل أن يأخذها لتجلس على أريكة قريبة ويأخذ الصورة منها ليضعها على المنضدة المقابلة ، ركع على ركبتيه أمامها قائلا :
” ايلينا اتكلمى معايا قولى اى حاجة ”
ازداد بكائها وهى تقول بصوت تمزقه الدموع
” اقول ايه ..انا خلاص اتيتمت ومبقاش ليا حد .بابا مكنش مجرد أب وبس …بابا كان صديق وصاحب عمره فى مرة ما خذلني..عمره مازعقلي ولا زعلني فى يوم حتى وأنا غلطانة ..اتعلمت منه كل حاجة حلوة ..لما كنت بقع فى مشكلة كنت عارفة انى آخر اليوم هرجع الاقيه وأعيط فى حضنه لحد ما ارتاح ..انا مؤمنة بقضاء ربنا بس انا انسانة وموت بابا كسرني ”
مد ابهاميه ليمسح دموعها ويحتوى وجهها بين كفيه قائلا :
” وأنا روحت فين …كلنا روحنا فين …انا جنبك ايلينا ومش هسيبك ابدا ”
وأخفض رأسه وهو يحفز نفسه بقوة ، هيا خذها بين ذراعيك الان واخبرها بالحقيقة وكفى مراوغه أخبرها انك تحبها كما لم تحب أنثى من قبل ،تحبها !!!!…أجل أنت تحبها وهذا هو أدق مسمى لكل ما مررت به معها معها تألمت…
معها شعرت بالغيرة
معها عشت كل المتناقضات
معها ….
عرفت الحب لأول مرة
أنت …أنت تحبها يا يوسف
تلك المخلوقة ..
تلك الأنثى ..
ليست أي أنثى …
انها التي نبض خافقك بحبها
أنت …تحبها …تحبها …تحبها
وهي تستحق ..لن تخذلك..
هيا كن شجاعا وواجه مشاعرك …
خذ بيدها الى جنتك وعلمها العشق بمبادئك انت
رفع رأسه من جديد وحين هم أن ينطق سمع صوت جلبة فى الخارج ، فنظر اليها فى استفهام لتهز رأسها فى حيرة وهي تخرج معه لترى ماذا هناك ، وحين خرجت تفاجئت بفؤاد ابن عمها وهو يقول فى سخرية
” الله الله يا ست هانم ..خارج من أوضة نومك كمان ..ابوكي مات من هنا وانتى قلبتهالى مفروش !!!!“

رواية مذاق العشق المر

الفصل الحادي عشر والثاني عشر

الفصل الحادى عشر والثاني عشر
ألجمتها الصدمة عن الرد وهي تسمع كلمات ابن عمها الجارحة والحقيرة …مشاعرها قد استنزفها الحزن طيلة الأيام الماضية فلم يستطع الغضب أن يؤثر بها كما ينبغي …
بينما يوسف رده كان أسرع ليصبح التعارف الأول بينه وبين فؤاد لكمة قوية في فكه كادت أن تطيح بأسنانه والأول يهتف به في غضب :
” اخرس يا حيوان أنت…اللى قدامك دي تبقى مراتي وممكن أدفنك بالحيا لو زودت كلمة واحدة”
تراجع فؤاد من ألم اللكمة ووضع يده عليها يتحسسها قائلا فى وقاحة :
” اتجوزتيه يا ايلينا ؟؟؟….اتجوزتي وانتى عارفة انى بحبك وعاوزك …ماشي مسيرك فى يوم تكونى ليا وبكرة تشوفي”
لم يحتمل يوسف نظراته ولا كلماته لها أكثر فعاد يكيل له اللكمات الموجعة مجددا ولولا تدخل زين لفقد الرجل حياته على يدي يوسف الذي يفوقه فى البنيان والقوة ،تابعت ايلينا مايحدث في هلع وتحررت من صدمتها سريعا وهي تصرخ بيوسف أن يتوقف حتى لا يفتك به .. بينما تابعت صوفيا ما يحدث بتلذذ غريب فقد رأت بعينيها ان يوسف يغار على ايلينا بجنون يشي ببساطة عن حجم ما يحمله لها من مشاعر …والأحمق مثلها تماما ينكر كل شىء ..
تنهد يوسف مغمضا عينيه للحظات حين سمع صرخات ايلينا لتنحرف قبضته الى تلابيب فؤاد ويوقفه أمامه هاتفا في تهديد لا يقبل المزح تماما :
” لو فكرت بس تعدي من شارع هيا بتعدي منه قسما بالله ما اخلي الدبان الأزرق يعرفلك طريق جرة ..واسأل عليا كويس هتعرف أن يوسف البدرى مبيهوش ”
وجره ليدفعه خارج المنزل ويصفق الباب خلفه فى عنف ..
التفت لينظر الى ايلينا مجددا ليلمح علامات الذعر لازالت تكسو ملامحها ..اقترب خطوة ليضمها اليه فأوقفته نظرات صوفيا وزين المسلطة عليه في منتصف الطريق فلازال اعتقاده السخيف ان الحب ضعف لايجب اظهاره يلازمه ..تنهد طويلا قبل أن يبدل النظر بين الفتاتين ويقول فى حسم :
” كدة الموضوع زاد عن حده …انتو هتيجو تعيشو معانا ايلينا ”
همت ان تعترض فأوقفها بكفه :
” انتي وصوفيا وعلي هتقعدو فى الأوضتين اللي في الجنينة برة… دول دايما كنا بنستقبل فيهم الضيوف وميقلوش أبدا عن القصر فى حاجة ”
هزت رأسها فى إرهاق وأخبرته بنبرة متعبة
” لا يا يوسف أنا مش هقدر ا..“
قاطعها فى ضيق :
” بلاش تعاندي وخلاص لو كان الحيوان ده جه وانا مش موجود فكرتى ايه اللى ممكن يحصل …يا ستي اعتبرى نفسك قاعدة فى فندق ”
وقبل أن تعترض مجددا لحقتها صوفيا هذه المرة :
” معاك حق يوسف ابن عمها زودها أوي ..اتفضلو انتو دلوقتي وأنا وهي هنجهز كل حاجة وهنستنى علي يرجع من مدرسته ونكون جاهزين على آخر النهار ”
نظرت لها ايلينا فى غيظ فرمقتها الأخرى فى رجاء حتى لا تعترض فنظر يوسف الى صوفيا بابتسامة ممتنة قائلا ” خلاص هسيبكو دلوقتي تجهزو نفسكو على ما أرجع تاني ”
رمقته ايلينا وهو يخرج بابتسامتها الحزينة وقبل أن يلحق به زين نادته صوفيا :
” زين استنى ”
نظر يوسف الى أخيه وإلى صوفيا طويلا قبل أن يتنهد في عمق ليذهب …رمقتهما ايلينا بدورها قبل أن تدخل الى غرفتها دون أن تعلق وحين سمعت صوفيا صوت اغلاقها للباب أخرجت ورقة مطوية من جيبها ودستها فى كفه وهي تهمس في نعومة :
” انت مفهمتش غلط ابدا يا زين ”
فتح الورقة ليجد الصورة التى كان يبحث عنها فابتسم وهو يطالعها تخفض رأسها عابثة في سنابل ذهبها في خجل …دس الورقة في جيب سترته وهو يهمس
” شكرا يا صوفيا ..“
رفعت رأسها لتنظر له في حب لم يعد بوسعها اخفاءه ..فحجمه أكبر من أن يحتويه داخلها دون أن يظهر بوضوح في نبراتها ..
أنفاسها …
نظراتها…
اهتمامها البريء به ..
لم يحتمل تلك النظرة أبدا وهو الغارق فى رياض عينيها حتى قمة رأسه …تنهد محاولا الحفاظ على هدوئه وهو يتراجع قائلا :
” شكرا بجد ”
هذه المرة لم يعرف هل يشكرها على نظرتها تلك ؟
أم على جعله يعيش لحظات جنون لا تعوض وهو غارق في رقتها وبرائتها وجمالها …
على النقيض في كل شىء تمناه فى زوجته…
هي أبعد ما يكون عن الصورة التى ظل يرسمها عقله لفتاة احلامه …
استجاب الكيان بأسره لصورة أخرى …صورة لحورية جميلة أشبه بحلم مر على الخاطر في لحظة حنين ثم مضى غير عابىء بمن زرع في قلوبهم الأمل بوصاله..
*****************************
وقفت سميرة فى شرفة غرفتها تتنفس في عمق ، لحظات وشعرت بخطوات محمود خلفها ، تأملها قليلا قبل أن يتقدم ليستند بكوعيه الى سياج الشرفة وينظر الى اللاشىء قائلا :
” مالك يا سميرة …بقالك فترة مش عاجباني ..من ساعة ايلينا ماجت ”
نظرت له سميرة نافية بسرعة :
” معقول يا محمود مبقتش تفهمني ..أنا هتضايق من وجود ايلينا ..الله اعلم أنها بقت عندى زي ايتن ” وأضافت في حنق وهى تعبث بخاتم من الذهب الأبيض فى خنصرها :
” بس المشكلة كلها في الخواجاية اللى معاها ”
قطب محمود حاجبيه قائلا :
” صوفيا ؟؟“
واصلت سميرة وهى تعض على شفتيها فى شرود :” مش عارفة هتفضل لازقلها كدة لحد امتى هيا ملهاش أهل ترجعلهم ”
أجابها محمود في عجب فهو لم يعهدها تضيق بضيف مطلقا من قبل :
” ايه حكايتك يا سميرة دى ضيفة عندنا …هنطردها يعنى ولا ايه ”
زفرت سميرة فى ضيق لتوضح له :
” بصراحة بقا وجودها مش مريحني …نظرات ابنك زين طول الوقت ليها مش مطمناني …مش عارفة جراله ايه الواد ده …ده زين بالذات أعقل اخواته معقول يكون يفكر فى الخواجاية دي ”
لوح محمود بكفه فى عدم اكتراث قائلا :
” متهوليش الأمور اومال يا سميرة نظرات ايه وبتاع ايه بس ”
ردت سميرة فى غيظ :
” خليك أنت مستهون بالموضوع كدة لحد ما تلاقيها ملت دماغه وييجى يقولك عايز أتجوزها ”
ابتسم محمود كأنها تخبره بمزحة سخيفة وهو يجاملها مرغما بضحكته :
” ده أنت خيالك واسع أوي …مفتكرش أن زين يفكر فى واحدة زيها ”
مالت اليه سميرة لتهمس فى قلق :
” البت حلوة ولونة يا محمود وابنك فى الأول وفي الاخر شاب ملوش أي تجارب ”
قطب محمود حاجبيه وبدأ بالفعل يشاركها القلق..
ولكن مارأه مسبقا يجعله يشك في ميل ولده الى سمر…ثم ان صوفيا تلك تحمل كل ما يكرهه ولده من صفات فملابسها تبدو أكثر اثارة من ملابس سكرتيرته التي كان يرفض وجودها…
أضفى بعضا من الأمل على نبرته وقال في هدوء:
” صلى ع النبى كدة يا سميرة ..مفيش حاجة هتحصل ان شاء الله ”
تنهدت وهى تغمض عينيها وتدعو الله ألا يتم هذا الأمر ابدا ، فهى أم وغريزتها تخبرها أن ولدها بالفعل قد تورط بمشاعره مع تلك الشقراء ..
نظراته الولهة التي لاتنفك تراقب كل شىء فيها ابتسامته كالمراهق حين تدلف الى المكان ..
كل شىء جد بولدها وأحواله التقطته بسهولة ..
تعرف أن الفتاة من اصول مصرية ولكن أفعالها وثيابها لاتمت لمصريتها بصلة ..
حتى الان لا تعرف من أى اصل انحدرت فلم ترى لها أهلا ولا عائلة .. لا يمكنها أن تثق فيها كزوجة لابنها وهى لاتعرف على اي أخلاق نمت فربما ربت أحفادها بنفس الطريقة ..
هى لا تريد أن يصل بها الأمر ان تقف فى وجه ابنها وتحرمه سعادته ولكنها فى النهاية أم تتمنى السعادة لابنها من وجهة نظرها هي، وسعادته لاتراها مطلقا مع صوفيا فالاختلاف بينهما لن يخلق حياة مستقرة بأى شكل من الاشكال …حبه الزائد لها سيكون نقطة ضعف ضده .
********************
ضغطت ايلينا بيدها على جنبها وهى تتأوه فى خفوت فالتفتت لها صوفيا قائلة فى قلق :
” ايلينا انتى كويسة ؟؟“
هزت ايلينا رأسها وأجابت في ارهاق :
” شوية بس وهبقا تمام ..المهم زى ما قولتلك امبارح جهزى نفسك عشان هنسافر ”
رفعت حاجبيها تهمس فى دهشة :
” هنسافر برضه ؟؟..“
اومأت برأسها تجيبها في حسم :
” ايوة ..بابا عدى على وفاته اهو شهرين مبقاش فيه سبب ولا حاجة نقعد عشانها ”
اقتربت منها صوفيا وتمعنت فى عينيها قبل ان تسألها فجأة :
” ويوسف ؟؟“
أشاحت ايلينا بعينيها عن عينى صديقتها تحاول أن تخبرها بثبات :
” انا ويوسف هننفصل صوفيا …كفاية بقى لحد كدة ”
ادارات صوفيا وجه ايلينا اليها قائلة :
” انتى بتهربى ايلينا ..بتهربى منه ومن مشاعرك ناحيته ؟؟“
لم ترد ايلينا وجلست على مقعد جلدى مريح والقت برأسها الى ظهره فى انهاك فواصلت صوفيا :
” انتى بتحبيه يا ايلينا …كفاية بقا تنكرى ”
اعتدلت ايلينا وهتفت فى ألم كأنها تعترف بتهمة وتلقي عن كاهلها حمل عبئها :
” ايوة بحبه يا صوفيا ارتحتي …مش هقدر يكون قدامى فى أي مكان وانا عارفة انه مبيحبينيش ..المشاعر اللى جوايا مش هقبل قصادها شوية شفقة او عطف او شهامة ..مش انا اللى هقبل دور الواحدة اللى تفنى حياتها فى حب واحد وهوا مش حاسس بيها وتقول كفاية انى بحبه وجنبه ..“
ركعت صوفيا على ركبتيها امامها لتقول في حنان :
” ومين قال كدة ؟؟؟..انا متأكدة ان يوسف بيحبك ”
ابتسمت ايلينا فى ألم ساخر وهي تنفي بلهجة قاطعة
” لا يا صوفيا من الأول وهو رافض وجودى ولولا بابا كان هوا اللى أنهى كل حاجة بنفسه ..أنا خلاص قررت هنسافر السبت الجاى جهزي نفسك ”
نهضت صوفيا فى بطء وهي تخبرها في حسم :
” بس انا مش عايزة اسافر ”
نهضت ايلينا لتواجهها فى دهشة قائلة :
” مش عايزة ايه ؟؟وده من ايه ان شاء الله ؟؟؟..ده انا فضلت اتحايل عليكى شهور عشان تيجى ”
أعطتها صوفيا ظهرها للحظات وهى تعبث فى خصلاتها وعادت تلتفت لها بنبرة حاولت احكام ارادتها حولها :
” بصى يا ايلينا انا مش بحب اللف ولا الدوران انا صريحة مع نفسى …أنا بحب زين ”
اتسعت عينا ايلينا فى ذهول وتلعثمت قائلة :
” بت ايه ؟؟؟؟“
واصلت صوفيا فى خجل وهي تشيح بوجهها :
” ايوة بحبه ومتأكدة من مشاعري جدا ومش هسيب البلد دى وموضوعى متعلق معاه كدة ”
أدارت ايلينا حدقتى عينيها فى تفكير قبل أن تبتسم وتقول في تردد :
” بس يا صوفيا انتى وزين مختلفين جدا ..زين حد ملتزم وجد وانتي ”
قاطعتها صوفيا وهى تشير بسبابتها :
” وانتى ويوسف عكس بعض ورغم كدة حبيتو بعض ”
قالت ايلينا وهي تلوي فمها في سخرية
” حبينا بعض ”
همست صوفيا من بين أسنانها في غيظ :
” ايوة حبيتو بعض انا متأكدة ان يوسف بيحبك …زى ما انا متاكدة ان زين بيحبنى وانا هثبتلك وهتشوفى ..اما خليته يتنازل عن عنجهية الرجالة الشرقين ويقول ان الله حق مبقاش انا صوفيا ”
ضحكت ايلينا قائلة في عبث :
” العربى بتاعك اتحسن كتير ”
رفعت صوفيا حاجبها في تحد وقالت
” مش مصدقاني هاااا“
امسكت ايلينا بكتفيها وقالت فى حنان
”الحياة مش بالسهولة دى صوفيا …خلينا نرجع باريس على الأقل نطمن عليكي ”
ابتسمت صوفيا وهى تربت على كفها قائلة
” خايفة عليا اموت زى عمو محمود …اطمنى ايلينا انا حالتى مستقرة ”
مسحت ايلينا على شعرها قائلة :
” بعد الشر عليكى يا حبيبتى ..انا مبقاش ليا غيرك خلاص ”
احتضنتها صوفيا في حب وهي تتمتم :
” ايلينا بطلى تخافى سيبك قلبك يفرح وبس ”
وأفلتت نفسها من بين ذراعيها وهي تجمع شعرها برباط احتفظت به حول معصمها وقالت :
” انا هروح اشم هوا فى الجنينة ”
اومأت ايلينا برأسها بينما أخذت صوفيا هاتفها من على المنضدة وهى تنظر له فى اهتمام قبل ان تفتح الباب لتتحرك الى الحديقة ..
اخذت تنظر الى هاتفها فى انتظار مكالمتها الهامة وبينما هى على ذلك سمعت صوت آيتن وهى تتحدث فى هاتفها ، لم تقصد ان تتجسس عليها مطلقا ولكن ماسمعته جعلها تتسمر فى مكانها ولا تقوى على الحراك حتى أنهت الأخرى المكالمة فالتفتت لتجدها خلفها لتنتفض فى ذعر …
لحظات احتاجتها ايتن لتعود الى هدوئها …ابتلعت ريقها قائلة فى حذر وهى تنظر الى وجه صوفيا تراقب انفعالاته وتبحث عن اجابة لسؤالها الذي طرحته مباشرة ” صوفيا انتى هنا من امتى ؟؟؟“ وسمعتى ايه بالظبط ؟؟؟“
حكت صوفيا جبهتها بيدها وقالت فى توتر :
” ايتن انا مكنش قصدى اسمعك انا كنت بتمشى و…“ قاطعتها ايتن وهى تشير بكفها :
” خلاص يا صوفيا عارفة انك ..“
وأضافت وهى تشيح بوجهها وتتنفس فى عمق :
” أنا أصلا محتاجة حد اتكلم معاه واعتقد أن أكتر حد ممكن يفهمني هو انتي ”
اقتربت منها صوفيا وامسكت بكفها فى ود قائلة:
” وانا هسمعك يا ايتن ”
نظرت ايتن اليها مطولا قبل أن تهتف في شجاعة لا تعرف من أين اكتسبتها :
” انا بحبه يا صوفيا ”
اطرقت صوفيا الى العشب ودهسته بحذائها في قوة وقالت :
” ده اللى سمعته بس حسام ”
هزت ايتن رأسها وأجابتها فى حزن :
” حسام يبقى ابن عمى وبعزه… بس هما فرضوه عليا ومش قادرة حتى اتقبله ..عمرى ما تخيلت انى ارتبط بيه ..مفيهوش اى حاجة من صورة فارس الاحلام اللى فى دماغى ”
هزت صوفيا كتفيها قائلة فى بساطة :
” ليه مقولتيلوش كدة ..كنتى ارفضيه يا ايتن ”
ابتسمت ايتن فى سخرية وهي تنظر للفراغ أمامها
” بابا مادام قرر يبقى لازم ننفذ ..حسام مبيقدرش يكسر لبابا كلمة حتى لو انا قلتلته انى انا مش عايزاه ”
تراجعت صوفيا وهي تستنكر منطقها فتركت يدها وقالت في وضوح :
” بس حسام مش بيتجوزك عشان باباكى ..حسام بيحبك فعلا ..انا لاحظت ده من نظراته وطريقة معاملته ليكى ”
جعدت ايتن وجهها فى ضجر:
” يووووووه انتى هتتكلمى زيهم ”
بسطت صوفيا كفيها امامها قائلة :
” طب خلاص …بالنسبة للتاني انتى متأكدة انه بيحبك فعلا ”
ردت ايتن في سرعة حاسمة :
” طبعا بيحبنى هوا قالى واعترفلى بده ”
ضحكت صوفيا للحظات قبل أن تقول :
” ومن امتى الحب بقا بالكلام يا ايتن ”
قطبت ايتن حاجبيها في حيرة وسألتها :
” قصدك ايه ”
مطت صوفيا شفتيها قائلة :
” قصدى انه مادام بيحبك فعلا ليه مجاش يتكلم مع باباكى ..ليه سابك تتخطبى لحسام ”
ردت ايتن وهى تلوح بيديها فى تلعثم :
” هوا ظروفه مش مناسبة دلوقتى ”
مررت صوفيا يدها في شعرها لتتجاوز حنقها من تلك الايتن البلهاء وقالت :
” وهتبقى مناسبة امتى ؟؟؟…لما تتجوزى حسام …ايتن اللى بيحصل ده غلط فى حق حسام وحق نفسك قبله ..حسام بيحبك وميستاهلش منك الخيانة ابدا ”
تراجعت ايتن من هول الكلمة واحمرت عيناها غضبا وهتفت فى حنق واستنكار :
” خيانة ؟؟….صوفيا حاسبى على كلامك ..انا مخونتش حد …هما اجبرونى وانا عمرى ما هكمل فى التمثيليه السخيفة دى ومش هتجوز واحد وانا قلبى مع غيره ” وانسحبت من امام صوفيا فى غضب وقبل ان تغادر التفتت لها لتضيف :
” ودى اخر مرة صوفيا تتدخلى فى حاجة متخصكيش ..انتى فى البيت ده مجرد ضيفة يا ريت متنسيش ده ”
احتقن وجه صوفيا فى حرج وندمت على انها تدخلت فى الأمر من الاساس ، ايتن فى النهاية ليست طفلة ، هى فى التاسعة عشر من العمر وتعرف جيدا كيف تتصرف ولكنها فى النهاية شقيقة زين ، رفض عقلها ان تراها فى دائرة الخظر دون ان تتدخل… ولكن ماذا بيدها لتفعل اكثر مما فعلت ، فجأة رن جرس هاتفها فطالعته بابتسامة وهى تنظر تجاه بوابه الحديقة لتراه يضع هاتفه على اذنه وهو يتحدث مع حارس المنزل الذى يبدو انه يعارض دخوله ..اقتربت قليلا وهى تقول للحارس :
” سيبه يا عم عطية ده جاى عشانا ”
تركه الحارس يدلف الى المكان فهتف فى سعادة وهو يقترب منها :
” صوفيا ”
ابتسمت وهى تنظر الى ذلك الشاب طويل القامة عريض المنكبين قائلة :
” حمدلله ع السلامة ريان ”
اقترب منها وضمها فأحاطت جذعه بذراعيها ليربت على ظهرها فى حنان ، وفى اللحظة التى رفعت فيها رأسها تفاجأت بزين يقف خلفهما ونظرة ذهول.. استياء… غضب بل بركان ثائر يصعب اخماده يشتعل ويشتعل وهو يكور قبضتيه كأنه يحاول الايفرغ لكماته فى فكيهما معا ، تنفس فى عمق ليحاول ان يهدأ … شعرت بكل انفعالاته فأرادت استغلال الفرصة أكثر حين اقترب وهو يحاول أن يرسم ابتسامة على ثغره قائلا
” مش تعرفينا ”
قالت صوفيا وهي تمسك بذراعه :
” اه معلش ده ريان ”
وأشارت اليه قائلة :
” وده زين ”
انتظر للحظات علها تضيف أي شىء عن العلاقة التى تعطه الحق ليضمها على هذا النحو فلم تفعل ولم يلحظ يد ريان الممدودة له الا حين تنحنح الثاني فى حرج فلامس زين كفه بسرعة وهو ينسحب مانعا نفسه من ارتكاب جريمة ودفنهما أحياء فى ثرى الحديقة .
راقبته بابتسامة واسعة وهو يرحل بخطوته المتوترة الساخطة ، وأخيرا قد رأت الغيرة فى عينيه ..
انتبهت على صوت ريان يسألها في اهتمام :
” ها صوفيا ….فين ايلينا ؟؟؟“
تنهدت طويلا قبل أن تخبره في حذر :
” هتشوفها ريان بس بلاش مشاكل من فضلك ..أنت وعدتني هتتكلم معاها وبس ”
وفى شرفته وقف يتابع ما يحدث وغضبه قد وصل الى درجة يصعب السيطرة عليها ، أخذ يدق على سياج الشرفة بقبضته وتمنى لو جذبها من شعرها الأشقر هذا وصفعها بقوة ..
كيف تجرؤ على ان تلقى بنفسها بين ذراعي رجل بهذه البساطة ، كيف لاتقيم له أي وزن او اعتبار ، مرر يده فى شعره وهو يجذب خصلاته بعنف ويفكر كم رجل سمحت له ان يقترب منها بهذه الطريقة…
تمادى عقله الى ماهو أبعد وأبعد وهو يتخيلها تتناقل من حضن رجل الى غيره …
أفرغ غضبه فى كتبه المتراصة بنظام على مكتبه ..
تصبب عرقا وهو يتخيل ريان هذا الآن يلمسها… يقبلها أو حتى ينظر لها …
هذه الحورية حقه وحده …جنتها حكرا عليه فقط ولو فكرت في أن تدخل غيره اليها فسيحيلها الى جحيم يحرق العالم بمن فيه . .
………..
كانت تحاول مقاومة ألمها في يأس حين دلفت صوفيا الى غرفتها واخبرتها بوجود ضيف يرغب فى مقابلتها ، نهضت فى تعب وارتدت حجابها لتخرج وتصعق بريان أمامها ، بدلت النظر بينه وبين صوفيا وهتفت فى غضب ” انت اللى ادتيلو العنوان صح ؟؟“
تنحنحت صوفيا وهى تعبث فى خصيلات شعرها كعادتها ان توترت لتتهرب من الاجابة فرد ريان نيابة عنها
” البقية فى حياتك ايلينا ”
زمرت ايلينا شفتيها قائلة في ضيق واضح :
” ريان اتفضل من هنا دلوقتى …انا مش عارفة اذا كانت صوفيا قالتلك ولا لا انى حاليا متجوزة ”
اقترب منها هامسا فى حزن :
” ايوة ايلينا ..ليه استعجلتى ومدتنيش فرصة انتى عارفة كويس قد ايه ب..“
قاطعته ايلينا فى شراسة :
” بلاش الكلام ده ..احنا انتهينا خلاص ومن زمان وميصحش وجودك هنا دلوقتى ..يا ريت تتفضل ”
تردد للحظات ولكن في النهاية طرح سؤاله :
” بتحبيه يا ايلينا ؟؟“
ردت وهى تمسك بجنبها الذى اصبح المه لايحتمل
” حاجة متخصكش ولا ليك الحق انك تسأل عنها ..ااااااه ”
تأوهت هذه المرة فى ألم وهى تغمض عينيها تكاد تعتصرها
وتضغط على شفتيها بقوة تكاد تدميها
ومالت للأمام تكاد تسقط ارضا
اقتربت صوفيا بسرعة وركعت أرضا أمامها وهى تهتف فى هلع :
” ايلينا مالك ؟؟“
ردت وهى تحيط بطنها بكفيها في ألم واضح :
” مش قادرة صوفيا …بطني ااااااه ”
هتفت صوفيا بريان الذى ركع أرضا بدوره :
” هو انت مش دكتور ..متعمل حاجة يا ريان ”
اقترب ليفحصها فابعدت يده عنها فى عنف ليهتف مسرعا :
” لازم تروح المستشفى.. اكيد موضوع الحصوة رجعت تتكون تانى لازم نعملها سونار…عارفة اقرب مستشفى هنا ؟؟“
هزت صوفيا رأسها قائلة :
” هخلى زين يودينا ”
لم تستطع ايلينا من الألم ان تقاومه وهو يحملها بين ذراعيه فجأة و يهتف :
” بسرعة يا صوفيا اندهيه ”
خرجت صوفيا بسرعة وتبعها ريان الى الحديقة وقبل أن تخرج هاتفها لتتحدث الى زين تفاجئت بيوسف أمامهم ، يوسف البدرى يرى ايلينا ورجل غيره يحملها بين ذراعيه ، مارأته صوفيا فى عيني زين لم يكن شيئا مطلقا أمام الحمم البركانية والأعاصير وكل الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية فى عيني يوسف ،تراجعت وهى تشعر أن الأمر انقلب تماما ولن يقتصر على غيرة تعمدت تحريكها فى نفسه ، لن يعطها يوسف وجه الحب الذي أرادت بل أحيانا يكون القتل من وجوه الحب…فمن الحب ماقتل .

الفصل الثاني عشر
أخذ يقطع ممر المشفى جيئة وذهابا وهو يضرب كفه في قبضته بتوتر بالغ ..
تابعته صوفيا وهو على هذه الحال ولم يعد لديها أدنى شك أنه يعشق ايلينا وأن صديقتها بعنادها فى طريقها لخسارة حب عمرها ولاحقا ستندم فى وقت لن يكن للندم فيه أدنى فائدة …
ابتسمت لنجاح خطتها التي استغلت فيها ريان حين استدعته وأخبرته بمكان ايلينا التي طالما ألح عليها لتخبره به ، استخدمته كوخزة بسيطة ولم تكن تعرف أنها كافية للغاية لجعل يوسف يصرخ غيرة ..
غيرة كادت أن تحرق القصر بمن فيه وهو يراها بين ذراعي ريان يحملها ولولا أنها أخبرته بالأمر بسرعة ولولا مرض ايلينا وتأوهها لارتكب جريمة …
تذكرت كيف اختطفها من ذراعي ريان في عنف وتقريبا طرده من المكان مع نظرة نارية محذرة من مجرد الاقتراب من جديد …
تذكرت كيف تلاشى كل هذا الغضب فى لحظة وهو ينظر الى ايلينا التى تتلوى فى ألم ليحتل القلق كل ذرة من كيانه وهو يحملها ويصرخ بكل من فى المشفى باحثا عن طبيب …
تذكرت كيف وضعها على سرير الفحص وهى غائبة بألمها عن الوعى تقريبا وكيف قبل أناملها فى رقة بالغة وهو يمسح على رأسها ليطبع على جبينها قبلة أكثر رقة ويهمس فى قلق :
” هتبقى كويسة يا حبيبتي ان شاء الله ”
نعم سمعته يناديها حبيبتي ، خرجت منه دون وعي أو ترتيب ، خرجت من رجل يرى حبيبته تتألم فلم يعد لحسابات العقل والمنطق أي وجود حينها.
تأملت الجميع الذين أتو مهرولين خلفهم باحثة عن لقاء يجمعها بنظرات زين مجددا بعد لقاء قصير غاضب زهد بعده عن النظر اليها تماما ..
هي تعرف جيدا ما يفكر به وستشرح له كل شىء فى وقته …
فقدت الأمل في التفاته لها فانتقلت بنظراتها الى ايتن التي كانت تعبث فى هاتفها كالعادة وكأنها تراسل شخصا ما بينما يتابعها حسام من بعيد …كعادته لا يرى فى الوجود غيرها فى أي مكان تكون فيه أيا كانت الظروف …مسكين هذا الشاب أي قدر تعس ألقى بحبه الى مصير مظلم كمصيره مع أيتن ..
نظرت مجددا الى يوسف لتبتسم وهي تنهض لتضع لمساتها الأخيرة الى خطتها …
وقفت أمامه وتظاهرت بالاحباط قائلة :
”أنا قلقانة اوى يا يوسف …كدة مش هنقدر نسافر ”
نظر لها في اهتمام وسألها في ترقب :
” تسافرو ..مين اللى هيسافر ؟؟“
ردت وهى تمنع ابتسامتها من بلوغ شفتيها على مظهره المتوتر :
” انا وايليناوعلي ..هيا كانت هتقولك بس للأسف تعبت ”
أشاح بوجهه للحظات عاد بعدها يسألها مجددا في حذر
” زيارة سريعة وراجعين يعنى ”
هزت رأسها نافية في قوة أرادت بها التلاعب بأعصابه :
” لا مسافرين على طول ..راجعين باريس تانى ”
رفع حاجبيه في دهشة واختطف نظرة سريعة الى حجرة الكشف حيث ترقد ايلينا قبل أن يتحرك حاجبيه لينعقدا في غضب :
” ازاي بقا ان شاء الله ..الهانم ناسية أنها متجوزة ”
تنحنحت صوفيا متظاهرة بالارتباك :
” قالتلي انكو هتنفصلو ”
مال اليها في دهشة وتمتم متسائلا في تلعثم :
” ننفصل ؟؟“
ازدرد لعابه بصعوبة وصدى الكلمة يتردد في داخله…لم يكن يعلم أنها ستكون مفزعة الى هذا الحد …انفصال!! …فراق بلاعودة!!! …كل المرادفات مرهقة بألم يتذوقه لأول مرة …تمالك نفسه وأحكم على نبرته المتلعثمة بأقوى تماسك امتلكه ليخبرها في حزم :
”مفيش انفصال ولا سفر ولا كلام فارغ من ده كله ”
ابتسمت وهي تعقد ذراعيها وقد قررت أن تسلك معه الطريق المستقيم دون أي مرواغة فقد حصلت على ماتريد وأكثر ..قلقه وارتباكه اجابة أكثر من نموذجية ..لم تعد بعدها بحاجة الى أي تعبير ينفي أو يثبت
” انت مش عايز تطلقها يا يوسف ..مش عايزها تسافر” وأضافت وهي تميل اليه :
” بتحبها يا يوسف ”
اتسعت عيناه في دهشة من جرأتها ..أذهله أكثر قدرة فتاة في مثل عمرها الصغير على مواجهته ليقف أمامها كطفل نسي أداء واجبه الدراسي ويبحث عن حجة يسقها لمعلمه ..لم يجد سبيلا للفرار سوى أن أعطاها ظهره حتى لا تلحظ انفعاله الواضح …
وقفت أمامه مجددا حتى لا تعطه فرصة للهروب وقالت
” ليه عمرك ما حسستها بده …ليه مورتهاش أن وجودها فارق معاك ..ايلينا قررت تسافر وتبعد عشان مستحملتش أنها تكمل معاك فى جوازة حاسة أنها بتفرضها عليك عشان شفقة أو شهامة منك ”
أطرق أرضا لتستطرد بعد أن تنهدت في عمق
” ايلينا بتحبك يا يوسف ”
رفع رأسه اليها واتسعت عيناه حتى كادت أهدابه تلامس مقدمة شعره …
تفتحت كل حواسه وكأنه يطلب منها أن تؤكد له مرارا وتكرارا ما قالته وتعيده على مسامعه ما استطاعت فواصلت في جدية تبدو غريبة على انطباع الجميع عنها
” اللى بيحب حد مش بيقبل منه مشاعر أقل من مشاعره …هيا مش قادرة تستحمل احساسها انك مبتحبهاش …من الأول يا يوسف وانت بتحاربها …من الاول وأنت محسسها أنها مفروضة عليك ..استحملت فى الأول ..بس بعد ما حبتك مبقاش ينفع ”
لاذ بالصمت وتستر بالسكون عله يعيد ترتيب أفكاره مجددا بعد أن أصبح لديه الدليل أنها أيضا تحبه
تراجعت صوفيا خطوتين قائلة :
” انا كدة عملت اللى عليا ”
وأشارت الى باب الغرفة برأسها لتردف :
” ايلينا جوة يا يوسف لو عايزها اتمسك بيها ولو مجرد شفقة أو شهامة منك يبقى تسيبها تمشي …ايلينا أقوى بكتير من أنها تكون محتاجة لحد ”
وتركته ينظر الى الباب حيث أشارت وهو يبتلع غصة مؤلمة فى حلقه ..تحبه !!! …
ترحل !!! …
الى أين !!!، هل أصبحت حياته تحتمل من دونها ؟؟
لم يعد هناك مجال للشك أبدا …هي أصبحت جزء من حياته بل من روحه وكيانه ، استقرت مشاعره أخيرا وتوقف عن المقاومة وظهرت كل الحقائق المبهمة أمامه… هو يحبها بل تجاوز الحب بمراحل الى مشاعر عاجز ان يجد لها مسما يليق بها ..
مشاعر كادت أن تجعله يفتك برجل دون حتى أن يسمع منه لمجرد رؤيته يحملها …بل يكاد أن يفتك بأخيه حين يشعر براحتها بالحديث معه وهو يعلم علم اليقين ان لاشىء من الممكن أن يجمعهما ، هو يشعر أنها له فقط ليس من حق أي كائن حى ان ينظر حتى الى ملامح وجهها ..هو يحبها ويريدها ولا يريد أن تفرق بينهما من الان لحظة واحدة ، يريد ان يأخذها الى صدره من الان فصاعدا بل أن يحبسها بداخله تحت ضلوعه فلا تملك حق الفرار منه ابدا ..
*************************************
فتحت عينيها فى تعب فقد نامت بعد أن تم حقنها بالعديد من المهدئات عبر هذا المحلول الذى يتسرب الى وريدها ، معاناتها مع المغص الكلوي لم تنتهى بعد فقد اخبرها الطبيب اثناء فحصه لها بالسونار ان هناك حصوة جديدة فى طريقها للتكون بعد أن انتهت مؤخرا من تفتيت حصوة قديمة ، تحسست جانبها فى تعب وهمت لتنهض فتفاجئت بأنامل تلامس يدها وتساعدها على الجلوس ، كتمت شهقتها وهي تشعر بيده تلامس ظهرها لتساعدها على الاعتدال ،أبعدت يدها عن يده فى توتر وهو يقترب منها قائلا فى حنان :
“ حمد لله ع السلامة ”
اومأت برأسها تتمتم في ارتباك جلي :
” الله يسلمك ”
جلس على كرسى قريب منها يسألها في اهتمام :
” بقيتي أحسن دلوقتى ؟؟“
ردت دون أن تنظر الى عينيه
” الحمد لله ”
تأملها للحظات قبل أن يميل اليها يسألها في عتاب
” ايه الكلام اللى صوفيا بتقوله ده ..انتى فعلا عاوزة تسافرى ؟؟“
تنهدت فى حزن تجيبه بما يؤلمها البوح به :
” ايوة ..مبقاش فيه حاجة أفضل عشانها ..بابا وخلاص راح ”
ربت على كفها قائلا في رفق :
” وأنا يا ايلينا ”
سحبت كفها من تحت يده تتجنب تأثيره المرهق على مشاعرها :
” احنا اتفقنا على الانفصال يا يوسف وانت بنفسك اللى طلبت ده ..بلاش نضحك على بعض ..لولا تعب بابا مكنش زمانك رجعت فى قراراك ”
عاد يحتوى كفها بين كفيه ويضغطهما بقوة لينفي ما قالته بسؤال حمل من ذعره لفقدانها الكثير :
” انتى بجد عاوزة تسافرى وتسيبيني ؟؟؟“
لم تحاول أن تحرر كفها من يده هذه المرة …قوة غريبة منعتها…قوة ناعمة دافئة تشعر بها تحت أنامله قوةسمحت لضعفها أن يظهر أمامه وهي تترك لدمعة فرصة في أن تسيل على وجنتها قائلة :
” يوسف لو سمحت ”
رفع ذقنها بسبابته ومسح دمعتها بابهامه بينما ظل محتفظا بكفها في يده الأخرى قائلا :
” انا آسف يا ايلينا آسف على كل حاجة قولتها وكل حاجة كان المفروض أقولها ومقولتهاش ..آسف على كل مرة جرحتك فيها وحاولت أبعدك ..أنا محتاجلك يا ايلينا أرجوكى متبعديش عنى ”
رفعت نظرها اليه بعينين دامعتين كأنها تتبين صدقه فواصل في رقة :
” بابا حكالي على كل حاجة ..حكالي اد ايه انتى استحملتينى وليه عملتى ده كله عشاني”
نهض من مكانه وأفلت كفها لينظر الى الأعلى قائلا وكأنه يعلن اعتراف :
” ايلينا أنا فعلا اتغيرت ..انتي غيرتيني ..بلاش تسيبي ايدي في نص الطريق ..كمليه معايا للآخر أرجوكي ..مش عاوز أتوه تاني من غيرك ”
تنهد مطولا وهو يتأملها مجددا ليقول في حنان :
” خدي وقتك وفكري المرة دي مفيش حد هيبقا مرغم على حاجة ..أنا بختارك ..بختار وجودك وقربك وعاوزك انتي كمان تختارينى بعقلك وقناعتك مش عاوزك تضغطي على نفسك ابدا ..خدي وقتك أنا هستناكي ” واقترب ليقبل أناملها فى حب واضح قبل أن يذهب ليجلس على أريكة جلدية فى احدى زوايا الغرفة وهو يخلع سترته قائلا :
” الدكتور قال محتاجة تبقي تحت الملاحظة لبكرة الصبح ..فاستحملي وجودي معلش ..تصبحي على كل حاجة جميلة ”
وقبل ان ترد كان قد أغمض عينيه كأنه يفرض واقع وجوده عليها غير عابىء برفضها اياه من عدمه …
شبح ابتسامة لاح على ثغرها وهي تفكر في كل ما أخبرها بها ولكن بعضا من الغيظ شاب سعادتها بشوائبه المقيته ليعكر صفوها فأهم شىء لم يخبرها به، لم يخبرها ان كان يحبها أم مجرد احتياج فقط ، لقد قرأت حبه فى عينيه ولكنها كأي انثى تريد أن تسمع وتسمع ما يكفيها من كلمات العشق بكل لغات ومفردات العالم ، تريد ان تشعر بلمعان عينيه وارتجاف شفتيه وهو ينطقها ..تتمنى أن تعرف كيف سيستقبل قلبها اعترافه ..هل سيستقبله بدقات مماثلة لتلك الدقات التي تشعر بها دوما حين تراه ..أم أنه سينبض بطريقة أخرى تعبر عن سعادته وهيامه ، لاتريد ان تسلمه حياتها من قبل ان تسمعها صريحة وهي بالطبع لن تتسولها منه ولن تكون هى البادئة الا بعد أن ينطق هو أولا فلن تحتمل ذرة شك واحدة في مشاعره نحوها وقد أدرك هذا بالفعل بمجرد أن اغمض عينيه متظاهرا بالنوم ..شعر بالحنق على ذاته وأخذ يردد فى نفسه
” غبي ”
لماذا لم يخبرها بأهم مافي الأمر ، لماذا ضن عليها بتلك الكلمة ؟؟ .. هؤلاء النساء لايعترفن الا بسواها ، عقلهن يلغي أي جملة لاتحتويها تلك الكلمة ، لماذا بخل عليها بها… أليست هذه الحقيقة؟؟…
ألم يحبها وكانت هي أول انثى يدق قلبه لها بعنف… ألم يكد ان يقتل هذا الشاب الذى كان يحملها و…، فتح عينيه من جديد ونظر لها وبيد انها انتفضت من حركته المفاجئة فوضعت يدها على صدرها وهو يسألها مباشرة :
” ايلينا ..ليه مكلمتنيش عن ريان ؟؟؟“
*****************************************************
وفي الخارج نظر محمود الى سميرة التى جلست الى جواره قائلا
” صوفيا اتأخرت اوى تحت يا سميرة ”
نظرت الى ولدها زين الذى بدا عليه التوتر بدوره وقالت وهى تلوي فمها فى انزعاج :
” محدش قالها تنزل تجيب أكل لوحدها …قال ايه عايزة تتمشى انسانة غريبة ”
نهض محمود قائلا في ضيق :
” البنت ضيفة عندنا يا سميرة لو جرالها حاجة نقول لايلينا ايه بس ..أنا ابتديت اقلق البنت غريبة عن البلد ممكن أي حد يضحك عليها ”
شعرت بالحنق أكثر وهي تتابع ولدها ينظر الى مدخل المشفى شاردا وهو يقضم أظافره كعادته منذ الصغر ان توتر ، قلقه عليها كان واضحا وشعرت معه بخطورة تلك الصوفيا التى يزداد تعلقه بها يوما عن الأخر …ودت لو امتلكت من الجرأة ما يكفى لتتحدث الى ايلينا بأمرها
تنهد محمود ونادى ابنه الذى انتبه من شروده قائلا في أدب :
” نعم يا بابا ”
اقترب محمود مربتا على كتفه وهو يخبره :
” صوفيا نزلت وقالت أنها هتجيب حاجات من السوبر ماركت ومش معقول ده كله تكون مخلصتش …أنا خايف يكون جرالها حاجة انزل شوفها يابنى ”
حنق زين وغضبه عليها ومنها ومن تصرفاتها الحمقاء لم يستطع أن يخفيه وهو يهمس من بين أسنانه :
” يعنى حد كان قالها تنزل ”
قطب محمود جبينه في ضجر
” زين انا مفياش حيل اناهد انزل شوفها ”
ولم يكن زين بحاجة الى أمر أبيه ليفعل كان سيتحرك دون أن يطلب منه ذلك فهو رغم غيظه وحنقه منها الا أن قلقه عليها يزداد وهو يتخيل تعرضها لأي خطر فهي فى النهاية وقبل أي شىء حبيبته … لم يعد له حيلة فى الخروج من دوامة مشاعره نحوها فقد فقد السيطرة تماما وخرج الأمر برمته عن قوة أي ارادة لديه ، يكره شعور القلق الذى ينتابه وهو يتخيلها لاتعبأ به تماما يتمنى لو تمكن من رقبتها فخنقها بيده كما خنقته وأوقفت انفاسه وهى بين ذراعي هذا الشاب صباحا ، ذهب الى المتجر القريب وتفاجىء بما لم يكن فى الحسبان…
هذه الفتاة ستفقده عقله وتوازنه لاريب في ذلك ، رآها تهبط من سيارة ليهبط قائدها ويصافحها فى ود قبل أن يذهب وهي تلوح له، هنا بلغ غضبه وغيرته درجة لاجيمكن احتمالها أو حبسها أبدا، هل كاد يموت قلقا بينما هي تقضي وقتا مع آخر لاتعرفه حتى ؟؟، هل كانت بتلك الوقاحة وهو لا يعرف ، انطلق تجاهها كصاروخ يعرف هدفه جيدا لينفجر بها وما ان لمحته حتى ابتسمت قائلة :
” زين انا ”
لم يمهلها فرصة لتنطق اذ أطبق على ذراعها فى قسوة وهو يهتف غاضبا :
” انت ايه بالظبط ؟؟؟…انتى ايه ؟؟؟…انتى ازاى مقرفة كدة ؟؟؟…“
فغرت فاها وشهقت فى صدمة وهى لاتعرف عما يتحدث وبما يعنى بوصفها بهذا اللفظ فواصل وهو يضغط على ذراعها اكثر :
” الصبح ألاقيكي في حضن واحد ودلوقتي نازلة من عربية واحد تاني …كنتي بتعملي ايه معاه ؟؟…ميفرقش معاكي المهم أي واحد وخلاص …طبعا ماهو أصلا محدش عرف يربيكي ولا يعلمك الأدب ”
سالت دموعها فجأة ودون مقدمات ..سالت بغزارة وهي تحملق به و تسمع كلماته اللاذعة التى آلمتها لانها خرجت منه هو بالذات…
لمح بعينيها نظرة قهر وانكسار وهى تحاول ان تفلت ذراعها من قبضته القوية فأرخى يده لتقول فى الم وبصوت متقطع :
” ريان يبقى عمي على فكرة …ولما كنت فى السوبر ماركت في ست اغمي عليها وأنا طلبت الاسعاف وروحت معاها المستشفى عشان ست كبيرة ومعهاش حد ولما ابنها جه أصر أنه يوصلني عشان أنا مكنتش أعرف أرجع لوحدي ”
واضافت وهى تنظر له فى خيبة أمل ولوم
” فى أي اتهامات أو تجريح تانى ”
تنهد فى عمق وهو يترك ذراعها ويطرق برأسه أرضا .. ماالذي فعله ؟؟؟، مالذي تفوه به ؟؟
لماذا لم يسألها فحسب… لماذا فقد تعقله ووضعها في قفص اتهامات نسج خياله وحده قضبانها من شكوك ليس لها أساس ، لحظة غيرة أفقدته كل عقله ، أفاق على حركتها وهي تنسحب من امامه فحاول ان يوقفها قائلا
” صوفيا أرجوكي استني”
نظرت له في انكسار وكأنها تخبره أن أملها خاب فيه ، لم يكن أمامه سوى أن يتركها ريثما يرتب افكاره هو الآخر ويعرف كيف سيصلح ماأفسده…
ليعرف كيف سينتقي حبه من كلمات ما يمكنه أن يمحو ما انتقاه غضبه وغيرته من أكثرها قسوة ..
استرجع ما تفوه به من جديد ومعه عادت نظرتها الكسيرة تحاصره فهتف في أعماقه في حزن
“غبي يا زين …غبي ”
***************************************************
وضعت ايلينا علبة الدواء الخاصة بها في نظام على المنضدة بعد أن تناولت جرعتها المعتادة الذي وصفها لها الطبيب بعد خروجها من المشفى ،كانت تفكر في أمر يوسف وما يجب عليها أن تفعل فقد تعافت تقريبا وتستطيع السفر من الان ..
ولكن هي لمست التغيير الذي طرأ عليه وفي الوقت ذاته تخشى أن يكون مجرد تغيير مؤقت من أجلها ، نعم هي تحبه ولكن هل يكفي الحب وحده ؟؟، وقفت أمام المرآة ترتب شعرها الغجرى المموج حين سمعت دقات على الباب ، نظرت الى هاتف صوفيا على المنضدة وابتسمت فى تهكم ، لابد انها عادت بعد دقيقة من خروجها لأنها نسيته ، متى تتوقف تلك الفتاة عن نسيان أشيائها فى كل مكان ، حملت الهاتف وهي تحتفظ بابتسامتها وتعد كلمات السخرية على ثغرها كالمعتاد ، فتحت الباب وهى تتأهب للحديث فبقى ثغرها مفتوحا بل اتسع اكثر واكثر فى ذهول وهى ترى يوسف يقف أمامها وهو بدوره تسمر فى مكانه محاولا ان يخفى انفعاله وانبهاره بجمالها الأخاذ فلأول مرة يراها بدون حجابها وبملابس عادية ، شعرها كان غجري مثير يمتد الى نهاية ظهرها وقد ارتدت بنطالا ضيقا من الجينز عليه كنزة قصيرة زرقاء تصل بالكاد الى خصرها لتبرز منحنيات جسدها فى دقة ، تخلص هو من ذهوله بشكل أسرع وهو يقول بعد ان تنحنح ليتصنع الجدية :
” لو سمحتي يا انسة أنا عاوز ايلينا ..حضرتك صاحبتها ؟؟“
رفعت حاجبيها وقد خلصتها مزحة يوسف من توترها هي زوجته على أي حال ولن يحدث شىء ان رآها هكذا ، ردت فى جديه :
” نعم يا يوسف فى ايه ..علي فى مدرسته وصوفيا مش هنا ”
ابتسم في نفسه فالفرصة أمامه متاحة تماما فتمادى فى مزاحه اكثر قائلا :
” يا انسة لو سمحتي انديهالي مراتي ”
نظرت الى هيئتها قبل أن تقول في غيظ وهى تهم بغلق الباب :
” طيب روح دور على مراتك في مكان تاني ”
تلقى الباب بيده ليمنعها من غلقه قبل أن يدخل هو لمواجهتها ويغلقه خلفه قائلا وهو يكور وجهه :
” ياباى عليكى الواحد ميعرفش يهزر معاكى ابدا ”
عقدت حاجبيها في تذمر وهي تراه يجول بعينيه على جسدها كأنه يتعمد ارباكها ، نظر الى جسدها المنحوت والذى تخفيه بحجابها ولها الحق فى ذلك وان لم تفعل لطلبه منها فلن يسمح لغيره بأن يرى كل هذه الانوثة ليمتع ناظريه بهما ..
احتضنت نفسها قائلة فى توتر :
” يوسف عاوز ايه ؟؟“
ابتسم وهو يقترب منها قائلا :
” ايه الجمال ده كله ؟؟؟“
ازدردت ريقها واحمرت وجنتيها وانتفضت وهو يمد انامله يلامس شعرها الغجرى هامسا في نبرة مؤذية لارادتها الهشة :
” تعرفى اني طول عمرى بعشق الشعر الغجرى ده ..اوعى تعملي فيه أي حاجة أنا عايزه على طول كدة ”
كاد ان يمد يده الاخرى لتتجول فى خصيلات شعرها اكثر لولا ان مدت يدها لتنزل كفه فى عنف هاتفة
” يوسف انت بتعمل ايه ؟؟انت اتجننت ؟؟؟“
تراجع خطوتين قائلا وهو يضع يديه فى جيبه :
” اتجننت ؟؟؟…واضح انك نسيتى ان احنا متجوزين ”
ردت فى عناد طفولى وهى تضع يدها فى خصرها
” صورى بس واحنا اتفقنا على الانفصال ”
عض على شفتيه ونظر الى اليمين والى اليسار قبل ان يخلع سترته ويلقى بها بعيدا ويشمر قميصه عن ساعديه ويخلع ساعته وهي تراقبه فى قلق وتقول فى تلعثم :
” انت هتعمل ايه ”
اقترب منها فى بطء مميت وعيناه تخترق جسدها بوقاحة أكثر :
” هبطلك تقولى كلمة صورى دى تانى ”
ابتعدت في هلع وهي تشير بسبابتها تحذره
” يوسف اعقل بلاش جنان ”
اقترب اكثر وهو يخبرها في عبث :
” الجنان هوا الحاجة الوحيدة اللى تنفع معاكى ”
وقبل أن تنطق جملة أخرى كان يدفعها على أريكة قريبة ليسقط فوقها بدوره…
اقترب بوجهه منها حتى تلاحمت أنفاسهما سويا وتشابكت أنامله مع اناملها وهو يقيدها عن الحركة تماما و يهمس أمام شفتيها :
” ايه رأيك بقا لو فعلتلك الجواز ده دلوقتي حالا ”

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثالث عشر

تعالت نبضات قلبها حتى اصطدمت بصدره القريب منها وهي تلهث في توتر بالغ وتهمس فى ضيق لا تعرف هل تشعر به حقا أم انه سراب من محض عنادها لمشاعرها تجاهه :
” يوسف قوم مينفعش كدة ”
اقترب بوجهه أكثر ، حاصر ما تبقى من ارادتها بنظراته المشتاقة …
بأنفاسه العاشقة لعناق كل جزء من ملامحها ..
هدمت جاذبيته ما تبقى من عنادها بسهولة لم تتخيلها …عليه اللعنه الى أين يأخذها ، لابد أن تفر منه قبل أن تتورط به أكثر ..
حانقة عليه وخجلى ولكن …
تتمنى أن يظل قريبا هكذا ..بل أقرب وأقرب الى حيث لايمكن أن تفصل بينهما ذرة هواء واحدة ..
صراع بداخلها يحتدم مابين القلب والعقل وهي لاتعرف الى أي جهة تنحاز ..ارتعدت أناملها فأحكم أنامله حول كفها يدعمها ويعطيها الأمان بلمسة حين أدركت تأثيرها أفلتت دمعة عجز من عينها دون قصد وهمست بصوت متهدج :
” يوسف ..أرجوك أنا مش قادرة أتوازن نهائي وجودك بيربكني ومش بيخليني عارفة أفكر ..أنا عاوزة أبعد …لا أنا عاوزة ….“
قاطعها وهتف بكل حنان الدنيا :
” بحبك ”
انطلقت من قلبه الى شفتيه فلم يعد للعقل وجود ..أصبح للمشاعر كامل السلطة والقرار …
شهقت من اعترافه الواضح والصريح … فمال أكثر ليلامس جبينه بجبينها قائلا :
” مش بس بحبك أنا بعشقك يا ايلينا …اديني قولتهالك …من النهاردة مش هتبعدي ولاهتروحي في أي مكان ..من النهاردة أمانك وسكنك وحمايتك هوا أنا ..مش بعد ما خليتى قلبى يدق ترجعى تخلي بيه ”
انهمرت دموعها أكثر …اهتزت شفتيها تحاول النطق فذابت الكلمات في حرارة أنفاسه القريبة ..امتدت أنامله يمسح دموعها ، تدحرجت نظراته الى شفتيها المرتعدتين …تريدان أمانه ربما ..تريدان تصديقه على وعده وسيفعل ..اقترب فى بطء اليهما وقبل أن ينالهما بأولى قبلاته وضعت أناملها على شفتيه و تنهدت في عمق وهي تخفض رأسها…
أغمض عينيه للحظات قبل أن ينهض من فوقها لتنهض بدورها معطية اياه ظهرها للحظات أخذت تعبث فيها في شعرها الغجرى قبل أن تتنهد مجددا وتلتفت اليه قائلة :
” وانا كمان بحبك يا يوسف ”
وقبل أن يقترب منها أوقفته بكفها قائلة :
” بس تفتكر الحب وحده كفاية ..كفاية لحياة زوجية ناجحة ”
قطب جبينه فى حيرة :
” مش فاهمك ”
تحركت قليلا في المكان وهي تواصل :
” يوسف أنا وأنت غير بعض في كل حاجة …أنت ماشى فى طريق وأنا ماشية فى طريق عكسه ازاي هنقدر نتقابل ”
اقترب ليحتوى كفها بين كفيه :
” ايلينا احنا فعلا اتقابلنا فى نقطة ودلوقتي ماشيين في نفس الطريق ..انتي ليه مش قادرة تصدقي اني فعلا اتغيرت ”
نظرت له في محاولة لاقناع نفسها بما يقوله :
” مش بالكلام يا يوسف ..عاوزة أحس فعلا انك اتغيرت بجد ومش عشاني عشان أنت غلط ولازم تتغير للصح ”
أشاح بوجهه فلم يعد يعرف ماذا بامكانه فعله ليرضيها بالضبط …
احتوت هي كفيه هذه المرة وهي تخبره مقصدها في حنان :
” أنا مش عاوزاك تتغير كام يوم وبعد كدة ترجع للي كنت فيه ”
انتزع كفه من بين يديها في حنق باحت به نبرته وهو يقول :
” وأنا اثبتلك ده ازاى ؟؟…خلاص شرب وبطلت وكل البنات اللى كان ليا علاقة بيهم قطعتها ..أعمل ايه تاني ؟؟“
ابتسمت للحظات عادت بعدها تردف في ترقب :
” عاوزة أحس ان ده مش طبعك وأن زى عم محمود ما قال مريت بتجربة صعبة غيرت من حكمك على الأمور احكيلي يا يوسف وافتحلي قلبك ” …
تراجع وتعرق جبينه بل شعر وكأنه يغتسل بعرقه فأعطاها ظهره لتلحظ توتره وألمه فوقفت أمامه قائلة :
” يوسف انت محتاج تتكلم وأنا محتاجة أسمعك ”
تنهد في حرقة وهو يطرد تلك الذكرى اللعينة عن رأسه ..فرك جبينه بكفه قبل أن يطلب منها في رجاء :
” مش هقدر اتكلم يا ايلينا ..مش عشان مش عاوز …بس الموضوع ميخصنيش لوحدي ”
قطبت حاجبيها في حيرة :
” مش فاهماك ؟؟؟..ممكن تحكي من غير …“
قاطعها هذه المرة وهو يضمها اليه بقوة وكأنه يستغيث بأحضانها من هواجسه وأشباح ماضيه…
وكأنه يخدر روحه بضمتها هذه عن ألمه الذي لا يحتمل لايريد أن تكون هي من تضغط على جرحه فالألم بيديها يصبح مضاعف ..
تحشرج صوته كثيرا وهو يهمس في توسل :
” ارجوكى يا ايلينا ..اوعدك اني هحكي فى الوقت المناسب ..بس بلاش تبعدى عني أبدا …انتى عملتى فيا اللى محدش قدر يعمله …بلاش تقتليني ببعدك يا ايلينا ..بلاش يا حبيبتى ”
قاومت ارتجافها وهو يضمها اليه للمرة الأولى ، نسيت خجلها ولم تشعر سوى بهذا الألم الذى استشعرته من نبرات صوته وارتجاف جسده ، كان يتشبث بها كطفل تائه وجد أمه بعد سنوات من التخبط والضياع وبعد مالاقاه من قسوة البشر ..يتمنى الاختفاء فى حنانها حتى يتلاشى تماما … كانت تشعر بدموعه التى اختلطت بحبات عرقه على شعرها الذى دفن رأسه فيه فمدت يدها لتربت على كتفه قائلة :
” يوسف خلاص اهدى ”
شدد من ضمته لها وقال فى ألم شابه رجاء:
” توعديني اني عمرك ما هتبعدى عني ”
همست في نعومة :
” لو وعدتنى ان عمرك ما هتجرحني”
رفع رأسه من على كتفها لينظر الى عينيها بينما كفيه لازالا يحيطا بخصرها ونطقا الاثنان فى نفس اللحظة :
” اوعدك ”
ابتسم واقترب ليضمها من جديد فابتعدت وهى تبعد كفيه عن خصرها قائلة :
” أنت ما هتصدق ولا ايه ؟؟؟“
ابتعد وهو يعود الى مرحه ودعابته قائلا :
” طيب اذا كان كدة تبقى تدخلى تلبسى حجابك عشان هنتغدى سوا برة ”
واضاف وهو يغمز بعينه :
“والفرح كبيرنا اسبوع ولا اتنين وهيتعمل والا قسما بالله كلمة زيادة لارجع اعمل اللى كنت بعمله والمرة دى بجد ”
ابتسمت وهزت كتفيها فى خجل فاقترب بسرعة وطبع قبلة سريعة على وجنتها فلكزته فى كتفه برفق ليهمس فى أذنها :
” هستناكى برة ”
راقبته وهو يخرج وتحسست يدها موضع شفتيه على وجنتها وابتسمت فى سعادة وهى تدور حول نفسها ، لقد انتزعت اعترافه اخيرا بعد كل هذه المعاناة .. فغريب هذا الحب الذى يجعلنا نعيش كل المشاعر وتناقضاتها فى آن واحد .
*****************************************************
جلست صوفيا على حافة حوض الزهور الذى يرعاه …تأملت تلك الزهرة البيضاء بمنتصفه في حزن .. تبدو مثلها تماما …وحيدة منبوذة من كل الزهرات ، لقد جرحها وكان جرحه اكثر ايلاما من أي وجع عاشته من قبل ، لقد حكم مثل الأخرين تماما ، لقد نبذها مثلما نبذت من قبل عائلتها ، لقد اتهمها دون ان يسمعها ، هل اخطأت حين ظنت انه ربما يحمل لها مشاعر ، هل عاشت هذا الوهم وحدها ، هل فرضت نفسها عليه فأراد ان يبعدها بأي طريقة ، هل كانت ايلينا على حق حين اخبرتها انهما مختلفان فى كل شىء ورغم ذلك القت بكل هواجسها جانبا واندفعت تحبه بكل طاقة تملكها مشاعرها ، كان من الأجدر ان تفر من البداية قبل ان يصل الامر بها الى تلك النهاية …منهارة… وحيدة… منبوذه كالعادة تعيش حزنها وتحاول مداواة المها بألم جديد تعرف انه …
“ سمتها صوفيا ”
انتفضت على صوته فالتفتت اليه ليواصل :
” جمالها مينفعش يشيل اسم تانى غير كدة ”
رفعت نظرها اليه بعينين دامعتين ليلعن نفسه اكثر وقبل ان يقترب خطوة نهضت في عنف قائلة :
” بعد اذنك ”
وقف امامها ليمنعها من الذهاب قائلا في رجاء:
” صوفيا استنى ”
واخفض رأسه ليضيف في خجل :
” انا اسف ..بجد اسف ”
ردت بنبرة مختنقة:
” اكتر كلمة بكرهها فى الوجود ..بنأذى اللى قدامنا ونجرحه ونهينه وبعدين نقول اسف …المفروض الكلمة دى تريح ضميرك ..طيب هتقدر تمحى اللى انت قولته ..مفتكرش ”
حاولت ان تتخطاه فأغلق الطريق عليها قائلا:
” صوفيا من فضلك اسمعينى ”
نجحت فى تخطيه بالفعل وهي تخبره في حسم :
” سمعت منك كتير ..بعد اذنك ”
وركضت فى اتجاه المنزل الصغير الذى تقيم فيه مع ايلينا ولكنه كان أسرع منها… حين حاولت ان تغلق الباب دفعه بيده ودخل خلفها ليغلقه هو فتراجعت صوفيا قائلة :
” من فضلك ايلينا خرجت مع يوسف وعلى فى مدرسته ”
عقد ساعديه في اصرار واضح :
” وانا مش هخرج من هنا غير لما تسامحينى ”
ابتسمت فى سخرية قائلة:
” اسامحك على ايه ماكل الكلام اللى قولته صح ” وجلست على كرسى قريب فى ضعف وهى تواصل :
” بس المشكلة انه مكانش بايدى ..كان نفسى الاقى حد يربينى ويخاف عليا ..انت اتولدت لقيت ليك اب ام واخوات لقيت حد يعرفك الصح من الغلط ”
واشارت الى صدرها مواصلة :
“ لكن انا ….انا عشت طول عمرى منبوذة من ناس المفروض انهم اهلى ..انا اتولدت لاب مصرى وام فرنساوية ..بابا كان صاحب عمو سمير ..ولما شاف مونيك اخت جانيت مامة ايلينا حبها او المفروض انه حبها واتجوزها ..بس الحب وحده مكانش كفاية او مكنش موجود من اصله …اكتشفو بعد كام سنة بعد ما خلفونى انهم بيكرهو بعض ومش قادرين يكملو ..وصل كرهم لابعد حد …كان كل واحد بيعاقب التانى فيا …كل واحد كان بيرمينى للتانى ويقوله شيل مسئوليتك مش بنتى لوحدى …امى كانت بتبص لاسمى تفتكر ابويا وتكرهنى زيادة ..وابويا لما كان بيشوف ملامحى اللى تشبهها كان بيلعن الساعة اللى اتجوز فيها خواجاية بعدته عن اهله …كل واحد فيهم اتجوز حد شبهه وفضلت انا الحاجة اللى بتفكر كل حد فيهم بغلطه ..رمونى فى مدرسة داخلى عشان يرتاحو منى وهناك مكنتش عارفة انا مين ..نص مصرية ونص فرنساوية ..نص مسلمة ونص مسيحية ..انا ايه بالظبط محدش فكر فيا خالص ..كل اللى كان بينا شوية فلوس ..عمرهم ما قصرو فيها الصراحة ..خالتو جانيت اخدتنى فترة حاولت تعلمنى حاجات كتير عن دينى ولغتى ولما امى لاحظت ده كانت بتحاول تمحيه بكل طريقه ….وفضلت تايهة مش عارفة اعمل ايه …تعرف يا زين انى عمى ريان عرفته بالصدفة …كان اخو بابا الصغير وجاى فى بعثة واستقر هناك ..كنت تعبانة فى المستشفى وهوا اللى عالجنى ولما قال لبابا مكلفش خاطره يجى يطمن عليا …عارف انى قبل ماجى هنا امى طلبت منى اسيب الشقة وارجع اعيش لوحدى تانى عشن ناوية تتجوز واحد غير جوزها اللى سابته ..انا وقتها انهرت وهربت وجيت لايلينا ..عشان انا مليش غيرها يا زين مليش غيرها ”
ودفنت وجهها بين كفيها تبكى فى حرارة لفحت قلبه وسمرته فى مكانه للحظات وهو يتساءل هل هناك من القسوة التى من الممكن أن تصل بقلوب البشر الى هذا الحد ؟؟…هل يختفى خلف هذا الوجه البرىء والملامح الملائكية كل هذه المعاناة ، هل اختفت خلف تلك الابتسامة المبهجة ألآم لم يعشها عجوز تخطى المائة ، الى هذا الحد لم ينتبه الى هذا الشجن الرابض بعينيها وانشغل فقط بسحرهما وبريقهما ، من هو ليحكم عليها ؟؟؟، هل عاش ولو ذرة مما عاشته ؟؟، لقد ولد لأب وأم مسلمين ووجد ألف من يعلمه ويوجهه لهويته ودينه وتقاليد مجتمعه …أما هي فلا …علام يحاسبها ؟؟؟ ..على يتم ابويها وهما على قيد الحياة ….أم على نبذها من أقرب الناس اليها دون ذنب ..
أي حب هذا الذى يظن انه يحمله لها …
كانت تنتفض أمامه من البكاء بعد أن فتح جراحها بجرح جديد .. اقترب منها وجثا على ركبتيه وهو يزيح يدها من على وجهها فى رفق قائلا وهو يمسح دموعها :
” انا غبي ومتخلف ومتسرع ..قولى كل اللى انتى عاوزاه ….انا مش هقدر اسامح نفسى اصلا فمش هطلب منك تسامحينى تانى …خدى حقك منى بالطريقة اللى تريحك ”
رفعت رأسها تخبره بين نشيجها :
” زين انا مش متضايقة من اللى اتقال …انا سمعته بدل المرة الف انا متضايقة انه خرج منك انت …انت بالذت افتكرت انك مش هتشوفنى زيهم ”
نهض فنهضت بدورها امامه ليسألها في خبث :
” انا بالذات ؟؟؟…يعنى انا مختلف بالنسبالك صوفيا عن اى حد ”
رمشت بأهدابها عدة مرات لتخفي عينيها الساحرتين عنه قبل ان تخفض رأسها فى خجل لتبتعد عن مواجهته قائلة :
” انا طول عمرى تايهة ومش لاقية مكان ولا بر ارسى واستقر عليه بس لما شوفتك حسيت انى انى ..“ وقطعت الحديث بشهقاتها الباكية ، فابتسم زين وامسك بكتفيها قائلا :
” مفيش داعى تقولى اى حاجة ..انا اللى هتكلم يا صوفيا ..لو انتى كنتى تايهة فانا كنت عارف كويس اوى انا عايز ايه ومحدد وراسم حياتى بالتفصيل وبالورقة والقلم زى مابيقولو ..لما قابلتك برجلتيلى كل حاجة ..بقيت حاسس فجأة انى مسئول عنك ..عاوز اهتم بيكى …اقربلك ..صورتك كانت على طول قدامى فى كل لحظة بتجننى ..قاومت احساسى بيكى بكل الطرق ..بكل الطرق يا صوفيا …حاولت اقنع نفسى بكل المتناقضات اللى بينا ..بس عقلى عمره ما سعفنى وكأنى فجاة بقيت بفكر بقلبى وبس …او ان قلبى بقا هوا عقلى مش عارف ..بس الاتنين رافضين انى ابعد عنك وشايفين انى بعدك ممكن يموتنى يا صوفيا ”
اتسعت حدقتاها وكل حواسها تحاول استيعاب ما يوجهه لها من كلمات تمس مشاعرها برقة وبسحر لم تعرفه ابدا …كادت بالفعل ان تفقد الوعى وهو يسألها في حب :
” تتجوزينى يا صوفيا ؟؟“
شهقت وهى تضع كلتا يديها على ثغرها وهتفت فى تلعثم :
” زين ..ده معناه ايه ؟؟“
احتوى وجهها بين كفيه وأردف في رقة :
” معناه انى عايزك تفضلى جنبى طول الوقت ..معناه انى مش هخليكى تخافى تانى ..معناه انى هعلمك كل اللى المفروض تتعلميه عن دينك وبلدك وكل حاجة ”
عادت ابتسامتها الطفولية للظهور قائلة فى خبث :
” يعنى بس كدة مش عشان بتحبنى ؟؟“
ترك وجهها وقال وهو يتظاهر بالجدية :
” مش لازم الواحد يكون بيحب واحدة عشان يتجوزها يعنى ”
قطبت حاجبيها في غيظ واعطته ظهرها فامسك بذراعها لتلفت له يعطيها أمانها الذي تبغيه :
” ممكن يكون بيموت فيها مثلا ”
ابتسمت وهمت لتتعلق بعنقه فأمسك بكتفيها ليمنعها قائلا :
” اول درس هعلمه لحبيبتى انه مينفعش تقرب لحد بالشكل ده غير جوزها وبس ”
هزت كتفيها قائلة فى بساطة :
” ما انت هتبقى جوزى ”
رد وكأنه يجاري طفلته :
” خلاص متستعجليش ”
وتنهد وهو ينظر للمكان حوله ويضيف:
” اما بقا تانى درس فده ليا وليكى ..مينفعش نكون انا وانتى موجودين فى مكان مقفول كدة لوحدنا ..ده مش هيتكرر تانى ..مفهوم ”
ابتسمت وهي تشير بيدها كتحية عسكرية هاتفة في مرح :
” مفهوم ”
نظر لعينيها للحظات يأخذ جرعته المعتادة من سحرهما الذى ادمنه قبل أن يتراجع بخطواته الى الخلف حيث الباب الذى حين هم بفتحه نادته :
“زين ”
التفت في اهتمام فقالتها بعينيها وبكل حواسها قبل ان تنطقها شفتيها :
” بحبك ”
رد وهو يتظاهر بالغرور :
” عارف ”
تمتمت من بين اسنانها :
” غلس ”
ضحك في عبث :
” عارف برضه ”
واغلق الباب تاركا اياها فى سعادة تعيشها للمرة الأولى منذ ان ولدت ، عرفت من الان فصاعدا الى اى شىء ستنتمى… ستنتمى الى زين ..الى حبه… الى كل شىء يتعلق به…
الى عائلته.. وطنه.. حياته ..من هذا الوقت اصبح زين هو الحياة نفسها ولكن …تبا لتلك الكلمة… لا صوفيا لا تفكرى فيها من الان واستمتعى فقط بحب زين الذى اغرقك فيه منذ لحظات ، زين اى حب هذا الذى سقطت به معك ، يا الهى كم اعشقك .
**************************
اخذ ينظر اليها حين أطالت الوقوف على قبر ابيها لوقت ظنه اكثر من اللازم ، اصرت ان تذهب اليه قبل ان يذهبا لأى مكان ، نظر الى ساعته ليعرف كم مر من الوقت ، لقد مكثت ما يقرب من الساعة دون ان تشعر…
طلبت منه ان يبتعد قليلا ليتركها تناجى اباها ..يظن أنه أعطاها مايلزمها من وقت … تنهد وهو يتجه اليها ، ربت على كتفها فى حنان قائلا :
” ايلينا ”
سمع شهقتها المكتومة ففهم انها تبكى وتحاول العودة الى طبيعتها من اجله ، امسك بكتفيها ليديرها له بينما كانت يديها تمسح دموعها بارتعاد، ترك كتفيها ليحتضن وجهها بكفيه قائلا :
” معقول يا ايلينا ..الموضوع خلاص عدى عليه شهور ”
امسكت بكفيه على وجهها قائلة :
” انا مش بعيط يا يوسف ..انا بس كنت بتكلم معاه واطمنه على نفسى ومن غير ما حس عينى دمعت ”
التمعت عيناه وسألها في هيام :
” اتكلمتو على ايه ؟؟“
نظرت له فى حب مماثل وأجابته :
” كلمته عنك قولتله ان ربنا عوضنى بهدية جميلة ..قولتله انى سعيدة اوى يا يوسف قولتله انى بطلت اخاف خلاص ..قولتله ان فيك كل الصفات اللى اتمنتها فى جوزى واكتر ..قولتله ..قولتله انى بحبك اوى يا يوسف ”
زفر في غيظ هذه المرة وهو يقول :
” انتى جاية تقوليلى الكلام ده هنا ..ربنا يسامحك ” وانزل كفيه من على وجهها مواصلا :
” اسمحيلى انا بقا اشتكيلو منك ”
واقترب من قبر محمود قائلا :
” بنتك بقا يا عمى مش عايزة تحن عليا وتحدد معاد الفرح ”
شاكسته بنفس طريقته وهتفت كأن أباها يحتاج لصوتها المرتفع ليمكنه سماعها من العالم الاخر :
” وانا قولتله يا بابا مادام مستعجل مش لازم فرح ”
هز رأسه نافيا بشدة :
” اه طبعا انا مستعجل ..بس هفضل مصر على الفرح دى هتبقى اسعد ليلة فى حياتى كلها ولازم تكون لها ذكرى خاصة ..لو فضلتى تأجلى للسنة الجاية هستحمل يا ستى ..ايه رأيك بقا ”
واضاف وهو ينظر الى قبر ابيها :
” حنن قلبها عليا شوية يا عمي …انا مش هستحمل سنة بجد ”
ضحكت بشدة لينظر لها وكأنه يتوسلها فقالت وهى تمط شفتيها فى تفكير :
” شهر كويس ”
اطلق يوسف تنهيدة حارة من صدره وهو يقول:
” كتير برضه يا ايلينا ..بس أرحم من سنة ”
أخذت ابتسامتها تتلاشى تدريجيا وهي تلمس قبر ابيها فى شرود تقاوم هذا الخوف والوساوس التى تثير قلقها ، تعلم انه يحبها بل يعشقها ولكن الحب وحده لا يكفى …
فكل يحب بطريقته حتى وان كانت تلك الطريقة لاتلائم معشوقه ابدا ، تتمنى الا تجرفها مشاعرها فتعميها عما قد يفعله يوسف من ..
استفاقت على لمسته وهو يحتوى وجهها بين كفيه مجددا كأنه يواجه كل أفكارها بفيض مشاعره
” انتى اغلى حاجة عندى يا ايلينا ..اوعى تخافى ابدا وانا جنبك …ححميكى حتى من نفسى اوعدك بده قدام ربنا وقدام ابوكى ..وانتى كمان اوعدينى انى عمرك ما هتبعدى عنى او حتى تفكرى …اوعدينى ايلينا ”
ابتسمت وهي تهمس :
” طول ما بتحافظ على عهدك ليا اوعدك يا يوسف ”
………………….
أما زين فقد اتخذ قراره بالفعل بالزواج من صوفيا ولم يتبق سوى ان يخبر والديه ، دلف الى المنزل وهو يطلق صفيرا مبهجا ويضع يده فى جيبه حتى وصل الى غرفة المكتب الخاصة بأبيه فدق الباب ودخل بعد ان سمح له محمود بالدخول ..
رأى اباه جالسا فى تحفز وكأنه ينتظره ، جلس أمامه فى توتر فتمعن به محمود قائلا :
” خير يا زين ”
ابتسم وهو يمسح بكفه على جبينه فى تردد تخلص منه بصعوبة :
” أنا قررت اتجوز“
رفع محمود حاجبيه ونهض ليجلس مقابلا لولده قائلا فى سخرية :
” ده يوم الهنا وياترى مين العروسة بقا …اللى كنت خارج من عندها من شوية ولا واحدة تانية ”
نهض زين متجاوزا ذهوله لينفي ظن أبيه بسرعة :
” بابا لو سمحت ..بلاش تفهم غلط ”
نهض محمود بدوره ليواجهه في حدة:
” وانا اللى بقول عليك اعقل اخواتك ده كله يطلع منك ..منك انت يا زين ”
رد زين فى دفاع مستميت :
” بابا ارجوك انت فاهم غلط ..انا فعلا بحب صوفيا وعاوز اتجوزها ”
هتف والده من بين اسنانه فى غضب :
” بتايه ؟؟؟…ومين دى اللى تتجوزها ان شاء الله ..واحدة خواجاية منعرفلهاش اصل من فصل ولا عارفين اتربت ازاى ولا على ايه ..تتجوزها ازاى وتأمنها على بيتك وعيالك ”
حاول زين تمالك غضبه ووالده يلحق الظلم بصوفيا من جديد فقال بعد ان زفر فى بطء :
“ بابا لو سمحت انا اعرف كل حاجة عن صوفيا …هيا محتاجة لوجودى جنبها وانا مش هتخلى عنها ابدا ”
تراجع محمود متهكما :
” البت عاجباك مش كدة ..بتحاول تلاقى مبرر لرغبتك فيها ..بس الجواز عمره ما كان مبنى على رغبة راجل فى ست يا باشمهندس ”
اتسع ثغر زين وحدق بأبيه فى صدمة وهو يهتف :
” انت تعرف عنى كدة ؟؟؟…تعرف ان ابنك ممكن اى واحدة تغويه لمجرد انها جميلة …انا مش صغير وعارف احساسى ده يتسمى ايه ..عارف انه اطهر وانقى بكتير من انه يتصنف رغبة ”
قال محمود وهو يدور حوله كأنه يحاول ان يفقده تركيزه :
” ولما هوا كدة كنت بتعمل ايه معاها لوحدكو ؟؟ودى اول مرة ولا عملتوها قبل كدة كتير من ورانا ….حصل ايه بينكو خلاك عاوز تعجل بال…“
قاطعه زين وهو يصرخ به
” كفاية بقا متكملش …صوفيا دى اشرف بنت قابلتها فى حياتى …وانا مش حيوان مش حيوان ”
تنفس فى عمق وهو يمسح حبيبات العرق التى تجمعت على جبينه فلم يظن ان معركته مع ابيه ستكون بتلك الشراسة :
” انا مش بطلب حاجة عيب ولا حرام ..انا بحب صوفيا وهتجوزها ولازم تعرف ان مهما حصل مش هتخلى عنها ابدا ”
دخلت سميرة فى تلك اللحظة وهى تقول فى قلق:
” صوتكو عالى ليه ..ايه يا زين مالك فى ايه ”
نظر زين الى والده دون ان يعلق وبعدها نظر الى امه قائلا :
” بعد اذنكو ”
راقبه محمود فى حنق حتى خرج واغلق الباب خلفه لينظر الى سميرة هامسا فى غضب :
” شوفتى اللى عملنا حسابه حصل ”
واشار الى الباب حيث خرج زين وقال :
” البيه ابنك العاقل اللى فيهم عاوز يتجوزلى صوفيا ”
شهقت سميرة وهى تضع يدها على صدرها :
”يا نهار اسود ..الواد اتجنن على كبر ولا ايه ”
ووضعت يدها على رأسها وهى تتمتم :
” هنعمل ايه يا محمود ..نطردها وخلاص ونرتاح ”
حك محمود ذقنه بسبابته قائلا :
” دى ضيفة مرات ابنك انتى ناسية ؟؟….وبعدين مين قالك ان ده لوحصل ابنك مش هيتمسك بيها زيادة ”
قالت سميرة وهى تتهالك على المقعد :
” والعمل ايه ؟؟؟“ ”
تنههد محمود في عمق :
” يمكن لو هوا عرفها على حقيقتها وعرف اد ايه هوا موهوم وخلاص يرجع هوا من نفسه ”
رمقته سميرة فى حيرة بينما شرد هو فى عالم اخر لايفكر فى شىء سوى ان يبعد تلك الشقراء عن حياة ابنه بأى ثمن..

رواية مذاق العشق المر

الفصل الخامس عشر

خرج يوسف من المرحاض بعد ان انتهى من تبديل ملابسه وأخذ حماما دافئا أزاح عنه كثيرا من ارهاقه .. وجدها لازالت على حالها تفرك يدها وهى تجلس على طرف الفراش دون أن تبدل ثيابها ، وقف أمامها قائلا وهو يجفف شعره بمنشفة :
” انتي لسة مغيرتيش ؟؟؟”
ردت وهي تنظر الى اللاشىء :
” ليه يا يوسف ؟؟؟”
تراجع خطوتين وهو يتوقف عما يفعله ليسألها في حيرة :
” هو ايه اللى ليه ؟؟”
نهضت وهي تمسك بفستانها هاتفة :
” ليه عزمتها ؟؟؟…بتعزم واحدة من صحباتك القدام على فرحنا يا يوسف ..وكمان الهانم بتسألني لو صداقتكو تنفع تستمر ولا لا ”
بسط كفه فى دفاع :
” انا معزمتهاش يا ايلينا متجيبش الكلام من دماغك ”
ابتسمت في سخرية :
” والله.. وهيا بقا من باريس عرفت المكان والزمان وكل حاجة وجاية تباركلنا صدفة ..قالت قدامي انك قولتلها انك اتجوزت انا سمعتها ”
رد وهو يلوح بكفيه :
” ايوة قلتلها انى هتجوز من فترة عشان أقطع أي صلة بينا ..لكن لاعزمتها ولا كلمتها ”
وضعت يدها في خصرها تصر على اتهامها له :
” أومال هيا عرفت منين ؟؟”
مسح وجهه وهو يحاول ان يهدأ …لا يريد أن يضع شكها به من أول ليلة لهما سويا في باله:
” هوا خبر جوازنا سر؟؟؟… المفروض أنه منشور في كل الجرايد وكل الناس عارفة المكان والزمان ”
أطرقت ارضا وهي تلوم نفسها على تسرعها واندفاعها وعدم قدرتها على ترويض غيرتها فاقترب منها قائلا في عتاب :
” أنا وعدتك اني عمري ما هجرحك ابدا …بص واضح أن عمر ما هيبقا عندك ثقة فيا ”
رفعت رأسها فى بطء وهمست في خجل :
” يوسف أنا ..”
عضت على شفتها في غيظ حين عجز لسانها عن تكوين جملة تعتذر بها له عن اتهامها هذا وفى أول ليلة لهما سويا
ابتعد عنها وهو يخبرها في خيبة أمل :
” خدي راحتك وانا هنام برة ”
وقبل أن تجد ردا كان يفتح باب الغرفة لينام فى ملحق خاص بالجناح الذي حجزه فى الفندق ، ضربت الأرض بقدمها في غيظ ..لامت نفسها بشدة على تسرعها وافسادها لليلة تمنتها هي أكثر منه ، عليها ان تثق به اكثر ..لقد وعدها وسيبر بوعده… لن يجرحها ولن يخنها هي واثقة تمام الثقة من عشقه لها ، أخذت تجىء وتذهب فى الغرفة وهي تفكر كيف تصلح ما افسدته ؟؟، ابتسمت في خجل عزمت على التخلص منه لتستطيع ان تنتزع مقاومته للصفح عنها ، ستستخدم اسلحتها الانثوية لأول مرة معه ..هي لاتعرف كيف ولكن ستدع لحبه كل التصرف فى ان يوجهها كما شاء ، خلعت فستانها وارتدت منامة قطنية قصيرة ومثيرة من اللون الوردي …اطلقت العنان لشعرها الذى قامت بفرده وتمليسه بعد الحاح من صوفيا ليصل طوله الى نهاية ظهرها…نثرت قليلا من عطرها الباريسى المميز والمثير و كست شفتيها بطلاء من اللون الأحمر القاني..ألقت نظرة خجولة على نفسها بالمراة ولكنها تخلت عنها سريعا بأخرى واثقة ومتحدية.. ولنرى اذن الى اى حد سيقاوم ابن البدري ..
خطت فى هدوء خارج الغرفة الى الملحق لتجده قد استلقى على الأريكة ويده تتجول بشعره في شرود ، تنفست فى عمق وهي تقترب لتجلس على ركبتيها أمامه وتمسك بكفه قائلة:
” أنا اسفة حبيبى …حقك عليا ”
تمعن بها للحظات قبل أن يشيح بوجهه ليخفى نظرة الاعجاب التى لمعت بشدة فى عينيه …
ادرات وجهه من جديد بكلتا يديها هامسة في أنوثة :
” متزعلش بقا ..بحبك وبغير عليك أعمل ايه …كان نفسى أجبها من شعرها وأفضل أضرب فيها وأقولها ده حبيبي أنا وبس ”
منع الابتسامة بصعوبة من الظهور على ثغره فقد بدأ يستمتع بمحاولاتها ودلالها هذا وفضوله يحثه على معرفة ما بقي فى جعبتها ، اقتربت لتقبل وجنته في بطء هامسة :
” كدة برضه لسة زعلان ”
أشاح بوجهه وكأنه يوجه لها وجنته الأخرى فابتسمت وهي تقبلها في رضا :
” طب كدة برضه ”
وهذه المرة التقطت ابتسامته الخبيثة فأرادت ان تشاكسه بدورها لتنهض قائلة :
” خلاص يا يوسف خد وقتك ..أنا داخلة أنام ”
نهض بسرعة وجذبها من شعرها وهو يعتدل ليجلسها على ركبتيه قائلا :
” هوا أنا كام مرة قولتلك شعرك ده متجيش ناحيته أنا بحبه مموج ”
كورت وجهها تتظاهر بالألم :
” سيبني يا يوسف مش انت زعلان مني ؟؟…خلاص خليك هنا وأنا هدخل انام جوة ”
أسند جبينه على جبينها وهو يتنهد :
” ما تقومي هوا أنا منعتك …لو عايزة اتفضلي ”
لفت ذراعها حول عنقه وهي تقول في اغواء :
” دخلني انت ..مش قادرة أقوم شلني….اووووف”
مطت شفتيها في كلمتها الأخيرة فكانت تلك هي القشة التي قضمت ظهر مقاومته الى أشلاء ..ثمرتين من الفراولة الناضجة أمامه لن يمنعه أحد الان من تذوقهما واحتوائهما بين شفتيه ليذوبا تماما في لحظات لم يعرف كم طالت ..قبلتهما الأولى التي تاق كل منهما لها ومنعه ألف سبب ..لم يدفعها حيائها لتبعده بل دفعها عشقه لأن تبادله جنونه بهيام …لفت ذراعيها حول عنقه تطلب منه أن يوثق حبه بقبلة ثانية وثالثة ورابعة ..لم يهتم أحدهما حتى بأن يتنفس ..وما الحاجة للهواء والحياة بأسرها بين ذراعي كل منهما …بعد لحظات لم يعد لطلاء شفتيها وجود ولا لبقايا ارادته مكان ..ولا لمشاكستها موضع
ابتسم وهو يبتعد قليلا عن شفتيها يسمح لها أن تشاركه الهواء ذاته ..أشار برأسه الى غرفتهما يهمس وقد فقد جل تماسكه:
” لو دخلت جوة مش هخرج ”
اشتعلت وجنتيها خجلا وهي تدفن رأسها في صدره تخبره بصوت متحشرج :
” وأنا مش عاوزاك تخرج ابدا ”
تنهد وهو ينهض ليحملها بين ذراعيه فجأة هاتفا في انفعال:
” ولا أنا هسمحلك تبعدي اصلا ”
واتجه بها الى غرفتهما ليعيشا ليلتهما الخاصة والتي حملت كثيرا من الحب والجنون …حبا تعلمه كل منهما لأول مرة على يدي الاخر …حبا يحمل مبادئهما وقواعدهما ويأخذ من صفاتهما الكثير ..
تحول شغفه بها الى ادمان …
تحول عشقها له الى رابط تشبث به كيانها بقوة ..
لم تخمد نار شوقه بوصالها كما ظن بل اشتعلت أكثر وأخذت في طريقها ما تبقى من اعتقاده عن عجز أي أنثى عن التأثير به …
مايشعر به ليس تأثير ..ليس رغبة ..ليس عشق ..بل كيان ينصهر تماما في كيان تلك المخلوقة ..
وهي ..
تذوب معه ..
تشعر أنها في محراب مقدس تحيطهما ملائكة الحب بأجنحتها الناعمة وتبارك عشقهما…
تلاشى خجلها لتشعر أن كل جزء فيها قد خلق لهذا الرجل …تركت جسدها له يدمغه بعشقه ويوثق حقه به
لم تؤنبها كرامتها مطلقا وهي تهبه حق ملكيتها …
هي ملك يده فقط ..له فقط ..تتجرع الحب بين ذراعيه بأسمى الطرق…لا خوف ..لا ألم ..لا فراق ..فقد منحها يوسف البدري صك الأمان وهو يهمس بعشقه في أذنها الاف المرات ..
واحتلت رأسها صدره بعد لقاء طويل بالروح قبل الجسد بحثت عن موضع قلبه لتريح وجنتها عليها تتلقى قبلاته على هيئة نبضات متسارعة تخبرها أن هذا موطنها وملاذها من اليوم فصاعدا..
**********************************
أسكت جرس هاتفه للمرة السادسة وهو يلقي به بعيدا حتى سمع صوت استلام رسالة ففتحها ليجدها منها كما توقع :
” والله لو مانزلت حالا لاطلعلك أنا وأنت عارف انى مجنونة واعملها ”
لولا أنه يدرك جنونها بالفعل لما أطاعها وكان أمامها عند حوض الزهور الخاص به في الحديقة بعد أقل من دقيقة ، نهضت بسرعة حين رأته أمامها واقتربت تقول :
” زين ..والله أنت فاهم غلط …أنا عارفة اني غلطانة بس عايزاك تسمعني ”
تخطاها ليجلس على طرف الحوض فهو بالفعل يريد ان يسمع منها مايبرد نار غضبه وحنقه عليها :
” اتفضلي أنا سامعك وبسرعة عشان أنا مش عاوز مشاكل ..كفاية اللي حصل النهاردة ”
ردت وهى تجلس فى المقابل:
” الفستان اللي كنت هحضر بيه الفرح اتحرق وأنا بكويه ومكنش فيه وقت اشتري غيره ولبست اللي كان عليا أعمل ايه ؟؟”
نهض في حنق من حجتها المستفزة ورد في صرامة :
” مكنش لازم تلبسي سواريه أصلا كنتي البسي أي حاجة وخلاص ”
هزت رأسها في اعتراض :
” ده فرح ايلينا يازين يعني فرح أختي ..البس أي حاجة ازاي ؟؟…وبعدين أنا كنت مغطية نفسي بشال بس نسيته في الحمام ..ما انت عارفني دايما بأنسى حاجتي في كل حتة ”
زفر في ضيق يسألها مجددا :
” واللي انتي كنتى واقفة تهزري معاه ؟؟”
اخفضت رأسها في خجل وهي تهمس تسترضيه :
” مش هتكرر تاني ”
هز رأسه وهو ينظر للأعلى ويتنهد فى غيظ فاقتربت لتمسك كفه قائلة:
” خلاص بقا يازين قولتلك اسفة ومش هتتكرر تاني ”
انتزع كفه من يدها قائلا في احباط:
” بابا لما شافك النهاردة مقدرتش أدافع عنك قدامه ..مكنتش قادر أنطق ”
عقدت ساعديها تخبره في ملل :
” زين أنا اعتذرت عن اللي حصل هعمل ايه تاني ؟؟”
نظر لها وقد بلغ غضبه من استهتارها أقصاه فزمر شفتيه في يأس :
” ولا حاجة يا صوفيا ..تصبحي على خير ”
وقبل أن يبتعد بخطواته الواسعة التفت لها فجاة ليضيف في سخرية :
” واه بالمناسبة شغل الجنان بتاع لو منزلتش هطلعلك أنا لو حصل تاني ..النتيجة هتكون أكبر من مجرد زعل بينا يا صوفيا ”
اغمضت عينيها وهي تتابعه يذهب من أمامها بخطوات غاضبة ، ماذا كان بامكانها ان تفعل ؟؟هل تخبره ؟؟، لو علم بما تنوي فعله سيعترض بالتأكيد ولكنها ستفعل كل ذلك من أجله هو ، وعدته فى سرها انها ستكون المرة الاخيرة..ستكذب لاخر مرة من اجله فقط .
***********************************************
مرت أيام سافر فيها يوسف وايلينا لقضاء شهر العسل فى اسبانيا نزولا على رغبة الثانية فالأول كان يرغب في الذهاب الى سنغافورة وأمام اصرارها قبل باسبانيا حيث أرادت ان تصنع ذكريات خاصة معه فى أكثر بلد تحبه وتطلق عليه دوما الجنة المفقودة ..
أما الجنة الحقيقية بالنسبة اليه فوحدها من تمتلك مفتاحها وتعرف كيف تأخذه اليها..
لن تختلف اسبانيا عن سنغافورة أو حتى جناحهما المغلق في قصره بمصر فقد جاب العالم بأسره وتمنى لو عاد الزمن ليطوفه معها من جديد كي يزرع في كل وطن يذهبا اليه ذكرى مخلدة لعشقهما ..
عشقه لها قد وصل حد الهوس وكأنه أطلق العنان لكل ما حبسه بداخله لينطلق دفعة واحدة بحرية ودون حدود ، كان يحتجزها أحيانا فى الفندق لأيام.. فقط لتبقى بين ذراعيه يشتم رائحة شعرها المموج الذى اصبح ادمانه .
وفى الوقت ذاته سافر محمود مع سميرة الى الصعيد لعلة طارئة المت بأخيها لتصر على البقاء مع الأخير لعدة ايام فتركها الأول وعاد الى القصر ، اما زين فقد تحمل على كاهله اغلب العمل بعد غياب شقيقه وفي يوم بينما كان مشغولا بمراجعة بعض الأوراق الهامة على مكتبه تلقى اتصالا من ابيه جعله ينتفض واقفا في غضب ولولا أنه أبيه لارتكب جريمة بمن يتفوه بهذا الكلام …
صورة أرسلها له كادت أن تطيح بما تبقى من عقله ، ترك مكتبه على الفور وكل ما يفكر فيه أن يثبت له سوء ظنه ، انطلق بسيارته الى حيث العنوان الذى اخبره به ، وقف امام باب الشقة ينظر الى الرقم ليتأكد ، استند بجبينه على الباب للحظات وهو يلهث بشدة ..
لا يمكن ان تكون صوفيا هكذا ابدا ، سيكون مدينا لها باعتذار عما سيفعله الان وللحظة فكر في التراجع ولكن اصراره أن يثبت لأبيه العكس لم يترك له فرصة التفكير من جديد ..أقسم ان لم يجدها فسيتزوجها رغما عن ابيه وعن كل عائلته ورغما عنها ان رفضت …
مد يده في تردد الى جرس الباب وهو يغمض عينيه في قوة …ضغط عليه دون ان يرفع اصبعه فهو يعرف انه ان رفعه لن يعد الى قرعه من جديد ، تعالت دقات قلبه وهو يشعر بالباب يفتح ، التقت عيناه بعينيه ، قطب حاجبيه ليتذكر هذا الوجه المألوف لعينه البغيض لقلبه ، وبالفعل تذكره… انه هو ..نفس الشاب الذي كانت تمازحه فى حفل الزفاف ..اقترب منه يسأله في دهشة :
” فيه حاجة ..انت مين ؟؟ ”
لم يعد لزين أي ذرة عقل واحدة تحكمه وهو يزيحه من طريقه في عنف ليدخل الشقة ، تراجع خطوتين فى صدمة وهو يراها بالفعل .. صوفيا .. تجلس على الأريكة فى شقة أعزب وحدهما ..
انتفضت حين رأته وشهقت في خوف …حاولت النطق فخرجت حروفها مبعثرة :
” زيي…زين ..انا …”
قال الشاب من خلف زين وهو يضع يده فى خصره:
” هوا فى ايه بالظبط ؟..مين ده يا صوفيا ؟؟”
تعلقت عينا صوفيا بعينى زين اللائي اتسعتا في صدمة ودعت الله ان يحدث ما تنتظره بسرعة ، مرت لحظات قصيرة قبل أن تأتي ايتن لينتفض الشاب لحظتها ويهتف في فزع :
” ايتن ”
التفت زين فى بطء ليجد شقيقته خلفه فوضعت يديها على ثغرها وهي تشهق :
” لا ” ..
نظرت صوفيا الى ايتن والى زين الذى تخلص من ذهوله اخيرا ليجد الشاب قد استغل حالة الصدمة التى المت بالجميع وترك المكان ، اقتربت صوفيا وهى تضم كفيها الى بعضهما في رجاء :
” زين …ارجوك تهدى عشان نعرف نتك..”
ولم تكمل جملتها اذ دفعها بعنف على الأريكة هاتفا :
” احنا مفيش بينا كلام …روحي كملي قعدتك واستني البيه لما يرجع ..انتي انسانة مستهترة معندكيش لا اخلاق ولا دين …وجهة نظرهم من الأول كانت صح مهما أحاول معاكي مش هتتغيري …وجودك فى الفيلا من الأول أصلا غلط …ازاي مفكرتش انك ممكن تأثرى على أختي وتجريها معاكي لقرفك ده ”
حناجر قاسية اجاد تسديدها في جسدها بدقة ونفذت منه الى كرامتها وقلبها العاشق بحبه وكيانها الذي أصبح ينتمي بأكمله اليه ..
نظرت الى ايتن الغارقة في صدمتها التي انتشلها منها زين وهو يجذب خصلاتها بقوة و يصرخ بها :
” ايه اللى جابك هنا ..انطقي ”
ونظر الى صوفيا باشمئزاز ليضيف :
” الهانم اللي عرفتك عليه مش كدة ؟؟”
وضعت صوفيا يدها على صدرها وهتفت في الم :
” كفاية بقا ..ايتن اتكلمي قوليله انا هنا ليه …قوليله احنا هنا ليه ”
ردت ايتن وكأنها فى عالم آخر :
” يعني هوا كان بيضحك عليا ؟؟؟…كان بيخدعني يا صوفيا ”
ارتخت قبضته لتترك خصلاتها …انقلبت الموازين في لحظة ولم يعد يفهم ماذا يحدث بالضبط …أمسك كتفيها وهزها بعنف :
” انتي بتقولي ايه .. مين اللي بيخدعك ؟؟؟”
وقبل ان ترد سمع الاثنان صوت ارتطام جسد صوفيا بالأرض وهي تسقط مغشى عليها ، تسمر زين فى مكانه ..بينما تحركت ايتن بسرعة وأخذت تضرب على وجنتها في رفق وتناديها دون أي استجابة فنظرت الى زين وهتفت في هلع:
” زين بسرعة ..حاسة نبضها ضعيف ..لازم ننقلها المستشفى ”
********************************
استند الى الحائط وهو يثنى ركبته ليرتكز بقدمه عليه بينما يعقد ذراعيه وهو ينظر الى ايتن في حنق قائلا :
” بطلي عياط وفهميني ايه اللى حصل بدل ما اعرف منك بطريقة تانية ”
انتحبت وهي تحاول التماسك قائلة :
” حبيته يا زين ..حبيته وهوا كان بيخدعني ”
يخدعها !!!، وصلت الكلمات الى أذنه فلم تحتمل سوى معنا واحد محته هي على الفور مسرعة :
” اطمن محصلش حاجة …أنا بس اتجرحت ”
هتف فى نفاذ صبر :
” اتكلمي بوضوح وقولي من الأول ”
ردت وهي تمسح دموعها :
” أنا وسامح كنا بنحب بعض او اتهيئلي انه كان بيحبني ..حبيته لدرجة انه لما طلب مني اسيب حسام واهرب معاه واتجوزه كنت هطاوعه ..لولا صوفيا هيا اللي عرفتني حقيقته ”
استلقت فى تهالك على مقعد قريب لينهار جالسا الى جوارها فى صدمة لا يصدق بالفعل ان اخته الصغيره التى يعدها طفلة يصدر منها كل هذا ، واصلت هي دون ان تنظر اليه:
” قالتلي أنه بالصدفة سمعت وعرفت أنه كداب وعاوز يخليني اهرب معاه عشان يبتز عيلتى بيا مش اكتر ..طبعا مصدقتش واتخانقت معاها وهيا قالتلي انها هتثبتلي انه مش بيجبني وكداب.. سمعتني تسجيل مكالمة ليهم سوا بيطلب منها تروحله شقة مفروشة عشان يتعرفو على بعض اكتر ..كان فاكر انها مجرد واحدة خواجاية سهلة ..برضه حبه كان عاميني ومصدقتهاش فقالتلي انها هتجازف عشان تثبتلي انى غلطانة ..فعلا قررت تروحله وانا كنت وراها بعربيتي طلعت موبايلها وفتحته بحيث اسمع كل حاجة بينهم وكانت مأمنه نفسها بجهاز وياها بحيث لو حاول يتهجم عليها…وفعلا صوفيا استدرجته فى الكلام وسمعت كل حاجة بوداني ”
ظل ينظر لها لحظات وهو غارق في صدمته وانكاره لكل ما يحدث …هو في كابوس لا شك … اخته تفعل هذا !!!..
اخته تفكر فى الهروب ولا تضع لهم أي وزن او قيمة ، وصوفيا المتهورة الغبية تجازف بنفسها الى هذا الحد ، لما لم تبلغه بالأمر لينهي كل شىء بيديه حتى لو اضطر لقتل تلك الحمقاء ، حاول ان يهدىء من انفعاله بقدر المستطاع حتى لا يفتك بها امام الناس فى المشفى فقال بصوت متهدج :
” انتى يطلع منك ده كله ؟؟؟ ليه ؟؟؟؟…كنتي عاوزة تهربى وتفضحينا ؟؟؟…مش عاوزة حسام قولي اتمسكى برأيك ..ابوكى وعدك انه مش هيجوزك غصب عنك ”
مدت اناملها الى كتفه فأبعدها فى عنف ونهض هاتفا:
” امشى من وشى دلوقتى بدل ماافقد اعصابى قدام الناس وحسابك معايا بعدين ”
اخفضت رأسها وهمست فى حزن :
” حاضر همشى ..بس بلاش تظلم صوفيا ..انا اللى مكنتش مصدقة وهى اضطرت تعمل كدة عشانى ..او عشان انا اختك ..ارجوك متزعلش منها ”
نظر اليها في غضب وكأنه لم يسمع حرف مما قالته وهتف بها وهو يكور قبضته ويلكم بها الحائط خلفها
” سمعتى انا قولت ايه ولا لا ”
انتفضت في فزع وقبل ان ترد خرج الطبيب من غرفة صوفيا فاتجه اليه زين فى قلق لم يستطع مقاومة وجوده فهى حبيبته رفض او قبل لايهم :
” اخبارها ايه دلوقتى ؟؟”
نظر له الطبيب مطولا وقال:
” اتعرضت لانفعال شديد وده مخليها رافضة تفوق ..على كل حال احنا ادناها مهدئات وشوية وهتبقى كويسة ان شاء الله ”
*************************************************
انتفضت ايلينا من نومها فجأة وهي تلهث بشدة وتضع يدها على صدرها تقاوم انقباضاته المؤلمة و تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، انتفض يوسف الى جوارها فى قلق ، احتضن وجهها بين كفيه ودفنه فى صدره وهو يمسح على شعرها فى حنان هامسا :
” بسم الله الرحمن الرحيم ..اهدى حبيبتى …اهدى ..ده كابوس ..انا معاكى اهو ”
حاول ان يتركها قائلا :
” هجيبلك مية ”
تشبثت به اكثر وهى تهز رأسها فى قوة ،رفع وجهها واحتواه بين كفيه …ازاح باصابعه خصلات شعرها التى التصقت بجبينها المتعرق وقبله قائلا :
” انا جنبك يا روحي متخافيش ”
حاولت معادلة انفاسها المتسارعة لتقول:
” قلبى مقبوض اوى يا يوسف ..حاسة فيه حاجة غلط ”
رد وهو يمسح على شعرها مجددا :
” اهدى بس ده مجرد حلم ..احنا كلمناهم قبل ما ننام وكانو كويسين ”
واستلقى بها من جديد ليجعلها تتوسد صدره وهى تتشبث به تشبث غريق بطوق نجاة ، اخذ يمسح على رأسها حتى بدأت ترتخى فابتسم قائلا :
” حاولى يا ايلينا تنامى ”
همست فى ضعف :
” مش عارفة ”
-” غمضى عينيكى هتنامى ”
ابتسمت من معاملته لها كطفلة فأحبت الدور وقالت :
” احكيلى حدوتة ”
ضحك في صخب :
” حدوتة ؟؟؟…حدوته ايه بقا ؟؟”
رفعت رأسها قليلا لتنظر الى عينيه :
” حدوتى معاك ..قولى ازاى حبتنى وامتى ”
اعاد رأسها الى صدره من جديد كأنه يخشى ضياعها وقال في شرود :
” مش عارف ازاى ولا امتى وصلت لحالتى دى وبقيتى انتى كل حاجة فى حياتى ..حتى وقت ماكنت ببعدك كنت بدعى ربنا متبعديش ابدا ..فجأة لقيتك ماليه اى وجود للست فى حياتى بقيتى امى واختى وحبيبتى ومراتى ..فجأة بقيتى بالنسبالى ادمان …مش قادر اتخيل حياتى لحظة واحدة من غيرك ..على قد ما كنت خايف انه تيجى ست تسيطر على مشاعرى بالشكل ده ..على قد ما انا عايز اغرق اكتر واكتر فى حبك ”
شعر بانفاسها المنتظمة تخبره باستغراقها فى النوم فتنهد بعد ان ضمها اليه بقوة وقبل رأسها بحنان:
” انا بعشقك يا ايلينا ”
********************************
نهض لاستقبال والده الذى جاء رافعا رأسه فى شموخ غريب فزفر فى غيظ وهو يقول :
” جاي تطمن على نجاح خطتك مش كدة ؟؟”
قطب محمود حاجبيه هاتفا فى غضب :
” خطتى ؟؟؟…اتكلم بأدب يا ولد انت …انا بس كشفتها قدامك مش اكتر …كنت متأكد ان اكيد ليها علاقات فحطتها تحت المراقبة عشان اثبتلك انك غلطان …ها يا سعادة البيه لسة عايز تتجوزها بعد كل اللى عرفته ”
ابتسم فى سخرية وهو يرفع حاجبه :
” المرة دي انت اللى غلطان ”
رد محمود فى عنف وهو يضرب كفيه ببعضهما ..
” يااااه للدرجادي ماليه دماغك ….اكيد وصلت بدرى ملحقتش تشوف بعينك كل حاجة ”
اوقفه زين بكفه يمنعه من التمادي أكثر :
” كفاية ظلم بقا ”
اتسعت حدقتا محمود فى انكار …ماذا عليه أن يفعل أكثر من هذا ليثبت لولده انحطاطها ..هل عشقه لها ألغى كرامته كرجل :
” ظلم ؟؟….انت جايبها من شقة مفروشة يا استاذ ..عاوز ايه اكتر من كدة …واكيد طبعا مش اول مرة ليها ..تلاقيها رافقت قبلك بدل الواحد عشرة وانت يا دوب واحد من ضمن ”
كاد زين ان يصرخ لأبيه بالحقيقة كاملة ولكن هل هذا سيشفع لها؟؟…
سيتهمها انها استخدمت جسدها للايقاع برجل كأى ساقطة ، هذا تفكير ابيه الذى يحفظه ، تبا لها لما لم تخبره من البداية ؟؟..
ولكن اباه يجب ان يعرف بما فعلته ابنته…كلا … الوقت والمكان غير مناسبين لاستقباله صدمة كتلك ..سيطمئن عليها أولا وبعدها يخبر أبيه بما فعلته ابنته المصون .. مسح على وجهه وقال في تعب :
” بابا انا متأكد انى اول واحد فى حياة صوفيا ”
رد ابوه فى تهكم وهو يفرك كفيه باصرار غريب :
” ولو اثبتلك المرة دى بجد انك غلطان ”
تأمله زين فى حيرة فمال محمود اليه مواصلا :
” هيا دلوقتى نايمة على حسب ماسمعت ومافاقتش …يعنى لو خلينا اى دكتورة تكشف عليها هتعرف بسهولة اذا كنت حضرتك هتبقى اول واحد ولا لا ”
شهق زين فى ذهول واتسعت عيناه لا يصدق ان من يتحدث هذا هو نفسه ابوه الذى رباه على الفضيلة والخلق ، كيف يفكر فى امتهان كرامة انسانة بهذه الطريقة .. هتف بانفعال متناسيا انه امام ابيه:
” اللى بتقوله ده مش هيحصل غير على جثتى فاهم ”
رد محمود فى برود غريب :
” لما انت واثق فيها اوى كدة خايف ومرعوب ليه مادام هتطلع سليمة ..المفروض انت اللى تطلب كدة عشان تثبتلى انى غلطان ”
رد وهو يضرب الحائط بقبضته :
” عشان لامن حقى ولا من حقك ننتهك جسم انسانة بالطريقة دى ”
نظر له محمود نظرة طويلة…يعرف أنه يلعب على أضعف أوتار ولده كرجل ..كرامته ..
يعرف أن ولده ربما يراوده الشك أكثر منه بعد ما رأى منها بعينه ولكنه يكابر …حسنا سيعطه عرضا ربما قبل المساومة عليه :
” هيا مش في وعيها دلوقتي ..يعني لا هتحس ولا هتعرف حاجة وأنا أوعدك بشرفي أنها لو طلعت بنت هجوزهالك فورا ..

رواية مذاق العشق المر

الفصل السادس عشر

وصل بدهشته الى أقصى درجة ممكنة ..درجة كافية لجعله يحتقر أباه رغما عنه …
حاول جهده ألا يفعل وهو يسمع عرضه المخزي بمقايضته على شرف حبيبته ..
حاول جهده أن يمنع أي كلمة قاسية من بلوغ شفتيه.. أوقف سيل الغضب بحاجز الأبوة التى تربطه به ولم يتجاوزها سوى همهمته :
” أنا لو قبلت أنك تعمل فيها كدة أبقا مش راجل ”
وقبل أن يرد محمود بحرف جاء موظف من حسابات المشفى ووقف الى جوار زين ليطلب منه وضع مبلغ بالخزينة ..
نظر الى والده فى ألم وخيبة أمل قبل أن يتبع الموظف ..
راقبه محمود حتى اختفى وقد عزم بالفعل على تنفيذ ما يفكر فيه ، فكما أجبر ولده على معرفة علاقتها بآخر سيجبره على معرفة أخلاقها التي يتيقن من انحلالها ، سيرى اذن هل سيتنازل عن كرامته ورجولته مقابل رغبته فيها أم ماذا؟.
انتهى زين من دفع المبلغ المطلوب وعاد ليجد أباه جالسا باسترخاء شديد على أحد المقاعد وهو يغمض عينه ويمدد ساقيه واضعا قدما فوق الاخرى وعلى ثغره ابتسامة غريبة يرى زين أنها لاتتناسب مع الموقف أو حالة الشد والجذب التي جمعتهما منذ قليل ، فتح محمود عينيه واعتدل ليرفع نظره الى ولده قائلا :
” عارف انك مكنتش هتوافق ..بس دلوقتى بس هتعرف انى كان عندى حق ”
حاول زين طرح الفكرة عن رأسه تماما.. لايريد ان يصدق ان أباه قعد فعلها ….تلاحقت أنفاسه وطرح سؤاله فى تلعثم يخشى اجابته ..يخشى رد فعله ..:
” انت عملت ايه ؟؟“
تراجع محمود فى كرسيه وعاد لاسترخائه من جديد وهو يجيبه في تلذذ :
” الدكتورة زمانها خلصت وجاية ”
للحظات توقف زين عن التنفس …
للحظات كاد ان يضع كل اعتبارات الابوة والبنوة جانبا… للحظات فكر في …صوفيا!!!
انتفض فجأة وتخلص من صدمته ليهرول اليها وبمجرد ان ابتعد خطوتين ناداه أبوه من خلفه :
” الدكتورة جت تعالى ”
نظر زين الى الطبيبة التى كانت تتجه اليهم فى برود بينما نهض محمود وهو يظن ان خطته قد نجحت بأكملها وستبتعد الشقراء المنحلة عن حياة ابنه ، فحين يعلم انها كانت لاخرين قبله سينسى تماما غضبه وحنقه على ما صنعه وينشغل بصدمته فيها هى ، تنهدت الطبيبة وهي تضع يدها فى جيبها قائلة :
” اطمنو البنت كويسة وسليمة ”
كست الصدمة وجه محمود ومسح وجهه فى خيبة امل.. بينما بدل زين نظره بين الطبيبة وابيه بازدراء وكأنه لايهتم بما قالته ..هو فقط يهتم بمن انتهكت انسانيتها بسببهما …هتف في ألم لم يستطع غضبه أن يخفيه :
” انا هوديكو فى داهية.. والله ما هعدى اللى حصل ده على خير ابدا ..انا هقفلكو المستشفى دى ”
رمقته الطبيبة فى صرامة دون أن يهتز لها جفن قبل أن تشير بسبابتها محذرة :
” من فضلك يا أستاذ حافظ على الفاظك …والدك هوا اللى قال انها بنته و مخطوفة وخاف يكون فيه حد قربلها او اذاها …“
وعقدت ساعديها لتضيف :
” البنت فاقت واحنا بنكشف عليها ومنهارة جوة وواضح ان والدك الف القصة من دماغه وقسما بالله لو هيا حبت تشتكى لأنا اللى اوديكو فى داهية ”
مرر يده فى شعره بعنف …أخذ يشده في قسوة وينظر الى أبيه فى ألم محاولا حبس دموع القهر في عينيه ، لقد عجز عن حمايتها ، تأذت بسببه أذى لم ولن يلحق بها ابدا ، لقد عرضها على يد أبيه لأقصى امتهان قد تتعرض له أنثى ، لقد جعله يعاملها كسلعة يجب فحصها قبل أن يقوم بشرائها ليتأكد من صلاحيتها ، صوفيا التي ائتمنته على حياتها بل فكرت في المخاطرة بنفسها من اجل شقيقته يعجز عن حمايتها …
يعجز عن حمايتها …
اخذت كلمات العجز وقلة الحيلة يتردد صداها فى عقله حتى التفت الى ابيه فى بطء بصوت متهدج:
” كدة ارتحت ..هديت ..ضميرك دلوقتي أخباره ايه ؟؟؟…“
واشار الى حيث ذهبت الطبيبة ليواصل :
” متنساش تخلى الدكتورة تبقا تكشف على بنتك هيا كمان ”
كاد والده ان يصفعه ولكنه تمالك نفسه بصعوبة وهو ينظر حوله ليقول من بين اسنانه :
” اخرس ..انت هتقارن اختك ب..“
قاطعه زين وهو يضحك فى وجع :
” بمين!!!!!..صوفيا …ارجع لبنتك البيت خليها تحكيلك صوفيا عملت معاها ايه …ولا الجاسوس اللى انت بعته يعرف صوفيا وميعرفش ايتن ..مقالكش ان الهانم طلعت الشقة ورانا ..مقالكش ان الهانم كانت عايزة تهرب مع واحد وصوفيا هيا اللى كشفت كل حاجة ليها ”
دفعه محمود فى عنف وهو يهتف غير مصدق :
” انت بتخرف بتقول ايه ..بنتي أنا ايتن ؟؟“
أغمض زين عينيه في ألم وهو ينظر للأعلى مواصلا :
” بنتك فى البيت روح اسألها ”
تركه زين فى صدمته ولم يهتم بتهالكه على مقعده في ذهول …ذهب مباشرة الى غرفتها .. صوت صرخاتها وصله قبل ان يفتح الباب فأفلت دمعة عجز من جانب عينه أوقفته مكانه ..
كيف سيواجهها ؟؟؟
كيف سينظر الى عينيها وقد عجز عن حمايتها..
ولكن قلبه المتلهف للاطمئنان عليها ولو بنظرة قد سيطر على تلك الهواجس وحركه بقوة ليفتح الباب ويراها وهي تتلوى بين يدي الممرضات وهن يحاولن حقنها بمهدىء بينما تبكي في حرقة وشعرها قد تناثر حول وجهها وعنقها بعشوائية ..
رأى انهيارها لأول مرة وبسببه ..
بسبب حبه لها الذي أشقاها بينما ادخلها حبها له جنة لم يتخيل أن يطرق بابها فى حياته ..
لمحته فصرخت أكثر وهتفت بأعلى نبرة يمتلكها صوتها المشتت:
” اطلع برة …برة ..أنا بكرهك يا زين بكرهك ..أنت زيك زيهم كلهم ..بكرهك ومش عايزة أشوفك تاني ”
وقطع صوت صراخها أنة ألم والمحقن يغرس بذراعها لترتخي تدريجيا وهي تهذي:
” ليه كدة ؟؟…ليييييه …أنا حبيتك ..ليه تعمل فيا …“
ولم تكمل جملتها لتغيب عن الوعي بفعل المهدىء الذي استجاب له بسرعة فائقة عقلها وكل حواسها الرافضة لهذا الواقع المؤلم الذي ذبحت فيه على يد حبيبها …
اقترب منها في بطء .. لها كل الحق فيما تفعله .. ليته مات قبل ان يسمح لأبيه او لغيره بانتهاكها على هذا النحو .. سيخرج من حياتها كما تريد ..لن يسامح نفسه حتى وان سامحته هي ..لن يتمكن من رؤية عجزه فى عينيها من جديد ..
كانت دائما الاقوى دون أن تشعر …
هي من انتظرت مباركة أهله دون اتخاذ أي قرار منه هي من تحركت لتنقذ شقيقته وان خانتها الطريقة.. وهو كل ما فعله هو اطباق سطوته عليها وتحكمه بمصيرها وليته أودى بها الى بر أمان ..
لقد أضاعها ..ذبح مشاعرها البريئة بحناجر معتقدات أبيه الظالمة …
انحنى قليلا ليهمس فى أذنها :
” أنا همشى يا صوفيا ووعد مني مفيش بعدك أبدا ..قلبي هيفضل ملك ليكي انتي طول ما أنا عايش ..“ وقبل جبهتها لتختلط دمعته مع حبيبات عرقها ..
نظر الى جفنيها المغلقين وتمنى لو فتحهما لحظة ليأخذ جرعة أخيرة من سحرهما قبل أن يحرم منهما للأبد…ربما كان هذا عقابا كافيا ألحقه به القدر وهو يعرف أنه يستحقه تماما…
**********************************
ارتجت وهي تستمع الى صرخة أبيها الذي وقف أمامها فى تأهب هاتفا :
” يعني الكلام صح؟؟“
أطرقت برأسها في خجل وهي تفرك يديها المرتعدتين في خوف…
اختبرت قسوة أبيها لأول مرة حين دوت صفعته القوية على وجنتها لتسقط على أريكة قريبة في غرفة مكتبه ، نهضت في ألم وهي تتحسس ألم اللطمة ليعطها أخرى افقدتها توازنها لتسقط أرضا هذه المرة …قبض كفه وهو يحاول منع نفسه من ايذائها أكثر ، لو استجاب لشيطانه لدفنها الأن حية ..
هتف بأنفاس لاهثة:
” ليه يا ايتن ..أنا دلعتك اكتر من أي حد في اخواتك كل طلباتك كانت أوامر …ليه ؟؟“
وهم أن يصفعها من جديد وهي تحاول النهوض لولا ان وقف زين الذي دخل فجأة بينهما ..
اختبئت خلف أخيها ودفنت رأسها في ظهره .. تشبثت به وارتعدت في هلع …تمزقت حروفها تماما وهي تجيب في جزع:
” كنت خايفة تجوزوني حسام غصب عني ”
امتقع وجه ابيها وهو يميل اليها صارخا:
” أنا قولتلك عمر ده ما هيحصل دي كانت مجرد فرصة ليكو ..لو مرتحتوش كل حاجة كانت هتنتهي ..ولما كان فيه حد فى حياتك مجاش اتقدم ليه ..ليه تهربي معاه يا غبية ”
أجابت وهي تتشبث في ذراع زين أكثر وتختبىء خلفه: ” هوا قالي أن ظروفه صعبة ومكنتوش هتوافقو عليه ..فحب ان احنا نحط الكل قدام الأمر الواقع ”
لم يحتمل محمود هذه المرة فهم ليجذبها من خلف أخيها ليضغط على ذراعها في قوة صائحا :
” تحطي مين يا ف……تحطي راسنا في الطين كلنا ”
وبينهما تذكرها …حبيبته المدمرة بسببهم.. تذكر حين عرض عليها هذا ووعدها بتحدي الكل من أجلها ولكنها رفضت حتى لا يخسر أهله… أغمض عينيه فى ألم فشتان بين من يحب ويتوهم ..
عاد الى الواقع بصرخة ايتن وقبضة أبيها تعتصر ذراعها في قوة ورغم غيظه منها ويقينه أنها تستحق ما هو أكثر الا انها في النهاية شقيقته ولو تركها لمحمود فسيفتك بها دون شك ، جذبها من ذراع أبيها وهو يقول:
” كفاية كدة ”
” فعلا كفاية كدة ”
التفت الجميع لصاحب الصوت الذى وقف على الباب يحتبس دموعه في مقلتيه في محاولة بائسة للاحتفاظ بما تبقى من كرامته ..ربما ساعدته حالة الصدمة التى لازال تحت تأثيرها في ذلك ..اقترب في بطء..
نظر لها في شرود وكأنه يتعرف ملامحها لأول مرة …
كأن هذه لا تمت لحبيبته التي عاش في عشقها منذ طفولته بصلة ..
همس فى الم يقاومه باستماتة ..ولكن ربما الموت بما يصاحبه من انتزاع الروح من الجسد لهو أخفأ وطأة من المه هذا :
” كفاية اوي يا بنت عمي …للدرجادي…للدرجادي بتكرهيني… لدرجة انك تهربي مع واحد تاني عشان متتجوزنيش ..ليه ..انا سألتك وانتي رديتي وقولتي مش فارقة ..ادتيني أمل انك مع الوقت هتحبيني… ”
واضاف بنبرة حملت من القهر اكثر مما حملت من الثورة:
” كنتى قولي انك مش عاوزاني ..كنتى ارفضيني وعمري ما كنت هغصبك ..للدرجادي مشاعري مكنتش فارقة معاكي”
واستدار في بطء مثقلا بانكساره وصدمته ليواجه عمه لائما :
” وانت يا عمي مفكرتش فيا ..مفكرتش غير ان تدي لبنتك واحد بيحبها وبيعشق التراب اللى بتمشي عليه لكن مش مهم هوا ..المهم هيا تاخد وبس.. تاخد حبي ليها وخوفى عليها ..لكن انا اخد جرح وتقليل وتجاهل ”
اختلجت شفتي محمود وهو يحاول أن يبحث عن رد مناسب فلم يمهله حسام فرصة ليلتفت الى ايتن التي كانت تنتفض من البكاء مواصلا :
” انتى اعتبرتي حب ليكي ضعف وفعلا هوا كان كدة ..حبي ليكي هوا اللى خلاني افضل عايش فى البيت ده واشتغل مع عمي وانسى اى طموح ليا بس عشان اكون قريب منك ..حبى ليكي عماني عن تصرفاتك وتقليلك مني واستهتارك بمشاعري ”
واشاح بوجهه عنها وهو يخلع دبلتها من خنصره..
خلعها في سرعة وقسوة ربما أراد بها عقاب نفسه قبلها على افناءه لعمره في حب من لاتستحق .. نظر لها لحظة كأنه يودع معها ماضيه بأسره قبل ان يضعها على مكتب عمه قائلا :
” كفاية فعلا لحد كدة …أنا بحلك من أي ارتباط …روحي عيشى حياتك بالشكل اللى يعجبك ومع الانسان اللى انتي عايزاه .. انا من النهاردة ابن عمك وبس ..وحقي أنا مسامح فيه”
ونظر الى عمه مضيفا فى هدوء :
” عمى أنا مستقيل من الشغل ..والبيت انا هسيبه وهرجع فيلا بابا الله يرحمه وسمر براحتها عاوزة تيجي معايا أو تفضل براحتها ”
هنا نطق محمود أخيرا …استجمع ما أمكنته حالته من كلمات :
” حسام اسمعني …انت ابني زي زين ويوسف وانا لما اخترتك لايتن اخترت اغلى حاجة عندي وادتهالك.. مش زي ما أنت متخيل اني مفكرتش غير فى بنتي وبس ”
وامسك بكتفيه مواصلا في حنان حاول به تفتيت شعور ابن أخيه بالقهر والظلم :
” أنا مش هقدر الومك ولا أراجعك فى قرار ليك كل الحق فيه ..أما بالنسبة للبيت والشغل فده بيتك وفلوسك يا حسام محدش بيتصدق عليك بيهم ”
ابتسم حسام في ألم :
” عمي من فضلك أنا محتاج ابعد ..أرجوك انا خلاص خدت قراري ”
ونظر اليها لاخر مرة كأنه يودع كل مشاعره تجاهها.. كأنه يخبرها أنه سيخنق قلبه بيده ان نبض بحبها من جديد ..
لم تملك سوى أن تعتذر بعينيها فكلماتها في مثل هذا الموقف ستكون محض وقاحة من الجميع .. لم تتخيل أنه يحبها لتلك الدرجة …
لم تتخيل أنه تنازل عن كل شىء فقط ليبتعد عن جرحها له..
لم يكن بالضعف الذي تتخيله بل كانت هي ضعفه الذي خلعه عنه الان مع دبلتها ليبدأ كتابة صفحة جديدة من حياته …
وخزات الضمير المؤلمة قد تكالبت عليها .. تجاه زين الذي أفقدته حبيبته..
تجاه صوفيا التي عرضتها للامتهان..
تجاه ابيها الذي تلاعبت بكرامته ..
وتجاه حسام الذي جعلها تفكر بأي منطق كانت ستفر منه دون أن تفكر مطلقا في كرامته كرجل ..
نظرة أخيرة من زين أحرقتها ، نظرة رجل خسر حبيبته وللأبد ، حبيبته التى نبض لها قلبه من بين كل نساء الأرض وخسرها بسببها ..وماذا عن أمها لو علمت بعد عودتها .. ماذا بامكانها أن تضيف الى الامها ايضا ؟؟.
****************************
عاد يوسف من المرحاض بعد أن انتهى من غسل يده الى ايلينا التي كانت على مائدتها تواصل تناول طعامها فى أفخم مطاعم مدريد ..
جاء من خلفها ليراها تحاول العبث بهاتفه ، تنهد وهو يحاول أن يتجاوز هذا.. لازالت على وضعها بعدم الثقة به حتى وان ادعت العكس ، ماضيه لازال يقف عقبه بينهما ..
مسح وجهه بيده وهو يحاول أن يقنع نفسه ان كل هذا سيتغير مع الوقت فالثقة مجرد بذرة تحتاج الى رعاية من الطرفين لتتشعب جذورها وتثبت اكثر في نفس كل منهما ..
لف ذراعه حول كتفيها فانتفضت وهي تضع يدها على صدرها وتمسك الهاتف بيدها الأخرى ليمد أصابعه تجاه هاتفه هامسا في أذنها :
” ايلينا ”
انتفضت لترد في تلعثم :
” أنا كنت.. ”
قاطعها وهو يهمس مجددا لا يريدها أن تكذب:
” كلمة السر ايلينا ”
قالها وهو يكتب الحروف فى بطء ليفتح الهاتف أمامها ، قبل وجنتها بسرعة قبل ان يعود الى مكانه في الكرسى المقابل لها …
لاحظ توترها وهي تحاول أن تسوق أي مبرر لما يحدث فقال ليعفيها من الحرج :
” هوا موبايلك فاصل ولا ايه ؟؟؟؟..عايزة تكلمي مين ؟؟“
تنهدت لتجيبه بما تريده في صدق :
” عايزة أكلم صوفيا …موبايلها مقفول بقاله يومين ومش عارفة أوصلها ..قلقانة عليها أوي يا يوسف ”
تناول الهاتف منها قائلا’:
” هاتي أكلم زين أكيد عارف مكانها ”
قبضت على كفه وهي تناوله الهاتف لتسأله في دهشة :
” أنت عارف اللي بين صوفيا وزين ”
ابتسم وهو يرفع حاجبيه :
” زين مقوم البيت كله حريقة بقاله كام شهر عشان خاطرها ”
مالت اليه في ترقب :
” وأنت يا يوسف رأيك زيهم ”
مال بدوره اليها :
” قبل ما أعرفك اه كان ممكن يكون رأيى زيهم ..بس من بعد ما عرفتك وعشت السعادة اللى مكنتش أتخيل اني أعشها شايف ان اللي بيتجوزو من غير حب بيفوتهم كتير ”
وغمز بعينه وهو يتناول كفها ليقبل باطنه :
” وأنا مش عايز أخويا يفوته حاجة ”
رمقت نظراته الشغوفه بها فاحمرت وجنتيها وهمهت في خجل :
” مش هتكلم زين ؟؟“
اعتدل من جديد وهو يبتسم ويحتفظ بكفها فى يده قائلا:
” هنكلم زين ”
وضع الهاتف على أذنه ولحظات وتجهم وجهه تدريجيا وهو يقول في حذر :
” تعبانة من امتى يا زين ؟؟؟“
ارتعدت ايلينا وسحبت كفها من يده وانتفضت لتقف الى جواره في ترقب حتى أنهى مكالمته ليقف مواجها لها يخبرها في حزن :
”للأسف صوفيا تعبت شوية ونقلوها المستشفى ”
أمسكت بذراعه تسأله في خوف واضح :
” امتى حصل الكلام ده وحالتها ايه ”
ضمها تحت ذراعه يطمأنها :
” اهدى حبيبتي هيا كويسة ”
نظرت له فى هلع ينفي تصديقها له :
” أنا خايفة عليها اوي يا يوسف ”
ربت على وجنتها لتهدىء :
” هتبقى كويسة ان شاء الله ..زين قال حاجة بسيطة ”
رفعت رأسها اليه بعينين دامعتين ففهم ما تعنيه دون أن تنطق…فهم خجلها فيما تريد طلبه فتنهد في عمق قائلا :
” حاضر يا ايلينا هنسافر على أول طيارة ”
أمسكت كفه تسأله في حب :
” يعنى انتي مش متضايق.. ولا زعلان ”
هز رأسه يجيبها في رقة :
” من جهة زعلان فأنا زعلان ان احنا هنرجع ومكملناش اسبوعين ”
وقبل أن تنطق وضع اصبعه على شفتيها مواصلا:
” بس انتى مادام معايا المكان مش هيفرق ..هنعوضها ان شاء الله ”
هنا لم تهتم مطلقا بمن حولها وارتمت بين ذراعيه وهي تقول فى تأثر :
” أنا بحبك اوي يا يوسف …ربنا يخليك ليا ”
لم يهتم مثلها بأى شىء حوله وهو يضمها اكثر :
” ويخليكى ليا يا اغلى من عمري كله ”
****************************************************
أخذت صوفيا وضع الجنين وهي تنام في فراشها تحدق في اللاشىء وعقلها غارق بالتفكير بكل شىء ، في حياتها كلها من بدايتها …
في زين ..
اه من زين …
لماذا ظهر في حياتها من الأصل ؟
لم يكن سوى نسخة مكررة من غيره ، لقد غامرت بنفسها من اجل ان تنقذ شقيقته …
غامرت من أجله هو…
من أجل التقاليد التي طالما حاول تلقينها اياها وكانت أخته على وشك الخروج عنها…
لم يعطها أي فرصة للدفاع عن نفسها وهو يصفها بأشنع التهم كأنها لم تكن كتابا مفتوحا أمامه طيلة الفترة الماضية ..
أطاعته فى كل شىء وتخلت عن عنادها من اجله وفي المقابل لم يتوان عن اصدار احكامه القاسية وتنفيذها ، لم يتوان فى انتهاك جسدها بتلك الطريقة ولو فكر فى سؤالها مجرد سؤال لأخبرته حتى لو لم يكن لديه أدنى حق فى المعرفة كانت ستفعل …
هل بلغ به تفكيره ان يظن انها بائعة هوى تسلم جسدها لأيا كان..
وفى تلك اللحظة تمنت لو لم تحبه بعدما كانت ترى ان حبه هو اجمل شىء حدث لها ..
ألم يكن بمقدوره ان يكون اكثر رحمة ؟؟
الم يكن …
“ اخبارك ايه دلوقتى ”
اخرجتها الطبيبة من افكارها فتمتمت :
” احسن الحمد لله ”
عقدت الطبيبة ساعديها وقالت في رفق :
” لسة بتفكرى فى اللى حصل ..انا قولتلك لو حبيتى تقدمى بلاغ فى الراجل ده انا مستعدة اشهد معاكى ”
اغمضت صوفيا عينيها فى الم :
” مبقتش فارقة ”
قالت الطبيبة وهي تميل اليها :
” بس الراجل ده صعب اوى نفذ اللى عايزه غصب عن ابنه ومن وراه كمان ”
التهمت اذن صوفيا الكلمات فاعتدلت بسرعة وهى تسألها في لهفة :
” انتى قولتى ايه ..اللى عمل كدة ابو زين مش زين نفسه ”
هزت الطبيبة كتفيها قائلة :
” معرفش زين مين بس الشاب اللى كان معاه كان هيصور قتيل ساعتها واضح ان ابوه اتصرف من وراه ”
وضعت صوفيا جبينها بين كفيها وفركته فى قوة وهى تتمتم :
” يعنى مش زين ..مش زين ”
وعادت لتهمس فى خيبة امل :
” طب ليه سابنى ومسألش عني من وقتها ”
لم تملك الطبيبة اجابة هذه المرة فأغمضت صوفيا عينيها وهي ترتمي من جديد على وسادتها لتأخذ وضعها القديم مواصلة في رجاء :
” من فضلك سيبينى لوحدى ”
تركتها الطبيبة بناءا على رغبتها لتحاول أن تعادل افكارها من جديد بعد ما علمته
هل لا زالت تسخط على زين ؟؟
ام انتقل هذا السخط على والده؟؟
هل لم يعد مذنبا من وجهة نظرها ؟؟
..أغمضت عينيها فى حزن فالان علمت انه من المحال ان تتقبلها هذه العائلة.. فهل عليها ان تفكر فى عرضه السابق بالابتعاد عنهم من جديد ولكن …
اوقفت افكارها تماما وهى تغطي رأسها بالوسادة لتحاول الهرب من كل شىء …لن يمكنها اتخاذ قرار مناسب وهي في هذه الحالة ..لحظات و شعرت بباب الغرفة يفتح فظنته احدى الممرضات لتهتف فى تأفف :
” قلت مش عاوزة …“
وقطعت كلماتها ليتسع ثغرها وتنهمر دموعها فى حرارة هذا بالفعل كل ما كانت تحتاجه الان .

رواية مذاق العشق المر

الفصل السابع عشر

ارتمت صوفيا بسرعة بين ذراعي ايلينا وكأنها افتقدتها منذ مائة عام…
أخذت تتمتم بين دموعها:
” سيبتينى لييه ايلينا ؟؟..سيبتينى ليه ؟؟“
جلست ايلينا فى المقابل وهي تضمها فى قوة تحاول بها التغلب على ارتعادها ونحيبها بينما تمرر اصابعها في شعرها وتقبل رأسها فى حنان ، حاولت ان ترفع وجهها لتتحدث اليها ولكن الأخرى أبت ذلك وتشبثت بها أكثر …
رضخت ايلينا لرغبتها وأبقتها دقائق في أحضانها تهدهدها كطفل صغير ..
أغمضت صوفيا عينيها بقوة قبل أن ترفع رأسها بصعوبة من على صدر صديقتها كأنه قد التصق به ..
احتوت ايلينا وجهها بين كفيها …مسحت بابهاميها دموعها وهي تمنع نفسها بصعوبة من مشاركتها البكاء ..صوفيا ليست مجرد صديقة …صوفيا أعدتها طفلتها لسنوات طويلة …رؤيتها وهي تتمزق قهرا شىء لا تحتمله مطلقا ..
” صوفيا ..حبيبة قلبي ..مالك.. ؟؟“
ارتمت صوفيا بين ذراعيها من جديد كأنها تختفي في حنانها من قسوة العالم وظلمه ..كأنها تخشى أن يسلبها حضن صديقتها وأمانه كما سلبها كل شىء :
” ارجوكي ايلينا احضنيني وبس …خليني اعيط لحد ما اكتفي ومن غير ما تسأليني ..ممكن ”
أحاطتها ايلينا بذراعيها واخذت تربت على ظهرها لتبكي صوفيا من جديد.. قهرا على حبها الضائع ..
تبكي النبذ الذى ستظل تعانيه عمرها بأكمله .. تبكي الذنب الذى تحاسب عليه دون أن ترتكبه .
*************************************
مر يوسف بالحديقة قبل أن يدلف للقصر ليجد علي الصغير جالسا على احدى الطاولات وهو يتحسس بيده كتابا بطريقة برايل …ابتسم كعادته حين يرى هذا الصغير الذي يذهله دوما …رؤيته تبعث السعادة الى أي نفس مهما حملت من مشاق …يكفيها نظرة الى هذا الملاك لتنفض عنها كل ما تختنق به من هموم ..خلع نظارته الشمسية وسار في اتجاهه ببطء ..وقف الى جواره للحظات يتبين ان كان سيكتشف وجوده أم لا ولم يخطأ ظنه اذ ابتسم علي وهو يقول في بساطة “أهلا يا يوسف ”
ضحك يوسف وهو يجذب مقعدا ليجلس امامه يسأله في حيرة :
“لا بجد بقا قولي عرفت ازاي أنه أنا من غير ما اتكلم حتى ”
هز علي كتفيه وهو يشرح له :
” اولا بحس أن فيه حد جاي من صوت خطواته حتى لو هوا حاول يداريها فيه احساس بسيط ودني بتستقبله…الخطوات بالنسبالي زي البصمة ..كل واحد فيكو ليه خطوة معينة …وطبعا ريحة كل حد بتأكد البصمة دي ”
رفع يوسف حاجبيه في ذهول ..هذا الطفل يخدعهم بالفعل ..هو رجل متنكر في زي وصوت طفل ..كيف لمن في عمر التاسعة أن يتحدث بهذا الأسلوب والمنطق بل أن يقضى جل وقته في قراءة كتب لا يستوعبها عقله هو الراشد ..
قاطع علي أفكاره التي يعرفها جيدا ومل من تفكير غيره دوما به هكذا ..هل ينتظرون من طفل كفيف أن يحيا العمر ساخطا على حرمانه من حاسة حباه الله بعشرة أمامها …انه يرسم العالم بذهنه هو ..بخياله البريء الذي لم يلوث بعد بأحقاد البشر :
“قولي يا يوسف …عامل ايه مع ايلينا ؟؟”
ابتسم يوسف حين سمع اسمها منه …كل منهما بالفعل يليق أن يكون أخا للاخر :
“كويسين …بس اضطرينا نرجع عشان تعب صوفيا ”
ومال اليه يربت على كفه قائلا :
“المهم دلوقتي …طمني عليك …عامل ايه ..مش محتاج أي حاجة ”
رد علي في امتنان :
“الحمد لله ..أنا بخير طول ما انتو بخير ”
واصل يوسف في حنان :
“علي …انت عارف انا بعزك قد ايه ومش عشان انت أخو ايلينا ولا ابن عمو سمير الله يرحمه ..لو احتجت أي حاجة في أي وقت اطلبها مني أنا ”
مد علي كفه ليربت على كف يوسف وهو يبتسم في ود:
“اللي ممكن أطلبه منك انك تخلى بالك من ايلينا ..ايلينا بالنسبالي كل حاجة ..اختي وأمي وحبيبتي و…”
قاطعه يوسف مازحا :
“ايه يا حاج علي …أنا كدة هغير ”
وأردف في جدية :
“ايلينا بقت حته مني يا علي …بقت بالنسبالي كل حاجة …اطمن ”
تنهد الصغير وهو يضع كتابه على الطاولة :
“ربنا يسعدكو ”
……………………………………………………
وقفت ايتن فى تردد امام باب منزله….
تمد يدها الى جرس الباب …ثم تعود فى منتصف الطريق …
تعبث فى خصلات شعرها الاسود …
تقضم اظافرها وهى تحاول ان تتخذ تلك الخطوة التى عزمت عليها واصبحت اكثر صعوبة حين دخلت حيز التنفيذ ، لم تتخيل للحظة ان حسام بامكانه التخلى عن كل شىء ، عن عمله ومكانته وعنها ايضا …
غرورها الذى صنعته من الأصل مشاعره الجياشة نحوها صور لها انه قد يتنازل عن اى شىء من اجلها ، وانه بسهولة سيصفح عنها ويتناسى كل ما حدث ، انقطعت حيرتها وحسام يفتح الباب فجأة …
انتفضت للخلف فى فزع بينما حافظ الثاني على توازنه رغم المفاجاة التى واجهته بدوره …ربما صدمته الكبرى فيها افقدته اى شعور بالصدمة بعدها ..
استند بكفه على الباب وهو يأخذ نفسا عميقا ليقول فى حدة :
” خير يا ايتن اللى جابك هنا ؟؟“
ازدردت ريقها تجيبه فى تلعثم :
” هنتكلم على الباب؟ ”
نظر خلفه لحظات وعاد ينظر لها قائلا في حدة :
” انا عايش لوحدى ”
تنحنحت فى حرج لتجلي صوتها …لم تعتده حادا هكذا من قبل :
” حسام انا عاوزة اتكلم معاك لو سمحت ”
عض على شفته السفلى وتنحى جانبا لتدخل وهو يقول باقتضاب:
” اتفضلى ”
راقبها وهى تدخل لتجلس على اول مقعد صادفها فى الصالون …
نظر الى الباب ليتركه مفتوحا ويقف الى جوار مقعد مقابل وهو يعقد ساعديه ويتأملها قائلا:
” ايتن قولى اللى عندك بسرعة لو سمحتى عشان ميصحش تفضلى موجودة هنا كتير ”
شابكت اصابعها ببعضها البعض وهى تنظر ارضا وتتساءل اين ذهبت خطبتها العصماء التى جهزتها مسبقا؟؟
اين تاهت كلمات الاعتذار ؟؟؟
ربما لانها لم تجد حسام بالانهيار الذى توقعته …انهياره كان سيسهل من مهمته كثيرا ليفلت منها كلمات التعاطف دون حساب …حسام الذي تعرفه ليس بهذه القوة والقسوة مطلقا …قسوة لم تسمح سوى بكلمة واحدة من بلوغ شفتيها :
” اسفة ”
دق باصابعه على الكرسى الذى يستند عليه قائلا فى برود :
” على ايه ؟؟؟“
رفعت رأسها اليه فى بطء :
” من فضلك يا حسام بلاش الطريقة دى …زعقلى صرخ فيا اشتمنى حتى بس بلاش كدة ”
ضحك في صخب وهو يفرك كفيه في تهكم واضح :
” اه انتى جاية لحسام القديم بقا ..او خلينا نقول بشكل ادق حسام اللى انتى بتشوفيه بطريقتك… العاشق الولهان فى تراب رجليكى اللى ضيع عمره كله واحلامه وطموحه عشان بس يبقا جنبك ..حسام الضعيف بحبه ليكى ..حبه اللى خلاه يتنازل مرة واتنين وعشرة من غير ما يحس انه بدا ييجى على كرامته بزيادة ..الذنب مش ذنبك ..انا اللى كنت اعمى ”
وفتح ذراعيه ليواصل :
” ودلوقتى خلاص ..اتخلصت من ضعفى.. هرجع اعمل حياة جديدة غير الحياة اللى لخصتها كلها فيكى ”
تمعنت به.. شابتها دهشة وهي تراقب حسام الجديد الذي لم تصادفه طيلة عمرها بأكمله …
ابتسم بزاوية فمه فى سخرية :
” ايه كنتى متوقعه هتيجى تلاقينى منهار وحابس نفسى يا حرام وبشرب وبسكر عشان انسى ومش بعيد كمان اكون شانق نفسى ..مش غرورك كان ممكن يوصلك ده ”
واضاف وهو يشير بسبابته الى صدره في جدية :
” انا فوقت يا ايتن خلاص فوقت ”
تمعنت به اكثر، حاصرته بنظراتها تلتهم ملامحه التي تراها لاول مرة بتلك الصلابة وكأن تلك الصورة الهشة التى كان عليها دائما لم تكن له او ان غرورها بالفعل هو ماكان يصور لها هذا …تصورت بالفعل انه يعيش حالة انهيار وصدمة …شعرت بالشفقة عليه لهذا جاءت ، هل بالفعل تخطاها بهذه السهولة؟؟
تنهد وهو ينظر الى ساعته يخبرها في حسم:
” انا اسف جدا عندى شغل ولازم انزل ”
حكت جبينها بكفها فى تردد لم يمنعها من سؤالها التالي رغم علمها بمدى وقاحته:
“يعنى مش هشوفك تانى ”
اقترب في بطء وحملت نبراته أكبر قدر من القسوة وهو يجيبها :
” انا من النهاردة بالنسبالك زى زين ويوسف وقت ما هتحتاجى حاجة هتلاقينى ”
تجمدت فى مكانها للحظات تتساءل لماذا ضاق صدرها بتلك الجملة وهى طالما تمنتها منه ؟
لماذا الان لاتقبلها مطلقا ؟؟
اهو شعور التملك ؟؟
اهي رغبتها فى ان يرضى غرورها كأنثى ويظل يحتفظ بحبها الكبير فى قلبه رغم ما حدث؟؟
لما تراه اليوم بشكل اخر غير الذي اعتادته طيلة عمرها ليس فقط في طباعه بل في ملامحه ؟؟
نظرة أخيرة اليه والى الباب الذي وقف الى جواره ليطلب منها الرحيل جعلتها تشعر لأول مرة أنها خسرت الكثير …
*************************************
ألقت هاتفها فى غيظ بعد ان قرأت رسالة جديدة من رسائل لاتعد ولا تحصى من صديقاته القدامى …تحاول كل منهن دائما ايهامها باستمرار علاقتها به …
فتحاول هي بالمقابل التشبث بكل ذرة ثقة وضعتها فيه واقناع نفسها بنظرية الوقيعة التي تتبناها مثلهن للظفر به من جديد …
تحاول التقوي بعشقه الذي تشعر به مع كل همسة او لمسة او حتى نفس من أنفاسه ..
ولكن الأفاعي لعبن على اضعف وتر لديها ..
الغيرة …
ان لم ينجحن فى اقناعها بخيانته فعلى الاقل اوصلنها الى التفكير فى علاقاته العابثة من قبل ، كادت فى كل مرة ان تفقد عقلها وهى تتخيله مع اخرى قبل ان تدخل هى حياته …
تمنت لو كانت اول انثى تخط ذكرياتها على صفحة قلبه..
دائما يذكرنها انها حرمت هذا الحق وأن قلبه يحمل صفحات من ذكريات طويلة له مع أخريات ..
سؤال خبيث يكاد يفقدها عقلها تماما.. هل من الممكن ان يحن الى ماضيه فى يوم ما حين يكتفى منها ويخفت شغفه بها ؟؟
استغرقت فى أفكارها تماما حتى عادت الى واقعها بقبلته على شعرها ..
رفعت رأسها بابتسامة جاهدت كثير لترسمها على شفتيها ..
تبادل معها حوارا عاديا وهو يبدل ملابسه حتى تفاجىء بسؤالها :
” يوسف انت ليه مش عاوزنى ارجع شغلى ؟؟؟“
توقف لحظة وهو يضع ملابسه فى الخزانة والتفت لها قائلا فى هدوء :
” انا مرفضتش انك ترجعى الشغل ..بس لو هترجعى هترجعى مديرة لقسم التصميمات مش مديرة لمكتبى ” فاجئها بما قاله فسألته فى حيرة :
” وليه بقا ؟؟“
تمعن بها للحظات… هل يخبرها انه اعتاد دوما ان يفصل بين حياته الخاصة وعمله وانها بالذات ستفقده تلك العادة تماما.. فان بقيت امامه لن يهتم حينها بشىء مطلقا سواها ..شغفه بها قد وصل حد الهوس ، واذا عادت الى عملها فربما فقد اعصابه فى أي لحظة وقبلها او ضمها… ليس ربما بل مؤكد هذا سيحدث ليراهما اى موظف فى وضع غير لائق ..
” هيا الاجابة صعبة اوى كدة ؟؟“
قالتها ايلينا وهى تعقد ساعديها فى مواجهته سامحة لكل شياطين الكون ان تتناول عقلها بالشك كما تشاء وأضافت بسخرية :
” ولا عايز تكون على راحتك ”
رد فى حدة وقد ازعجه ما رمت اليه :
” قصدك ايه ؟؟“
قطبت جبينها تجيبه في غضب :
” انت فاهم قصدى كويس ..شكلك كدة حنيت لمغامراتك القديمة ”
زفر محاولا الحفاظ على هدوئه وهي تخبره صراحة بانعدام ثقتها به :
” يبقى الحكاية بقا مش حكاية شغل ..سيادتك عايزة تراقبينى …مش مكفيكى التلفون اللى كل ليلة بتقعدى تفتشى فيه عاوزانى اكون تحت عنيكى على طول ”
حاولت الرد فاوقفها بكفه قائلا وهو يحتد بنبرته اكثر:
” احنا قبل ما نتجوز وانتى عارفة ان كان عندى ماضى وخلاص انا رميته ورا ضهرى ومش عايز ارجعله تانى ..لكن انتى مصرة كل مرة ترجعينا ليه ..مش قادرة تثقى فيا وفى حبى ليكى وتقتنعى انى اتغيرت ”
اخفضت رأسها للحظات وادركت انها بالفعل تسرعت ككل مرة فاقتربت تمسك بكفيه تحاول أن تعتذر مدعومة بأنوثتها الفجة:
” اعمل ايه يا يوسف بغير عليك ..كل ما اتخيل انك كنت مع واحدة قبلى ببقا هتجنن ..انا عارفة انه ماضى وانتهى عارفة انى ممكن اكون مجنونة بس كتير كنت بتمنى اكون اول واحدة فى حياتك ..الغيرة بتقتلنى يا يوسف ”
نظر الى اناملها التى تحيط كفيه وابتسم في حزن :
” يا ريتها كانت غيرة يا ايلينا لكن ده شك ..وانا طول الوقت اللى فات وانا بحاول اقنع نفسى بالعكس بس هيا دى الحقيقة …وانا مش هستحمل كتير شكك فيا ولا نظرة الاتهام اللى على طول بشوفها فى عنيكى اللى ساعات بتحسسنى انك ندمانة انك ارتبطتى بيا ”
سارعت تنفي ما قاله بسرعة :
” يوسف لا اوعى تقول كدة ….انت اجمل حاجة حصلت فى حياتى ”
نظر لها فى تمعن ليجد ان عينيها لازالت تحمل الكثير الذى يرفض لسانها البوح به فاقترب ليقبل جبينها فى بطء قبل ان ينسحب الى فراشه قائلا :
” مش بالكلام يا ايلينا ….مش بالكلام ”
******************************************
شهر قد مضى عليها وهى تقيم فى منزل ايلينا القديم فقد رفضت العودة معها الى القصر بعد كل ما تسببت لها هذه العائلة من الم ..أخفت الأمر برمته عن صديقتها وأخبرتها فقط بحاجتها الى البعد لتعييد تقييم علاقتها بزين من جديد …لم تشأ ان تقحم ما فعلته به هذه العائلة ليفسد ما بين ايلينا ويوسف فهي تعرف أن صديقتها لن تمرر ما حدث ان علمت به مرور الكرام .. فى البداية شعرت بغضبها على زين فهو لم يهتم بالسؤال عنها كأن لم يجمعهما شيئا ذات يوم ..
هل تضايق لأنها طردته من غرفتها يوم ان ظنت انه من فعل تلك الفعلة الشنيعة ؟؟
ام تضايق هو من سوء ظنها به ؟؟
من من حقه ان يغضب من الاصل ؟؟
هى من اهماله ؟؟
ام هو من رد فعلها ؟؟
قضت اغلب اوقاتها فى الرسم وانتظمت ايلينا في زيارتها يوميا لتقضى معها بعض الوقت مكررة محاولاتها لاعادتها الى القصر دون جدوى .. اتخذت قرارها ذات لحظة بالعودة من حيث أتت ورأت ان هذا افضل للجميع ولكنها تحججت بحالتها الصحية التى لم تستقر بعد لترجىء الأمر قليلا …حجة واهنة ساقتها مشاعرها المعذبة واستجاب الجسد وأعلن ضعفه بالفعل ليثبت مصداقيتها أكثر ..فهي لاتحتمل البعد ..لا تحتمل الفراق ..
مر الوقت ..
خفت صوت العقل تماما ..
تمكنت المشاعر من كل شىء ..
احتل زين وشوقها اليه كل ذرة من تفكيرها ..
شوق عارم محا كل قسوته فى لحظة واتخذ له كل الاعذار بل وضعه فى مكان الضحية ..
مبررات كثيرة اتخذها قلبها له ورفضها عقلها ليثور القلب ناثرا فوضاه بكل ذرة من احساسها .. فيرفع الكيان بأسره رايته البيضاء مهزوما فلم يعد لشىء سلطان عليه ..
فتحت هاتفها وطالعت بعض الصور التى التقطتها لهما سويا ..
كم منعت نفسها من مطالعتها حتى لا يتغلب الشوق عليها وبما أن المعركة قد حسمت فلا ضير أبدا أن تراهما مرة واثنان وعشرة .
ابتسامات وديعة ..نظرات تحطها بالدفء والأمان .هذا لم يكن وهما مطلقا ..بل كانت حياة بأسرها ..حياة عاشت كل لحظة بها وانتظرت ما لم تعشه بعد منها
هي لم تحتج صورة على هاتف لتدرك هذا ..
لم تحتج أن تتذكر ما لم تنساه من الأساس ..
زين الدين في كل شىء تحط نظراتها مرساه عليه ..بل بين جفونها ان أغلقتها عن العالم ..
بين ألوانها التي تمزجها لتصنع لوحة وفي أوراقها التي لم تمسها أقلامها بعد …..
تنهدت بعمق وهي تستسلم تماما و تدير رقمه ليدق قلبها وترتعد يدها وهى تشعر ان ما يفصلها عن سماع صوته هى تلك الرنات السخيفة ..
كادت ان تنهى المكالمة حين اوشك الرنين على الانتهاء ليقطع صوته كل شىء وكأنه يأتيها من داخلها وليس عبر الهاتف:
” صوفيا ”
ازدردت ريقها وحاولت التحكم فى ارتعادها حتى لا يسقط الهاتف منها …لحظات من الصمت استمعت فيها فقط الى أنفاسه فتتهدت في عمق وكأنها تسحب هذا الهواء الذي يخرج منه الى صدرها ..عله يحمل بعضا من رائحته وكثير من ذكراه ..حملت نبرتها بما تبقى بها من تماسك وهي تهمس:
” زين …ممكن اشوفك ضرورى ”
وفى المكان والموعد المحدد جلست أمامه محاولة الحفاظ على ثباتها وهى تتأمل هدوئه الذى ازعجها واقلقها ..
تبا له الا يشعر بشىء من شوقها الذى كاد ان يجعلها تضمه امام الجميع حتى لو رغما عنه متناسية كل ما حدث لها بسببه ..
تأملت ملامحه للحظات وهو يعبث بكوب العصير امامه فى شرود دون ان ينظراليها فهمست فى عتاب :
” هنت عليك يا زين طول الفترة اللى فاتت دى متسألش عنى ”
تنهد وهو يرفع رأسه ببطء اليها :
” كنا محتاجين فترة نبعد يا صوفيا عشان نقدر نفكر كويس ”
واضاف بشبح ابتسامة واهنة :
” لو مكنتيش اتكلمتى انتى النهاردة كنت هكلمك انا بكرة او بعده بالكتير ”
ابتسمت وهي تمد كفها في تردد تتمنى لو لامست أنامله ولكنها قبضته وأعادته في منتصف الطريق تسأله ان كان لازال هذا حقها أم لا :
” يعنى وحشتك ؟؟ ”
أرادت ان تطمئن نفسها باجابته….ارادت ان تحصل منه على اقراره بهذا ..
نظر لها طويلا قبل ان يعود بظهره الى مقعده فى استرخاء :
” صوفيا اسمعينى …انا فكرت كويس الفترة اللى فاتت ووصلت ان انا وانتى مينفعش نكمل مع بعض بأي شكل ”
تصلبت عضلات وجهها تستوضح منه ماقاله:
” انت قولت ايه ؟؟“
تابع وهو يقطب حاجبيه ويتحاشى النظر اليها لا يتحمل ابدا ان يرى صدمتها فيه :
” انا وانتى غير بعض فى كل حاجة مستحيل نقدر نتجمع فى نقطة واحدة ..انتى انسانة متهورة مبتديش فرصة لعقلك انه يفكر.. مبتعمليش حساب لاى حد ولا اى حاجة ..مهما احذرك ومهما احاول معاكى برضه بت..“
قاطعته بعينين التمعت فيهما دموع القهر هاتفة:
” انا عملت كدة عشان ايتن …عارفة انى اتصرفت بتهور بس مكنش قدامى حل تانى ”
رد فى قسوة متعمدة وهو يضرب المائدة بكفه ..وضع نفسها في خانة الذنب يذبحه وهو الجاني والمذنب والمشتت :
” وانا مش هقدر استحمل تهورك ده ..انا كنت انسان ماشى بعقلى عارف انا عاوز ايه كويس من ساعة ما ظهرتيلى وانتى خلتينى اقبل بحاجات عمرى ما كنت اتخيل انى هقبلها …انا مش عارف هقدر مستحمل ده ولا لا ..بس اللى متأكد منه ان اختلافنا ده فى يوم هيقضى على اى مشاعر جوانا ”
هزت رأسها في الم تحاول أن تجمع شتات أمرها بأي كلمة ..ما يخبرها به ليس مجرد عبارات ينهي بها عاشق علاقته بمعشوقته بل أنه ينهي حياتها بأسرها التي لخصت كل معانيها به..يشوه حبا راهنت عليه بعمرها كله :
” لا يا زين ارجوك حبى ليك مش بالضعف ده ابدا ..حبك غيرنى… غير فيا حاجات كتير.. بلاش تسيبنى زيهم يا زين ..انت غيرهم ”
نظر لها لحظات وبعدها اشاح بوجهه وهو يقول بصوت متهدج بعض الشىء :
” خلاص يا صوفيا انا خدت قرارى وكل حاجة بينا انتهت ”
تمتمت وهى على وشك الانهيار كأنها لم تعد تسمعه :
” لا ..لا ..انت لا ..انت مش زيهم …انت مش زيهم ”
اغمض عينيه بقوة محاولا اضفاء التماسك على عبارته :
” الحب لوحده مش كفاية …كل حاجة بينا انتهت ” ومسح وجهه بكفيه قبل ان يتابع وكأنه يطلق رصاصة مباشرة الى قلبها لينهي أي أمل لديها :
“انا وسمر فرحنا اخر الشهر الجاى ”
هل ما سمعته كان حقيقيا ؟؟؟، زفافه على اخرى ؟؟، للحظة طنت ان الأرض قد توقفت عن الدوران وان اللغة ربما تبدلت حروفها ومعانيها او هى بعدها لم تتعلمها من الاساس ، او ربما كان من يجلس امامها يحمل وجه زين وليس هو ابدا ..
تعلم بحب بسمر له فربما تتوهم ..
أمسكت بطرف المائدة وهي تحاول النهوض :
” انت قولت ايه ؟؟….هتتجوز ؟؟“
لم يرد فانسابت دموعها اكثر وهى تهتف فى مرارة:
” حبتها امتى يا زين ؟؟؟“
رد دون ان ينظر لها :
” قولتلك الحب مش مهم ..ساعات التفاهم لوحده كفاية ”
اشارت الى صدرها بقبضتها تهمس في قهر:
” وانا ؟؟؟..انا يازين صفحة واتقفلت …تجربة وانتهت ..حالة كأنها ما اتعشتش ولا مرت فى حياتك ”
واضافت وهى تمسح دموعها بظهر يدها في حرقة :
” انا سامحتك يا زين على كل حاجة …سامحتك على البهدله اللى اتبهدلتها بسببك …على اهمالك ليا …سامحتك واعتبرت نفسى الغلطانة ..مش قادرة اصدق انك ترمينى بالشكل ده ..انت وعدتنى انك مش هتسيبنى ابدا ..وعدتني انك كل اهلي ..انت ابويا وأخويا وصاحبي و…حبيبي”
نهض فى بطء محاولا الا يجعل دموعها على هذا النحو تؤثر به فالشعرة الضعيفة التي تفصله عن التراجع ستحترق بنار لوعته :
” صوفيا اكيد فى يوم هتلاقى حد يحبك وي..“
دفعته فى صدره صائحة تمنعه من امتهان حبها المقدس:
” ولا كلمة ولا كلمة ..انا زين حبيبى هيفضل فى قلبى عمرى كله ”
وتمعنت به لتضيف في نبرة بائسة وهي تهز رأسها في قوة :
” لكن انت مش هوا مش هوا …مش دى طريقة كلامك ولاده الأمان اللى كنت بحسه معاك ”
وفرت من امامه وصوت نحيبها يصله حتى غادرت ليجلس على مقعده فى تهالك ..
هل حقا هو الرحيل بلا عودة ؟؟
هل عيناها التى طالما سحرته بكت أمامه هكذا دون أن يخضع ولو للحظة ويتراجع؟
هل كتبت كلمة النهاية في هذه القصة ..
نظر الى حيث خرجت وهو يهز رأسه فى الم لا يعلم احد على الارض بما يحمله غيره .
عاد بذاكرته اسبوعا للخلف الى ذلك اليوم المشئوم ، لم يكن احد فى المنزل وقتها حين عاد من عمله ، واثناء مروره الى غرفته توقف وهو يمر بغرفة سمر ولفت نظره صوتها المرتفع وهى تحادث احد الاشخاص تليفونيا :
” يعنى ايه عايز تتخلى عنى ؟؟؟؟…ازاى بعد كل اللى حصل بينا ..اواجه عمى ازاى ..اواجههم كلهم ازاى ؟؟“
فقد اعصابه مما سمع فالأمرلا يحتمل سوى تفسير واحد …ماذا حدث بهذا المنزل ايتن ثم سمر …اتسعت عيناه هلعا لقد سمعها تقول انها سلمته نفسها ، باعت شرفها تلك الحمقاء ، فتح الباب دون ان يطرقه وتوجه اليها فى بطء هاتفا:
” ايه اللى سمعته ده ”
انتفضت سمر فى رعب وسقط الهاتف منها وهى تقول فى تلعثم:
” زين ؟؟“
امسك ذراعها بقوة هاتفا من بين اسنانه :
” انطقى ؟؟؟….انتى عملتى ايه …سلمتى نفسك لمين وليه ؟؟؟“
تأوهت سمر قائلة :
” سيبنى يا زين انا معملتش حاجة ”
اضاف وهو يضغط على ذراعها اكثر:
” وايه اللى سمعته ده وخايفة ليه تواجهينا ؟؟؟؟“
لم ترد فدفعها للحائط لترتطم به فى عنف وهو يصرخ بها :
” ازاى تعملى كدة فى نفسك وفينا ”
نظرت له فى مرارة وقالت :
” انت السبب يا زين ”
تراجع فى ذهول فواصلت :
” ايوة انت …انت اللى رفضت مشاعرى وخلتنى اروح ادور على اى حد ينسينى حبى ليك حتى لو وصلت انى اسلمه نفسى ايوة سلمتله نفسى ”
لم يتحمل اعترافها الصريح فصفعها على وجهها بقوة القت بها ارضا فصرخت وهى تحاول النهوض :
” ايوة انت السبب فى كل حاجة …عمرى ما هسامحك يا زين انت ضيعتنى فاهم ضيعتنى ”
وقبل ان يتحرك خطوة قاطعته صرخة ابيه :
” ايه اللى بيحصل بالظبط ؟؟“
انتفض الاثنان على صرخة محمود الذى وقف خلفهما يمسك مقبض الباب بقوة وهو يعتصره كأنه يفرغ به شحنات غضبه بينما مسحت سمر دموعها بظهر يدها وهى تنظر الى زين الذى تصلب فجأة ..
هل يخبر ابيه ان ابنة اخيه ساقطة ؟؟؟
هل يخبره بأنه لم يجيد تربيتها هى والأخرى التى كادت ان تلحق بمصيرها لولا صوفيا
اللعنة هل يشعر بالتشفى فى ابيه ؟؟
انتشله ابيه من افكاره وهو يصرخ بغضب عارم :
” حد فيكو ينطق ..زين انت كنت بتتهجم على بنت عمك ؟؟“
اتسعت حدقتا زين فكيف يظن ابوه فيه هذا ؟؟
أخرسته الصدمة تماما ..
أيعقل ان يعتدى على ابنة عمه شرفه وعرضه؟؟
ولكن ما تخطى ذهوله بمراحل ما فعلته سمر اذ تخلصت من ذهولها بسرعة لتعيد ترتيب المشهد باخراج محترف لم يعرف له نظير ، اندفعت فجأة الى عمها وارتمت بين ذراعيه وهى تبكي قائلة :
” الحقني يا عمي ..ابنك غدر بيا ودبحني ”

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثامن عشر

لم ينطق زين بحرف واحد للحظات وهو يتأمل سمر ترتعد بين ذراعي أبيه وتتقن دورها الى الحد الذي تستحق عليه الأوسكار …
لم يصدق أن سمر هادئة الطباع التي اعتبرها بمثابة أخت صغرى له يخرج من جعبتها كل هذا …
أمسك محمود سمر من كتفيها وهو يدقق النظر في عينيها يحاول نفي الخاطر الذي لا يحتمل الموقف غيره بأي طريقة :
” ابني !!!…ابني مين وعملك ايه ؟؟“
نظرت الى زين وطالعت ذهوله الذي لم يثنها عن رسم الذعر على ملامحها لتندفع هاتفة :
” خدعني يا عمي وأنا صدقته …فهمني انه بيحبني وانها مسألة وقت ونتجوز مكنتش اعرف انه غدار كدة وممكن يتخلى عني ”
تراجع محمود في صدمة ويديه ترتخي وترتعد على كتفيها …
لايمكن ان يكون ولده هكذا ..
زين لا يفعلها مع أي انثى أيا كانت فكيف بابنة عمه ، ولكن سمر ايضا هادئة الطباع ومسالمة الى ابعد حد ولم تختلط بالعالم الا في حدود دراستها وعملها فكيف لعقلها أن يصوغ خطة كهذه …أيهما يكذب !!!..
خرج زين عن ذهوله اخيرا وهو يتجه نحوها لتختبىء خلف عمها مسرعة قبل أن يفتك بها وهو يصيح :
” كل ده يطلع منك ؟؟“
ونظر الى أبيه في رجاء :
” أنت مصدق اني اعملها ..مصدق اني اتعدى على شرف بنت عمي …انا سمعتها وهيا …”
قاطعته صرخة ابيه وهو يقول بينما يشير بسبابته في تحذير :
” اخرس …انا شوفتك بعيني كام مرة معاها ..شوفتها وهيا خارجة من اوضتك ”
واعطاه ظهره وهو يواصل فى مرارة:
” انت تعمل كدة ؟؟؟…انت يا زين ؟؟“ …لو عاوزها كنت قول لزمته ايه اللى عملته ”
وقف زين ليواجه ابيه غير مصدق أنه قد أصبح الجاني في تلك القضية الملفقة :
” اديك جاوبت لو عاوزها كنت هقول ..انا يستحيل المس واحدة فى الحرام ما بال ببنت عمي ”
هنا لحقته سمر سريعا لتعيد الأمور الى نقطة البداية :
” هوا وعدني ان احنا هنتجوز بس بمجرد ما شاف صوفيا نسي كل حاجة ونسي كل وعوده وكلامه ليا ”
كاد زين ان يتحرك اليها ونظرات الشر تملأ عينيه الا ان ابيه جذبه من قميصه قبل ان يصل اليها هاتفا:
” كفاية …اسبقني على المكتب بسرعة يلا ”
تنهد طويلا وهو يمسح جبينه الذي تعرق كأنه خرج لتوه من مباراة للمصارعة الحرة ..لم يطرؤ له في أسوأ كوابيسه موقفا كهذا …
نظر الى ابيه فى الم ثم اليها فى اشمئزاز قبل ان يغادر ليلحق به ابيه بعدها بدقائق وما ان رآه زين حتى اندفع يقول فى مرارة ولوم :
” انت عارف اني معملهاش ..انت متأكد ….انا مش حيوان ولو حيوان اكيد مش هيبقى بنت عمي شرفي وعرضي ”
نظر له محمود فى تمعن قبل ان يسير فى اتجاه النافذة ليلتفت اليه فى بطء قائلا :
” عارف انك متعملهاش ”
زفر زين فى راحة وكأن أحمال الدنيا قد انزاحت من على كتفه ليعيد أبوه تحميله مثلها ألف مرة وهو يواصل :
” بس زى ما قولت هيا بنت عمك يعنى شرفك وعرضك وانت اولى انك تلمه ”
اتسع ثغر زين وتدلى فكه فى ذهول …تحشرج صوته في حلقه للحظات قبل أن يجليه بصعوبة :
” قصدك ايه ؟؟“
ازدرد محمود ريقه ليردف في ثبات مزيف :
” قصدى انك هتتجوزها برضه يا زين ”
كاد أن يفقد توازنه …ماهذا الجنون …أتثبت براءته ويعاقب على ذنب ارتكبه غيره أيضا ..لقد أصيب أبوه هذا بلوثة عقلية مؤكدة مما فعلته ابنته وابنة أخيه امسك جبهته بسبابته وابهامه وهو يعتصرها بقوة محاولا ابعاد هذا الخاطر عن باله ومخاطبة أبيه بالعقل والمنطق للنهاية :
” اتجوزها ؟؟؟…اتجوزها ليه ؟؟؟..اللى اولى انه يتجوزها اللى غلطت معاه مش انا ”
هز محمود رأسه في قلة حيلة :
” للأسف الولد هرب وسابلها البلد كلها ومفيش حل تاني غير اللي قولتهولك ”
تمتم زين فى صدمة وهو يتهالك على أقرب مقعد :
” مستحيل ”
رد محمود فى عنف هذه المرة كأن أمر زواجه من ابنة عمه قد أصبح واقعا لاسبيل الى مناقشته من الأساس:
” هوا ده الحل الوحيد عايزني اعمل ايه يعني ..اخدها من ايدها لدكتور معندوش ضمير يعملها عملية …“ وضغط بأسنانه على شفتيه فى الم مواصلا في لهجة أقرب الى الرجاء ..لهجة يعرف أنها ستكون أكثر تأثيرا بولده :
” عايز تكسر حسام اخوها من تاني بعد اللى اختك عملته فيه…حسام صاحبك وأخوك يا زين ”
هتف زين وكأنه يستنجد من تلك الأوزار التى يحملها اياه ابوه :
” انت بتشيلنى فوق طاقتى !! ..وبعدين انت بتناقض نفسك ؟؟ ..رفضت صوفيا عشان مجرد شكوك فى دماغك اتأكدت بنفسك انها غلط …ودلوقتى بتجوزنى لواحدة انت عارف كويس انها سلمت نفسها لواحد تانى ”
التفت له ابوه يزجره فى حدة :
” الواحدة دى تبقى بنت عمك يعنى شرفنا وعرضنا ودى عيلة واحد ضحك عليها وغواها ..متنساش ان اختك نفسها كانت هتوقع نفسها فى نفس الغلطة لولا …” وضيق عينيه مواصلا :
” ستر ربنا ”
أفلت زين ضحكة عصبية ساخرة قائلا :
” مش عاوز تقول انه لولا صوفيا اللى انت بهدلتها كان زمان بنتك لها نفس المصير …وقتها بقا يا ترى حسام كان هيوافق يتجوزها مهما كان بيحبها ”
تنهد محمود وهو يجلس على مكتبه …
وضع رأسه بين كفيه وأخذ يدلكها في ارهاق قبل أن يقرر أن ينهي النقاش تماما :
” اسمع يا زين احنا مش هندور ونلف حوالين الموضوع كتير …بنت عمك هتتجوزها ولو عاوز تتجوز عليها بعد كدة عادى براحتك …بس اهم حاجة نستر عرضنا ..ولو عاوز تتجوز صوفيا كمان عليها انت حر ”
ضحك زين هذه المرة في مرارة حتى أدمعت عيناه ..لم يهمه نظرات أبيه الساخطة عليه وهو يجيب على عرضه باستهزاء :
” صوفيا ؟؟…صوفيا اللى حسستني بعجزى قدامها وانا مش قادر احميها منك ..صوفيا اللى خلتنى احس انها اقوى منى مليون مرة ..صوفيا اللى انا كسرت قلبها وثقتها فيا ..تفتكر هقدر ابص فى وشها تانى ؟؟”
وأضاف وهو يمسح عينيه وينظر الى الأعلى:
” انت يا والدى العزيز اقنعتنى فعلا انى مستاهلهاش ”
نهض في بطء وواصل وهو يعطى اباه ظهره وبلهجة حملت من اليأس بقدر ماحملت من القهر والعجز :
” ولان بعدها مبقاش فيه حاجة مستاهلة فخلاص هتجوز سمر ..بس يكون فى علمك عمرها ما هتكون زوجه ليا ابدا ولا هيا ولا غيرها وزى ما قتلت صوفيا بايدى انا كمان هدفن نفسى بالحيا من بعدها وابقى اتفرج على ابنك وهوا بيموت كل يوم بالبطىء …اتفرج على الزوجه اللى اخترتهالو ..الزوجه اللى اتبلت عليه وكدبت وغلطت وسلمت شرفها لاول واحد ضحك عليها بكلمتين.. بس عشان بنت اخوك لازم تفضل فى نظرك ونظر الكل صاحبة الصون والعفاف ”
نهض محمود في ضعف واقترب من ولده ليمسك بكتفيه ويديره له قائلا في فخر :
” زين اللى انت بتعمله ده رجولة مش ضعف ابدا ..انت بتستر على بنت عمك وبتلم عرضك يا بنى ..سمر وحسام دول امانة عمك الله يرحمه لما يسألنى عنهم بعد كدة اقوله ايه ”
تخلص زين برفق من قبضتى ابيه هامسا في ضياع :
” متقولش حاجة …اللى انت عاوزه خلاص هنفذهولك وفى الوقت اللى تحدده ”
عاد من افكاره متسائلا هل فعل الصواب ؟؟؟ وان لم يكن فلما فعله ؟؟
هل سترا على ابنة عمه بالفعل ام ان شعوره بعجزه عن حماية صوفيا الذي رسخ فى نفسه انه لم يعد جديرا بها هو ما دفعه ؟؟..
هل اتخذ مما حدث ذريعة ليبعدها عنه ؟؟
هل كان بحاجة الى كل تلك القسوة حتى تنساه وتبتعد؟ هل حقا يحتمل هذا ؟؟
هل يريدها ان تنساه بينما ستظل هي فى ذاكرته وقلبه الى اخر عمره ؟؟
هل سيسعده ان تكمل حياتها مع اخر ؟؟
زفر فى قوة وهو يتهم نفسه بالأنانية فلا داعى ان يسحبها الى نار يحترقا فيها سويا ..
كفاه هو ان يحترق وحده
لقد اخذته الى جنتها وعاش فى نعيمها اجمل ايامه ، غرق فى سحر عينيها التى لايعرف كيف سيحيا من دونهما من الان فصاعدا ..
كانت بمثابة المخدر لكل الامه ..
السحر الشافى لكل اوجاعه …
الترياق المضاد لكل سموم البشر وأحقادهم ..
مجرد نظرة منهما هى كل ما كان يحتاجه لينسى هموم كل هذا العالم ..
كيف يكون الحلم من بيديه واقعا ملموسا ليتلاشى هكذا وكأنه لم يكن ؟؟
*************************************
” مش هقدر يا يوسف ..صدقني مش هقدر ”
قالتها ايلينا فى حزن وهى تجلس على طرف الفراش فى تهالك
جلس يوسف الى جوارها وهو يمسح على ظهرها قائلا في رجاء :
” ايلينا …ده فرح اخويا الوحيد ولازم تكونى موجودة ”
زفرت فى الم وهى تزمر شفتيها فى غيظ فزين قد خيب ظنها تماما بما فعله فهل بعد كل هذا الحب الذى توهمت انه يكنه لصوفيا يتخلى عنها هكذا :
” واخوك ده دمر صوفيا ولحد دلوقتى مش قادرة اصدق ان زين يطلع بالشكل ده ويلعب بقلوب الناس ومشاعرهم ”
رد يوسف بسرعة وهو يرفع كفه مدافعا عن اخيه:
“ لا طبعا مستحيل زين يكون كدة ..انا متأكد انه حبها بجد ..بس فيه حاجة غلط ..لما سألته قال ما اتفقناش ”
عضت ايلينا على شفتيها فى غيظ وهي تنهض في بطء: ” وصوفيا قالت برضه نفس الكلمة ..بس جوازه من سمر بالسرعة دى بيقول غير كدة …ده كأنه متعمد انه يقتلها بالحيا ”
نهض يوسف وهو يضيق عينيه فى تفكير:
” سمر بالنسبالى هيا اللغز …طول عمر زين بيعتبرها اخته فجأة كدة يفكر فيها كزوجه ”
وعاد الى ايلينا يعيد طلبه من جديد :
” ما علينا المهم دلوقتى تجهزى نفسك عشان هنتحرك على تمانية باليل ”
أشاحت بوجهها فى عدم رضا فاقترب يمسح على شعرها فى حنان قائلا :
” ايلينا انا عارف انه صعب عليكى بس وجودك مهم ”
مسحت وجهها بكفها في قلة حيلة :
” حاضر يا يوسف بس الاول عايزة اروح لصوفيا اطمن عليها وهكون جاهزة على الساعة تمانية ”
سمح لها بذلك وبعد ساعة كانت تفتح باب شقتها القديمة لتدلف الى حجرة النوم مباشرة…معتكف صوفيا في الايام الماضية …
وجدتها هذه المرة أمام حقيبة كبيرة تضع فيها ملابسها بشكل عشوائى يفتقد لاي نظام اعتادته في ترتيب حاجياتها ..
سقطت منها بعض الاشياء على الأرض أثناء ما تفعله فلم تهتم لامرها وهى تواصل فى غضب مكبوت تحاول أن تخفي به انكسارها الواضح …
شهقت ايلينا مما رأته واتجهت اليها لتمسك بكفيها قائلة :
” انتى بتعملى ايه يا صوفيا ؟؟”
نظرت لها صوفيا وتوقفت للحظات عما تفعله وأجابت فى هدوء حمل من الالم الكثير:
” زى ما انتى شايفة ”
ضغطت ايلينا على كفيها قائلة :
” انتى هتسافرى …هتهربى يا صوفيا ؟؟”
افلتت صوفيا كفيها وواصلت وهى تتجه صوب الخزانه من جديد تعبث فى محتوياتها عن شىء لا تعرفه :
” ايوة هسافر ومش هرجع البلد دى تانى ابدا …“ ونظرت الى ايلينا مردفة وهى تمرر يدها فى شعرها بعنف :
” ههرب يا ايلينا زى ما انتى ما بتقولى ..وانا حياتى عبارة عن ايه غير رحلة هروب ..انا اصلا جتلك هربانة من الوحدة ومن عمايل امى ..هرجع دلوقتى برضه هربانة ايه الجديد ؟”
تألمت ايلينا من لهجتها البائسة فضمتها اليها قائلة :
” مش اخر الدنيا ابدا يا صوفيا انك تحبى وتنجرحى ..مش اخر الدنيا ..ميستاهلش ابدا ”
ردت صوفيا باختناق وصوتها يجرح حلقها مع كل حرف :
” هوا مش اخر الدنيا ..هوا بالنسبالى الدنيا كلها ..هوا الوحيد اللى حسسنى بأهمية وجودى ..هوا الوحيد اللى مطردنيش من حياته ..هوا الوحيد اللى حب روحى قبل جسمى …ايوة يا ايلينا حبني انا متأكدة ..مش معقول كل اللى بينا كان كدب .. ..لو عيني كدبت فروحي وقلبي واحساسي مكدبوش ..تعرفى انا فضلت موجودة لحد فرحه عشان كنت متخيلة انه مش هيقدر يعملها ..كنت متخيله انه هيجيلى فى اى لحظة ويقولى يلا نهرب من كل العالم ده ونعيش لبعض وبس ”
واضافت فى حرقة ودموعها تنهمر بغزارة :
” ازاي قلبه طاوعه يعملها ..ازاي يعمل كدة في نفسه وفيا “
واضافت وهى تتجه الى الخزانه لتضربها بقبضتها :
” بس عملها خلاص ..فمش هستحمل اكون معاه فى بلد واحدة …مش هستحمل اكون قريبة منه وبفكر فيه ليل ونهار وهوا فى حضن واحدة تانية …حاسة اني بتخنق وروحي بتروح مني… هموت يا ايلينا همووووت..ازاي هنت عليه ..ازاي ؟؟ ”
احتضنت ايلينا وجه صوفيا بين كفيها قائلة وهى تمسح دموعها بابهاميها :
” انا هبقى جنبك يا صوفيا …عايزة تسافرى وتسيبنبى ”
ابتسمت صوفيا فى حزن وهي تهمس في ألم بلغ أقصاه :
” انا محدش جنبى ابدا …انتى عندك جوزك واخوكى وحياتك ”
حاولت ايلينا ان تقول شىء لتدافع عن نفسها ولكن صوفيا بسطت كفها قائلة :
” انا مش بلومك ابدا …انا اتعودت على كدة …امى اتجوزت وخلفت وبقا ليها حياتها ونسيتنى …وابويا اتجوز وخلف وبقا ليه حياته وسابنى هوا كمان …تفتكرى هستنى من مين اهتمام لو اقرب الناس ليا رمونى ..انا حتى لو مت محدش هيحس بيا ”
جذبتها ايلينا الى احضانها هذه المرة لتشاركها البكاء :
” اوعى تقولى كدة ..انا اسفة صوفيا ..اسفة فى لحظة ان الاحساس ده يكون وصلك بس ارجوكى بلاش تسافرى ”
شهقت صوفيا وهى تتخلص من ذراعى ايلينا قائلة :
” خلاص ايلينا انا خدت قرارى ومش هرجع البلد دى تانى ..هرجع لحياتى اللى كنت عايشاها ..يمكن لما ارجع انسى كل حاجة ”
******************************************************
وقف زين فى غرفة مكتبه يضع يديه فى جيب سترته ينظر فى شرود الى الشارع من خلال النافذة التى احتلت جدارا بأكمله …
يتساءل للمرة الألف هل ما فعله هو الصواب ويعود ليسخر من روحه ؟؟
هو يعرف انه ابعد مايكون عن الصواب ..
هو فقط يتخبط بين جدران حيرته وفشله وضلاله ، يشعر بالضعف ..
الطعنه التى تلقاها فى رجولته أصابته بالهشاشة ..
لم يكن يريد لمن وضعته فى منزلة الفرسان ان تراه على ضعفه وخذلانه ابدا ..
اراد ان يحتفظ بقوته للنهاية حتى لو كان قاسيا عليها ، ذاك ارحم من ان ترى قلة حيلته وعجزه …
ماالذى عاقب نفسه به ؟؟
زواجه من سمر الذى سمح لابيه بكل بساطة ان يجبره عليه وهو يحاول ان يقنع نفسه انه فعلها بالرضا لينقذ اسم العائلة وشرفها وماهى الا مجرد ذريعة اتخذها ليبعد صوفيا عنه فلم يعد جديرا ابدا بتلك النظرة التى تحدقه بها دائما لتشعره بأن الكون يخلو من أي رجل سواه….
لقد فاقت طاقة تسامحها كل ما تصوره …طاقة قوة لاتشعر هى بها رغم أنها تعرى له عجزه اكثر واكثر ، نعم سامحته هى على مالم يستطع ان يسامح نفسه عليه ..
تحبه ويعلم ولكن لكل منهما طريقته ومذهبه في العشق.
نظر الى ساعته يعلم انه تأخر ولكنه سيذهب فى النهاية ، بقى فى شركته وحيدا ليبتعد عن تلك الاجواء فى القصر ..
مبهجة لهم قاتلة له …
امه أخذت تقبله فى سعادة حينما علمت بقراره وهى تظن ان دعواتها اخذت طريقها الى السماء بالسرعة التى تمنتها وتخلص ولدها من تلك ” الخواجاية ” ليتزوج ابنه عمه ابنة الاصول التى ربتها على يديها ، لم يعد قادرا على مسايرتهم فى هذه اللعبة فابتعد عن القصر قدر الامكان ولكن اليوم هو الزفاف …اى زفاف ؟؟؟، زفافه على تلك المخادعة التى تدعى ابنة عمه ، تلك الكلمة التى ظل ابوه يرددها على مسامعه طيلة الفترة الماضية ليشعره ببطولة ما يقوم به ..
ابتسم فى مرارة وهو يتخيل صوفيا حوريته فى ثوب الزفاف
هل يمكن لأحد ان يصادر خياله ايضا ؟
يتخيل عينيها تلتمعا بابتسامة تزيد جنونه وهوسه .. يتخيل رقتها وهى تتهادى لتتأبط ذراعه ..
يتخيل خجلها وهى بين احضانه للمرة الاولى ..
تنهد فى قوة لو استغرق فى خياله اكثر فسيذهب الى الجحيم عوضا عن الذهاب الى سمر ..
ابتسم فى سخرية فسمر والجحيم فى اى شىء يختلفان ؟؟
لقد خرج من الجنه وذهبت حوريته للابد ولا بد انها الان تلعن الساعة التى رأته فيها وتنعته باشنع الصفات ..
كم مرة منع نفسه من الذهاب اليها والفرار بها وليذهب كل شىء بعد هذا الى الجحيم ، لما لم يكن القدر اكثر رحمة ليضمها مرة واحدة فقط قبل ان ….
شعر بأنامل رقيقة على كتفه فاستدار فى بطء هل تحول الحلم الى حقيقة بتلك السرعة ام انه لازال يعيش داخل هوس ما يتمناه؟؟
حوريته الجميلة الان تقف امامه لا يفصل بينهما شىء سوى الهواء الذى يتنفسانه سويا ويكاد هو ينفرد به من سرعة انفاسه وتلاحقها وهذا الذى ينبض بين ضلوعه كأنه يريد ان يخرج من صدره ليفر اليها راجيا اياه ان يتوقف عن جلده صارخا بحبها وعشقها وهو ينظر الى عينيها التى انطفىء بريقها من جرحه لها ووجهها الذى شحب من طيلة انتظارها له ، مدت يدها فى بطء وتلمست وجنته وهى تقول :
” انا هسافر يا زين ”
شعرت بانقباض عضلات وجهه تحت أناملها فأضافت لتؤكد ماشعرت به :
” ومش هرجع تانى ”
مد يده الى يدها التى تلامس وجنته وأزاحها فى رفق ومهما حاول تركها من كفه لا يقدر وكأنها مغناطيس يجذب قطعة معدن .. همس فى الم:
” ربنا يوفقك فى اللى جاى وتحققى اى حاجة تتمنيها و…“
لم يستطع ان ينطق بها …مجرد تخيلها مع شخص اخر لا يقدر على استيعابه .. هى حوريته فقط ..جنتها حكرا عليه..
نعيمها وحده من بشره القدر به ..
واصلت الجملة عنه وهى تشعر بانفعاله الذى جعل يده ترتعد وهى تحتضن كفها :
” وايه ؟؟…يبعتلى انسان يحبنى غيرك تقدر تقولها يا زين ”
شعر ان انفاسه ستتوقف تماما من قربها هذا ..سيطرته على نفسه بدأت تتلاشى بل لم يعد لها وجود ، همس بصوت لا يعلم كيف خرج منه:
” صوفيا ”
اقتربت اكثر فكاد ان يتراجع خطوة للخلف فأمسكت بذراعه لتمنعه بينما تركت يدها الاخرى فى كفه وقالت وهى تتمعن فى ملامحه :
” قولى انك مش كدة يا زين ..قولى ان احساسى صح …قولى ان فيه ظروف اضطرتك وانا حتى مش هسألك ايه الظروف دى ..“
واغلقت عينيها للحظة فتحتهما بعدها لتنهمر دموعها قائلة:
” بس متشوهش اجمل احساس حسيت بيه فى حياتى …انا هسافر ومش هرجع تانى بس عاوزة اسمعها منك ”
قال وهو يشيح بوجهه للاتجاه الاخر مبتعدا بعينيه عنها يحاول ان يبحث عن تماسكه.. عن قوته ..عن قسوته.. عن اى شىء لا يجعله يصرح بالحقيقة ولكنه عجز سوى عن قول :
” صوفيا متصعيبهاش عليا ارجوكى ”
ادرات وجهه اليها ودمعة غافلته لتسقط رغما عنه فقالت وهى تمسحها باصبعها وتحتضن وجهه بين كفيها :
” قولها وميهمكش اى حاجة …مش هطلب منك اى حاجة قصادها …مش هطلب منك تشرح اى ظروف اضطرتك ”
كان يراقب كل شىء فيها ، عينيها ..انفاسها ..شفتيها يديها التى تحيط وجهه يريد ان يطبع كل ملمح فيها فى عقله ، لا يصدق انها ستذهب بلاعودة وان قرار اعدامه قد جاء موعد تنفيذه ، لم يعد لعقله اى وجود وهى تواصل فى حرقة :
” مش معقول كل اللى حسيت بيه معاك كان وهم …كان خيال عايشة فيه لوحدى …قول انك بتحبنى لسة يازين ..قول انك بت …“
ولم يترك لها الفرصة لتكمل… لم يسعفه عقله ابدا وقد استنفذت مشاعره…
انحنى فجأة ليقبلها دون ان يدرى كيف …
دون ان يفكر انه يخرج عن كل مبادئه واعرافه …
دون ان يشعر ولو للحظة انه يرتكب اى ذنب ..
ان كان اعدامه قد حان فتلك هى الرغبة الاخيرة فى الحياة …
الحياة التى بدأت فقط بنظرة واحدة من عينيها وقلب لم ولن يدق لسواها ..
قلبه الذى يخفق فى عنف وهو لا يتخيل انه على بعد لحظات من حرمانه منها للابد ..
كلما تخيل هذا الظن ضمها اليه اكثر وبثها كل مخاوفه وعشقه واجابها بسهولة عن كل ما دار فى عقلها من شكوك …
تلاشى تماما فى لحظات كل ما علمها اياه وكل ما منع نفسه عن ارتكابه طيلة عمره وهو يمرر يده فى شعرها وينزع عنه حلية صغيرة وضعتها فيه ..
قبلها فى قلة حيلة ..فى اختناق… فى خوف …فى حب جارف …
اما هى فحصلت على اجابتها وتيقنت من انها لم تخدع ولو للحظة فى مشاعره تجاهها ..
شعرت بألمه ووجعه وضعفه ..
نسيت كل شىء حولها وذابت فى لحظة جنونه هذه حتى ابتعد بصعوبة عن شفتيها واسند جبينه الى جبينها وهو يلهث بشدة ويحيط خصرها بذراعيه فى تلقائية فقالت بانفاس متقطعة :
” انت لسة بتحبنى يا زين ”
اجابها وهو يغمض عينيه فى الم:
” وهيفيد بايه ”
وضمها اليه قائلا فى ضعف كم كره ان يظهر امامها :
” هيفيد بايه ومفيش حاجة هتتغير ..بعد دقايق فرحى …مبقاش ينفع يا صوفيا ”
تشبثت به اكثر قائلة :
” انت بتتعذب يازين انا حاسة انك بتتعذب وانا مش هسألك اكتر من كدة بس كفاية عليا انك انت بتحبنى وبس …ولو حبنا ده سببلك اى وجع فانا هبعد من غير حتى ما اعرف ليه ”
افلتها زين من بين ذراعيه قائلا :
” صوفيا انت حبك اجمل حاجة حصلت فى حياتى ..بس كل حاجة اقوى منى …سامحينى يا صوفيا ..انا ”
وضعت اصبعها على شفتيه قائلة :
” انا هبعد بس مش هحتاج منك اكتر من وعد ..اوعدنى زين انك هتحاول ترجعلى وتصلح كل حاجة ”
ابعد اصبعها وهو ينظر الى عينيها فى الم كيف يعدها بما لا يمكنه ان يبر به:
” صعب ..صعب يا صوفيا ”
همست فى حب :
” بس مش مستحيل …انا هستناك حتى لو عدت …“ قاطعها بسرعة :
” يبقى بتظلمى نفسك وبتحكمى عليها تندفن معايا ”
اسندت رأسها على صدره قائلة:
” وانا مش هسيبك تموت لوحدك ..انا هفضل مستنياك وانت هتدور عليا وهتلاقينى.. مش هضغط عليك اكتر من كدة ..خلى حبك يقاوم كل حاجة وارجعلى ..مش عاوزة اكتر من وعدك ليا بده ..اوعدنى انك هتحاول ”
كانت تشعر بصدره يعلو ويهبط فى جنون تشعر بعذابه بالمه وتردده ..بصرخاته المكبوته التى يحبسها عن العالم وتسمعها هى بوضوح ، بحر مشاعره العميق تغوص هى فيه الان …
ابتعدت عنه فى هدوء ونظرت اليه نظرة وداع اخيرة وقبل ان تلتفت لتذهب تنهد وهو يغمض عينيه لثوانى ، ستذهب بلا عودة …
سترحل ولن تراها مجدد ..
اعطها واعط لروحك بعضا من الامل ..
اعطها ماتريد ربما كانت الايام اكثر رفقا بك وبها امسك بذراعها قبل ان تبتعد وضمها اليه من جديد لم يترك حتى للهواء فرصة ان يتسلل بينهما ، دفن رأسه بين خصيلات شعرها الاشقر وأخذ نفسا طويلا من رائحته وبلله بدموعه التى سالت رغما عنه ، وكلما تنفس كلما امتلأ صدره بعبقها اكثر غير مصدق انها لحظة الوداع ، مرر يده فى شعرها قائلا :
” اوعدك انك هتفضلى جوايا لاخر لحظة فى عمرى ..اوعدك انى هفضل احبك لاخر نفس فيا ”
قالت ويداها المرتعدتان تتركان ملابسه التى تشبثت بها:
” وانا مش عايزة اكتر من كدة ..طول ما حبى جواك هتحاول مرة واتنين وعشرة وانا هستناك حتى لو لعمر تانى ”
واضافت وهى تضع يدها على صدره:
” طول قلبك ده ما بيدق قلبى انا كمان هيفضل يدق معاه …هفضل احبك طول عمرى ”
وتراجعت للخلف وهى ترسم ابتسامة تقاوم بها كل صرخاتها ونحيبها لتلتفت فجأة وتطلق العنان لكل دموعها ، ابتعدت بخطوات سريعة وهو عاد الى نافذته ليراها تسرع بخطوات تشبه الركض..
لن تلتفت ابدا له فان التفتت ستعود اليه دون شك ..
ان التفتت سيلحق بها ويلعن هذا العالم بكل مافيه.. سيسحق كل شىء تحت قدميه ..
ولكنه وعدها ان يعيد لها زين الذى احبته فهو الاجدر بها من هذا الضعيف الذى عجز عن حمايتها ..
تنهد بعمق والم وصرخت كل خلية من خلاياه وكل ذرة من كيانه وهى تختفي ..
وداعا صوفيا وداعا حوريتى الجميلة..
وداعا كل شيء…

رواية مذاق العشق المر

الفصل التاسع عشر

انتهى حفل الزفاف الذى كان رائعا بمقاييس كل من دعي لحضوره الا صاحبه فلم يشعر سوى انهم يشيعونه لمثواه الاخير بعد أن صدر حكم الاعدام بحقه ورحلت صوفيا منذ ساعات ..
لم يتمكن حتى من رسم أي بسمة روتينية مجاملة على شفتيه ، كان يشيح بنظراته الى اي شىء غيرها ، يخشى ان رمقها بالنظرة التى تستحقها ولم يعد لديه لها سواها أن يلحظه احدهم فحتى الان لا يعرف شخص بالقصة شىء سوى محمود وهما ،اما باقى العائلة فتراه زواجا موفقا وسعيدا ، الا ايلينا التي تحولت نظراتها الساخطة عليه الى أخرى مشفقة ففى عينيه لاحظت ضياعه وحزنه وشتات أمره …
لاحظت عدم شعوره بسمر تماما وكأنه يحملها ذنب ما حدث …
أدركت بفطرتها أن هناك خطب ما وأنه مضطر لما يفعله ولكن الجزء الاكبر من شفقتها كان على صوفيا التى لاذنب لها فى دخولها لدوامته تلك ، وكما اشاح زين بوجهه عن سمر اشاح به ايضا عن ابيه …
نعم ابيه الذى غير كثيرا من تفاصيل تلك الليلة التى طالما روادته فى احلامه وهي تجمعه مع حوريته التى نفاها بعيدا بعد ان اشعره ابوه بعجزه المطلق امامها …
أشعره أنه لايستحق سوى بقايا أنثى كسمر ابنة عمه ، ليتها لم تكن هكذا ابدا …
ليتها لم تكن شرفه وعرضه فلقد حمله أبوه مالا يطاق .
عاد الى جناحه فى القصر مع عروسه ..
لم يحتج زواجه بها سوى مجرد تعديلات بسيطة على جناحه الفخم من الأساس ..تركه لهم ليفعلو به ماشاءوا فقد ترك لهم حياته بأسرها من قبل …
تولت سميرة تلك المهمة وأنهتها في وقت قياسي …ألهتها سعادتها بابتعاد ابنها عن الشقراء عن حزنه وصمته واستسلامه ..ربما أدرك مؤخرا أنها لا تصلح زوجة له وأن ابنة عمه هي الاختيار المناسب ..سيتناسى مع الوقت ..بل سينسيه عشق سمر له هوسه بتلك “الخواجاية “…
جلست سمر على طرف الفراش بينما هو لم ينطق بحرف …
خلع رباط عنقه والقى به فى عشوائية واتجه الى المرحاض بعد ان اخرج من الخزانة بعضا من ملابسه ، خرج بعد دقائق ليجدها لازالت على جلستها بثياب العرس ، ابتسم فى سخرية دون ان يعلق وهو يتجه الى ملحق صغير بجناحه لينام فيه ..
نهضت خلفه مسرعة وهى تمسك باطراف ثوبها قائلة في حذر :
” زين استنى ”
توقف دون ان يلتفت اليها فمنذ أن اتخذ أبيه قراره بشأنهما لم يتبادلا حرفا قط..
تقدمت خطوتين لتقف فى مواجهته :
” احنا لازم نتكلم ”
زفر فى ضيق فمجرد انفاسها فى المكان تزعجه :
” عايزة تقولى ايه ؟؟”
ازدردت ريقها بصعوبة وهى تنظر الى اصابعها تفركها فى شدة :
” انا عارفة انك متضايق من اللى حصل ومن الل…“
اوقفها بكفه في صرامة :
” بلاش تتكلمى فى اللى فات احسن عشان انا مش ضامن اعصابى ولا ضامن ممكن اتهور عليكى ازاى ”
واصلت وكأنها لم تسمعه :
” انا عارفة انى غلطت بس ده كله كان عشانك يا زين ..عشان حبيتك ”
ضحك فى سخرية وهو يضرب كفيه ببعضهما قائلا :
” هوا انتى مفهومك عن الحب ايه ..حبتينى ازاى وامتى ؟؟… وفرضا انك حبتينى ..ازاى تسلمى نفسك لحد وانتى بتحبى حد تانى وترجعى تكدبى وتخدعى الكل عشان تورطيه معاكى وتلبسيه فى جريمتك ..حب بأنهى منطق ”
صمتت للحظات ..أمسكت بثيابها ترفعها لتتقدم اليه خطوة اضافية هامسة بصوت مختنق :
” بمنطقي أنا !!!..حب مدقتش منه غير مراره وانت بترفض مشاعري مرة ورا التانية ..كنت بموت وانا بشوفك معاها …كنت عاوزة انساك باى طريقة ..كان شبهك يا زين او يمكن انا شفته شبهك ..صدقت كلامه اللي كان نفسي اسمعه منك انت ..سلمتله عقلى..عشت معاه كل اللي اتمنيت اعيشه معاك ..حبيتك انت فيه ”
تراجع في حدة وكأنها شيئا يثير أقصى ما في نفسه من اشمئزاز…كأنه يحاول أن يحافظ على أبعد مسافة ممكنة بينهما في هذا المكان الذي اصبح أضيق من جحر النمل :
” اللى بيحب ميخونش ..انتى خنتى اهلك ونفسك …الحب بيطهرنا ..بينضفنا من جوانا ولو معملش ده يبقى يتسمى اى حاجة تانية ”
اقتربت محاولة ان تضع يدها على كتفه فدفعها فى عنف ..يشعر انها لمسته ستندسه فقالت وهى تقبض كفها في الهواء :
” انا عارفة انى غلطانة وعارفة انى اللى هطلبه صعب ..وعارفة انك عمرك ما هتفكر تقربلى على الاقل دلوقتى …بس انا مستعدة لكل اللى انت عاوزه ..كل اللى تطلبه مقابل ان احنا نعيش مع بعض حياتنا …زين صدقنى انا عمرى ما تمنيت حد غيرك ”
هز رأسه في أسى قائلا :
” وانتى كانت مكانتك عالية اوى عندى يا سمر ..كانت ..كانت اعلى بكتير من المكانة اللى انتى حطيتى فيها نفسك دلوقتى …انا لما سمعت اللى سمعته منك اتجننت مكنتش قادر اصدق انك انتى كدة ورغم كل ده لما بابا دخل علينا مكنتش ناوى اقوله …كنت هكدب عليه بأى حجة وهحاول باى طريقة اخرجك من مصيبتك دى …تعرفى كان ممكن فعلا اتجوزك لو وصل الموضوع لحارة سد …لكن اللى عملتيه صدمنى اكتر من صدمتى الاولانية فيكى …احنا مفيش ولا هيبقا بينا حياة يا سمر ”
نظر الى دموعها بعدم اكتراث فمهارتها الخارقة فى التمثيل لم تعد في حاجة الى اثبات …
او ربما كان هو احوج البشر فى تلك اللحظة الى البكاء والعويل فقد خسر حبيبته لتحتل اخر من تمناها فى العالم مكانها ..
حبيبته التى بدأ يضنيه الشوق اليها مع أول خطوة وطأتها قدماها بعيدا عنه ..
حبيته التى ارتمت بين ذراعيه وقبلها دون ان يشعر بشىء حوله…
قبلة لم تحمل شغفا بقدر ما حملت ضعفا من كليهما …
قبلة لم يشعر بذنب مطلقا وهو يقتنصها من شفتيها ضاربا عرض الحائط كل ما علمها اياه …
قبلة تحولت لميثاق غليظ امتلكت به كيانه بأسره ليقسم على نفسه ان يحرم على اى امرأة اخرى مجرد الاقتراب من شىء اصبح خاصا بها هى .
**********************************
قبضت ايلينا على هاتفها فى قوة وهى تطرق على طرف الفراش به فى غضب كادت به ان تحطمه الى اشلاء ولكنها تحتاجه الان …
وبعدها ليرى من نوبات غضبها ما يشاء فما يحمله يذهب بعقلها تماما …
انتبهت على صوت الباب ليدلف يوسف اليها بابتسامة واسعة وهو يخلع سترته قائلا:
” مساء الخير ”
لم ترد تحيته وظلت تتطلع اليه فى تمعن ، ايعقل ان يفعلها ؟؟
فتح اول زر فى قميصه والتفت ليتحدث اليها ويروى لها يومه كما تعود ولكنه توقف وهو يقطب جبينه وينظر اليها حيث بدت شاردة الذهن فقال وهو يقترب منها ويضع يده على جبينها فى قلق :
” مالك ايلينا انتى تعبانة ”
تصنعت ابتسامة بدت شديدة الغرابة له:
” انا كويسة ..بس انت بقا ؟؟؟“
قطب حاجبيه فى استنكار من طريقتها فى الحديث:
” ايلينا فى ايه ؟؟ايه اللهجة دى ؟؟“
نهضت فى عنف وهتفت وهى تنظر اليه فى غضب وبعينين حملت كثيرا من السخط وخيبة الامل :
” فيه ان مهما حاولت اغير فيك مفيش فايدة …فيه انى تعبت وزهقت ..فيه انى بحارب طواحين الهوا معاك ”
هتف وعيناه تتسع في دهشة :
” انتتى بتتكلمى عن ايه ”
مالت اليه وهى تهمس من بين اسنانها فى حرقة :
” يوم فرح اخوك …روحتنى القصر وقلت انك هتكمل سهرتك مع اصحابك …ده حصل فعلا ؟؟“
ضرب كفيه ببعضهما فى نفاذ صبر قائلا :
” يا ريت تتكلمى على طول وتقولى عايزة ايه ؟؟“
هزت كتفيها بسخرية وقالت بينما تعبث بهاتفها:
” حاضر هتكلم ”
وصوبت الهاتف نحو عينيه مباشرة كأنها تصوب قذيفة :
” اتفضل يا استاذ يا محترم ..الهانم اللى قضيت الليلة فى حضنها ..صورتك وبعتتلى الصور عشان تأكدلى ان علاقتكو مستمرة ”
نظر الى الهاتف وضيق عينيه بشدة وتركيز فواصلت :
” انا فعلا ندمانة على كل لحظة عشتها معاك ..ندمانة على كل احساس حسيته وياك ..انت مصر تفضل فى الحضيض والقرف وهما فعلا لايقينلك خليك فيهم وانا هبعد وكفاية لحد كدة ”
واكملت وهى تسحب الهاتف من امامه غير عابئة بملامحه التى كستها الصدمة :
” ايه ؟؟؟….مكنتش عامل حسابك صح ؟؟..مش لاقى كلمة ولا رد ترد بيه ..بتفكر فى حاجة تضحك عليا بيها مش كدة ..مش هتقدر تضحك عليا ابدا انا مش هتنازل المرة دى ولازم نتطلق ”
وضع يديه فى جيبه وعض على شفته السفلى قائلا وهو يرفع رأسه فى بطء :
” فعلا معنديش رد ولا كلمة اقولها ..لو انتى مصدقة ان انا اللى فى الصور دى خلاص ايلينا يبقى انا ”
رفعت حاجبيها في دهشة وكادت أن تتهمه بالوقاحة فتابع فى حزن :
” انا زهقت وتعبت ..صدقى اللى تصدقيه واعملى اللى انتى عايزاه ..انا مش هعيش حياتى معاكى كلها فى حرب وسجن اتهامات مبتنتهيش ..لو عاوزة تطلقى حالا هطلقك وكفاية عليكى عيشة مع واحد خاين ووسخ زيي“
اتسعت عيناها كأنها ستبتلعه بداخلهما وتمتمت فى حيرة وهى تلقى نظرة على هاتفها كأنها تتأكد من شىء ما:
” انت قصدك ان مش انت اللى فى الصور ”
ضحك فى مرارة وهو يتابع ما تفعله :
” انتى من كتر شكك فيا مجاش فى بالك حتى ولو لمرة ان الصور متفبركة ..ولا حتى حاولتى تتأكدى وتتأكدى ليه …انا راجل خاين بطبعى عمرى ما حبيتك ولا بفكر اسعدك ازاى بأي طريقة ”
وعاد ليلتقط سترته لينهي النقاش قائلا في هدوء:
” على كل حال شوفى انتى عايزة ايه وانا اعملهولك ” واشار بسبابته قبل ان يذهب ليواصل في تهكم :
” واه بالمناسبة انتى مش محتاجة تسألى حد اذا كانت الصور متفبركة ولا لا ..لان لو عندك ثقة فيا كنتى قدرتى تلاحظى ان ده حد تانى ..انا فى كتفى جرح واضح بقاله سنين ..اللى فى الصور جسمه سليم ”
نظرت الى الهاتف فى يدها وهي تشهق فى صدمة …لقد ذهب هذا الأمر عن بالها تماما …نعم الوجه في الصورة له ولكن هذا ليس جسد يوسف مطلقا ..ليس الجرح فقط فلون بشرة صاحب الصورة أفتح من لون يوسف بقليل …لو دققت من البداية لأدركت هذا بسهولة ..ولكن غيرتها تحكمت بها فشوشت نظرها كالعادة …
نظر لها من اعلى الى اسفل فأطرقت برأسها فى خجل وهى تتذكر كل الكلمات اللاذعة التى امطرته بها ظلما …لقد هدمت جزءا بداخله لا يمكن اعادة بناءه من جديد ، حاولت ان تقول اى شىء ولكن لسانها الذى انطلق بلا هوادة فى وصفه بأشنع الصفات قد تخلى عنها الان ،ارتجفت نبرتها كثيرا وهي تحاول صياغة أي جملة:
” يوسف ..انا ”
اوقفها بكفه يمنعها من الحديث فقد اكتفى وفاض :
” انتى ايه ..انا خلاص تعبت ..طول الوقت شك ..طول الوقت بتحسسينى بندمك على جوازنا اللى انا بعتبره اجمل حاجة حصلتلى ..طول الوقت بتحسسينى انك اتنازلتى لما قبلتى تتجوزينى ..انا حكتلك وعرفتك كل حاجة من البداية وانتى قبلتى ووعدتك انى مش هجرحك وانتى عمرك ما ادتينى ثقتك ..انتى استغليتى ماضيا عشان كل لحظة تعايرينى بيه ..من يوم ما اتجوزنا وانا بسعدك بكل طريقة ..عمرى حتى ما بصيت مجرد بصة لواحدة غيرك ..نظرة الاتهام اللى فى عينيكى بقت بتقتلنى ..انا تعبت والله تعبت ”
واغلق زر قميصه وهو يحمل سترته على ذراعه وهم ان يفتح الباب فهرعت لتضع يدها على مقبض الباب تترجاه في ندم :
” يوسف استنى ..انا اسفة ..ارجوك سامحنى ”
تنهد في مرارة فاقتربت أكثر لتمسك بياقة قميصه هامسة في نعومة تعرف كم هي مؤثرة به :
” انت عارف اني بحبك وبغير عليك ”
حركت ذراعيها لتحيط بهما عنقه …اقتربت من شفتيه ببطء تطلب التصالح بطريقتها …نظر الى ثغرها لحظات قبل أن ينزل ذراعيها ويبعدها فى رفق :
” لا يا ايلينا ..المرة دى غير كل مرة مش هضعف قدامك وانسى حرف من اللى قولتيه …“
وتركها ليخرج …نظرت حولها بسرعة والتقطت وشاحا لفت به رأسها دون ان تهتم ببعض الخصيلات التى ظهرت من تحته لتتمكن من اللحاق به ..
أدركته وهو على وشك ركوب سيارته فامسكت بذراعه تتوسله :
” ارجوك يا يوسف… انا اسفة… اعمل فيا اللى انت عاوزه بس بلاش تمشى وانت زعلان منى كدة ”
وقفت امامه لتضيف فى قلق وهى تنظر الى وجهه الغاضب …مدت كفيها لتحضنه بينهما..ملست بابهاميها عضلاته المنقبضة :
” قلى بس انت رايح فين ؟؟“
نظر لها فى خيبة امل واستنكار وحزن جعلها تلوم نفسها للمرة الالف على ما فعلته ، تنهد في ألم وهو يزيح كفيها :
” الحياة بينا بالطريقة دى بقت مستحيلة …فعلا ”
هتفت فى رفض واضح تستنكر ما يقوله وهي تضع يديها على ثغرها :
” لا يايوسف متقولش كدة انت عارف انا قد ايه بحبك ”
رد وهو يفتح باب سيارته ملقيا نظرة يائسة عليها :
” بتحبينى واكتر حد بيوجعنى ..وانا بحبك ورغم كدة بتشكى فيا فى كل نفس ..الحب مش كل حاجة يا ايلينا للاسف اكتشفت ده متأخر”
دلف الى سيارته فتحسست زجاج النافذة ومالت اليه وهي على حافة البكاء :
” طيب بس قولى رايح فين ؟؟“
نظر لها نظرة مطولة أخيرة دون ان يرد قبل أن ينطلق بسيارته بعيدا عنها …
راقبت السيارة حتى اختفت لتنفجر فجأة بالبكاء وكأنها أخذت حبيبها الى مصير مجهول …
مصير أوقعه فيه غبائها الذي عجز حبها عن تقويمه وحركته غيرتها الى اتجاه واحد لارجعة فيه ..الفراق …أليس هذا ما طلبته !!!….
ولكنه يحبها وسيسامحها …
لا.. كرامته التي طعنته فيها في مقتل كفيلة أن تشيع حبها الى الجحيم …
غبية …غبية ..
ظلت تردد الكلمة فى عقلها وهى تتذكر كل مشاهدها معه منذ زواجهما …رقته.. حنانه… حبه ، كيف تشك فيه …كيف ؟؟
كيف لم تشفع له كل مشاعره فتدرء عنه كل هذه التهم فى بساطة ؟؟
لقد غفر لها لمرات ومرات حتى أخذها الغرور ، تعرف ان هذه المرة تختلف فقد تفوهت بما زاد عن الحد ورصيدها السابق من الاتهامات ليس فى صالحها تماما ، حاولت الاتصال به لمرات ومرات دون جدوى حتى أغلق هاتفه تماما وعلمت فى صباح اليوم التالى من زين انه سافر الى الاسكندرية لاستلام شحنه من الميناء هناك ، لم يكن هذا من صميم عمله ابدا هذا ما ادهش زين وهو يخبر الجميع بهذا بينما وحدها من كانت تعلم السبب ، مرت ايام ولم يعد ..
وهى على محاولاتها بالاتصال به دون جدوى حتى أشفق هاتفه ذات مرة على حالها وأصدر رنينا كان هو صوت الأمل بالنسبة اليها ..لم تصدق نفسها بالفعل حين قطع صوت الجرس لتفتح المكالمة ..
لم يأتها صوته فهتفت فى قلق وهي تنظر الى الهاتف تتأكد أنه فتح المكالمة بالفعل :
” يوسف …“
لم يرد وان سمعت انفاسه فى الجهة الاخرى فهتفت من جديد :
” يوسف ..ارجوك رد عليا ”
وواصلت بصوت يقطعه نحيبها:
” انا اسفة اسفة اسفة مليون مرة حبيبى ..بس ارجعلى ..بلاش تبعد ارجوك …انا من غيرك تايهة ومش حاسة بالدنيا من حواليا …ارجع بقا يا يوسف ” انهى المكالمة دون ان تسمع رده فواصلت تتوسل اليه بالرسائل عبر شتى الطرق …بالماسنجر …والواتس اب ، تعرف انها اخطأت وتستحق عقابه فليعاقبها بأى شىء الا ابتعاده على هذا النحو …
ارتمت على فراشها تنتظره ككل ليلة…
تكورت فى حزن وهى تتحسس مكانه الخالى الى جوارها فى ألم …
لم تنم براحة ابدا منذ ان تركها هكذا…
لم تمر ليلة ابدا منذ زواجهما الا ورأسها تتوسد صدره ، كانت دائما ما تنام على صوت دقات قلبه وكأنها تشدو لها بمشاعره كل ليلة وتستيقظ على صوتها وكأنها تقبله فى بداية كل صباح لتسبق شفتيه التى لم تتخلى عن شغفها بها ابدا…
اشتاقت لرائحته… لصوته… لكل شىء فيه
انتظرت قدومه وهى حتى تعلم انه لن يأتى ولكنه أتى ..
جاء بالفعل بعد منتصف الليل وفتح باب الغرفة فى هدوء وللحظة ظنت نفسها تحلم …
فليكن …فلتتصبر بالحلم حتى تأتيها الحقيقة …فليكن طيفه نعم الأنس لشوقها الجارف عله يداوي بعضا من حرقته …
اندفعت اليه وارتمت بين أحضانه وما ان لامست جسده حتى اتسعت عيناها في عدم تصديق وهي تهتف في سعادة:
” انت يا يوسف ..دى حقيقة …انا مش بحلم ”
ابتعد عنها فى عنف وهم ان يذهب الى الملحق الصغير فى جناحه فوقفت امامه قائلة فى لطف :
” يوسف وحشتنى اوى ..انا هفضل اعتذرلك طول عمرى لو عاوز …اوعى تبعد عنى تانى ”
رمقها بنظرة لم تفهم لها معنا وحين همت ان تذهب خلفه أوقفها فى صرامة :
” ما تجيش ورايا ”
توقفت فى حزن وهى تراه يغلق الباب بينها وبينه وتساءلت هل حقا قد تسببت فى كل هذا الحزن البادى على وجهه… سحقا لها …
وجهه كان شاحبا بشدة وهالة سواد أحاطت بعينيه العميقتين كأنه لم يذق النوم طيلة الليالى الماضية ، نظرت الى فراشهما وتنهدت فى الم ، هل سيفصل بينهما هذا الباب اللعين طويلا؟؟
لقد اشتاقت ان تنام على صدره ككل ليلة …
اشتاقت الى الراحة التى افتقدتها طيلة غيابه ..
اشتاقت الى نبضات قلبه التى كانت تنام على صوتها نعم اخطأت ولكن …..
قطع افكارها صوت نحيب مكتوم ، انتفض قلبها فى فزع حتى كاد يغادر صدرها … أهذا الصوت له؟؟ …
وضعت يدها على صدرها وسارت فى بطء لتفتح باب الغرفة فى حذر لتجده بالفعل هو …
يبكى وهو يبتهل لله فى صلاته …
دمعت عيناها لدموعه التى تراها للمرة الأولى ،انتظرت لحظات لم تستطع ان تطق صبرا بعدها …
حين شعر بها مسح دموعه وحاول تصنع القسوة فقد شعر بانتهاك رجولته وهى تراه على هذه الحال :
” انت ايه اللى جابك.. قولتلك عاوزة ابقا لوحدى ”
ضمت رأسه الى صدرها وهمست في بكاء حار :
” انا اسفة …انا اسفة ”
خلص رأسه بسهولة من بين كفيها …طالع عينيه الباكيتين في لوم قبل أن يندفع في حرقة :
” هوا انتى ليه كدة ؟؟…ليه على طول بتشكى فيا وفى حبى ليكى ..انتى عارفة انتى عملتى ايه ؟؟؟“
ومسح وجهه بيده ليلقي بجملته وكأنه يطعن روحه بنصل حاد مزق ما تبقى به من تماسك فخارت نبرته :
” انا رجعت شربت تانى ..فاهمة… شربت تانى ..خنت عهدى مع ربنا وجاى ارمى بالذنب عليكى عشان مش قادر استحمله لوحدى ”
وضعت كفيها على ثغرها وهي تتراجع لللخلف فابتسم فى سخرية :
” سكتى ليه ماتتكلمى ..سمعينى محاضراتك العظيمة ..قوليلى مفيش حاجة تضطر الانسان للغلط ..مفيش حاجة اسمها ظروف ..انا من الاساس اصلا حقير و..“ قاطعته وهى تقترب منه تمسكه من قميصه وتصرخ في عنف :
” اسكت بقا اوعى تقولى كدة تانى على نفسك ”
ودفنت رأسها في صدره تباشر بكائها حتى بللت قميصه بدموعها قائلة :
” كل ده بسببى انا ..انا ضغطت عليك اكتر من مرة ..بس انت مش كدة ”
ورفعت وجهها مجددا وهى تتلمس وجنته ..تنفي ما شان به نفسه …
ترفض التخلي عنه …
يصدح عشقها له هذه المرة حتى على احساسها بالذنب تجاهه :
” دموعك بتقول انك مش كدة ..ربنا هيقبل توبتك يا يوسف انت بس ادعيله قوله ان مهما حصل مش هتعملها تانى ”
امسك بكفيها لينزلهما ويخبرها في تعب :
” انا تعبت يا ايلينا ..تعبت من الحياة مع بعض بالطريقة دى و..“
همست باختناق تمنعه من مواصلة الخوض في هذا الطريق او حتى التفكير به :
” اوعدك مش هيتكرر تانى ..انا اصلا مش عارفة عملت كدة ازاى ”
ومررت اصابعها فى شعره وحنينها اليه يفوح كدخان متصاعد من نار عشق تأججت ولا سبيل الى اخمادها مطلقا :
” اللى اعرفه انى بغير عليك بجنون والغيرة بتاكل فيا وبتحرقنى.. لما كل يوم كانت بتجيلى رسايل من الستات اللى كنت تعرفها وبيقولولى على علاقتك بيهم كنت بموت ..عارفة انه ماضى ..بس كنت بتمنى ارجع امحيه وابدل كل ذكرى ليك معاهم بذكرى ليا انا ..يمكن لما الصور اتبعتتلى فرغت غيظى كله فيك انت …كنت وكأنى بعاتبك على كل حاجة فاتت ..ايوة يا يوسف بحبك بجنون ..عارفة ان كله ده جنان …بس دى الحقيقة ”
– ” يمكن مكنش صح من الاول نرتبط وانت مش قادرة تتخطى الماضى ”
لوحت بكفيها تحاول أن توضح موقفها وتشرح له طبيعة مشاعرها المعقدة
” يوسف فيه فرق بين انى اتخطى الماضى واتقبله وبين ان الماضى اصلا مش موجود ..احنا مبننساش الماضى مهما عملنا احنا بس بنتجاهله ونتعايش معاه ..الماضى غصبا عن الكل هوا اللى بيشكل الحاضر والمستقبل ”
اشاح بوجهه يسألها فى امتعاض :
” وده يدكى الحق كل لحظة انك تشكى فيا وتقلبى حياتى جحيم ..هوا ده حبك ..وتقوليلى غيرة ..غيرة من حاجة عدت وخوف من حاجة مش موجودة ”
تنهدت في عمق :
” يمكن عشان محستش بده لكن تخيل يا يوسف ..تخيل انى كنت متجوزة قبلك حد ..تخيل انه كان من حقه انه يلمسنى و..“
هنا اشتعلت النيران بعينيه وكانت كافيه لحرق القصر بمن فيه وهو يقاطعها فى غضب :
” اخرسى ”
ورغم انها ارتجفت قليلا من صرخته المفاجئة الا انها ابتسمت فى النهاية فى ظفر قائلة :
” شوفت اديك حتى الخيال مش قادر عليه ”
رد فى استنكار :
” دى غير دى ”
هزت كتفيها في بساطة :
” ده اللى الرجالة بتحاول تقنع نفسها بيه بس دى هيا دى ..المشاعر واحدة يا يوسف ..الاتنين بيحبو وبيغيرو وبيتجرحو بنفس الطريقة ”
واقتربت منه فى دلال وهى تلامس صدره محاولة تلطيف الاجواء :
” خلينا نبدأ من جديد يا يوسف واوعدك ان ده مش هيتكرر تانى ..حتى لو شفت بعينى هستنى واسمعك ” انزل يدها في حزم وهو ينظر الى الباب :
” ارجوكى يا ايلينا احنا محتاجين شوية وقت ”
ابتسمت فى خجل وحكت رأسها …
فأشار الى الباب برأسه ليكرر طلبه بوضوح أكثر :
” روحى نامى انتى دلوقتى ”
تظاهرت بالبلاهة حتى اللحظة الأخيرة وسألته بارتباك :
” هنام لوحدى ؟؟ ”
لم يرد فلمعت عيناها وهى تشعر بصعوبة تجاوزه لما حدث …على كل حال يكفيها حصولها على بعض من الراحة بعودته فقد ازاحت كثيرا من هم التفكير في مكان وجوده ..
انسحبت فى هدوء …وعلى فراشها تدثرت جيدا وهى تقاوم الارق بكل طريقة ممكنة …
تغمض عينيها بقوة وتخفى وجهها بوسادتها وتتقلب يمينا ويسارا …
لم تعرف برودة من قبل للطقس فى شهر مايو..ما هذا الصقيع الذي يضرب بأوصالها…
نظرت الى الباب فى غيظ… لا يمكنها تخيل وجودهما معا ولا يفصلهما سوى هذا الباب اللعين …
نهضت فى حزم ، فليكن ما يكن اذن ، فتحت باب الملحق بهدوء شديد ..نظرت الى الفراش الصغير الذى ينام عليه وهو يخفي وجهه بالوسادة ، يبدو انه يقاوم ببسالة ما تقاومه بدورها …لا بأس ستسلم هى اولا .. اقتربت على اطراف اصابعها حتى وصلت اليه ،أزالت الوسادة من على وجهه برفق وتمددت بصعوبه الى جواره محاولة التكيف مع هذا المكان الضيق ، نظرت الى وجهه وهو نائم وتساءلت ترى كيف ستكون الحياة بدونه ، لابد وان تروض هذا الحب بداخلها حتى لايفتك بهما اكثر…
اخذت نفسا عميقا… كم افتقدت رائحته ..
كم افتقدت حنانه …
فى حياتها لم تعرف حنانا يغدق هكذا بلا حساب كحنانه هو ، كيف كانت ستفرط به ؟ ..
مدت يدها فى تردد الى وجنته فشعرت به يفتح عينيه فجأة …
نظر لها فى غضب وحنق…سيطردها الان بلا شك وهى ستقبل هذا بنفس راضية فلم يعد لديها خيار ، تعالت انفاسه وكأنه يخوض صراعا بداخله بين عقله وقلبه ، انتهى بانتصار القلب مع بعضا من مقاومة العقل ظهرت جليا وهو يجذبها من شعرها بقسوة صرخت بها لينظر الى وجهها للحظات ويضع رأسها على صدره بعنف كما تعود كل ليلة ، شعرت بصراعه هذا فهمست فى الم :
” انا اسفة يا يوسف اسفة بجد ”
تنهد وهو يعبث فى خصيلات شعرها فى قسوة :
” انا مريض بيكى …فعلا مريض ”
وبعد مرور ثلاث سنوات

رواية مذاق العشق المر

الفصل العشرون

جلست على حافة ” البانيو ” وهي تضع يدها على صدرها في قلق أو ربما في يأس أوصلها الى ذروة قلق أصبحت تحيا به و تواجهه كل لحظة …
لم يعد لديها الجرأة للقيام بالخطوة وأملها الضعيف يعافر كل مرة ليدفعها دفعا فتستجيب له خانعة ..
وهل لديها شيئا تخسره ؟؟؟
ان كان بقدر حلمها وقلبها الذي يتمزق في خيبة كل مرة فلابأس ان غامرت بهما من جديد عل القدر ينصفها..
نظرت الى العصا البلاستيكية المسماة باختبار الحمل بعيدا وهي تخشى أن تمد يدها لتتفاجىء بنفس النتيجة….
ثلاث سنوات مرت وهي تحاول وتحاول ، تخرج من عيادة طبيب الى مشفى طبيب اخر ..تخضع لمحاولة تلو الأخرى …
تدور في حلقة مغلقة تنتهى دوما بابتسامة سمجة وكلمة ” خلى املك فى ربنا كبير ” …
هى ايمانها بالله لاحدود له ولكنها فى النهاية أنثى وتتمنى هذا الطفل بغريزة الأم الفطرية التي زرعها الخالق بها ..
تريد هذا الطفل من يوسف بالذات …
تتمنى أن يوثق وجوده حبهما للابد …
ترغب فى ان تجرب احساس جنينها وهو ينمو ويتكون فى رحمها …
تتمنى ان ترى ملامحها ويوسف وقد امتزجا في ملامح انسان واحد ..
يوسف…
حبيبها وزوجها …
لم يتركها للحظة فى رحلتها تلك …تحمل كثيرا عصبيتها وحزنها ونوبات بكائها المستمرة بعد كل نتيجة سلبية لاختبار حمل ..
كان بالمرصاد لكل من يحاول مضايقتها او التلويح لها بالأمر حتى أنه أخذ عهدا على أمه بعدم فتح الأمر مطلقا معها..
نظرت الى العصا من جديد وهى تتذكر اخر مرة جلست فيها بهذه الطريقة منذ عدة أشهر وقد حبست نفسها فى المرحاض بينما أخذ يوسف يطرق الباب بجنون وهو يهتف :
” ايلينا لو مفتحتيش الباب أنا هكسره ”
ارتجفت ونهضت لتفتح الباب ليتفاجىء بعينيها المتورمتين ووجها الذابل الذي سحبت منه الدماء فاختفت نضارته .. كادت ان تسقط فضمها بسرعة اليه حتى أجلسها على طرف الفراش لتخبره في ألم وهي تمسح دموعها :
” سلبي يا يوسف ..سلبي زي كل مرة ”
مسح على شعرها في حنان كأن الأمر لايعنيه:
” ولا يهمك العمر كله لسة قدامنا ”
حررت صوتها بصعوبة من بين نحيبها :
“أنا باخد العلاج في مواعيده وبنفذ كل الدكاترة بيقولوه ..ازاي لحد دلوقتي مفيش حمل ”
وصمتت قليلا لتشهق مواصلة :
” استغفر الله العظيم ”
رفع وجهها واحتضنه بين كفيه هامسا في حب أصبح يغدقها عليها بلا حساب عله يخدر ألم خيبة أملها :
” انتي عندي أهم من أي حاجة …ايه… عايزة تجيبيلي عزول يشاركنى فيكي ..أنا مش عاوز عيال خالص يا ستي ”
انتزعت وجهها من بين كفيه في عنف واضح اعتاد عليه في الفترة الاخيرة :
” يعنى ايه مش عايز عيال …انت ازاي مش فارق معاك كدة ”
تلك الحمقاء..
ألا تعرف أنه يحتاج هذا الطفل أكثر منها؟
ألا تعرف انه لا يريد ان يسكن ابناءه رحما غير رحمها هي ؟..
ربت على كتفها قائلا:
” اهدى بس يا حبيبتى ..اهدى ”
هتفت وهي تنهض في حدة :
” طبعا لازم ميكونش فارق معاك ما المشكلة مش من عندك ..انت لسة عندك الفرصة لكن انا ”
وقطعت كلماتها وهي تشهق بالبكاء مجددا فنهض محاولا تمالك اعصابه من اتهامها السخيف:
” انا فرصتي الوحيدة معاكي انتي …ولو عيالي مش منك مش عايز عيال خالص ..فهمتي ولا اقول تاني ..ثانيا احنا لسة صغيرين معجزناش والدكاترة قالو لو العلاج مجبش نتيجة هنلجأ للحقن المجهري وده فرص نجاحه عالية فليه الزعل … ما اهو قدامك زين وسمر بقالهم سنتين هما كمان …مشوفتش حد فيهم متأثر ولا حاجة ”
قطبت حاجبيها في تفكير ..
زين هذا لم يكلف خاطره حتى بعرض زوجته على طبيب…
بل تشعر احيانا انه سعيد بهذا الوضع كأنه عقاب مناسب لنفسه جراء تخليه عن صوفيا …
ثلاث سنوات مرت تقريبا دون حتى ان تراه يبتسم وعلى النقيض كان يوسف معها بكل صبره واحتوائه .. يرافقها من عيادة طبيب الى اخر متحملا معها فشل كل المحاولات ومايتبعه من نوبات حزن واحباط لها ، كيف له ان يكون رائعا هكذا؟؟
لقد ظلمته كثيرا وقست عليه ومنعت عنه حبها وحنانها وهى تدور فى فلك واحد تبحث فيه عن رباط قوى يجمعها به ولديها رباط لاسبيل لها الى الفكاك منه ابدا ..
تنهدت فى عمق وهى تنظر اليه هامسة في حنان يحمل كثيرا من الاعتذار:
” يوسف ..انا بحبك اوى ..سامحنى ارجوك ”
ابتسم وهو يميل اليها في خبث:
” انتى واخدة بالك بتنطقى اسمى ازاى ؟؟؟“
اخفضت رأسها فى خجل فقهقه عاليا وهو يجذبها اليه قائلا في عبث:
” انتى اللى جبتيه لنفسك ”
انتفضت على صوت دقات الباب لتعود من افكارها وجملته السابقة تتكرر :
“ افتحى يا ايلينا بدل ما اكسر الباب ”
مررت يدها فى شعرها في عنف …لاتريد لهذا المشهد ان يتكرر من جديد ..فرغم انتهائه المرة الماضية بجرعات حنان زائدة تلقتها بسخاء بين ذراعيه الا أن خيبة الامل التى اعترتها وقتها ليست على استعداد لتذوق مرارتها من جديد ..
نهضت فى تثاقل لتفتح الباب وحين رآها هتف فى قلق :
” تانى يا ايلينا ..احنا مش قولنا متعمليهوش غير لما اجى ”
نظر الى وجهها الذابل فتوقع ان تكون النتيجة ككل مرة ولكنها لحقته بهمسها القلق :
” انا مبصتش فيه ”
ونظرت تجاهه بسرعة لتتجاوزه جالسة على الفراش فى تهالك …
بالفعل لن يمكنها تكرار التجربة من جديد ..
لن يمكنها رؤية نفس النتيجة ككل مرة ..
لن يمكنها ان تشعر بعجزها القاتل كل يوم …
لحظات وعاد اليها …جلس على طرف الفراش الى جوارها فلم ترفع رأسها اليه …
شعرت به يمسح على شعرها فى حنان وهو يطبع قبلة حانية عليه ..
ابتسمت فى سخرية اذن النتيجة كالمعتاد فرد الفعل المشفق المتعاطف كما هو والموقف يتكرر بحذافيره وبذات القبلة المواسية …
حاولت كبح دموعها وعدم اعادة المشهد الدرامى بكل تفاصيله :
” يوسف انا بجد تعبت …ومش هروح لاى دكتور تانى …كلهم بيكدبو عليا عشان ياخدو فلوس وخلاص ”
رفع رأسها اليه وقال بابتسامة:
” تعبتى ازاى بقا ده احنا لسة فى اول الطريق ”
نهضت فى تعب لتواصل:
” انا بجد تعبت ومش قادرة اكمل ..والحرية ليك فى اللى جاى انا مش هلومك فى حاجة ..لو عايز.. ” وازدردت غصة مؤلمة فى حلقها تحاول ان تنطق بالعبارة بصعوبة وبصوت متقطع اخرجتها:
” لو عايز تتجوز من حقك ”
اشاح بوجهه للحظات قبل ان يتنهد فى عمق ويواجهها من جديد قائلا :
” انا فعلا هتجوز ”
وقبل ان ترسم اى انفعال على وجهها سارع يخبرها في سعادة بالغة :
” عشان انتى هتنشغلى بالبيبى اللى فى بطنك ده وهتنسينى ”
اتسع ثغرها فى ذهول فضمها على الفور وهو يقول بينما يمسد بيده على بطنها:
” مبروك يا احلى مامى فى الدنيا ”
انتزعت نفسها من بين ذراعيه وعلامات ذهولها لم تختفى بعد .. تشبثت بكتفيه لتقاوم عدم احساسها بالأرض تحت قدميها..اغمضت عينيها بقوة وفتحتهما لتتأكد أنها ليست قيد أحلامها المستمرة .. تلعثم صوتها وهي تسأل في حذر :
” انت قولت ايه ؟؟“
واضافت وهى تضع يدها على صدرها تقاوم تنفسها السريع :
” انت مش بتهزر يا يوسف صح ؟؟“
وهتفت وهى تضع كفيها على بطنها في رفق:
” انا فعلا حامل ”
هز رأسه وهو يلتقط كفيها ويقبلهما فى حنان..لمعت عيناه لسعادتها …لابتسامتها الحبيبة الى قلبه التي عادت غير مشوبة بحزن او احباط:
” ايوة يا حبيبتى مظبوط انتى حامل ”
مررت يدها فى شعرها وهى تجىء وتذهب فى عشوائية قائلة فى ارتباك :
” لا انا مش مصدقة ”
هرعت الى المرحاض من جديد لتبحث عن اختبار الحمل ..نظرت اليه بحدقتين اتسعتا كأنها ارادت احتوائه بداخلهما لتصدق …
اخذته بين يديها وخرجت اليه من جديد وهى تضحك ببكاء وتبكى بضحك وتصرخ :
” انا حامل يا يوسف.. انا حامل ..اخيرا هشيل ابنك جوايا ”
بدأت بالقفز كالأطفال فهرع اليها ممسكا كتفيها في قلق:
” اهدى بس ..اهدى ….انتى كنتى حامل يا حبيبتى ..بس بعد عرض الايروبكس ده الله اعلم ”
احتضنته بقوة وهى تردد :
” بحبك يا يوسف بحبك بحبك ”
انحنى ليحملها برفق ..وضعها على الفراش فى هدوء وقال متصنعا الجدية:
” يلا بقا نستعد للحبتين بتوع الافلام …متتحركيش من مكانك خالص واللى انت عايزاه هيجيلك ..راحة تامة ثم راحة تامة ”
وحك جبهته بيده ليضيف :
” نسيت حاجة ولا كدة خلاص ”
اعتدلت وهي تخبره في حماس :
” احنا باليل ان شاء الله نروح لدكتور وهنشوف هيقول ايه …ودلوقتى اتفضل اسبقنى على تحت زمانهم مستنينا على الغدا وانا هكلم صوفيا افرحها وارجعلك ”
*********************************
حاول ان يتمالك نفسه من السعادة وهو على مائدة الغداء مع اسرته ، اخذ يعبث بمحتويات طبقه وينظر الى السلم كل لحظة فى انتظار حضورها ليعلنا للجميع نبأ قرب قدوم الحفيد الاول لعائلة البدرى الذي يتكون الان فى رحمها ..
لاحظت سميرة ارتباكه فنظرت الى محمود الذى كان بدوره يتابعه فى دهشة بينما زين على هدوئه المعتاد فى الفترة الاخيرة او بالأدق على حزنه التى كانت سميرة دوما تشعر به منذ ان تزوج سمر ولا تعرف ابدا سبب له فلم ترغمه على الزواج من سمر ولم يرغمه ابوه ..
هل لازال يعانى اعراض انسحاب تلك الشقراء من حياته حتى الان ؟؟؟
لم يعد يشاركهم احاديثهم ولا لهوهم كالمعتاد.. كان يكتفى بابتسمات خاوية حزينة لينسحب بعدها من المكان بأسره الى وحدته التى آثر اللجوء اليها…
اما ابوه فكان يعلم جيدا ما يعيشه ولده …
يعلم ماعاناه على يديه ولم يتوقع ابدا ان يظل قابعا فى حزنه طيلة هذا الوقت …
لم يظن ان مشاعره لصوفيا قد وصلت الى هذا الحد… لم يصنفها سوى انها رغبة او نزوة ومع الوقت ربما يستجيب للامر الواقع ويسلم لقدره مع ابنة عمه ..
لم يتوقع ان يطول حزنه للدرجة التى تمنى فيها لو دفعه ليتزوج بصوفيا دفعا ان كان فى هذا سعادته ، ولكنه كان يبتعد ويبتعد حتى انه ترك العمل فى مجموعة البدري ليبدأ مشروعه الخاص ..
مصنع صغير أسسه مع صديقه ..
لم يستطع ابوه وقتها ان يعترض فلقد اعترض بما يكفى ..وبذلك اصبح ابناء البدرى كل منهم فى طريق ، فحسام قد اصبحت له شركته الخاصة التى تحقق نجاحات متتالية وزين بمصنعه الذى ينمو على يديه ويحقق ارباحا لابأس بها ويوسف وحده اصبح من يدير هذا الصرح الكبير رغم محاولاته الدائمة لاعادة زين ، انتبه الجميع على صوت ايلينا وهى تقول :
” السلام عليكم ”
رد الجميع تحيتها قبل ان تتخذ مجلسها الى جوار يوسف الذى نظر اليها فى حب فابتسمت له فى حزن لم يعرف له مبرر ..
لم يحتمل ان يخفى سعادته اكثر فامسك بشوكة وطرق بها على الطبق قائلا :
” يا قوم ….اسمعونى عند ليكو خبر حلو اوى ”
التفت له الجميع فى اهتمام فواصل بعد ان امسك بكف ايلينا وقبل باطنه :
” قريب اوى ان شاء الله ..هيشرف ولى العهد ..اول حفيد لعيلة البدرى ”
شهقت سميرة وهى تضع يدها على ثغرها في سعادة بينما رفع محمود نظره الى الاعلى وهو يتمتم بالشكر لله والأسرع كان زين الذى اندفع الى شقيقه محتضنا اياه في حنان :
” مبروك يا يوسف ”
ومال ناحية ايلينا :
” الف مبروك يا ايلينا ربنا يتمملك على خير ”
نظر يوسف الى امه مضيقا عينيه من علامات الصدمة التى لازالت تكسوها ليداعبها:
” ايه يا ست الكل مفيش مبروك ”
رفعت سميرة يديها من على ثغرها وحاولت النطق ولكن دموعها المنسابة منعتها فاقترب يوسف ليقبل كفها قائلا :
” ايه يا ست الكل نفرح نعيط نزعل نعيط ”
ضمته اليها وصوتها يتهدج من دموع السعادة التي تحجزها خلف جفنها بصعوبة :
” واخيرا يا يوسف هشوف عيالك ”
واطلقته من بين ذراعيها لتنظر الى ايلينا وتضيف :
” مبروك يا ايلينا ”
بدت ايلينا شاردة تماما فناداها يوسف لتنتفض وترد مباركة سميرة :
” الله يبارك فيكى يا ماما ”
التفتت سميرة الى زين وقالت
” عقبالك يا حبيبى ”
نظر زين الى سمر فى سخرية والى والده فى لوم قبل ان يعود الى والدته قائلا في روتينية واضحة :
” ان شاء الله يا ماما ”
اما يوسف فنظر الى ايلينا يسألها فى قلق:
” ايه مالك يا ايلينا ..وشك متغير ليه ؟؟“
مسحت وجهها بيديها وهي تقول:
” اصل كلمت صوفيا عشان ابلغها وافرحها بس ..“ وصمتت وهى تخفض رأسها فانطلق لسان زين دون تفكير كأنه تحدث بصوت قلبه وبلغته :
” مالها صوفيا يا ايلينا ”
التفت له الجميع فى دهشة وخاصة سمر التى احمر وجهها بشدة وهى ترمقه فى غيظ ، اما ايلينا فلم تدهش لرد فعله فهى متأكدة من انه لازال يحمل فى قلبه لصوفيا كل الحب ، تنهدت فى حزن وهي تبسط كفيها أمامها:
” هيا كويسة …بس والدتها توفت ”
تمتم الجميع فى حزن:
” لاحول ولا قوة الا بالله ”
التفتت ايلينا الى يوسف وهى تمسك بكفه راجية :
” انا لازم اسافرلها يا يوسف ..دى خالتى برضه ولازم اطمن على صوفيا ”
ردت سميرة بسرعة قبل أن يجيب يوسف:
” انتى بتقولى ايه بس يا بنتى …سفر ايه وانتى لسة فى بداية الحمل ”
هز يوسف رأسه مؤكدا لكلام امه :
” سفر ايه مش هتستحملى ”
نظرت لهما فى تعب وأخبرتهما في لهجة حاسمة :
” انا هاخد بالى متخافوش …مينفعش اسيب صوفيا لوحدها فى ظرف زى ده ”
تنحنح زين فى هذه اللحظة واستئذن فى الانصراف بينما عينا سمر تراقبه فى حنق …نهض محمود ليتبعه بينما ظلت سميرة ويوسف يحاولان اقناع ايلينا بالعدول عن فكرة السفر حتى قالت فى النهاية فى محاولة لارضاء جميع الاطراف:
” خلاص يا جماعة احنا هنروح للدكتورة النهاردة وزى ما هتقول هنعمل ”
اقتنع الجميع بهذا الرأى وبالفعل ذهبت ايلينا مع يوسف الى الطبيبة التى حينما اخبرتها ايلينا بحتمية سفرها وافقت ولكن بتعليمات مطولة وادوية كثيرة تشمل العديد من مثبتات الحمل …
لم يقتنع يوسف بكل هذا وحاول من جديد اقناعها لتعدل عن السفر ولسوء حظه انه ارتبط بكثير من الاعمال التى لا يمكن تأجيلها ليرافقها كما ارتبط علي شقيقها بدوره بدراسته وتدريباته وبعد محاولات مضنية باءت بالفشل أمام اصرارها الواضح رضخ لها فى النهاية وتحدد موعد سفرها فى اليوم التالى…
************************
دلف الى غرفته ليتفاجىء بمحمود يتبعه ، نظر اليه بعدم اكتراث وبدأ فى خلع سترته قائلا:
” خير يا بابا“
رد محمود وهو يقف فى مواجهته :
” لسة بتفكر فيها يا زين ؟؟”
توقف عن فك ازرار قميصه وابتسم ابتسامة قصيرة ليجيب ابيه بما لا يريح احدهما :
” وهتفرق معاك فى ايه ما دام اللى عاوزه حصل ..هيفرق معاك فى ايه اذا كان ابنك سعيد او حزين ..عايز تريح ضميرك واقولك ان المستحيل حصل وان ممكن خلاص اعتبر سمر مراتي واحبها ونعيش حياتنا وننسى اللى فات ”
اكمل وهو يهز رأسه ويضع يديه فى خصره :
” لا يا بابا للاسف مش هيحصل … وهقولهالك تانى وتالت ومليون ..انا مبطلتش احبها ..اتوجعت فى السنين اللى فاتت دي ومت فى اليوم مليون مرة محاولتش ولا هحاول ولا هقدر من اصله اني انساها ”
رفع محمود رأسه اليه فى تساؤل واضح:
” طب وسمر ؟؟“
نظر زين الى الاعلى ليتنفس فى عمق للحظات :
” انا وضحت لحضرتك من اول يوم ان سمر مستحيل تكون زوجه ليا ..انا اتجوزتها بس عشان شرف العيلة وعشان حسام ميتكسرش من تانى …لكن انا عمرى ما هكمل معاها ..مش هفضل مدفون بالحيا كتير ”
اقترب محمود خطوتين يسأله فى ترقب :
” قصدك انك خلاص هتطلقها ”
مرر زين يده فى شعره وتهكم بابتسامة صغيرة :
” هوا حضرتك كنت متوقع ان جوازى منها هيكمل ..انا بقيت عليها الفترة اللى فاتت عشان شكلنا قدام الناس وعشان اخد وقتى انا كمان واقدر استرد نفسى اللى انت دمرتها وافتكر اني خلاص قربت ”
تمعن محمود فى ولده الذى تغير كثيرا .. لقد حمله مالا يطاق فلابد ان تكون تلك هى النتيجة ، ولكن ابنة عمه ماذنبها في كل هذا؟؟…
استأذن زين فى الدخول الى المرحاض وحمل منشفته وملابسه وحين هم محمود بالخروج اصطدم بسمر عند الباب وهى تهم بدخول الغرفة …
نظر خلفه وامسك بذراعها ليخرجها بعيدا الى حيث يطمئن ان صوتهما لا يمكن ان يصل الى زين تماما ، قالت سمر فى ترقب :
” فى ايه يا عمو ؟؟“
نظر الى اليمين واليسار وهمس في حذر :
” حاولى تحافظى على جوزك يا سمر بلاش استسلامك اللى هيضيعو منك ده ”
واضاف وهو يقترب منها :
” هوا لسة معرفش ؟؟“
أخفضت رأسها وهزتها لتنفي بقوة :
” مش قادرة اقول كل ما أحاول لساني يتعقد ”
زفر في ضيق لايريد أن يتحدث بصراحة ولكنها تجبره بحماقتها تلك :
” عايزة تفهميني ان بقالكو سنين متجوزين ومش قادرة تأثري عليه خالص ..ليه متجوز واحد صاحبه هوا ”
احمر وجهها خجلا فلم يعبأ بها وهو يواصل في صرامة: ” اسمعي يا سمر أنا عملت اللى عليا وجوزتهولك وانتي وقتها قلتي انك كفيلة بالباقي …دى مسئوليتك انتى دلوقتي…حافظى عليه لأني مش هقدر اجبره من تاني”
واضاف وهو يميل مشيرا بسبابته :
” لازم يعرف الحقيقة يا سمر ..لو كنتى قدرتي تأثري عليه كان زمانه عرفها لوحده وتقبلها كمان لكن سكوتك ده هيخليكي تخسريه ..انا حذرتك وانتى حرة ”
تركها عمها وذهب …
لقد حاولت وحاولت دون جدوى ، لم تكن دميمة ابدا بل كانت فاتنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، جسدها ممشوق ومنحوت يضج انوثة واغراء ..
حاولت استخدام كل ذلك دون جدوى ..
حاولت حتى ان تتقمص دور الغوانى معه فقط لاغوائه فلم يعرها اهتماما حتى جعلها تشك فى كونها انثى من الأساس ..
لم تحصل منه وهى فى قمة اغرائها الا على ابتسامة عابثة او نظرة ساخطة كأنه يخبرها ان سلعتها لا تلاقى استحسانه…
كأنه يخبرها انه محصن بتعويذه عشق خاصة تعميه عن رؤية اى انثى سوى حوريته …
يأوى الى نومه فى ملحق صغير بجناحه ، لم يجمعه بها فراش واحد طيلة الثلاث سنوات الماضية ، وليس فقط الفراش هو ما رفض ان يجمعهما فلم تجمعهما ابتسامة او حتى حوار قصير او اى مناسبة او ذكرى ، ماذا بامكانها ان تفعل ؟؟،..
تعيد محاولاتها كل يوم ويعيد هو رفضه .. ولكن بعد ما اخبرها به عمها ليس لديها بديل سوى ان تخوض تجربتها معه هذه المرة بكل القوى المتاحة لديها فقد اصبحت معركة حياة او موت وربما استسلم هذه المرة..
***************************************************
تنهدت ايتن فى تعب وهى تدلك رقبتها فى ارهاق وتنظر الى التاريخ فى هاتفها لترى كم تبقى على تلك المهلة السخيفة …
تذكرت هذا اليوم حين وقفت بين زميلتييها بعد ان تخطت العديد من الاختبارات للعمل فى شركة حسام الذى نشر اعلانا يطلب فيه عمالة جديدة وارفق بالاعلان الشروط التى يريدها ، وبالفعل حينما علمت بهذا هرعت لتقدم اوراقها لتلحق بوظيفة لديه وتمنت ان يضعها بمنصب مدير مكتبه فقد علمت ان المنصب فارغ بعد استقالة مدير مكتبه لسفره…
ثلاث سنوات مرت عليها غيرت فيها الكثير ،وضعت كل تركيزها في دراستها لتحقق نجاحا ملحوظا كما حصلت على العديد من الدورات وتدربت مع يوسف لبعض الوقت ….
وطيلة هذه الفترة كانت تتبع اخبار حسام بسعادة ، ترى نجاحه وانفراده وتميزه فى مجال الاستيراد والتصدير رغم صغر سنه..تسمع اسمه دوما في قائمة اكثر رجال الاعمال نجاحا …لذا فقد اقنعت الجميع انها ستتقدم الى الوظيفة ولم تعبأ بدهشة احد …
لم يمنعها محمود وهو يعرف جيدا مايدور فى عقلها ..ترك لها الفرصة فى ان تحاول …امها ايضا التى لم تعرف حتى الان بما فعلته فى حسام واخبرها زوجها بأنها انهت الخطبة بناء على رغبتها ، لم تصدق حينها ولكنها لم تحاول النبش عن الحقيقة…
اما يوسف فثقته بحسام بلا حدود ورأى انها فرصة مناسبة لتأديب اخته المدلله …فالساذجة لاتعرف حسام فى العمل مطلقا فهو يصبح بشراسة أسد جائع منقض على فريسته حال حدوث اى خطأ حتى ان كان دون قصد …
وكانت البداية بالفعل حين تلقاهم خالد مساعده يخبرهم بقراره:
” حسام بيه هيحطكو كلكو تحت التدريب لمدة شهر كامل ..الحضور هيبقا يوميا من سبعة ونص صباحا لخمسة عصرا ..هتمرو على كل الاقسام الدعايا والتسويق والحسابات كل حاجة ..واخر الشهر هبعت تقرير عن كل واحدة فيكو وهوا هيختار ”
وبقدر ما اغتاظت من حسام لأنه لم يقابلهن ولكن غيظها الأكبر كان على شروطه المجحفة تلك …
السابعة صباحا ّ!!..
يبدو انها ستتلقى فى شركته كل ما افتقدته من تأديب وتهذيب واصلاح ..
هذا ما تلاقيه حقا فهى لم تره ولو مرة واحدة وخالد هذا هو من يشرف على عملهن ليقدم تقريره النهائى لحسام ، حسنا لم يتبقى سوى يومين وتنتهي تلك المأساة، لقد التزمت كثيرا ولم ترتكب اى خطأ يذكر ، على حسام أن يعرف انها لم تعد بعد تلك الطفلة المتهورة …

رواية مذاق العشق المر

الفصل الحادي والعشرون والثاني والعشرون

الفصل الحادى والعشرين (والثاني والعشرين في نفس البوست )
فتح باب غرفة نومه فى هدوء ..
أنار المكان ودار ببصره فيه للحظات كأنه يتردد في الدخول .
لأول مرة منذ سنوات يدلف هنا دون ان يجدها فى انتظاره…
ثلاثة ايام قد مرت على قلبه ثقيلة ومملة ..
حاول أن يقضى اغلبها بعيدا عن هذا الجناح وبرودته ، ساعده عمله على هذا فقد كان مشغولا للغاية بالمقر الجديد للمجموعة الذي من المفترض ان يكون افتتاحه باحتفال كبير نظمه مساعدوه وتم دعوة كبار رجال الاعمال والشخصيات اليه ولكنه أرجأ كل ذلك لحين عودة زوجته …
سار خطوتين حتى وصل الى الفراش ..
تمدد عليه فى كسل بينما يخرج هاتفه من جيبه ليتصل بها…
لحظات وجاءه صوتها الناعم المحبب الى قلبه فسارع هاتفا في شوق:
” وحشتييينى …وحشتييييينى…. وحشتينى ..ارجعى بقا كفاية كدة ”
ضحكت في رقة :
” كدة هغيب على طول عشان أحس أنك بتحبنى اوى كدة ”
وضع كفه تحت رأسه ليتنهد في عمق:
” انتى عارفة انا بحبك قد ايه ..ده النفس اللى بيخرج منى بيقولهالك يا ايلينا ”
صمتت للحظات قبل أن تخبره في حنان:
” وحشتنى اوى يا يوسف ”
فرك عينيه فى ارهاق وهو يرفع كتفه ليحجز الهاتف بينه وبين أذنه:
” مادام وحشتك ارجعى بقا …انا مش قادر انام فى الأوضة وانتي مش فيها ..يرضيكى كدة ”
ردت فى دلال :
” لا ميرضنيش ..انا خلاص هرجع على بعد بكرة بالكتير ان شاء الله ..اصل فيه دكتور كويس هنا كنت عاوزة اروحله اطمن على الحمل وكدة ”
ابتسم في رضا :
” مادام هتطمني على ولى العهد فخلاص امرى لله استحمل كمان يومين ”
سمعها تتثاءب فى كسل لتسأله:
” مش عاوز حاجة اجيبهالك من باريس ”
نظر الى صورتها على المنضدة أمامه في حب قبل أن يضغط الهاتف بقوة :
” عاوزك انتى بس …خلى بالك من نفسك ”
همست في سعادة:
” وانت كمان .مع السلامة ”
لحقها قبل أن تنهي المكالمة واعتدل فجأة :
” ايلينا ”
ـ”ايوة يا يوسف ”
ـ”بحبك .بحبك اوى”
سمع صوت قبلتها تتسلل الى أذنه عبر الهاتف فأغمض عينيه شوقا الى ملمس شفتيها على وجنته ..فتنهدت في عمق لتخبره وكأنها تشاركه الاحساس ذاته :
“وأنا كمان تصبح على خير”
**********************************************************
عاد من عمله فى وقت متأخر ..
فتح باب غرفته وهو يخلع سترته عنه ..
تفاجىء بكفيها على كتفه يساعدانه ، التفت في بطء ليجدها ترتدى منامة قصيرة للغاية وأقل ما يمكن وصفها به انها فاضحة ..
نظر لها من أعلى الى أسفل وأشاح بوجهه فى سخرية …
سمر لن تكف عن محاولاتها ابدا ، حقا هو لايدرى كيف لاتهتز به شعرة… لو قيمها بنظرة ذكورية بحته بعيدة عن المشاعر لوجدها فى قمة الأنوثة والاغراء ، انوثة كفيلة بأن تذهب بعقل قديس وتذيب مقاومته فى لحظات… أما هو فلا ، كان دوما يرى صوفيا تقف امامه تطالعه بانكسار وحزن …تتهمه بالخيانة فقط لو نظر اليها …
كم اشتاق لتلك الحورية التى كانت تفقده لبه بمجرد نظرة …مجرد ابتسامة …مجرد…
”حمد لله ع السلامة ”
انتبه على صوت سمر فنظر لها فى ترقب لخطوتها التالية كأن تسليته قد أصبحت اكتشاف ما في جعبتها كل يوم لتهدم مقاومته…واهمة تماما وهو لن ينكر أنه كثيرا ما يتلذذ باخفاقاتها المتلاحقة …
بعذاباتها وهو يكرر رفضه لها مرة بعد مرة …
ربما كان هذا قطرة في محيط عقاب واسع تستحقه ..
اقتربت منه وهي تشب على أطراف أصابعها محاولة الوصول الى مستواه لتحيط عنقه بذراعيها هامسة في بطء واغراء :
” بقولك حمدلله ع السلامة ”
واراحت يدها على صدره تحاول العبث ببعض ازرار قميصه فنظر الى كفها وأزاحه فى عنف هاتفا فى تهكم:
” سمر هو انتى مبتزهقيش ؟؟…طريقتك دى عمرها ما هتجيب نتيجة معايا ”
زمرت شفتيها وتراجعت فى احباط :
” انا مراتك يا زين …مراتك ..لحد امتى هنفضل كدة ؟؟“
مال اليها يخبرها بابتسامة:
” متقلقيش الموضوع مش هيطول اكتر من كدة ”
وقبل ان تبتسم اضاف فى حدة :
” قريب اوى هنتطلق ”
تراجعت خطوتين وازدردت ريقها فى ارتباك :
” نتطلق ؟؟..ليه وازاى ؟؟“
هز كتفيه وهو يلقي بسترته في عشوائية:
” عشان الوضع اللى احنا فيه لازم ينتهى ..خلاص كل حاجة خلصت ”
وعقد ساعديه على صدره مواصلا :
” انتى عارفة من الأول ظروف جوازنا كانت ايه …مهواش جواز اصلا ..احنا عملنا كدة عشان ننقذ شرف العيلة مش اكتر ..متخدعيش نفسك احنا مش اتنين بنحب بعض وبينهم مشكله هتاخد وقتها وهتتحل ”
اسرعت تقف امامه وهي تضم كفيها الى صدرها تترجاه:
” زين انت ليه مش عايز تصدق انى محبتش فى حياتى غيرك ..هتفضل لحد امتى تحاسبني على اللى فات ”
رمقها في تقزز كأنه يكره أن تلوث الحب الذي يعرفه وعاشه بكل تفاصيله بحديثها عنه وفهمها الضيق له:
” حبتينى ازاى ؟؟؟…..اللى بتحب حد حتى لو من طرف واحد مستحيل تقدر تسلم نفسها لحد تاني” وشرد بعينيه وهو يتخيل حوريته أمامه …
يسترجع كل لحظة عاشها معه ليعود خواءه من بعدها يؤلمه ويخنق نبرته:
” الحب حصن عالى بيخليكى تحسى ان كل جزء فيكى مملوك للى بتحبيه ومش من حق اى حد ابدا انه يشاركه فيكى …اللى بيحب حد مستحيل يقدر يتخيل نفسه مع غيره ”
واغمض عينيه فى مرارة ليفتحها من جديد مضيفا في قسوة اراد بها مداواة وجعه بايلامها هي:
” مش هيفع نكمل مع بعض… مش هينفع يا سمر ”
مررت يدها فى شعرها بعشوائية…
زمرت شفتيها المرتجفتين للحظات في محاولة للتغلب على ارتجاف نبرتها قبل أن تسأله :
” يعنى لو مكنتش سلمته نفسى كان ممكن نكمل حياتنا سوا ”
ولأنه يهوى ايلامها بكل طريقة لم يعطها الاجابة الحقيقية …
اعطاها أخرى مزيفة بزيف كل حياتها معه:
” يمكن وقتها كنت قدرت أصدقك ونعيش زى اى زوجين ”
اعطته ظهرها وهى تفرك يديها فى توتر ..
تعالت أنفاسها في جنون و كأنها تسابق افكارها وعلى وشك الوصول لخط النهاية ..
التقطت مأزرها من فوق الفراش لتغطى به جسدها ..عقدته بيدين مرتعدتين تحكمه على نفسها اكثر… نظرت الى اليمين والى اليسار ..
ربما ان الاوان ليعرف كل شىء ..
انتظرته طويلا ليعرف وحده ولكن بعزوفه المطلق عنها لم يعد لها بديل ..
استدارت محاولة اضفاء التماسك على عبارتها:
” طيب لو قولتلك ان مسلمتش نفسى لحد وان مفيش حد لمسني اصلا ”
قطب حاجبيه وكأن الكلام لم يصله بعد او تعامل معه كأنها تهذى بما تتمناه ليرد باستهتار:
” افندم ؟؟“
اقتربت منه فى حذر وهي تقول بسرعة كأنها تخشى التراجع:
” بقولك مفيش حد لمسنى ولو كنت قربتلى كنت هتتأكد بنفسك من ده ”
اقترب منها فى بطء كفهد يترقب القفز على فريسته وهمس في ترقب:
” انتى بتقولي ايه ؟؟؟…محدش لمسك ازاى ”
واطبق على مرفقها يجذبها اليه في عنف هاتفا :
” واللى سمعته كان ايه ؟؟…واللى حصل بعدها كان ايه ”
واطبق على ذراعها اكثر وهو يكز على اسنانه بنفس القوة ويصرخ بها:
” انطقى ”
ارتعدت بين يديه للحظات ورغم الألم لم تحاول حتى ان تفلت نفسها من يديه:
” الفكرة كانت فى دماغى من قبلها بس مكنتش عارفة انفذها ازاي …يومها انت ما اخدتش بالك ان عمى كان وراك بس وقف مع عم فاروق الجناينى شوية وده اللى عطله …كنت متأكدة من رد فعلك يازين لو سمعت اللى بقوله ..حافظاك يا ابن عمي …بس انا اخترت الكلام اللى يوصل لعمى اللى انا عاوزاه وانت مكنتش مركز ولا حاسس بحركته وهوا طالع بس انا كنت مركزة وحاسة بيه ”
واضافت وهى تنتفض من البكاء فجأة :
” انت مسبتليش اختيار يا زين ..كنت بموت وانا بشوفك وياها …كنت بموت وعاوزة اخد مكان فى حياتك حتى لو غصب عنك ”
ارخى قبضته عنها فى ذهول غير مصدق لما يحدث ، أبعد ما يذهب به خياله لايمكن ان يصل به الى ما يسمعه الان ..
من تلك التى تقف امامه ..
شيطانة ؟؟؟
لا يمكنها ان تكون سمر ابنة عمه هادئة الطباع التى عاشت معهم فى القصر كأخت صغرى ابدا ..
كيف تخطط بتلك الدقة والشر ؟؟
كيف يتورط هكذا دون ان يدرى او يشعر طوال تلك السنوات انها كانت مجرد خطة محكمة ؟؟
كيف فى بعض الاحيان ظنها ضحية غرر بها احدهم وكاد ان يشفق عليها احيانا وهو كان أولى الناس بالشفقة ؟ تذكر تلك الليلة بكل حذافيرها ..
نعم ..
سمر كانت تهتف انه السبب وانها لن تسامحه وهو من فرط الغضب لم ينتبه لشىء ابدا من قولها ، حتى ان ابيه ..ابيه ….
لا بد ان يعرف بما خططت له ابنة اخيه ..
لابد ان يجلده بضميره على مافعل مع صوفيا منذ سنوات ..
احكم قبضته على معصمها بقوة حتى انها خشيت ان يكسر فى قبضته:
” تعالي معايا“
وبدأ يجرها خلفه وهو يكز على أسنانه:
” لازم عمك الفاضل يعرف بعملتك ”
حاولت التملص منه قبل ان تصل الى الباب :
” عمى عارف …عمى عارف يا زين ”
ارخى يده من على مقبض الباب بعد ان كاد يقتلعه من فرط الغضب …
ما كل هذا الجنون ؟؟؟..
هل اشترك ابوه فى تلك المسرحية الهزلية الرخيصة ، هل تولى بنفسه اخراجها والاشراف على اتقان سمر لدورها فيها ؟؟
هل كان فخا تعاونت سمر وابوه على دفعه اليه ؟؟ واصلت وهى تتراجع للخلف بينما تمسد على معصمها بيدها الأخرى :
” عمى عارف ”
وفى لحظة مر على عقلها هذا المشهد الذى جمعها به منذ ثلاث سنوات …
حين طلب محمود من ولده ان يتركه مع سمر اغلق الباب بعد ان تأكد ان ولده اصبح بعيدا عن مرمى حديثهم ، اقترب منها وامسك ذراعها فى قوة محاولا تمالك اعصابه :
” اتكلمى …قولى الحقيقة ..ابنى زين مش ممكن يعمل كدة ..انطقى ..“
لم ترد وهي تضع قبضتها الاخرى فى فمها وترتجف في هلع جعله يصرخ في هلع أكبر :
” اتكلمى يا بنتى ريحينى …ابنى هوا اللى ضيعك ”
هنا انهارت ولم تستطع ان تكمل دورها للنهاية فهزت رأسها في هستيريا :
” لا ..لا ”
لم يستطع ان يهنأ ببراءة ولده الذي كان متيقنا منها فشرفه قد دهسه غيره ..انحنى ارضا ليكون فى مستواها :
” اومال انتى سلمتى نفسك لمين ..انطقى وقولى وهجيبه لحد هنا وهخليه يندم ندم عمره ..عملتى كدة ليه ..حطيتى راسنا فى الطين ليه ؟؟”
التقطت كف عمها تقبله في جنون:
” ابوس ايدك يا عمى …ارحمنى بقا ..محصلش حاجة …محصلش حاجة …انا مش قادرة اكمل اللى بدأته ”
نظر لها فى ذهول ..مالذي يحدث بحق الله:
” مش قادرة تكملى ؟؟….مش قادرة تكملى ايه ؟؟“
انتفضت وهى تقص له ما كانت تنوى فعله ..انهارت تماما وهى تضرب صدرها بقبضتها في ألم:
” انا بحبه يا عمى …هموت لو راحلها …هموت نفسى ..والله لموت نفسى لو راحلها …مش قادرة ”

نهض من مكانه وتنهد فى راحة …شرفه في أمان وولده أيضا في أمان …اما ما بها من هذيان فيسهل امره ..
كرر سؤاله ليتأكد مما سمعه حتى لا يترك عقله للاحتمالات تتداوله :
” يعنى انتى محصلش حاجة بينك وبين اى حد ؟؟”
هزت رأسها فى عنف :
” ابدا والله ولو عايز نروح لدكتور تتأكد بنفسك انا مستعدة ”
حاولت التحامل على نفسها لتنهض فى ضعف ..ضمت كفيها الى بعضهما البعض تتوسله في ألم:
” عمى انا بحب زين …مجنونة بيه ..مقدرش اتخيلو مع حد غيرى ..عملت ده كله عشان اكون معاه حتى لو غصب عنه ..عارفة انى كدابة وغشاشة وضحكت عليكو.. والله عمرى ما كنت اتخيل انى اعمل كدة ”
وهرعت الى درج قريب لتخرج علبة زجاجية منه لتردف وهى تضغطها بين يديها :
” شايف ده يا عمى… ده سم …كنت هاخده كله ساعة ما قال انه هيتجوزها ولو شوفته معاها والله والله لموت نفسى ..”
قطب حاجبيه وهو ينظر الى العلبة في يدها ..مد كفه يمسح عن جبينه عرقا امتزج بذكريات بعيدة ..الموت مجددا ..هل سيسمح لها ان تلحق بمن كان سببا في حرمانها منهم ؟؟؟
أمانتيه التي حاول الحفاظ عليهما بشتى الطرق يضيعان من يديه ..حسام تحطم قلبه على يدي ابنته والأخرى تهدد بالانتحار فماذا عساه يفعل ؟؟
يلطمها على وجهها لتفيق ؟؟
ومن أدراه أن الصفعة ستعيدها الى رشدها ؟؟
من ادراه انها ليست جادة ؟؟
هو يعرف جيدا سذاجتها ..يعرف ان عالمها الضيق لم يشمل سوى ولده منذ سنوات طويلة ..ماذا عساه أن يفعل ؟؟
ماذا عساه ؟؟؟
وزين الدين ماالذي …
أوقف تفكيره تماما مغمضا عينيه للحظات ..لو فكر في ولده وقصته المعلقة مع صوفيا فلن يصل لقرار مطلقا اقترب منها في بطء ..أمسك بكتفها قائلا اخر جملة توقعت سماعها منه:
” هتتجوزيه يا سمر ”
فغرت فاها على اتساعه فواصل في جدية مشوبة بكثير من الألم :
” بس تفتكرى هتقدرى تخليه يحبك زى ما انتى ما بتحبيه ..هتقدرى تخليه ينسى اللى عملتيه ؟؟”
هزت رأسها بسرعة تجيبه:
” ايوة يا عمى هقدر …هعمل كل حاجة واى حاجة وانا متأكدة انه هيحبنى فى الاخر ”
اشاح بوجهه وهو يأخذ علبة السم من بين اناملها:
” خطتك هتكمل زى ما هيا …واللى بعدها دورك انتى ..شوفى هتوصليلو الحقيقة ازاى …وازاي تقدرى يكون ليكى تأثير عليه عشان يقدر يسامحك …مش هيبقا سهل يا سمر ابدا …بس انا خلاص نفذتلك اللى انتى عاوزاه وانا عارف انه غلط ”

انتهت سمر من سرد كل ما حدث لزين الذى تسمر فى مكانه للحظات ..
اطبق الصمت عليهما تماما ليشقه فجأة صوت ضحكاته العالية الساخرة الحزينة الغاضبة ..
راقبته فى ذهول ليقول بعدها من بين ضحكاته وهو يشير لها باصبعه:
” يعنى انتى وعمك خططتو ونفذتو ”
وانقطعت ضحكاته فجأة وهو يقترب منها ويطبق على ذراعها :
” تعالي ”
سحبها خلفه فى عنف حتى وصل بها الى جناح ابيه وامه…
فتح الباب دون ان يطرقه فانتفضت امه وقامت من امام المرآة التى جلست امامها تمشط شعرها وهى تنظر اليه يسحب زوجته خلفه ويجول فى الغرفة بحثا عن ابيه ، القت سميرة المشط من يدها هاتفة به فى غضب:
” انت اتجننت يا ولد ..ازاى تدخل كدة ؟؟؟”
لم يرد وهو يتطلع حوله قائلا:
” هوا فين ؟؟”
رمقته سميرة فى ذهول فهو ليس فى حالته الطبيعية تماما :
” هوا !!!”
ابتسم فى سخرية وهو ينظر الى والده الذى خرج من المرحاض وهو يحمل منشفة يجفف بها رأسه ، وما ان ازاحها ليجد ولده امامه بوجه لا يبشر بالخير مطلقا حتى هتف فى قلق:
” زين فى ايه يا ابنى مالك ؟”
حاول زين ان يضبط اعصابه بقدر المستطاع وهو ينظر الى ابيه فى لوم وعتاب و ازدراء لم يستطع ان يخفيه ، كيف لاب ان يفعل هذا فى ولده ؟؟
كيف يحرمه من سعادته من اجل ايا كان ؟؟؟
كيف قبل ان تمر عليه ثلاث سنوات كاملة وهو يموت امامه دون ان يتدخل ؟؟
كرر محمود فى خوف:
” مالك يا ابنى ؟؟”
هنا هتف زين فى مرارة :
“ابنك ؟؟.. هوا انا فعلا ابنك ”
تحركت سميرة لتقف الى جوار زوجها بينما نظر محمود الى سمر التى خفضت رأسها ارضا فتابع زين فى الم:
” ابنك اللى خططت ونفذت مع بنت اخوك من غير ما تفكر فيه ”
هنا هتفت سميرة فى صرامة فأيا كان الأمر لا يحق لزين ان يتحدث هكذا:
” ولد اتكلم كويس مع باباك …فى ايه لده كله ؟؟”
ابتسم فى قهر :
” اسأليه …قوليله عمل ايه فى ابنه ؟؟”
واضاف وهو ينظر الى ابيه حابسا دمعة فى عينيه بصعوبة:
” مصعبتش عليك طول السنين اللى فاتت وانت شايفنى قدامك بموت فى اليوم ميت مرة ..مصعبتش عليك ؟؟؟”
اغمض محمود عينيه وادرك ان ولده قد علم بكل شىء بينما هتفت سميرة فى نفاذ صبر وقد استفزها صمت زوجها وعلمت ان الامر اكبر بكثير مما تخيلت :
” حد يفهمنا ويقول فى ايه ؟؟”
نظر اليها زين طويلا وقال:
” بابا العزيز يبقى يفهمك اما انا فمعنديش غير كلمة واحدة ”
ونظر الى سمر بوجه يحمل هدوء الموتى:
” سمر هانم ..انتي طالق ”
نطقها ولم يزد حرفا اخر وفى لمح البصر ترك المكان ، لم يرى سمر وهى تنهار ارضا بينما تجمد محمود فى مكانه فى ذهول وقدماه كأنها ثبتت فى الارض بقيود غليظة اما سميرة فوقفت تنظر الى الباب حيث خرج زين وعضلات وجهها عاجزة عن رسم اى انفعال يعبر عما تشعر به .
مالذى قصده زين ؟؟..
عن اى خدعة يتحدث ولما طلق زوجته ؟؟
وماذا فعل له ابيه ليحدثه بتلك الطريقة لاول مرة فى حياته …
زين اكثر ابنائها رزانة ولم تعهده اهوجا ابدا كما حدث اليوم ..
نظرت الى محمود وهى تضم قبضتيها الى صدرها كأنها تحاول ان تحمى قلبها من الصدمة :
” محمود …احكيلى كل حاجة ..خبيتو عنى ايه ؟؟”
تنهد محمود فى استسلام وكأن صوت زوجته قد ايقظه من شروده فاتجه الى سمر قائلا فى صرامة رغم
انهيارها امامه وهو يمد يده ليساعدها على النهوض :
” سمر روحى اوضتك دلوقتى ”
نهضت سمر فى تثاقل ونفذت ما طلبه منها ..
ظل محمود معطيا ظهره لزوجته وهو ينظر الى حيث خرجت سمر وكأنه يعطى نفسه الفرصة فى ترتيب الكلمات وتنميقها فالصدمة ستشمل الجميع
هتفت سميرة فى لهجة جمعت بين القلق والالم :
” ايه اللى بيحصل يا محمود ؟؟”
استدار لها محمود واغمض عينيه فى استسلام فقد حانت لحظة المصارحة اذن …زوجته لن ينطلى عليها خداعه وهو لا يمكنه ان يخفى اكثر من ذلك ربما ترأف بحاله ولا تكيل له الاتهامات بدورها ولكن كيف وهو يعرف انه اذنب بحق ولده وتركه لعذابه لسنوات ..
تهالك في تعب ليجلس على كرسى قريب وهو يشيح بوجهه عنها:
” انا هحكيلك كل حاجة ”
واستمعت الى كل شىء ..
استمعت الى خطته مع ابنة ااخيه ..
استمعت وعلمت ان ولدها حرم من حبيته وعاش ثلاث سنوات مع اخرى يعلم ابوه جيدا انها اتهمته زورا ، لاتوجد كلمة تمثل ما شعرت به وقتها تجاه زوجها ، زوجها الذى احبته لسنوات وعاشرته اكثر من نصف عمرها ..
لم تكن تعرف انه ظالم الى هذا الحد وان ظلمه لم يمارسه فى حياته الا على ولده ..
نهضت فى تثاقل وهى تقول فى صدمة بعثرت حروفها:
” مش قادرة اصدق ..مش قادرة اصدق ”
ومررت يدها على وجهها وهى تواصل في حرقة:
” انت تعمل فى ابنك كدة ؟؟…انت تكسر قلبه وفرحته؟؟…ده ابنك فاهم ابنك؟؟ ”
نهض محمود محاولا الدفاع عن نفسه بأى حجة :
” وعشان ابنى كنتى عايزانى اعمل ايه اسيبه يروح يتجوز الخواجاية اللى انتى كمان كنتى معترضة عليها …انا جوزته بنت عمه اللى بتعشق التراب اللى بيمشي عليه ..كان عندي امل ان مع الوقت هيحبها ”
ظن محمود انه سينفذ من ثغرة صوفيا من لوم زوجته فهو يعرف اعتراضها عليها ولكنها خذلته حين هتفت فى حزن وقهر لم يستشعره في نبرتها طيلة عشرته لها :
” يعنى ابنى كان عايش السنين دى كلها قلبه مكسور ومسابهاش بمزاجه ..يعنى كل الحزن اللى كنت بشوفه فى عنيه كان عشانها …اقسم بالله لو كنت اعرف انو مسابهاش بمزاجه لكنت جوزتهاله غصبا عن اى حد ولا انى اشوف فى عينيه نظرة حزن وقهر واحدة من اللى كنت بشوفها ”
وهزت رأسها تواصل فى مرارة :
” انت ظالم يا محمود …ظلمت الكل ..ظلمت ابنك لما شيلته فوق طاقته ..وظلمت صوفيا وحتى سمر ظلمتها لما طاوعتها فى اللى كانت عايزاه وجوزتها واحد مستحيل فى يوم انه يحبها ”
وابتسمت فى سخرية مشوبه بوجع :
” كنت متخيل ايه لحظة ما يعرف الحقيقة …هيقولها برافو مفرطتيش فى شرفك هايلة بجد ضحكتى عليا وخدعتينى …”
ومالت اليه تضيف وهي تبسط ذراعيها :
” اديك خسرت كل حاجة ..خسرت ابنك اللى ساب شغله معاك …حتى لما وزعت ثروتك على حياة عينك ابنك رفض يقرب لحاجة …وقريب هيسيبلك البيت كله وقبل ده كله خسرت احترامه ليك واحترامى ليك وكل ده عشان تعمل لبنت اخوك اللى هيا عايزاه وتخلص من عقدة الذنب اللى عندك …دايرة الذنب المقفولة من سنين وعمال تلف فيها واخرتها دخلت ابنك معاك جواها”
وكورت قبضتها لتواصل فى عنف:
” اخرج بقا من وهمك ده …اطلع منه وكفاية تعيشنى فيه اكتر من كدة ..عيشت فيه سنين لوحدك ..لكن لحد ولادى ولا يا محمود ..لا والف لا ”
صرخ بها هذه المرة يمنعها من فتح جراح الماضي:
” كفاية بقا يا سميرة ..كفاية ..انتى عارفة انها مش مجرد عقدة ولا احساس بالذنب انا فعلا كنت السبب فى موت ابوهم وامهم بسبب غلطتى انا وعشان مصلحتى اتحرمو منهم العمر كله… ومهما عملت مش هقدر اعوضهم ”
صرخت فيه بدورها:
” انت حر …عايز تعيش جوة ذنبك ده انت حر …لكن التمن اللى ترضى بيه ضميرك هوا ابنى ..لا والف لا يا محمود ”

وجهها فقال لها: فاكره ليلتها كنت عايز اق…
الفصل الثاني والعشرين
الفصل الثانى والعشرون
نظر حسام الى خالد فى شك :
” انت عايز تفهمنى انها عدت الشهر وبنجاح كمان واحسن من الاتنين التانيين ”
تنهد خالد وهو يمسح وجهه يخبره في ملل:
” انتى بتسألنى للمرة المليون ..والله العظيم اه ..انا هكدب عليك ليه ”
نهض حسام من مقعده فى بطء :
” لتكون فاكر انك بتجاملني عشان هيا بنت عمى …الشغل شغل يا خالد ”
قال جملته تلك وهو يرمقه بنظرة تحذير اخيرة لاذ بعدها بالصمت لحظات يعطه فرصة للتراجع عن أقواله وحين لم يفعل رفع الأول سماعة الهاتف وطلب دخول الثلاث فتيات …
فى لحظات كن امامه ..
نظر لهن فى عملية وهو يعقد ساعديه على صدره يخبرهن:
” انتو التلاتة عديتو اختبارتكو بنجاح وعشان كدة هتكونو معانا ”
ونظر الى كل واحدة منهن للحظة :
” انسة راندا هتبقى فى الدعايا ..انسة ايتن هتبقى فى الحسابات ..اما انسة نور ”
أضاف ابتسامة الى عبارته وهو يواصل متخليا عن قليل من تجهمه :
” هتبقى هيا مديرة مكتبى ”
للحظة كادت ايتن ان تخرج عن شعورها وتصرخ :
” اشمعنا يعنى ”
ولكنها عضت على شفتها بقوة حتى كادت تمزقها من الغيظ ..هو لم يكتفى بازاحتها بعيدا عن وجهه فقط بل القى بها فى قسم الحسابات وهو يعلم جيدا كم كانت تكره كل ما يتعلق بالرياضيات ، يريد تعجيزها ، حسنا ستقبل التحدى ..
راقبت فى غيظ نور زميلتها وهى تتهادى فى مشيتها لتقترب مصافحة اياه بابتسامة بدت لها بغيضة وثقيلة الظل وباردة :
” متشكرة جدا يا باشمهندس …وان شاء الله اكون قدها ”
زاد غيظها اكثر وكادت ان تحطم المكتب على رأسيهما معا وهو يصافحها بابتسامة عذبة :
” انا واثق انك قدها يا نور …انتى مش مجرد بنت حلوة بس ..انتى ذكية وبتعرفى تاخدى قرار ”
عقدت ايتن حاجبيها وتنحنحت…حسنا ماذا هناك ايضا لتقوله ايها الوقح …
نظر حسام الى راندا بدورها يخبرها في لطف:
” انتى اضافة حقيقية لقسم الدعايا يا راندا …السى في بتاعك مش محتاج كلام ”
ابتسمت الفتاة فى روتينيه :
” شرف ليا يا فندم ”
التفت اخيرا اليها وشعر بوجودها بعد ان وزع ابتساماته على الجميع لتأتى عندها وتنفذ اذ تطلع اليها فى جديه صارمة :
” انسة ايتن ..قسم الحسابات محتاج دقة وتركيز ..ياريت تكونى قدها ”
زفرت فى غيظ لم تستطع اخفاؤه …
تغير بالفعل فأصبح شخصا اخر يثيرها ويستفزها الى أقصى حد …
لازالت فكرته عنها كماهى…
طفلة مستهترة وسطحية التفكير ..
نعم تعترف انها كانت كذلك ولكن الأمر قد تغير تماما …فمن كان لاتطيق رؤيته للحظات اصبحت تتمنى ان تكون مديرة لمكتبه لتحظى بقربه طيلة الوقت وستفعل كل ما هو ممكن وغير ممكن لتزيح نور هذه عن طريقها فنظراته لها لا تبشر بخير ابدا وهى حقا لا تعرف هل تجاوزها بالفعل كما يردد على مسامعها طيلة الفترة الماضية ؟؟
هل حبه الذى ظل يبثها اياه سنوات طفولتها ومراهقتها وشبابها من السهل ان يتلاشى بسهولة هكذا ؟؟؟؟..
ام ان تلك المشاعر ترقد فى غيبوبة مؤقته بفعل الصدمة وهى فى حاجة الى صدمة اخرى لتنشط وتحرك كيانه من جديد…
ربما كان هذا الاحتمال اكثرهم ايمانا به او هى تريد ان تؤمن به فلن تتحمل ابدا قاعدة كما تدين تدان ..
لن تتحمل ان تتبدل الأدوار بينهما فتهيم به هى حبا بينما هو لا يبالى …
حبا!!!!
منذ متى أحبته ولماذا ؟؟ ..
هل احتاجت سنوات تضاف الى عمرها ليزداد نضجها وتعي أنها أخطأت في حكمها عليه …
هل ظهور حسام الجديد بكل قوته بل قسوته من شبح حسام العاشق قد أثار مشاعرها أكثر ؟؟
ألف سؤال يطرح نفسه دون أن يجد لديها اجابة ..
فقط تحتفظ باجابة واحدة على سؤال واحد لم يطرح من الأساس …
اجابة تطوي حقيقة أنها بالفعل أحبت هذا المخلوق ولا شك لديها مطلقا هذه المرة …
*********************************************

لايعرف حقا كيف وصل الى هنا ، منذ ان خرج من القصر لم يجد سوى طريقا واحدا يسلكه ..
طريقا وقفت فى نهايته حوريته الجميلة بابتسامتها التى اذهبت عقله منذ اللقاء الاول …
طريقا بدا ممهدا هذه المرة فقد عاد زين الذى احبته لينبذ الاخر تماما من حياته ..
كيف وصل الى المطار وكم قضى فى الطريق لا يعرف ، صورتها اخفت اى معالم للوقت و للمكان ..
سباق كان يشعر انه يخوضه مع الزمن …
سباق تقف فى نهايته صوفيا تفتح له ذراعيها وهو يركض بكل سرعته ليرتمى بينهما للابد ..
كم اشتاق لكل شىء فيها ، صوتها رائحتها عينيها ….
واه من عينيها …
كم عانى من اعراض انسحاب ادمانه لهما طيلة السنوات الماضية ..
اعراض لا يملك لها دواء ولا يجد لها ترياق فهى السم والدواء فى الوقت ذاته ..
حصل على عنوانها من ايلينا التى اخبرته انها تتابع حملها مع احد الاطباء وستعود الى القاهرة بعد يومين …
واخيرا الان هو امام منزلها لا يفصله عنها سوى تلك البوابة الحديدية لسور المنزل الذى يحيط بالحديقة ، نظر من بين قضبانها وهو يحاول ان يتوازن وان يصدق ان الزمن لم يعد حاجزا بينهما وكل ما يبعده عنها هى تلك الامتار القليلة ..
تنهد فى عمق وفى تردد مد اصابعه فى اتجاه الجرس وقبل ان ينقره ..رآها ..
نعم انها هى الحورية الجميلة تتهادى على السلم الخارجى للمنزل فى تعب لتقترب من طاولة مستديرة وتجلس على كرسى قريب منها ..
لم تستطع تلك الامتار السخيفة ان تخفى حزنها البادى بوضوح على وجهها ..
هو ليس حزن لحظة على وفاة امها بل حزن سنوات تراكمت همومها بداخلها …
هموم كان له النصيب الاعظم فيها ويدرك هذا جيدا ويعرف انها ربما لاتغفر له …
هل من حقه ان يسألها ان كانت لاتزال باقية على ذلك الوعد الذى قطعاه على نفسيهما فى لحظة جنون ؟ راقبها وهى تمرر يدها فى شعرها الاشقر الناعم لتجمعه الى كتفها الايمن كعادتها القديمة…
ابتسم فى نفسه ..لقد اصبح شعرها اكثر طولا واصبحت بالرغم من كل شىء اجمل بكثير .
مد يده فى تردد واضح وضغط الجرس ..
ضغط مطولا حتى رفعت نظرها اليه..
انتفضت من مكانها حين رأته وتسمرت للحظات دون حراك وهى تضع يدها على صدرها ..
رمقته بنظرات لم يجد لها تفسير قبل ان تتحرك فى بطء لتقف امام البوابة وتهمس فى حزن :
” زين ”
همس فى عشق وهو ينظر الى عينيها دون ان يسبل اهدابه للحظه :
” صوفيا ”
امسكت بقضبان البوابة للحظات كأنها تحاول التماسك فلامس اناملها وهو يكرر بعقل غائب وقلب تائه وعيون مشتاقة :
” صوفيا ”
شعر ببرودة أناملها تماما كالسابق …تمنى لو حجزهما تحت يده العمر كله ولكنها حركتهما لتفتح البوابة فى بطء..
وقفت أمامه للحظات قبل أن تخفض رأسها وتشير له كي يتبعها الى مائدتها المستديرة وقبل ان تصل بخطوات استدارت له فجأة :
” حمد لله ع السلامة ”
ابتسم وهو يمنع نفسه بصعوبة من الاقتراب منها وضمها وتمنى لو كانت لازالت على جنونها كما فى الماضى وتولت هى هذا الامر فاقترب قائلا في شوق:
” وحشتينى يا صوفيا ”
ابتسمت فى حزن:
” فعلا وحشتك ”
رد وهو يقترب خطوة اخرى :
” انتى بتسألينى فعلا ؟؟“
نظرت الى الارض للحظات كأنها تحفرها بنظراتها لتستخلص من أعماقها ردا ..وقد كانت الاجابة بقسوة أكثر معادنها صلابة :
” الافعال دايما بتثبت ان الكلام ولا حاجة ”
لمح نبرة اتهام فى صوتها فرد مسرعا:
” ليكى كل الحق ..بس انا كنت ضايع صوفيا …كنت حاسس بعجز رهيب ..كان لازم ارجع زين اللى حبتيه كان لازم اكسب التحدى اللى اتحديته لنفسى ”
عقدت ساعديها أمام صدرها تسأله كأنها لاتهتم:
” وكسبت التحدى؟؟ ..كسبته ومفكرتش خسرت ايه قصاده ؟؟“
اغمض عينيه يقاوم ألمه ليهمس فى رجاء:
” صوفيا ارجوكى نس..“
اوقفته بكفها:
” من فضلك خلينى اتكلم …طول الوقت قبل كدة وانت اللي بتتكلم وانا بسمع وبنفذ وبس ..انت راجع بعد تلات سنين بمنتهى البساطة تقولى انى وحشتك …تلات سنين مفكرتش فيهم فيا ..مفكرتش حتى انا عاملة ازاى ولما ترجع ياترى فعلا هتلاقينى موجودة ولا مت ..تلات سنين خدو منى كتير اوى يا زين ”
تنهد فى حزن وهو يقترب خطوة تمنى لو اقتحم بها داخلها ليمحو كل ما تحمله تجاهه من خيبة أمل..لوح بكفيه في عجز يحاول أن يبرر حالة التيه التي عاش فيها:
” وخدو منى اكتر ..تلات سنين وانا مبفكرش فى حد غيرك ..بمنع نفسى عنك …لانى وقتها مكنتش انا ..كنت مستنى ارجع زين اللى انتى حبتيه ..زين اللى يقدر يحميكى وما يحسش انه عاجز قدامك ..كنت عاوز ارجع وانا جدير بيكى يا صوفيا ”
هزت رأسها في يأس:
” بعد ايه ..انا طول الوقت اللى فات وانا براجع كل حاجة بينا واسأل نفسى يا ترى انا صح ولا لا …ياترى لما روحتلك برجلى وطلبت منك تعترف بحبك ده كان صح ولا المفروض كنت اسيبك تبدأ حياتك معاها ومكنش السبب فى جرح انسانة كلها ذنبها انها حبتك ..ياترى يا زين اصلا انت حبتنى ولا كنت بالنسبالك حالة حبيت تعيش فيها ”
قاطعها فى حزم يرفض انتهاكها لعشق طالما عاش على ذكراه وأقسم أن يحيا عمره كله يحترم قدسيته:
” انتى عارفة انى محبتش غيرك ..عارفة ومتأكدة من ده ”
هتفت وهى تجلس على كرسيها فى تعب :
” انا مبقتش متأكدة من حاجة ”
ورفعت رأسها اليه بينما تسند جبهتها بسبابتها وابهامها:
” انا لما مشيت من قدامك تخيلت انك مش هتسينى اروح ابدا ..تخيلت انك هتحصلنى وتنهى المهزلة دى بس ده محصلش ..استنيتك كتير وانت ولا حس ولا خبر ..كنت بموت وانا بسأل نفسى هوا فعلا لو بيحبنى ازاى يقدر يستحمل ابعد ”
واضافت وهى تمسح دمعة فرت رغما عنها :
” انت مجربتش الوحدة …مجربتش احساس انك متكونش ليك لزمة ولا وجود ولا اهمية عند حد ..مجرد صفر ع الشمال ..كل اصحابك يفتكروك وقت ما يكونو فاضيين وبعد كدة كل حد فى حياته ..انت مجربتش تعيش بالشهور تليفونك ميرنش بحد يطمن عليك ”
اقترب وامسك بكتفيها فكلماتها كانت اصعب من ان يتحملها قلب عاشق مثله:
” اسف صوفيا ..اسف مليون مرة ”
تملصت من بين كفيه ..بللت شفتيها بلسانها وهي تشيح بوجهها تحاول أن تعود لهدوئها :
”خلاص يا زين مبقاش ينفع..مبقتش قادرة اغامر باللى باقى منى ..مش هقدر اعيش مع ناس رفضونى ..حتى لو انت بعدت عنهم فى يوم هتحنلهم واكون انا القربان اللى هتقدمه عشان تنول رضاهم من جديد ”
هتف فى دفاع:
” مستحيل اللى بتقوليه ده يحصل ..صوفيا انا هتجوزك حالا وهثبتلك انى ..“
قاطعته من جديد في صرامة :
” عشان مجربتش اللى مريت بيه بتقول مش هيحصل ..لكن انا متأكدة انه ممكن يحصل وساعتها مش هلومك..بس هكون انا الخسرانة الوحيدة ”
لهجتها تخبره بوضوح انها لم يعد لديها ذرة ثقة واحدة به وان زين الحالى لا يختلف عن زين الضعيف الذى حاول التخلص منه ، شعر انها تلفظه تماما من حياتها ، شعر ان هناك …
“ كلمينى بصراحة ..فيه حد تانى فى حياتك ”
تأملته لحظات ونظرت الى الفراغ من حولها قبل ان تزدرد ريقها وتجيبه :
” فى يوم وقعت من طولى وكنت تعبانة ..وهوا كان دكتور ولحقنى ..فضل جنبى طول فترة مرضى وبعدها صارحنى بمشاعره ورغبته بالارتباط بيا وانا …“
ونظرت الى عينيه مباشرة :
” وافقت ”
شعر فى تلك اللحظة بقدميه تغوصا فى الأرض فتشبث بكرسى الى جواره قبل ان تبتلعه تماما …هل أخبرته عن وجود اخر؟؟ ..
هل قالت أن حياتها قد أصبح بها غيره؟؟
…هل…لا يحتمل أن يبقى هذا السؤال بداخله مطلقا ..
مال اليها فى مرارة يلفظه بوجهها :
” انتى حبتيه ؟؟؟…“
اشاحت بوجهها فهتف بها :
” ردى عليا ..انتى حبتيه ”
هتفت بحدة مماثلة تحمل كثيرا من مرارة أيامها:
” الحب رفاهية مبقتش اقدر عليها …الحب بهدلنى ووجع قلبى ورمانى ونفانى ….الحب مغامرة اجبن بكتير من انى ادخلها ..انا خلاص عاوزة استقر زى باقى الناس ..الاحترام وحده كفاية ..مش ده كلامك زمان ”
كلماتها كانت انصال حادة مصوبة بدقة الى صميم قلبه…تخبره انها وجدت الامان الذى افتقدته فيه مع اخر ..
واصلت بنبرة أهدأ:
” زين ارجع لحياتك ”
اى حياة تعنيها …
قد ظن انه يعود الى جنته..
ظل طيلة طريقه يتخيل نعيمها وظلالها فنقلته بكلمة واحدة الى قاع الجحيم ..الى جهنم وبئس المصير
” سمر من زمان بتحبك ”
اى حب تتحدث عنه ؟؟
الحب لا يمكن ان يكون الا هي فالقلب قد احتكرته منذ زمن وختمته بخاتمها الخاص
” حاول تحبها انت كمان وكمل حياتك معاها ”
حب وحياة تعيد نفس الكلمات من جديد في جملة واحدة … اين وعدك ايتها الحورية ؟؟؟
كيف تملصت من كل هذا ؟؟؟
كيف جرؤت وسلمت قلبها لغيره ؟؟؟
كيف ستسمح لسواه ان يحتويها بين ذراعيه ويلمسها ؟؟ اى عقاب هذا ارادات الحاقه به ؟؟؟
شعر باناملها تربت على كتفه :
” زين …قدرنا ان اللى بينا يتحول ذكريات ..ومفيش حد عاقل بيعيش على الذكريات ..انت بقا عندك حياتك وانا كمان هيبقى عندى حياتى خلينا نعيش الجاى من غير وجع ”
بل انه يريد الموت حرقا وغرقا وخنقا بجوارها الف مرة على ان يشعر انه لن يراها من جديد ، لقد كانت السلوى الوحيدة فى حياته…
كافح كل شىء من اجلها ..
من اجل عينيها التى كانت تقف فى انتظاره تحفزه ان يسرع ..
رائحتها التى ظلت عالقة بانفه تخبره ان اللقاء قريب كيف كذب كل شىء حوله ام ان حواسه قد اصابها الخلل ؟؟
نهضت فى بطء وهى تنظر فى اتجاه الباب قائلة:
” زين ..زياد زمانه جاى دلوقتى عشان هنتفق على معاد كتب الكتاب ..هوا هيعدى عليا عشان ياخدنى ”
اغمض عينيه فى الم وابتسم فلم يعد له حيلة سوى أن يتظاهر بسعادته لسعادتها:
” اسمه زياد ”
– ” ايوة …مصرى اتولد وعاش فى فرنسا وهيكمل معايا الطريق اللى انت بدأته ”
شعر أنها تخونه فى تلك اللحظة… اراد اى دليل يبرأها فعاد يسألها بصوت متحشرج يحمل امل اخير:
” صوفيا ..انتى مكدبتيش عليا صح ؟؟“
تنهدت فى عمق وهى تشير برأسها تجاه بوابة الحديقة ” لا يا زين …الحقيقة اهى قدامك ده زياد ”
التفت زين خلفه ليجد شاب يماثله فى العمر وسيم ويبدو على ملامحه الجدية ، رسم ابتسامة بمجرد ان اقترب فقالت صوفيا وهى تشير بذراعها تجاه زين لتعرفهما بعضهما ببعض:
” زين يبقا اخو يوسف جوزايلينا وصديق قديم ”
اهكذا اصبحت علاقتهما وكل ما يربطهما ، هو لا يريد هذا الرابط ابدا فاما حبيبها اولا شىء ..نظرت الى زياد وقالت وهى توجه نظراتها لزين:
” زياد خطيبى ”
قتلته الكلمة واخفض رأسه ليخفى انفعاله بينما يده تتكور مانعا اياها من تسديد لكمة عوضا عن مصافحته فهو من سرق حبيبته..
هو من اعطاها ما افتقدته فيه …
تمالك نفسه على صوتها :
” مش هتباركلى يا زين …“
اذن هو الوداع الذى ليس من بعده امل …
هو الوداع الذى تطلبه بنفسها وتقطع بيدها اخر شعرة تربطهما …
لها ذلك ..
رفع رأسه فى بطء ليهنأها ويرثي روحه :
” مبروك صوفيا ..عيشى حياتك بجد المرة دى …عيشى من غير ما تبصى وراكى ولا تفكرى فى اى حاجة فاتت ..افرحى بجد يا صوفيا ..انتى تستحقى ده ”
واكمل فى نفسه وتذكرى يا حوريتى اننى احببتك اكثر مما احببت روحى ..
ابتسمت في رقتها المعتادة:
” وانت كمان يازين ..افرح بجد من غير ما تبص وراك ”
ابتسم فى سخرية شديدة وهو ينظر الى زياد قائلا فى حزن :
” خلى بالك منها ”
ولم ينتظر اكثر من هذا ، فلقد اخذ ما يكفيه من الصدمة …
سار بخطوات بطيئة تسارعت تدريجيا وهو يمنع نفسه بصعوبة من الالتفات خلفه ولكن قلبه غافله فى لحظة والتفت ليروى ظمأه بنظرة قبل ان يموت عطشا …
بعدها نظر امامه من جديد وهو يهرب بخطوات اشبه بالركض لينفجر بركانه بعيدا وينعى كل احلامه بألم وهو يغلق قصة حوريته الشقراء وجنتها للأبد .
**********************************************
” ايوة يا مصطفى ..انا عارف يا بنى حاول تأجلها على قد ما تقدر”
قالها يوسف فى الهاتف بينما يفك رباط عنقه ويرتمى على فراشه وبعدها واصل:
” انا عارف ان دى تانى مرة ..بس حفلة مهمة زى دى مراتى لازم تكون موجودة …الاسبوع الجاى بالكتير يالا سلام ”
اغلق المكالمة وهو يلقى بالهاتف فى عشوائية لينهض متجها الى خزانة الملابس يخرج بعضا من ملابس النوم تنهد وهو ينحرف بيده ليخرج احدى المنامات الخاصة بها ويقربها من انفه قائلا:
” وحشتينى اوى ”
تذكر مكالمتها الاخيرة له وهى تخبره ان اليومين قد امتدا لخمسة ايام لشعورها ببعض التعب وحين اخبرها انه سيترك كل شىء ليذهب اليها منعته تماما واقنعته انه مجرد ارهاق ، تنهد وهو يعيد منامتها الى مكانها ، حسنا لم يتبقى سوى اليوم لتعود صاحبة المنامة الى ذراعيه من جديد .
زفر فى حيرة على ما اصبح عليه فجأة اهل هذا المنزل ، سفر زين المفاجىء الى باريس …
حالة امه الغريبة وعلاقتها المتغيرة بابيه وهروب كل منهما من الامر حين يهم بسؤاله ..
ايتن تلك الصغيرة التى كبرت فجأة واختارت ان تعمل لدى حسام دون أن يدرى حقا مالذى يدور برأسها ولكن ثقته اللا متناهية فى ابن عمه ازاحت عن كاهله الكثير من القلق …
لا يوجد شخص يحتفظ بهدوءه فى هذا القصر سوى علي ..
هذا الملاك الصغير الذى يشبه اخته الا في عنادها فهو هادىء الطباع يقضى اغلب وقته بعد الدراسة اما فى القراءة او فى العزف على العود مغرقا القصر بألحانه العذبة…
بدل ثيابه وتمدد على فراشه فى ارهاق وهو ينظر الى الوسادة الى جواره حيث كانت ترقد ..
ابتسم من نفسه ، حسنا لن يعيش فيلم الوسادة الخالية طويلا…
ستأتى معشوقته لتأخذ مكانها من جديد …
ستأتى حاملة طفله فى احشائها ..
طفلا طالما تمناه منها هى وطالما اخفى رغبته تلك حرصا على مشاعرها ..
طالما وقف بالمرصاد لكل من حاول طرح الامر ولو من بعيد امامها ..
وقبل ان يسبل جفنيه لينام شعر بمن يفتح باب غرفته بهدوء …
فتح عينيه وفركهما بشدة ليستطيع ان يستوعب الامر وما هى الا لحظات حتى قفز من فراشه واتجه اليها يضمها فى قوة هاتفا:
” وحشتينى وحشتينى وحشتينى حبيبتى ”
رفع وجهها قليلا يقبل كل انش فيه قبل أن يعيدها الى أحضانه مجددا وهو يهتف :
” ليه حبيبتى مقولتيش عشان استناكى فى المطار و…“
توقف عن استرساله فى الحديث حين شعر بجمودها بين ذراعيه ..لا تبادله مشاعره كالعادة وكأنها …، افلتها ليمسك كفيها فى قلق :
” مالك يا ايلي ..انتى تعبانة ”
نظرت لكفيه للحظات قبل أن تنتزع كفيها منهما فى عنف وبنظرة ثابته أفلتت كلمة واحدة كادت ان تفقده وعيه:
” يوسف …طلقني ”1

الفصلين دول كانو مرهقين جدا في الكتابة يا جماعة ..
اتمنى اكون وفقت في كتابتهم وقدرت انقل مشاعر الابطال بشكل كويس …
مستنية رأيكو ..

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثالث والعشرون

(تنبيه هام …
الفصل ممنوع لاصحاب القلوب الضعيفة😀
الفصل متعب ومرهق ..أرهقني جدا جدا في كتابته ..فرجاء شخصي يا جماعة توصيف المشاعر مش بالسهولة اللي انتو متخيلينها ..عاوزة ردود فعلكو على الفصل ده تحسسني ان تعبي ده له لزمة بلييييز ..مستنية ريفيوهات مش بس تعليقات واسيبكو مع الفصل )

للوهلة الأولى ظنها مزحة سخيفة منها فلوى ثغره في امتعاض:
” ايلينا هيا هرمونات الحمل اشتغلت ولا ايه… انتى عارفة اني مش بحب الهزار السخيف ده ”
تأملته بنظرات ثاقبة كأنها تراه للمرة الاولى …اقتربت منه في بطء تعيد جملتها في ثبات اكبر:
” طلقني يا يوسف ”
ضيق عينيه يتمعن هذا التحدى القابع فى نظراتها حابسا خلفه شلالات من الدموع يرى لمعانها بوضوح ليدرك أنها ليست مزحة تماما :
” انتى بتقولي ايه ؟؟….تطلقي !!!… ليه“
عضت على شفتها السفلى حتى كادت تمزقها وأجابته في هدوء قاتل :
”انت خمن وشوف انا عاوزة اطلق ليه …تفتكر ليه يا يوسف؟؟.. ايه اللى يخلينى اطلبها منك …ايه اللى يخلينى اقولك سيبنى وانت جزء من روحى ..ليه يا يوسف ؟؟”
اغمض عينيه بقوة لايريد ان يضع احتمال علمها بكل شىء واردا ابدا …
ربما كانت نوبة من نوبات غيرتها التى لا تنتهي وسيسهل عليه احتوائها .. لاداعى لأن يورط نفسه ويعترف لها بحقيقة بعيدة تماما عن مرمى خيالها ، ولكن هى كانت فى باريس فربما …
قاطع افكاره صوتها وهى تهتف فى غضب بينما تخلع حجابها فى عنف :
” احكيلى امتى وفين قدرت تخونى ”
كلمتها كانت كانهيار صخري سقط على رأسه فجأة دون ان يحسب له حساب …انعقد لسانه يريد ان يحتفظ بالأمل لاخر لحظة:
” اخونك!!…. ايه اللى بتقوليه ده ؟؟؟“
قبضت على طرحتها بكلتا يديها …
كورتها وهى تسابق انفاسها المتسارعة ..
هزت رأسها فى قهر …
أفلتت حروفها بصعوبة تلوذ بالتماسك لاخر لحظة:
” فى نفس الليلة اللى سبتنى فيها بموت من الخوف عليك رحتلها وخنتنى معاها ”
ادار ظهره لها ليخفى علامات ذهوله …
اخبرته بالمكان والزمان فلم يعد هناك شك في علمها بالحقيقة
لقد علمت بكل شىء…
حانت لحظة المواجهة التى لم يستعد لها مطلقا …
تحركت لتقف فى مواجهته…
لن تسمح له بالهرب ..
عليه أن يواجه ويقر بذنبه ..
اتسعت عيناها فى شراسه أسد جريح يلفظ أنفاسه الأخيرة:
” رجعت للي شبهك …رجعت لطبعك الحقيقى اللى ياما ضحكت عليا وقولت انك غيرته ”
ازدرد ريقه وهو يرفع ناظريه ببطء اليها ..أمسك بكتفيها فى رجاء:
” ارجوكى اسمعينى قبل ما تحكمى ”
انزلت كفيه فى عنف..
اذن هو بداية الاعتراف ..
لقد خانها …
هذا ليس كابوسا بل حقيقة تعيش مرارتها …
وضعت كفيها على اذنيها وصاحت وهى تهز رأسها فى الم :
” مش عاوزة اسمع حاجة …مش عاوزة …الخيانة ملهاش مبرر ..انت مش بس خنتنى ”
واضافت وهى تدفعه فى صدره:
” انت روحت اتجوزتها يا يوسف ..وخلفت منها ولد ”
صرخ فى تلك اللحظة وهو يمسك بكفيها :
” الولد ده اللى خلانى اتجوزها ”
هنا توقفت الارض عن الدوران …
توقفت كل حواسها عن العمل الا عن شىء واحد… الألم …
الم لايحتمل يسرى فى جسدها وفى كيانها بأكمله …ألم ترتج له روحها وتتصدع له جدران قلبها التي طالما تحصنت بعشقه الذي كشفت الخيانة زيفه
اعتراف قاس ..
ليس بالخيانة فحسب بل انجابه لطفل من علاقة غير شرعية ..
لم تتحمل قسوة كل هذا…
لم تتحمل تخيله معها وهو ….
ضربته على صدره بقبضتيها وهى تصرخ فى هستريا بينما صورتهما معا تضرب خيالها في عنف:
” حيوان …سافل ..خاين ..طلقنى مش قادرة اشوفك قدامى ”
امسك بقبضتيها يهتف في قلق:
” اهدى يا ايلينا ..اهدى ”
صرخت به وهي تنتزعهما من قبضته:
” ماتلمسنيش …ابعد عنى …انا بكره جسمى لانك لمسته ..بكره قلبى لانه دقلك …بكرهك يا يوسف بكرهك ”
أغمض عينيه في الم وهو يتراجع للخلف:
” هعملك اللى انتى عاوزاه ..بس الاول اسمعينى ”
شهقت في عنف تحاول ان تلتقط بعض الهواء لتقاوم هذا الضيق الذي الم بصدرها فجأة:
” الخيانة متبررش..انت مفيش فايدة فيك ..هتفضل طول عمرك حقير ونجس ووسخ”
واستمرت فى سبه ولعنه بأشنع الالفاظ التى تعرفها غير معطية له اى فرصة للنطق حتى اصبح على وشك فقدان اعصابه ، يريدها فقط ان تسمعه :
” بقولك حاولى تسمعينى ”
طالعته فى حقد وازدراء لا يليق حتى بفأر اجرب:
” انت من النهاردة بالنسبالى ولا حاجة …انا مهما حاولت انضفك من الوحل اللى انت فيه برضه هتفضل وسخ …ياريتني كنت في قذارتك ..ياريتني كنت اقدر احسسك بجزء من اللي انا حاسة بيه ..يا ريتني كنت اقدر أخليك تدخل اوضتك هنا وتلاقيني على سريرك ده وفي حضن راجل غيرك ”
ولا يدرى حقا كيف حدث هذا ؟؟؟
كيف سمح لأنامله التى طالما ضمتها اليه وازاحت خصلات شعرها عن جبينها خوفا ان تزعجها ان تلطمها بتلك القوة ؟؟؟
هل اراد اسكاتها فقط لتسمعه ؟؟؟
هل تلويحها بالانتقام منه بهذه الطريقة أذهب بعقله؟؟
لا ..لن يسامح نفسه ابدا …
نظرة الى يده واخرى اليها وهي تتحسس الم صفعته التي فجرت دموعها فجأة كأنها ابرة اخترقت بالون منتفخ من المطاط …
بكت في حرارة وهي تنظر له في قهر وخيبة امل ..
لم يحتمل أكثر..
اقترب ليضمها اليه فدفعته بقوة وهى تهتف به :
” اطلع برة ..مش قادرة أشوفك مش قادرة ”
لم يكن امامه سوى ان يرضخ لها ولو لدقائق ، ترك الغرفة بأكملها وهو يلعن نفسه ويلعن تلك الجينا …
اما هى فانهارت ارضا …
تمنت ان ينكر كل شىء وان يظل على انكاره للنهاية ولكنه اعترف ببساطة …
اعترف بجريمة كانت هي ضحيتها فكيف ستصدق كلمة يطلقها عن الحب بعدها…
اخذ ما حدث يجوب بذاكرتها من جديد…
الحقيقة المرة التى ساقتها الاقدار اليها صدفة …
مجرد صدفة …فبعد ان اطمئنت على صوفيا دلتها احدى صديقاتها على مشفى جيد لتطمئن فيه على وضع حملها ، ذهبت الى هناك وبالمصادفة التقت بريان الذى كان يعمل بالمشفى بدوره ، حاولت ان تكون على طبيعتها حين رأته وردت تحيته فى روتينيه شديدة وقبل ان ترحل اوقفها يسألها عن احوالها :
” ايلينا ..مبسوطة مع جوزك ؟؟“
تنهدت تخبره في بساطة:
” مبسوطة جدا ..اتمنالك السعادة انت كمان مع حد يقدرك ”
تنهد بدوره فى حزن :
” كنت اتمنى السعادة دى معاكى انتى ايلينا ”
زفرت فى ضيق وهي تمنعه أن يأخذ الحديث الى مسار اخر:
” ريان …الموضوع خلص بلاش الكلام ده ..انا اتجوزت وبحب جوزى جدا وهوا كمان بيحبنى ”
عقد ساعديه على صدره فى تهكم :
” متأكدة أنه بيحبك ولا خيالك بيصورلك ”
ردت في ثقة وهي ترفع رأسها كأنها تفخر بحبه لها:
” طبعا متأكدة ”
ابتسم وهو يشيح بوجهه :
” واللى بيحبك ده ينفع يتجوز عليكي ؟؟“
لم تفهم ما يرمى اليه فى البداية :
” يوسف يتجوز عليا انا …لا طبعا ”
رد في خبث وهو يتصنع البلاهة :
” ايه ده هو انتى متعرفيش ؟؟؟“
قطبت حاجبيها في نفاذ صبر:
” معرفش ايه ؟؟“
هز كتفيه وهو يواصل ادعاءه للبراءة :
” افتكرتك عارفة ”
هتفت فى حدة وغيظ من خبثه الواضح في الحديث:
” عارفة ايه يا ريان ..قصدك ايه ؟؟؟“
داعب ذقنه بسبابته للحظات قبل ان يلقي قنبلته الحارقة بهدوء مقاتل رخيص يأتي عدوه من حيث لايدري:
” عارفة انه متجوز عليكى ”
اخترقت الكلمة اذنيها كطلقة رصاص مدوية …
تحسست بطنها تستشعر من جنينها حب ابيه لينفي تلك التهمة الحمقاء بسهولة …
ازدردت ريقها وهى تحاول ان تستجمع كل ذرة ثقة لديها بيوسف ..
كل لحظة حب عاشتها معه لتؤكد لنفسها ان ريان اما يهذى او يوقع بينهما لا اكثر…
اهتزت ابتسامة ساخرة على شفتيها تواجه بها وقاحته:
” معقول ..مش لاقى حاجة توقع بيها بينا …بتلعب لعبه اتلعبت فى مليون فيلم قبل كدة ”
مد ريان شفتيه بعدم اكتراث كأنه يخبرها عن اخر افلام نجمه المفضل وليس عن خيانة الرجل الذي تحب :
” فيلم …اللى انا بقوله ده حقيقى ..ولو حابة تتأكدى بنفسك انا هساعدك“
ابتسم في ظفر حين لمح نظراتها المتحدية تتبدل تدريجيا الى أخرى مترقبة لما سيقوله وتابع في هدوء: ” فاكرة جينا ؟؟جينا …من حوالى تلات سنين كانت بتيجى المستشفى تتابع حملها …مكنتش متجوزة والموضوع ده فى باريس عادى يعنى …سألتها وقتها مين ابو الطفل ورفضت تقول ..بس ساعة ولادتها كانت بتموت ومكنش فيه حد جنبها غيرى عشان عيلتها كانت مسافرة…وقتها قالتلى ان يوسف يبقا ابو الطفل ووصتنى انه لوجرالها حاجة اكلمه واعرفه بوجوده ..طبعا انا مستنتش لما يجرالها حاجة ..كلمت يوسف وهو فى البداية مصدقش ..بس بعدها بحوالى شهر جه هنا وعمل دى ان ايه واتأكد انه ابنه واتجوز جينا طبعا وبقاله اهو كام سنة رايح جاى عليها ”
اغمضت عينيها فى قوة …حثت نفسها على التماسك .. لا .. يوسف لا يمكنه ان يفعلها ، حتى قبل ان يتزوجا لم يقع فى تلك المعصية ابدا ، لم يصل الى هذا الحد من الانحطاط ، كيف يصل الى هذا بعد حبهما وزواجهما ؟ وعدها انه لن يخنها او يجرحها ابدا …
طالعت ريان في حقد قبل ان تهتف فى حدة:
” انت كداب ”
ابتسم ريان وكأن السبة ليست موجهة له:
” انا مقدر انفعالك طبعا …بس انا مش كداب …لو عايزة تتأكدي انا معنديش مانع ”
زفرت فى ألم …
تتأكد من ماذا ؟؟؟…
من خيانة يوسف ؟؟؟
لا بل من برائته وكذب ريان …
لقد وعدته انها لن تفقد ثقتها فيه مجددا…
ولكن هى تحتاج ان تثبت لهذا الوغد انها احسنت الاختيار …
ستخرج من بين أدلته الكاذبة دليلها الواضح لبراءة حب عمرها وزوجها …
رفعت رأسها فى تحد :
” ماشى يا ريان …هروح معاك بس عشان أأكدلك انك غلطان“
هز كتفيه في بساطة وثقة:
” وانا موافق ”
اصطحبها الى منزل جينا وهناك رأت والدتها تجلس فى حديقة المنزل وهى تضع فى حجرها طفل فى الثانية من العمر تقريبا ، وبعد ان انتهت من اطعامه هبط من على ركبتيها ليسير بخطوات حثيثة ويلهو فى المكان ، نظرة واحدة من ايلينا كانت كافية لتدرك الجزء الاكبر من الحقيقة فالطفل نسخة مصغرة من يوسف …ولكن لا …
ربما الوساوس هى من صورت لها هذا ، عليها ان تتماسك ، تحسست بطنها وكأنها تحاول ان تستمد من جنينها القوة…
كأنها تستدعى منه روح ابيه التى تسكن الان فى رحمها وتستمد منه ثقتها به ، شعرت بيد ريان تطوق ذراعها وهو يقول :
” ايلينا انتى كويسة ؟؟“
هتفت فى غضب وهى تنتزع ذراعها من يده:
” متلمسنيش خالص ..شوف جينا فين ”
مرت دقائق كأنها قرون وعقلها تتداوله كل الاحتمالات التى تبرىء يوسف ولكن نظرة واحدة للطفل الذى كان يلهو امامها كانت كافية لدحض كل هذا …
جاءت جينا اخيرا مع ريان وهى تحمل بيدها حقيبة صغيرة ..
وعلى طاولة مستديرة فى الحديقة نظرت الى ايلينا فى ارتباك بينما نظرت لها الثانية مطولا وهى تقاوم رغبتها فى الفرار من المكان والهرب من الحقيقة التى تقف على اعتابها ..تنحنحت لتقول بصوت حاولت جعله متماسك وهى تنظر الى الطفل بطرف عينها:
” الولد ده يبقى ابن مين يا جينا ؟؟“
تنهدت جينا وهى تنظر الى ريان فى لوم:
” مكنش لازم اثق فيك ريان ”
حاول ريان تصنع البلاهة من جديد :
” انا كنت فاكرها عارفة ..عادى عندنا الراجل بيتجوز اتنين وتلاتة واربعة ..ولا ايه يا ايلينا ”
تجاهلت ايلينا حتى النظر اليه وهمست وهى تغرز اظافرها فى مفرش الطاولة:
” الولد يبقا ابن مين يا جينا ؟؟“
مررت جينا يدها فى شعرها وردت فى تلعثم:
” ادم يبقا ابن يوسف ”
دققت ايلينا النظر بها للحظات…قفز قلبها في صدرها ليلكم ضلوعها في قوة ينبهها أنها في واقع وعليها أن تواجهه …هي ليست قيد احدى كوابيسها اللعينة…جذبت مفرش الطاولة في عنف لتهتف في استنكار لكل شىء :
” كدابة ..كدابة …يوسف مستحيل يتجوز عليا او يخونى ”
تفحصت جينا وجهها تعاين انفعالاته بدقة وبعدها القت نظرة على ريان قائلة :
” اعتقد ان وجودك ملوش لزمة دلوقتى ..من فضلك عايزة اتكلم معاها لوحدنا ”
نظر الى ايلينا التى لم تعره اهتماما وهز رأسه فى تفهم ليغادر المكان …
راقبته جينا حتى خرج من الباب وقالت وهى تشابك اصابعها :
” انكارك للحقيقة مش هيفيد بحاجة ..يوسف مكنش عايزك تعرفى دلوقتى ..بس ريان غير كل حاجة كان راسملها …الولد يبقى ابن يوسف ..تصديقك من عدمه مش هيفرق ”
هزت ايلينا رأسها وهى تواصل فى اصرار لا تعرف هى نفسها من اين جاءت به :
” كدابة …مستحيل ”
نقرت جينا بأصابعها الرفيعة على الطاولة للحظات قبل أن تفتح حقيبتها فى بطء كأنها تتلاعب بأعصاب الاخرى التي أخذت تراقبها وهى تخرج عدة اوراق وتمد يدها اليها بهم قائلة :
” اعتقد ده يخليكى تصدقى …ده عقد جوازى من يوسف ..موثق من السفارة ودى شهادة ميلاد باسم ادم يوسف البدرى ”
اختطفت ايلينا الاوراق من يدها وتمعنت بها فى جنون تبحث عن اى خطأ ولكن هباءا …
الدليل القاتل لخيانة زوجها الان بين يديها …
وضعت رأسها بين كفيها تحاول استيعاب الحقيقة التى لم يعد هناك مجال للشك بها …
يوسف البدرى خانها …
يوسف نقض عهده لها ..
يوسف سلبها الامان …
يوسف سمح لغيرها ان تشاركه اسمه ..
يوسف سمح لجزء من روحه ان يسكن رحما غير رحمها يوسف منح لمساته وهمساته وحنانه لغيرها …
اختنقت عبراتها مع انفاسها وتكالبا معا لحبس نبراتها داخلها …
استجمعت جل ارادتها لتحرر حروفها من مخالبهما وهى تتجنب النظر الى عينى جينا الظافرتين :
” امتى ..حصل امتى ؟؟“
اجابت جينا :
” من تلات سنين ”
كيف خرجت الضحكة من ثغرها لا تدري …
هل تغير جهازها العصبي فأصبح يستقبل الصدمات على نحو مختلف..
طرقت الطاولة بقبضتها وضحكتها تتعالى أكثر حتى سمحت لبعض دموعها المختنقة بالتقاط بعض انفاسها متسللة عبر الجفون :
” تلات سنين …وفى الاخر عرفت صدفة ..ازاى ؟؟…حملتى الأول وبعدين اتجوزتو ولا العكس ” بسؤالها ارادت ان تنفى عنه جريمة الزنا .. فخيبت الأخرى املها بردها:
” الحمل الاول ”
حقير …
احقر مخلوقات الله …
زان وعاص وخائن …
تحاملت على نفسها ونهضت لتسمع جينا تواصل فى رجاء :
” لو سمحتى يا ايلينا …ياريت يوسف ميعرفش ان ليا علاقة بانك عرفتى …انتى عرفتى عن طريق ريان ارجوكى عرفيه كدة ”
ابتسمت فى سخرية وهي تتحسس بطنها التى اخذت الالام تداهمها اسفلها ..نظرت الى جينا هامسة فى انهاك واضح :
” هسبهولك خالص …انتى وهوا شبه بعض ”
شعور بالاشمئزاز ملأها فى تلك اللحظة … اشمئزاز منه ومن نفسها …
كراهية له ولروحها ولقلبها الذى احبه بكل ما به من طاقة …
عادت الى منزل صوفيا فلم تجدها ..
دلفت الى حجرتها ، وقفت امام المرآة لتتفاجىء بصورة امرأة اخرى لم تعرفها فى حياتها …
امرأة صنعتها صدمتها فى يوسف البدرى …
امراة ضعيفة حزينة منكسرة …
صورة لم تعتد رؤيتها …
اين ذهب شموخها وتحديها للزمن بكل نوائبه ..
ارتمت ارضا وهى تتحسس بطنها …حاولت كتم الامها بقدر استطاعتها حتى تأوهت بصرخة رغما عنها … لاتدرى من اين اتاها وجعها …من بطنها أم من تلك البرودة التي تضرب اوصالها؟؟
شعرت بالدماء تسيل من بين ساقيها ، وضعت يدها الباردة المرتعدة تتحسسها ..رفعت كفها امام عينيها لتصرخ بكل قوتها والدماء تتسلل من بين أصابعها …دماء طفلها الذي مات بعد ان عجز عن مشاركتها كمدها …لقد فقدته …
فقدته …
فقدت حلما ظلت تعيش به لسنوات …
فقدت طفلها التى طالما تمنته منه …
كان ميثاقا لحبهما فانتهى تماما مع اللحظة التى خان فيها يوسف عهده …
لقد فقدت كل شىء …
فقدت كل شىء ….
علت الصرخة هذه المرة أكثر فلم يعد لديها مكانا بجسدها لا يستوطنه الألم …
********************************************************
اربعة ايام مرت عليه وهو يحاول ان يستوعب انها لم تعد له …
يحاول ان يتخيل انها قد حررت نفسها اخيرا من حبه لينطلق قلبها بحرية فى مضمار حب رجل اخر …
وجدت حبا غيره …
تجاوزت مشاعرها تجاهه…
ليتها اخبرته كيف فعلتها …
كيف تمكنت من تنحيته عن كل ذكرى مرت او كل ذكرى تمنى ان تمر …
ألم قاتل يحتاج الى مخدر قوى يذهب حتى بعقله .. يحتاج أن يواصل و ينساها …
ولكن النساء بعدها كلهن سواء …
يتشابهن فى كل شىء …
النساء لديه قسمين صوفيا وباقي النساء …
لذا فلم يعبأ تماما بذهول ابيه حينما عاد اليه طالبا عقد قرانه على سمر من جديد بصفته وكيلها…
انحرف عن حجرته ليتجه مباشرة الى حجرتها وهو يترنح كالسكارى ..
ليس مخمور بل انه حرم من خمر حبه الخاص التى ستسقيه صوفيا من الان فصاعدا لغيره …
فتح الباب دون ان يطرقه فانتفضت واقفة وهى تنظر له فى ذهول وتضم جسدها بذراعيها تتمتم باسمه:
” زين ”
اقترب منها بنظرات مميته …مال اليها بأنفاس ساخنة وهو يهمس في حرقة:
” انا رديتك لعصمتى ”
فتحت ثغرها عن اخره …
اتسعت حدقتى عينيها حتى كادت تبتلعه بداخلهما …تناثرت حروفها بين نظراته التائهة برغبة يحاول أن يستجدي ذروتها :
” زين انا …انتر…“
ولم يترك لها مجالا ابدا … قضى على تردد وتبعثر حروفها بشفتيه ..
انقض على شفتيها يبحث عن مخدر لالم يجتاحه ويعتصره فى قوة…
او ربما يبحث عن الم جديد يلهيه عن المه الحقيقى.. وبمجرد ان لامسهما تذكر على الفور قبلته لصوفيا منذ سنوات … شتان بين ما شعر به وقتها وما يشعر به الان …
يحاول ان يستدعى غريزته كرجل معها بكل طريقة ممكنة كأنها الطريقة الوحيدة للخلاص من الألم ، ابتعد عنها غير عابىء بذهولها تماما وهو يسند جبينه على جبينها بينما كفاه يحاوطان خصرها وهو يلهث:
” مبقتش فارقة …فانتي اولى يا بنت عمى ”
كل شىء بهذا القرب يذكره بها …
احاط وجه سمر بكفيه ونظر الى عينيها مطولا وهو يهتف فى الم ومرارة يريد بهما طرد صورتها بينهما :
” تقدرى تنسينى ..تقدرى تنسيهالى …تقدرى تداوى وجعى ده ”
تخللت اصابعه شعرها وتخيلها تغوص فى شعر صوفيا الاشقر..سواد خصلات سمر بين أنامله ذكره للمرة الألف ان كل شىء قد انتهى ..
ذكره باخر أصبح من حقه أن يحتويها ..
أن يضمها لتسكره بعطرها الذي أذهب بلبه من اللقاء الأول ..
أن يقبلها …
أن …
صرخ فى وجع لم يعد بمقدوره احتماله :
” انا موجوع ومحتاج انسى …تقدرى ”
ضغطت على شفتها السفلى لتقاوم صرختها من جذبه لشعرها بقوة دون وعى منه ..سالت دمعة من جانب عينها لم ينتبه لها كلاهما… رفعت ذراعيها لتحيط بهما عنقه وهى تلهث :
” اقدر يا زين ”
واقتربت منه تقبله وتترك له العنان تماما كما ترك لها العنان هى الأخرى ، كان قاسيا فى بعض اللحظات حين يتذكر انها كانت سببا فى كل ما حدث او ربما كان يحاول ان ينتقم من صوفيا وهو يتخيلها الان بين ذراعى غيره …
اختفى عقله تماما فى تلك الليلة ولم يشعر بنفسه سوى فى صباح اليوم التالى ورأس سمر تتوسد صدره وتحيط جذعه بذرعيها كأنها تخشى فراره ..
شعر وقتها بالاشمئزاز من روحه ، شعر انه يخون صوفيا …
رغم كل شىء يرى انه يخونها هى …
رغم ان المنطق يقول ان خيانته الحقيقية هى لتلك التى ترقد على صدره وكل كيانه غارق فى عشق غيرها ولكن شعوره بانها تستحق اكثر من هذا لايدع فرصة لشعوره بالذنب تجاهها ان يراود باله ابدا …
ظنها ستكون مخدرا لالمه ولكن المه كان اقوى من ان يتم اسكاته باى مخدر مهما بلغت قوته .
*************************************************
ساعات طويلة قضاها خارج القصر ليعود فى النهاية اليها …
وجدها تتكور فى فراشها متخذة وضع الجنين وهى تضع يديها بين ساقيها مولية له ظهرها ، اقترب من الفراش فى بطء وجلس على طرفه …
مرر يده فى خصيلات شعرها وهو ينظر الى آثار صفعته القوية على وجنتها ..
تلك الصفعة التى حملت مقدار خوفه من فراقها له … تلك الصفعة التى سيظل عمره كله نادم عليها…
تركته يعبث بخصلاتها كيفما شاء وهى تحملق فى اللاشيء …مال مسلوب الارادة ليقبل وجنتها التي صفعها في رقة …
لم تحرك ساكنا كأنها فقدت الحياة …
تنهد في وجع وهو يواصل تمرير يده بين خصيلاتها:
” ياريت ايدى اتقطعت قبل ما تتمد عليكى يا ايلينا ..انا اسف اسف اسف مليون مرة حبيبتى …كنت عاوزك بس تسمعينى ..انا والله لحد دلوقتى مش عارف ده حصل ازاى ”
القى برأسه على رأسها يهمس بما حبسه عنها:
” فى اليوم اللى اتخانقنا فيه وورتينى الصور ..كنت متغاظ منك ورجعت بيتنا القديم فى الزمالك ..بعدها بيومين جالي تليفون من جينا رديت عليها قالتلى ان عندها مشكلة وباسبورها وحاجتها اتسرقت ومحتاجة مكان تبات فيه للصبح على ما تسوى امورها مع السفارة بتاعتها ..قابلتها وودتها الشقة القديمة وجبتلها أكل وكنت همشى وأبات فى فندق ..طلبت منى نتغدى سوا ..وافقت ..اتكلمنا فى كل حاجة ..عرضت عليا اشرب معاها ..رفضت فى الاول ..وفجأة افتكرت اتهاماتك ليا وازاى بتشكى فيا مع كل نفس …فخدت منها كاس وشربته …كان مجرد كاس واحد ومش فاكر أي حاجة بعدها ”
ونهض من جوارها ليوليها ظهره والكلمات تمزق كل ماصادفها في الطريق حتى وصلت الى شفتيه:
” كل اللى فاكره انى صحيت لقيت نفسى نايم جنبها على السرير ”
اغمض عينيه وتأوه في صمت للحظات قبل أن يواصل :
” فقت وانا هتجنن مكنش قادر اصدق انى ممكن اعمل كدة ..مش ممكن اسكر بالسهولة دى ..مش ممكن اكون حيوان كدة ..ضربت جينا من غيظى وسألتها هيا حطتلى ايه فى الويسكى لأنى متأكد انى مستحيل اعملها ..اعترفت فى الاخر انها استخدمت دوا معين يحولنى لحيوان ”
اغمض عيينيه لحظة وهو يتذكر صرخة جينا بين يديه وقتها :
” انا بحبك يوسف بحبك …كان نفسى اقرب منك بأى شكل حتى لو غصب عنك ”
تابع وهو يتنهد فى الم :
” حاولت انسى الموضوع كله كأنه محصلش ..قربت من ربنا وطلبت منه يسامحنى ..عملت كذا عمرة معاكى ..عملت خير كتير على اد ما اقدر بنية انه يغفرلى ..لحد ما تفاجئت بحد بيقولى ان جينا بقا عندها ابن بتقول انه منى …كدبته وكدبتها بس برضه مكنش ينفع اهرب وفيه احتمال ولو بسيط ان الطفل يكون ابنى …روحت وعملت تحليل واتأكدت انه ابنى …مكنتش عارف اعمل ايه ..ارميه لجينا وانسى وجوده واتحمل ذنبه العمر كله ولا اتحمل نتيجه غلطتى وده اللى حصل ..“
مرر يده فى شعره في عنف كاد يقتلعه بين أصابعه بينما هى على وجومها وصمتها وصدمتها….
لا تتحرك فيها سوى اهدابها التى تسبلها بين الحين والاخر كأنها تحبس خلفها دموعها فى شموخ كالمعتاد: ” كان لازم اتجوز جينا عشان ابنى يكون شرعى وبعدها هطلقها فى الوقت المناسب …مجرد ما اظبط امورى هرجع الولد مصر وتنتهى علاقتى بجينا ..جوازى منها مجرد حبر على ورق عشان متستخدمش القانون ضدى فى لحظة انتقام وتحرمنى منه العمر كله ”
اتجه اليها من جديد وهو يمرر يده على ذراعها في بطء:
” عارف ان اللى قلته صعب ..بس حاولى يا ايلينا ..حاولى تسامحينى ارجوكى وانا هعيش عمرى كله احاول اكفر عن غلطى ده….كان غصب عني والله ..ارجوكى ردى عليا كلمينى ”
تنهدت فى عمق ونهضت وهى تزيح يده فى عنف وتقزز فتلك لمس بها جينا وتلوثت برائحة جسدها :
” خلاص قلت كل اللى عندك …خلصت كلامك ..رصيت كل مبرراتك القذرة …بتبرر كل الى حصل ده ازاى ؟؟“
امسك كتفيها وهو ينهض بها :
” انا مش بدور على مبرر ..انا عارف انى غلطان ..حتى لو خارج ارادتى بس غلطان ..كل اللى بطلبه انك تحاولى ايلينا …حاولى تسامحينى ”
انتزعت نفسها من بين كفيه ولم تستطع ان تخفى تقززها منه اكثر من ذلك فقالت وهى تمرر يدها على ذراعها:
” متلمسنيش …ايدك دى لمست ست غيرى …اخاف تنجسنى …عايز تقول ايه ..انه فى نفس اليوم اللى كنت بموت فيه من القلق عليك كنت انت فى حضن الهانم …عايز تفهمنى انها استخدمت حاجة تخليك حيوان ”
وصدحت بضحكة مقهورة وهي تواصل:
” انت جبتها بنفسك… شربت معاها وهزرت معها زعلك منى وقتها اداك الدافع لخيانتى ..“
واشارت بسبابتها :
” انت خنتنى لانك كنت عاوز تخونى ..كان عندك الرغبة من البداية ..فضلت معاها ليه كان ممكن تساعدها وتمشى ..انت عارف كويس هيا بتفكر فيك ازاى ”
رد فى اسى مانعا نفسه بصعوبة من أن يمسها :
” ايلينا صدقينى انا ..“
قاطعته وهى تتراجع للخلف لاتريد ولو للحظة ان يفكر فى الاقتراب :
” كنت هتفضل مخبى لحد امتى …كنت هتفاجئنى بوجوده ازاى ”
ومررت يدها فى شعرها بقسوة حتى خشى عليها لحظة من ان تقتلعه من جذوره وكأنها بالفعل تشغل نفسها بهذا الالم عن المها الحقيقى:
” اه كنت هتعمل بقا زى الفيلم المشهور ده …وتجيبه وتقولى نتبناه …وانا بقول برضه مكنش فارق معاك موضوع الخلفة ليه …اتارى اصلا عندك طفل فهتهتم ليه ”
هتف فى استنكار رافضا لظنها:
” الطفل ده جه غصب عنى افهمى بقا ..عمرى ما اتمنيت يكون ليا ابن من حد غيرك ”
هتقت بدورها فى قسوة :
” كداب …كداب ..من يوم ما عرفتك وانت بتعلق كل حاجة على نفس الكلمة ..غصب عنى غصب عنى …كل حاجة الظروف اضطرتني …مفيش حاجة اسمها ظروف الوسخ هيفضل طول عمره وسخ ”
هتف فى غضب:
” ايلينا ”
واشاح بوجهه لحظات اقترب بعدها منها فى بطء قائلا: ” انا عارف انه صعب بس حاولى ..حتى عشان ”
ووضع يده على بطنها:
” عشان خاطر ابننا ”
نظرت اليه مطولا وبعدها دفعت يده فى عنف وهي تخبره في قسوة:
” مبقاش موجود ”
تراجع فى صدمة ونظرة الشراسة التى فى عينيها جعلته يسألها فى ترقب:
” يعنى ايه ؟؟؟ ..انتى نزلتيه ؟؟“
ارادت ايلامه باى طريقة حين شعرت بقلقه هذا الذى لم يزدها سوى اصرارا على الانتقام منه بأى وسيلة فهو جرحها باكثر الطرق قسوة :
” متحسسنيش انه فارق معاك اوى ..انت عندك غيره ”
امسك كتفيها يهزها فى عنف :
” ردى عليا …انتى نزلتيه ؟؟؟“
قالت وهى ترمقه فى تحد سافر:
” ايوة نزلته ..على قد ما تمنيته جوايا على قد ماكرهت وجوده.. مشفعلوش انه ابنى لانه ابنك انت كمان ..مبقتش عايزة اى حاجة تربطنى بيك ”
هتف فى صدمة:
” قتلتى ابنى ؟؟“
وكرر وهو يضغط على كتفيها فى قوة:
” ليه ؟؟…احنا عيشنا الحلم ده مع بعض …ده ابنك انتى كمان …هتواجهى ازاى ربنا فى صلاتك وانتى لوثتى ايدك بدمه ”
تابعت فى تشف مشوب بكثير من التهكم:
” متتكلمش عن ربنا وانت غرقان فى ذنوبك ..كنت افتكره وانت بتغلط وبتدمر كل حاجة بينا …خلاص مبقاش فيه حاجة تربطنا ..طلقنى ”
تخلى فجأة عن جزء كبير من احساسه بالذنب تجاهها ليهتف فى قسوة :
” لا مش هطلقك ومش هسامحك على ابنى اللى قتلتيه ابدا ”
ابتسمت فى سخرية وهي تتحداه بوضوح:
” هتطلقنى بهدوء بدل ما الجأ للمحاكم والفضايح وبرضه هتطلق منك ”
دفعها الى الفراش :
” اعملى اللى انتى عايزاه …“
واضاف وهو يشير بسبابته فى تحذير :
” انا يوسف البدرى يا ايلينا لايفرق معايا محاكم ولا غيره ..ولا فيه اى حد يقدر يقف قصادى اصلا فى البلد دى …ومش هطلقك لو اخر يوم فى عمرى ”
رن جرس هاتفه فالتقطه بسرعة ليرد :
” ايوة يا مصطفى ..لا مفيش داعى للتأجيل …“ واضاف وهو ينظر اليها:
” الحفلة فى معادها ..والمدام وصلت خلاص وهتحضرها ”
وانهى المكالمة بينما كلمة واحدة تتردد فى ذهنها ، حفل!!!..
فلنجعله حفل عن حق يا يوسف .

عارفة ان الفصل ممكن يكون صعب عليكو بس كان صعب عليا انا كمان …
بتمنى اكون وفقت في كتابته ..

رواية مذاق العشق المر

الفصل الرابع والعشرون

جلست ايتن على طرف مكتب نور وهى تهز قدميها فى عصبية بينما تنظر الى الباب المغلق عليهما منذ ما يزيد على نصف الساعة فحين وصلت لمقابلة حسام لم تجدها على مكتبها وسمعت صوتها بالداخل …
ماذا تفعل لديه كل هذا الوقت ؟
لقد لاحظت اهتمامها الزائد به طيلة الفترة الماضية معاملته المميزة لها و التي تختلف كل الاختلاف عن تلك المعاملة الجافة التى لاتجد منه غيرها دون سبب يذكر.. فرغم القائه لها فى قسم الحسابات لم ترتكب خطأ واحد بل بذلت قصارى جهدها لتظهر فى صورة الموظف المثالى أمامه ..فماذا هناك ؟؟؟…
ابتسمت فى تهكم وهى تجيب نفسها ..
هناك ثلاث سنوات مرت ولم تستطع ان تنسيه مرارة ما فعلته ..
ثلاث سنوات اجاد خلالها تمثيل دور الأخ ليخبرها بين السطور ان كل شىء فى قلبه تجاهها انتهى فى نفس الوقت الذى بدأت مشاعرها تتحرك تجاهه غير عابئة بحيرتها …
انه حسام …حسام الذى طالما اشمئزت منه …
حسام الذى بكت وتوسلت لابيها الايزوجها به ..
ذلك الشخص هو ذاته الذى تتميز غيظا الان من وجوده مع تلك ال…..
زفرت فى غضب وهى تتذكر نور ..
يقولون دائما ان المرأة ترى من فضل حبيبها عليها اجمل منها حتى وان لم تكن تملك ذرة جمال واحدة ولكن ايتن لم تسقط فى هذا الخطأ مطلقا فقد حاولت ان تقيمها بنظرة انثوية خالصة بعيدة تماما عن اى اعتبارات أخرى لتجدها جميلة بالفعل بل فاتنة بشعرها الفحمى شديد النعومة الممتد الى نهاية ظهرها وخصرها النحيف المنحوت وملامحها الهادئة البريئة التى تجعلها تبدو كاميرة من اميرات القصص الاسطورية ..
قفزت من على المكتب فى غيظ والتصقت بالباب مجددا لترهف السمع وهى تزيح خصلة من شعرها خلف اذنها ..
صوت ضحكاتهما هذه المرة سويا أفقدها اعصابها وهى تتخيل الاف المشاهد الحميمة بينهما وتحاول ازاحتها عن ذهنها دون فائدة ..
فتحت الباب فى عنف لتجد نور تقف مبتعدة عنه بمسافة مناسبة ،بينما تخلص هو من ابتسامته تدريجيا ليرتسم الغضب على ملامحه بسرعة وهو يهتف بها:
” انتى ازاى تدخلى بالطريقة دى ؟؟“
نظرت اليه والى نور في خجل من طريقته الفظة معها فتلعثمت في الرد:
” كنت عاوزاك فى حاجة مهمة بقالى نص ساعة مستنية برة ”
ضرب المكتب بكفه مواصلا فى غضب:
” اناشالله تقعدى اليوم كله.. فى حاجة اسمها نظام ولا مسمعتيش عنه ”
طأطأت رأسها فواصل فى قسوة :
” اتفضلى استنى برة ومتدخليش غير لما نور تقولك ”
تراجعت للخلف فى ضيق قبل ان يوقفها فى حدة :
” انسة ايتن ..المرة دى لفت نظر بس …المرة الجاية فى اجراء تانى ”
احمر وجهها اكثر وهي تبدل النظر بينه وبين نور قبل ان تلتفت لتغادر المكان ليضرب المكتب بقبضته هاتفا:
” مستهترة ..هتفضل طول عمرها مستهترة ”
حكت نور جبهتها بكفها وقالت في حيرة :
” باشمهندس ممكن اسألك سؤال ”
هز حسام رأسه بالايجاب دون ان ينظر لها فواصلت:
” مش المفروض ان ايتن تبقى بنت عمك ”
ابتسم في تهكم:
” مش المفروض ..هيا فعلا بنت عمى ”
قطبت حاجبيها في دهشة:
” طب ليه بتعاملها بالطريقة الجافة دى ”
لأنه يرفض ان يضعف امامها من جديد …
يرفض ان تستيقظ مشاعره من سباتها العميق بعد ان خدرها بيده وظن انها انتهت ..
يرفضها هى بعد كل ما فعلته..
بعد ان وضعت قلبه ومشاعره وكرامته تحت قدميها ودهستهم فى قسوة..
بعد ان اشعرته بأنه لاقيمة له وهى تفر حتى لا يقترن اسميهما سويا ..
هو يرفض وجودها من الأساس وما ابقاها الا ليثبت لنفسه انه تخطاها من حياته وهاهو فشل وبجدارة .. كره نفسه حين رق قلبه لها وهو يرى دموعها الحبيسة بينما تغادر مكتبه وكلما كان يقاوم رغبته فى النهوض اليها وضمها اليه كلما كان يقسو عليها اكثر ، هى لن تكن له حتى وان كان يعشقها ..
لن يفعل وان اعتذرت منه الف مرة فلن يسهل ابدا رأب هذا الصدع الذى الم بكيانه ورجولته وقلبه قبل كل شىء . .
رفع رأسه في بطء الى نور ..
فتاة جميلة مهذبة …
بها كل الصفات التى يتمناها اى رجل ..
لن يجادل نفسه فهو يشعر بميلها اليه الذى تحاول اخفائه دوما فتحفظها معه كان واضحا ..
تنهد فى عمق وهو يرى احمرار وجنتيها خجلا من نظراته المتفحصة …
راق له خجلها فنهض مقابلا لها..
رفع ذقنها بسبابته ليشعر بارتعادها واهتزاز حدقتى عينيها من التوتر.. تمعن بها للحظات قبل ان يسألها في رقة تحمل كثيرا من الجدية:
” نور …تتجوزينى؟؟ ”
***********************************
فى فندق من أفخم فنادق القاهرة أقيم الحفل الذى أجله يوسف اكثر من مرة بمناسبة افتتاح المقر الجديد للشركة واتساع اعمالها اكثر ففى ثلاث سنوات تشعبت افرعها لتتخطى مجال الازياء الى مجالات اخرى واخرى وتصبح من اقوى المجموعات الاقتصادية فى مصر ، اسبوع من الصمت فصل بينه وبين ايلينا ، كل منهما يحمل للاخر ما يحمله دون ان يواجه ، لايعرف حقا مبررا لما فعلته ؟؟
كيف تقتل طفلهما الذى عاش معها معاناة ثلاث سنوات من اجل الحصول عليه ؟؟؟
هل غلب كرهها له حبها للطفل بالفعل بل خشيتها من غضب الله ايضا ؟؟
ليتها انتقمت بأي طريقة غير تلك ..
لن يمنحها ماتريده ابدا فلتأخذ ما تحتاج من وقت لتتخطى ماحدث الى جواره ..
مجرد التفكير في ابتعادها عنه من الأساس يصيبه بالجنون …
هو لم يرغب فى وقوع ماحدث ابدا ولكنه ارغم على التعامل معه …
ارغم على تحمل مسئولية الطفل فهو ابنه فى النهاية ولن يتركه لجينا لتطبعه بدينها واخلاقها .. فقط كان ينتظر الفرصة المناسبة لتسوية الأمور معها واخبار ايلينا بالامر كله .
تنهدت سميرة فى حزن وهى تجلس على احدى الطاولات تراقب ابنائها ..
يوسف ونظراته الشاردة الى زوجته الذى اخبرهم فجأة ان حملها قد انتهى وبرر بهذا تلك الحالة التى تعتريهما ولكنها تشعر بغريزة الام ان الأمر اكبر من ذلك بكثير ..
نظرة اخرى الى زين الذى تتعلق سمر بذراعه فى دلال وتملك وظفر واضح بينما هو شارد كعادته فى عالم اخر ..
عاد فجأة ليخبر الجميع بأنه ردها الى عصمته واختارها زوجه له بارادته وسامحها على كل شىء ولكن عينيه الحزينتين كانت تشيان بقلبه المحطم وامله الذى ذاب وتلاشى فى بحور معاناته الطويلة الذى قرر فى النهاية ان يستسلم لأمواجها لتقذفه اينما شاءت …
نظرة الى ايتن التى كانت تنظر الى باب القاعة فى ترقب وهى تتطلع الى ساعتها بين الحين والاخر ، ابتسمت فى تهكم فابتتها تبحث الان عما اضاعته بيدها منذ سنوات ، تنبش عن اطلال حسام العاشق فى حسام الجديد الذى القى بكل شىء يخصها خلف ظهره .. وضعت رأسها بين كفيها تضغطه بقوة وهى تتمنى ان ينتهى هذا الحفل سريعا فقد اصيبت بالضجر .. الصحافة لاتكف عن التقاط الصور وهى تكره الظهور الاجتماعى بشتى الطرق .
ابتسمت ايتن فى سعادة حين رأته يدخل من الباب مررت يدها على شعرها وثوبها بحركة انثوية غريزية تتأكد بها من هندامها ، سارت بخطوات متمهله فى اتجاهه لتتلاشى ابتسامتها تدريجيا حين رأت نور تأتى خلفه ، حاولت جاهدة ان تتصنع ابتسامة مماثلة وهى تتجه نحوه تصافحه قائلة :
” ازيك يا حسام ..افتكرت انك مش جاى ”
ابتسم وهو يصافحها في روتينية:
” مجيش ازاى ..انا اللى اخرنى انى عديت على نور وهيا اتأخرت على ما جهزت ”
نظرت ايتن اليها فى غيظ وكادت ان تفلت من شفتيها عبارة ساخطة وبصعوبة ابتسمت من جديد ولكن ما افقدها تمالكها بالفعل هو حين امسك حسام بيد الأخرى فى تلقائية ليدخل بها الى القاعة ، رأته يقف مع اصدقائه ويعرفهم بها …
رأت مزاحهما سويا وهمسهما وكادت ان تحترق غيظا .. لم تستطع ان تتحكم فى نفسها اكثر فانطلقت نحوهما كالقذيفة وهى تقول بصوت بعثرته الغيرة والغضب :
” حسام لو سمحت دقيقة ”
رمقها فى حيرة وابتسم وهو يستأذن نور ليلحق بها فى شرفة من شرفات الفندق ..
التفتت له حين شعرت بوجوده وتركت للسانها العنان ليعبر عن انفعالها كما يحلو له:
” حسام انت ليه بتعمل معايا كدة ؟؟“
وضع يديه فى جيب سترته ورد فى برود :
” ايتن احنا اتفقنا من اول يوم ان الشغل بعيد عن اى حاجة وان اى تقصير منك هي…“
هتفت فى الم تخبره بما يعلمه ويتجاهله:
” مقصدتش الشغل ..انا استحمل منك كل حاجة يا حسام بس عشان ابقا جنبك ..بس انت ليه بتعمل فيا كدة ”
هز كتفيه قائلا بعدم اكتراث :
” انتى بتكلمى على ايه يا ايتن؟؟ ”
اشارت الى الخارج باصبعها تجيبه في حنق:
” عن نور ….انت بتعمل كدة عشان تحس انى بغير ولا لا ؟؟…عشان تعرف انك فارق معايا ولا لا …حسام انا اعتذرتلك مليون مرة و…“
قاطعها في استنكار :
” عمرك ما هتتغيرى ابدا ….انتى متخيلة انى ممكن استخدم مشاعر انسانة بس عشان اعرف اذا كنتى هتغيرى ولا لا …“
واضاف فى قسوة:
” انتى متخيلة انك لسة ليكى وجود فى قلبى او حياتى من اصله …لا يا ايتن متضحكيش على نفسك.. انت وحشك حسام العاشق الولهان اللى بيجرى وراكى عشان يرضيلك غرورك ..كنتى متخيلة انه هيموت بعدك ومش هيقدر يقوم تانى على رجليه او يكره كل الستات بقا وينتقم منهم ”
واقترب اكثر وهو يهمس فى شراسة:
” لا يا ايتن.. متديش لنفسك حجم اكبر من حجمك ولا مساحة انا من زمان ادتهالك ورجعت ندمت ..انتى حتى مينفعش انك تتسمى تجربة …انتى نقطة سودا فى حياتى بتفكرنى بضعفى بعجزى بغبائى ..وانا مش هرجع ضعيف تانى مهما حصل ”
تخيلته فى أي شىء الا ان يكون قاسيا الى هذا الحد ، تخيلت للحظات انه يحتفظ لها ببعض من حبه …حاولت البحث عن تلك النظرة القديمة التى طالما كان يرمقها بها ولكنها لم تجد سوى تلك النظرة الشرسة المشوبة بكثير من الازدراء …
سالت دموعها وهى تنظر اليه فى حسرة تنفي بأمل واهن كل ما قاله:
” متقولش كدة يا حسام ….انا عارفة انى غلطت كتير ..بس انا دلوقتى بقيت انضج وعارفة كويس احساسى ناحيتك ..حسام انا ب….“
اغمض عينيه يقاطعها في هدوء:
” هشششششش ولا كلمة …مبقاش ليها لزمة خلاص …كل واحد فينا بقا ليه طريق عكس التانى ومستحيل نتقابل ”
اتسعت عيناها تسأله فى حذر:
” قصدك ايه ؟؟؟“
تراجع خطوتين يلقي جملته في حدة :
” اقصد انى عرضت على نور الجواز ”
شهقت وهى تضع كلتا يديها على ثغرها :
” حسام انت بتقول ايه ؟؟“
تنهد فى راحة كأنه ازاح عن كاهله ثقل سنوات…كأنه أخذ قليلا من حقه بصدمتها تلك دون أن يسعى لذلك :
” بقول للمرة المليون يا ايتن انتى بنت عمى وبس ومتستنيش يكون فيه حاجة بينا اكتر من كدة …نور انسانة مناسبة ليا من كل النواحي ومعتقدش اني ممكن الاقي حد زيها بسهولة ”
نظرة أخرى اليها جعلته يراها بشكل اخر …
نظرة كانت كافية ليهرب من امامها قبل ان يضعف من جديد امام دموعها وقد أقسم الا يحدث هذا مطلقا..
وجودها لا يسبب له سوى الضعف ولن يعود ضعيفا من جديد مهما حدث .
لن يعبأ بها فلم تعبأ به يوما ..
فلتغرق في صدمتها كما أغرقته
فلتنهار كما انهار ..
فلتموت كمدا ان عشقته كما ادعت ..
…….
استمر الحفل قائما والقى يوسف بكلمته الذى شكر فيها كل العاملين فى المجموعه وكل من ساهم فى نجاحها وغيرها من الكلمات الروتينيه التى اعتادها فى مثل تلك المواقف مع كثير من الصور التى التقطتها الصحافة…
هبط من المنصة ليتجه اليها بعد ان غلبته مشاعره فى النهاية وهو يراها تقف منزوية بعيدة شريدة فى احد اطراف القاعة …وقف أمامها للحظات قبل أن يسألها في قلق :
” واقفة لوحدك ليه ”
لم ترد ولم تنظر اليه حتى..
عاود السؤال من جديد لتجيبه فى هدوء مميت دون حتى ان تنظر اليه بابغض سؤال الى نفسه:
” هتطلقنى ولا لا ؟؟”
زفر فى غضب ..هى لاتعرف ماذا تفعل به هذه الكلمة كز على اسنانه وهمس في حنق:
” مفيش طلاق ….انتى سامعة ولا لا …خدى وقتك زى ماانتى عايزة بس وانتى معايا ..مع الوقت هتسامحى لكن طلاق لا والف لا يا ايلينا ”
رمقته بازدراء ولوت شفتيها لتواصل:
” وانا مبقاش يشرفنى افضل لحظة واحدة على ذمة واحد وسخ زيك ”
امسك ذراعها فى قوة وهو يضغط عليه فقد مل حقا من تكرار نيلها منه:
” مش هسمحلك تغلطى اكتر من كدة ..كفاية انك قتلتى ابنى وحرمتينى منه ”
ابتسمت فى تهكم وردت فى شراسة وهي تنتزع ذراعها :
” يعنى هوا كان فارق معاك ..ماانت عندك غيره ..وعندك الست جينا تخلفلك تانى وتالت ورابع ..ابنك ده هيفضل طول عمره قدامك يفكرك انه جاى من غلطة من جريمة مهما حاولت تجملها مستحيل تتغير ..هيفضل طول عمره ابن حرام ..ابن حرام ”
لم يعهدها بتلك القسوة ابدا ، هو ابنه فى النهاية ولاذنب له فى هفواته ، لاذنب له بالطريقة التى جاء بها الى الدنيا ، لن يحتمل ابدا ان توصمه بتلك الوصمة ،لن يسمح بأن تنتقم منه في طفل لاحول له ولا قوة ..عاد ليضغط على ذراعها مجددا:
” اخرسى.. لو سمعتك بتقولى عنه كدة تانى هقطلعلك لسانك ”
تهديده لها افقدها عقلها تماما واطاح بما تبقى من امان بداخلها ليحل الانتقام عوضا عنه وهى تهتف:
” طلقنى يا احقر واوطى راجل فى الدنيا ”
التفت عدد لابأس به على صوت صراخها وهتافها فنظر لها يوسف فى تحذير لتتوقف:
” نكمل كلامنا بعدين ”
نظرت حولها ثم اليه فى اشمئزاز..تملكتها الرغبة في الانتقام واحكمت اغلالها حولها فلم يعد لصوت العقل وجود:
” خايف ليعرفوك على حقيقتك طول الوقت مبتعملش حساب غير ليهم وبس ”
وبسطت ذراعيها وهى تخطو بعيدة عنه هاتفة:
” انا مبقاش يهمنى خلاص ..خلى الكل يعرف ”
التفت الجميع اليها وهدأت الموسيقى الصاخبة وتجمع العديد من الناس بين الفضول والشماتة وتأهبت عدسات المصورين مع شعورهم بقنبلة وانفراد صحفى جديد ..
جذبها يوسف من ذراعها وهو ينظر حوله في قلق:
” اعقلى ايلينا ..اعقلى وبلاش فضايح ”
ابتسمت فى تشف واضح وهى ترى قلقه وجزعه فافلتت ذراعها فى عنف وعادت تهتف فى قوة وهى تبتعد عنه :
” خلى الكل يعرف …ان البيه المحترم جوزى اللى كلكو راسمينله صورة قديس ..انسان خاين ..خانى وخلف فى الحرام كمان ..شوفو كلكو وشو الحقيقى ”
تعالت الهمهمات من الموجودين… أغلق عينيه بقوة ، لا يصدق ان يبلغ انتقامها هذا الحد ..
فضيحة مدوية ستداولها السنة الناس لسنوات قادمة ..
وصمة سيظل ادم ابنه موصوم بها طيلة عمره …
تسمر في مكانه تماما دون أن ينتبه حتى لعدسات التصوير التي أخذت تلتقط صدمته باحترافية ..
اما باقى العائلة فكانت فى حالة لايمكن وصفها بكلمات يتناقلون نظراتهم بين ايلينا ويوسف الذى يحاول التماسك بقوة وهو يطأطا رأسه فى الم ..
حسام كان اول من تحرك وتنبه لعدسات الصحافة فقام بصرف كل المصورين والصحفيين من القاعة بينما كانت باقى العائلة على صدمتها ..
صدمة لا يستطيع يوسف ان يرفع عينيه ليراها بعين اخوته الذين يرونه مثل اعلى فى كل شىء وعين ابيه و…امه ..
هذا الخاطر اصابه بالرعب ، لن يحتمل ابدا ان تهتز صورته فى عينيها وهى من كانت ترفع رأسها به بين كل الناس ..
خلت القاعة من الجميع ولم يتبقى فيها سواه مع عائلته رفع رأسه أخيرا فى بطء وكان اول شىء بحث عنه هو اكثر شىء يريد الفرار منه… عينى امه التى جلست فى انهاك تطالعه فى حزن ..قهر… خيبة امل.. اتهام تتوسل اليه ان ينطق وان ينفى كل ما قالته زوجته ، تتوسل اليه ان يخبرها انها لم تضع عمرها هباءا وهى تظن انها انجبت من عقرت غيرها عن انجابه ..
بحثت طويلا فى عينيه عن اجابة لم ولن تجدها بل وجدت اهتزازا فى حدقتيه يؤكد كل ما سمعت ..
حاول ان يقول شيئا …ان يذهب الى امه ويركع تحت قدميها حتى تغفر له وترحمه من نظراتها تلك ..
نظر الى ايلينا فى الم فأشاحت بوجهها عنه ، الان قد عاد اليها وعيها واستوعبت ماذا فعلت بيوسف وعائلته ، لقد عرته وفضحته امام الجميع ، لقد ارتكبت جريمة تضاهى جريمته او ربما تعدتها .. ندم العالم الم بها ولكنه لن يغير شيئا من الواقع …ندم عصف بكيانها وهى تتلقى نظرات الاتهام والخذلان من الجميع ، نظرات اتهام لاتقل قوة عن نظراتهم ليوسف .
نهضت سميرة من مكانها فى تثاقل ..
تحاملت على نفسها وهى تتجه الى ولدها فى بطء وترنح ..
نظرت اليه مطولا وبعدها فعلت مالم تفعله فى حياتها ابدا حتى فى طفولته ..
صفعته بأقسى قوة تمتلكها لتفر من عينه دمعة وهو يشعر ان الم الصفعة ماهو الا ذرة من اطنان الم تمتلكها امه الان وبسببه هو ، هتفت فى تلعثم وهى تلوح بكفيها فى عشوائية:
” ليييه …انا مش قادرة اصدق ..انت ابنى ؟؟…انت خلفت فى الحرام ..اانت كنت ..“
ولم تستطع نطقها ..
شهقت فى الم وهى تسقط ارضا ، التقطها يوسف بذراعه ليسقط ارضا على ركبتيه الى جوارها بينما يمسك كفها بيده الاخرى ويقبله مغرقا اياه بدموع ندمه وهلعه:
” سامحينى ..والله اللى حصل كان غصب عنى ..ارجوكى يا ماما سامحينى ”
اخذت تلتقط انفاسها فى صعوبة والم واضحين فصرخ فى الجميع الذين التفو حولها :
” اسعاف بسرعة ”
حالة من الفوضى المت بالجميع ، ايتن.. زين ..محمود الجميع شل عن الحركة تماما…
ايلينا لاتصدق ان الامور قد وصلت الى هذا الحد فلم يصل خيالها حتى الى هذا ، كان واضحا للكل ان سميرة تلفظ انفاسها الاخيرة بين يدى ولدها الذى اخذ يصرخ فى هستيريا وهو يقبل كفيها:
” امى ..لا ..متروحيش منى ارجوكى …والله كان غصب عنى ”
صارعت شهقاتها لتكون جملتها بصعوبة:
” قلبى مش قادر يغضب عليك …حاول تطهر نفسك من ذنوبك ”
ضم رأسها الى صدره هاتفا فى جزع طفل ودموعه تذرف بلا حساب :
” لا يا امى …مش بسببى انا …متروحيش بسببى متروحيش قبل ما احكيلك ”
وقطعت توسلاته شهقتها الاخيرة التى سلمت بها روحها الى بارئها فازاح رأسها عن صدره في بطء واحتضن وجهها بكفيه…قبل جبينها وهو يبحث بجسدها عن اي حياة …يلتقط كفها البارد ..يضع يده المرتعدة على عنقها يبحث عن نبض ولو ضعيف …على وجنتها يتحسسها في رقة هاتفا بعدم تصديق وانهيار:
” لا يا امى ..استنى انا لسة محكتلكيش اللى حصل ..استنى ارجوكى ”
صرخة ايتن وهى تنهار ارضا وتمسك بكفها تقبله وانهيار محمود الى جواره ودموع زين الذى خرجت منه شهقة عالية كانت كافيه لتقنعه بالحقيقة ، لقد ماتت سميرة …
ماتت امه الغالية …
ماتت من استثناها عن كل نساء الارض ..
ماتت روحه كما كان يدعوها دوما ..
صرخ فى الجميع :
” كفاية ”
وضرب على وجهها مجددا وهو يتوسلها:
” امى فوقى ..هيا بس زعلانة بس هتفوق دلوقتى ”
حاول حسام جذبه من عليها فدفعه يوسف فى عنف فاقترب زين منه واخذ يهزه فى قوة صارخا به:
” فوق بقا ..امنا ماتت يا يوسف ..ماتت ”
وبعد لحظات من انكار العقل لكل شىء ، استوعب اخيرا فضمها بكل ماتبقى فيه من طاقة صارخا بكل الم العالم “أمييييييي”
***********************************************************
” فضيحة مدوية فجرتها زوجه يوسف البدرى ”
” مجموعة البدرى اسهمها تواصل الهبوط بعد فضيحة الموسم ”
” طفل غير شرعى ليوسف البدرى اخفاه لسنوات ”
القت ايلينا الجريدة فى اشمئزاز …
قد مر شهر تقريبا و الصحف لازالت تتداول الخبر بكل وقاحة غير مقدرة لما اصاب تلك العائلة وبظروف الحداد التى لازالت تعيشها …
لم تحتج ان يخبرها احد انه لم يعد لها مكان بينهم ، جمعت اشيائها واشياء اخيها بعد ماحدث مباشرة ولم تنتظر حتى مراسم العزاء لتعود الى بيت ابيها القديم ، نعم حققت انتقامها ولم تحسب انها ستدفع جزءا كبيرا منه ..
رحلتها مع عذاب الضمير قد بدأت وخسر يوسف اكثر مما كانت تظن ، سمعته وسمعة مجموعته اصبحت فى الحضيض ووصمت طفل ليس له اى ذنب بوصمة لن تفارقه ابدا ..
كل ذلك وهو لازال قابعا فى حزنه كأن العالم بأسره لم يعد يعنيه ، عذاب الضمير الذى تحاول ان تروضه وتخبره فى كل لحظة ان يوسف يستحق فهو من خانها وعذبها يخبرها بثبات انها ايضا خانت الامانة وكشفت سترا امرها الله ان تستره ولم يدفع يوسف وحده الثمن بل دفعت عائلته باكملها الثمن معه ، التقطها رنين جرس الباب من افكارها…
ايكون هو ؟؟..
شهر كامل مر دون ان يتبادلا كلمة او حتى نظرة ، قلبها يخبرها انه يوسف لذا فحين التقطت وشاحها لم تحكمه حول رأسها جيدا واتجهت الى الباب لتتراجع فى ذهول وهى تراه او بالأحرى ترى ما تبقى منه ..
فقد الكثير من الوزن وكسا الشحوب الشديد ملامحه ..شعره كان منتفشا وغير مهندم كما تعودت عليه ..ذقنه طالت بعض الشيء .. طالعها بنظرات لم تفهم لها معنا او تجد لها تفسير ، لم تنطق بكلمة وانتحت جانبا ليدخل وهى تغلق الباب خلفهما ..
لم يحتج اكثر من خطوتين ليلتفت اليها بعدهما قائلا بابتسامة حزينة :
” خلاص حققتى انتقامك وارتحتى ..قتلتى ابنى جواكى وكمان قتلتى امى ”
هتفت فى دفاع :
” يوسف انا مقتلتش امك …طنط سميرة ماتت لما عرفت بعمايلك ”
واصل وكأنه لايسمعها:
” كان ممكن اقضى عمرى كله اطلب منك بس تسامحينى …كان ممكن اعمل اى حاجة تنسيكى اللى حصل غصب عنى ..مكنتش محتاج اكتر من فرصة ..ياما حاولت افهمك ان احنا ساعات الظروف بتضطرنا ..لكن انتى عمرك ما امنتى بده لان عمرك ما اتحطيتى فيه واكيد هييجى اليوم اللى تعرفى فيه كل ده…حتى لو غلطان كان ممكن الحب اللي بينا يخليكي تفكري ولو للحظة واحدة انك تسامحيني …انتي كسرتيني ..دمرتي فيا كل حاجة ..ياريت انتقامك ده يكون ريحك وبرد نارك ..يوسف البدري خلاص انتهى على ايدك ”
واخفض رأسه ليزفر فى الم قائلا وهو يرفعها من جديد:
” على العموم انا مش جاى اتكلم فى اللى فات ..انا جاى اقولك كلمة كان نفسك تسمعيها واحققلك رغبة دبحتيني عشان تحققيها”
وزمر شفتيه لحظة كأنه يتأهب لاطلاق رصاصة الى قلبيهما معا:
” الانسان اللى ميشرفكيش تبقى مراته مش هيبقى ليكى اى صلة بيه من النهاردة …انتي طالق يا ايلينا”

رواية مذاق العشق المر

الفصل الخامس والعشرون

انتفضت للخلف وهي تسمع الكلمة منه ..
لم تكن عبارة مكونة من كلمتين..
بل رصاصة مزقت في طريقها احساسها وكيانها حتى بلغت هدفها الى عمق قلبها فأراقت دمائه وأهدرت ما تبقى به من نبضات ..
لم تكن تعرف ان الفراق بينهما سيكون بسهولة حروف متشابكة من لغة …حروف تجمعت لتخلق عبارة تجعل ماعاشاه معا وكأنه لم يكن…
جملة طلبتها بنفسها وألحت لاتنكر ..وحين حصلت عليها علمت انها الانتحار بعينه …
رمقها بنظرة اخيرة …
نظرة حملت لوما و قهرا ودمعة حبيسة تجزم انها سقطت منه حين أشاح بوجهه …
ولكن ماشأنها بكل هذا ؟؟؟
ماذا كان يجب عليها ان تفعل وقد كان جرحه لكبريائها فى مقتل ؟؟؟
طعنها فى انوثتها وكرامتها فلم تشعر سوى وانتقامها يحركها دون ادنى ارادة لتوسلات حبه بداخلها التى كانت تصرخ بها ان تتوقف فهى لا تتحمل اذاه ابدا .. والان بدأ حبه بداخلها يذيقها بعضا من نوبات اشتياقه وعذابه مع أول خطوة خطاها بعيدا عنها …
نعم رحل يوسف واخذ قلبها معه فبرغم كل شىء لن تنكر هذا العشق الذى يجرى فى وريدها جريان الدم ، وضعت يدها على صدرها تقاوم نبضات قلبها المتسارعة المتلهفة للحاق به كأنه طائر ذبيح ينتفض مع انتزاع روحه …
تجمدت الدموع فى عينيها كأنها تشارك قلبها المؤامرة فى تأنيبها على ما فعلته ولكن لماذا لم تعد تفكر فيما فعله هو ؟؟..
لماذا لا تفكر فى عهده الذى نقضه بسهولة وخانها مع أخرى ؟..
لماذا لا تفكر فى انه منح غيرها اشياءا ليس من حق أي انثى على وجه الارض ان تشاركه به غيرها ..
لماذا ؟؟؟…
أطلقت شهقة عالية لتلتفت تجد علي يقف بعيدا وحين شعر بالتفاتتها أشاح بوجهه عنها فلم تتحمل أن يراها الصغير مذنبة بدوره كما فعل الآخرون وحملوها أوزار العالم وكأنها شاركت يوسف جريمته …
صرخت وهى تخلع وشاحها عنها :
” انت كمان عايز تحسسنى بالذنب …خلاص بقيت انا المجرمة فى نظر الكل ”
واقتربت منه وهى تقول ملوحة بكفيها:
” انت مش فاهم حاجة يا علي انت لسة صغير ومش عارف يعني ايه ….“
وعضت على شفتيها كيف تشرح لطفل فى الثانية عشر ما فعله يوسف …
كيف تدنس براءته فى الخوض فى هذه الأمور حتى وان كانت تحتاج صداقته واحتوائه لها كما فى الماضي فلم يعد لها بعد الان غيره بعد أن ذهب يوسف وعائلته ولكن علي فاجئها بقوله:
” انا عارف يا ايلينا ….عارف وفاهم يوسف عمل ايه ..عارف انه غلط وارتكب ذنب كبير …بس ياترى انتي كمان فكرتي فى ذنبك ”
مالت اليه هاتفة :
” ذنبي …ده خاني يا علي عارف يعني ايه خاني ..بتقول فاهم ..يبقا عارف هوا عمل ايه ”
امسك كفها يضغطه بقوة:
” وانتي فضحتيه وكشفتي ستره عارفة ده ذنب كبير ازاى عند ربنا ”
تحررت دموعها هذه المرة فانهمرت فى غزارة وهي تحاول أن تبرر لنفسها ربما قبل ان تبرر له :
” كنت مجروحة ومش عارفة افكر …كنت عاوزه اوجعه زى ماهوا وجعني …مكنتش عارفة اتلم على روحي مكنتش شايفة غير انه خاني وبس ”
تحسس بيده حتى وصل الى وجنتها ليهمس فى حنان:
” انتى عارفة انه بيحبك يا ايلينا كان لازم تسمعيه ”
هتفت في مرارة تخبره بما ذبحها به :
” راحلها برجليه يا علي ..خاني معاها ..الانسان الوحيد اللى حبيته وسلمتله نفسى ومشاعري جرحني باقسى طريقة ممكن حد يتخيلها ..ومش بس كدة ده فضل مخبي عليا سنين وجود ابن ليه ”
” للاسف يا ايلينا انتى بتسمعي اللى انتي عاوزاه …عايزة كلام يريحك وخلاص ..عايزة حد يقولك انت صح برافو عليكي لكن لا …انتي غلطانة …كان ممكن تنفصلي عنه بهدوء لكن انتي فضحتيه ..ربنا ما امرناش بكدة ..انتى بتاخدي الدين بالظاهر وبس ..غيرتك عمتك ونستك كلام رسولنا لما قال ” من ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والاخرة …وانتى مش بس فضحتيه يا ايلينا …انت دمرتيه فى شغله وسط اهله واصحابه ..كل حاجة كل حاجة هدتيها فوق دماغه …ومتحاوليش تضحكي على نفسك انتى كان عندك النية لده كله من الأول مكنش لمجرد ان يوسف نرفزك يوميها ”
ارتمت ارضا واخوها يواجهها بالحقيقة واضعة كفيها على أذنها:
” اسكت بقا ..اسكت ”
ونظرت الى الباب حيث خرج يوسف لتهز رأسها في حرقة:
” خلاص اهو راح ومش راجع تاني ..حكايتنا خلصت لحد كدة …خلاص مش عايزة اشوفه تانى فى حياتى ابدا ”
جلس علي فى بطء الى جوار اخته وقد رق بالفعل لحالها …تحسس شعرها وقرب رأسها بكفيه الصغيرين ليضمه الى صدره ، يعلم انها تكذب وتتألم تماما كما يتألم يوسف ، تتألم لالمه ولبعده ..
همست بصوت مزقه النحيب وهى تتشبث بأخيها :
” مش هشوفه تانى يا علي …ابتدا يوحشني من دلوقتي …مش عارفة هقدر اعيش من غيره ازاي …ازاي مش هصحى على صوته ..ازاى مش هسمع منه كلمة حبيبتي تاني ..ازاي كل اللى فات هعتبره أصلا كأني معشتهوش ..جرحنا بعض يا على أوي ..ورغم كل ده …لسه بحبه ..لسة يا علي ”
***************************************************
دلف الى المنزل ليجد الجميع في انتظاره ، عاد بعد أن أنهى كل شىء بينه وبين حبه الوحيد ..
الأنثى التى دق قلبه لها واخرجته من صومعة معتقداته وقاومت معه اشباح ماضيه …
ايلينا التى تمنى الموت ألف مرة على أن تبتعد لحظة واحدة عن ناظريه ، حبه الكبير الذى دفع ثمنه من حياة أمه ومن حياة طفل لم يرى النور بعد ومن سمعته التى اصبحت تتراكلها الصحافة كل يوم ، لقد انتقمت منه بشكل لم يفعله حتى ألد اعدائه ..
نهض الجميع يطالعونه بتلك النظرة التى يراها فى عيونهم منذ وفاة سميرة ، خيبة امل.. حزن ..لوم ..قهر ، حسنا لن يضر الشاه سلخها بعد ذبحها فقد ذبحته حبيبته وانتهى الامر ولن يضره ابدا ان اشترك الكل فى سلخ جلده …
رفع رأسه في صعوبة ..اختلجت شفتيه للحظات قبل أن يزمرهما في قوة ليسيطر على انهياره الوشيك:
” انا كلمت جينا وهتيجي تستقر هنا مع ادم ابني وهعلن جوازي منها قدام الكل ”
نظر الجميع الى بعضهم البعض كأن كل منهم يوكل مهمة الرد الى الاخر فتولت ايتن تلك المهمة عنهم قائلة:
” انت ناوى تجيبهم هنا بعد كل اللى حصل ”
جلس على مقعد قريب كأنه لا يكترث بشىء مطلقا:
” ماتنسيش ان اللى بتتكلمي عنهم دول يبقو مراتي وابني ”
ردت وهي تلوى فمها في اعتراض :
” مراتك وابنك…انت ازاي نسبته ليك اصلا وانت عارف انه … ”
ضرب يد المقعد بقبضته يقاطعها هاتفا :
“ابني …عارف انه ابني ..اتأكدت بدل المرة مليون ..الحرام اللي كلكو عايزين تنسبوه ليه ده انا اللي عملته مش هوا …غلطة هوا ليه يتحملها …ليه يكبر من غير اب ؟؟….ليه يواجه الناس ويسألوه انت جيت الدنيا ازاي ؟؟…كنتو عايزيني اسيبه لجينا تربيه زي ما هيا عايزة …على اي دين واي اخلاق …ده اصلا لو كانت احتفظت بيه ومرمتهوش في اي ملجأ …تقدرو تقولولي هوا ذنبه ايه في كل ده ..غلطتي وكان لازم اتحملها ومرميهاش عليه هوا ..كنت عارف اني هخسر كتير بس اخترت اني اواجه وما اتخلاش عنه ”
نهض في بطء وأضاف وهو ينظر الى الجميع فى صرامة يحاول ان يستر بها وجعه وانكساره:
” اسمعوني كلكو …أنا عارف انتو عاوزين تقولو ايه ..عاوزين توصلو لأني السبب فى كل اللي حصل …صح انا فضحتكو ووطيت راسكو و…“
واشاح برأسه مضيفا بصوت بدأ يتهدج رغما عنه:
” بس ده ابني وحقيقة مقدرش انكرها ..لازم اعلن قدام الكل اني متجوز أمه والغي الوصمة اللى اتوصم بيها من غير ذنب ”
تمنى لو اشتبك معه احدهم ..أراد ان يلتهى بالدفاع عن نفسه معهم فلا يوجد مجال لأن يدافع عن نفسه امام نفسه التي يجلدها كل لحظة ..
شعر محمود بما يعانيه ولده ..
عذاب ضميره مما حدث.. وعذاب فراقه لأمه وفراقه لحبيبته ، كان يعلم ان ولده يقاوم وأنه سيسقط حتما …
غلبت شفقة الأب غضبه فقال وهو يحاول التماسك بدوره :
” ابنك يبقا ابننا يا يوسف ولازم ترجعه يتربى وسطينا ”
مسح يوسف وجهه في تعب واستغرق لحظات يبحث عن أي كلمة :
” كل حاجة فى الشغل هترجع لأصلها والخسارة هعوضها أوعدكو ان شاء الله ”
ربت محمود على كتفه فى حنان :
” كله فداك يا يوسف ”
دمعت عينا ايتن في تأثر ..عز عليها أن ترى أخاها هكذا ..لم يكن يوسف لها مجرد أخ بل أنه ظل لسنوات عمرها كله أبا ثانيا لها اغدق عليها من حنانه وعطفه اكثر من ابيها نفسه..جابت ذكريات طفولتها معه في رأسها وتذكرت حين كان يحملها على كتفيه وحين كانت تختبيء خلفه اذ اخطأت لتفر من عقاب والديها …
مسحت دمعتها سريعا واقتربت تمسك بذراعه قائلة في حب :
” كله فداك يا أبيه ..المهم تكون بخير ”
نظر محمود الى زين ليقترب بدوره مربتا على ذراع اخيه قائلا :
” المهم انت يا يوسف ”
لم يحتمل يوسف كل هذا …تمنى لو عنفوه لينشغل بجلدهم له عن جلده لنفسه فليس هناك عذاب فى الدنيا يوازى عذاب النفس للنفس..
نظر لهم حوله وفرت نظراته رغما عنه الى صورة معلقة جمعتهم بأمهم لينهار ما تبقى منه ويسقط فى النهاية بين ذراعى ابيه وهو يهتف في حرقة:
” انا السبب ..انا السبب فى موتها ..ماتت وهيا زعلانة مني …ماتت بسببي ”
ضمه محمود بشدة بينما اخذت ايتن تربت على ظهره وهي تبكى بدورها فللمرة الأولى يرى أحد دموع يوسف وانهياره ..
شدد محمود من ضمه له وهو يهمس:
” ده نصيب يا يوسف …ادعيلها بالرحمة يا حبيبي ”
*************************************
يشعر بأنفاسها المضطربة …
بنظراتها الحائرة التى استقرت على الورق امامه تنتظر توقيعه ..
وجهها الذابل ..
حزنها الذي اختطف طفولة ملامحها …
يشعر بهذا وأكثر دون أن يحتاج ان يرفع رأسه ليتأكد منه ..
او ربما يخشى تأثيره ان تأكد منه …
يعرف كم أثر بها كل مامر ..
يعرف كم الحزن الذي تعانيه من فقدان أمها ..
يعرف وحدتها وألمها الان فالكل غارق في عالمه ..
محمود في حزنه على زوجته ..
ويوسف في محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه ..
وزين الدين في صومعته المنعزلة التى عاش فيها عمره بأكمله …
انهى توقيعه على كل الاوراق فحملته من أمامه دون أن تعلق ..
راقبها وهي تعطيه ظهرها وقبل ان تذهب ناداها :
“ايتن ”
أغمضت عينيها بقوة تقاوم طريقته القديمة في النطق باسمها …
تقاوم هلاوسها في عودة كل شىء بينهما كما كان ..التفتت اليه في ضعف وهي تضم الملف الى صدرها :
“نعم ”
نهض في بطء ..تمعنها رغما عنه ليتأكد من كل ما رسمه خياله ..
تنهد في عمق فضيقت عينيها في انتظار سؤاله الذي طرحه في تردد :
“انتي كويسة ؟؟”
تصنعت ابتسامة بائسة أجابته بها وهي تهز رأسها بصوت متحشرج :
“الحمد لله ..هبقى كويسة ”
اقترب منها في بطء حتى صار في مواجهتها تماما ، ازدرد ريقه يقاوم ألما حادا في حلقه يمنع كلماته من الخروج ..دموعها الحبيسة تصيبه بالاختناق كأنها ستنفجر من مقلتيه هو ..
تحررت دمعة من عينها فأشاحت بوجهها تخفيها عن نظراته ..
مسح وجهه بيده يحاول ان يتماسك ويخبرها في حنان نسته أذنها منذ زمن :
“لو تعبانة ومحتاجة راحة قولي …بلاش تضغطي على نفسك انا عارف ان اللي حصل مكنش سهل ”
اجابت دون أن تنظر اليه :
“راحتي دلوقتي بقت في التعب ..في اني ارمي نفسي في حاجة بكرهها ..في حاجة تاخد كل طاقتي وتركيزي ..وقتها جايز ملاقيش وقت افكر في شيء تاني ولو خايف على الشغل انا حابة اطمنك ”
مد كفه في تردد الى جانب وجنتها كأنه مسير تماما لما يحدث ليجعلها تنظر اليه مجددا …
مسح بابهامها دمعتها …حاولت ان تشتت نظراتها في اي اتجاه بعيد عنه ..
لقد اهدرت كثيرا من كرامتها ولن تجعله يراها تبكي مطلقا …
ستكون قوية على الدوام ..
ستثبت لنفسها انها تغيرت من اجلها لا من اجله ..
“أنا خايف عليكي انتي مش على الشغل يا ايتن ”
قالها في هدوء غريب اتسعت له حدقتاها ولم تعرف بعدها سببا واضحا لما حدث ..
كيف اندفعت لتلقي برأسها على صدره وتبكي بحرارة لاتعرف ؟؟؟
تحركت كل ذرة فيها الى هذا الوضع دون ارادة منها ..
بكت بحرقة على كل شىء …
بكت دون أن تعرف حتى سببا واضحا للبكاء ..
هل تبكي أمها ؟؟
أم حبها الضائع معه ؟؟
كل ما تعرفه انها احتاجته دون أن تفكر في رفضه من عدمه …
فجر حنانه معها افتقادها لكل شىء أحبته وفقدته بكل طريقة ..
حاول أن يكتم أنفاسه حتى لا تلاحظ اضطرابها من قربها الزائد ..
ولكن ماذا عليه أن يفعل بنبضات قلبه المتمردة تكاد تحطم ضلوعه تلك؟؟ ..
كيف يوقفها هي الأخرى ..
اخترقت احدى دمعاتها قميصه فتحسس حرارتها جلده ليغمض عينيه مقاوما الما يعصف بروحه وينكره على نفسه …
مد يده في تردد ليربت على شعرها فتوقف كفه في منتصف الطريق وهو ينظر الى دبلة فضية لنور في خنصره …
الايمكن ان يسمي ما يحدث الان خيانة في حقها ؟؟
هل يقبل الم الخيانة الى ارق قلب صادفه ومع من حطمت قلبه مسبقا ؟؟
شاء أم أبى لازالت الذكرى تلوح بخياله بين الحين والاخر ..
انحرف كفه الى كتفها يبعدها عن صدره في رفق ..
ازدردت ريقها وهي تطرق أرضا قائلة :
“انا اسفة محستش بنفسي ”
تصنع ابتسامة باردة على شفتيه يخبرها فيها بحنان أكثر برودا :
“متعتذريش يا ايتن …مفيش اخت بتعتذر لاخوها انها اترمت في حضنه وقت ما احتاجته ”
همست في ألم تنكر جملته رغما عنها …
تتذكر يوم ألقى مثلها في وجهها منذ سنوات …يا لقسوته التي لاتعرف من أين أتى بها:
“أخته !!!”
واصل حديثه :
“طبعا يا ايتن وفي اي وقت احتجتي اي حاجة اطلبيها مني انا ”
وقبل ان ترد او بالأحرى تبحث عن رد مناسب شعرت بنور تفتح الباب وتدلف الى المكان …
مسحت عبراتها سريعا قبل أن تقترب منها …
تمعنت الثانية بها لحظات قبل أن تربت على كتفها تسألها في رقة :
“ايتن انتي كويسة ؟؟”
تنفست ايتن في عمق وهي تضم الاوراق الى صدرها بقوة قبل أن تهز رأسها بالايجاب :
“بعد اذنكو ”
وفرت من المكان بأسره فلم يعد بمقدورها الاحتمال اكثر ..
راقبتها نور حتى خرجت لتلتفت الى حسام الذي كان يراقبها بدوره حتى أغلقت الباب خلفها لتظل عينيه معلقة به للحظات قطعتها نور وهي تسأله :
“مالها ايتن ؟؟”
أجابها حسام وهو يتجه الى مكتبه :
“اللي حصل لايتن وللعيلة الناس كلها عارفاه ”
استقر في مكانه ورفع نظراته اليها ..
الاف من الاسئلة تطرح ذاتها بوضوح في عينيها وهو لايملك جوابا واحدا يريحها او يريح نفسه ..
سألته مسبقا عن علاقته بايتن فأخبرها أنه خطبها لبعض الوقت ولم يطل الامر كثيرا ..
جعلها تتوقع سبب انتهاء الخطبة بأنهما لم يتفقا فتهور ايتن لايليق بشخصه الحازم ..
جعلها تتوقع تقليدية العلاقة بينهما وأن الخطبة تمت لصلة القرابة ليس أكثر ولم يصحح لها مفهومها بأنه هام عشقا بايتن سنوات طفولته وشبابه ..
جعل كفره بالمشاعر الذي يردده على مسامعها ليل نهار يدحض اي شك لديها عن أي مشاعر جمعتهما …
يخبرها دوما باعجابه بها وبذكائها وبكل شىء فيها..يخبرها ان هذا يكفيه وأكثر في الزوجة التي يتمناها ..
علقها بأمل انها قد يمكنها تحريك مشاعره في لحظة ..
“أنا بحبك يا حسام ”
قطعت أفكاره باعترافها الصعب على فؤاده فنهض ليصبح في مواجهتها …
لايعرف حقا بما يجيبها..
هل يخبرها ان القلب لايمكنه أن يدخل معادلة دون ان يدمر ؟؟
هل يخبرها ألا تحبه فقلبه لن يبادلها المشاعر تلك ما عاش ..
ولكن من يدري ؟؟
وماذا بنور لا يمكن أن يعشقه رجل ؟؟
بها كل شىء يستدعي منه المحاولة ..
كفاه غرقا في جنون حب مزيف لايمكنه تجاوز ما أصابه منه ..
التقط كفها يقبله في رقة ارتعدت لها جسدها بأكمله وهو يسألها :
“يبقى نتجوز دلوقتي يا نور …مفيش داعي للتأجيل ”
سحبت كفها من كفه لتقول :
“مش ده معنى اللي قولته يا حسام ؟؟؟”
قطب حاجبيه فواصلت :
“لو طلبت منك فرصة هتديهالي …مجرد فرصة اتاكد فيها من حاجات كتير …انا بالنسبالك استاهل الفرصة دي ؟؟”
التقط كفها مجددا يخبرها في سرعة :
“انتي تستاهلي كل حاجة في الدنيا يا نور ..”
ابتسمت في حزن تخبره :
“الفرصة مش ليا لوحدي ….الفرصة دي لينا احنا الاتنين مع بعض ”
ضيق عينيه في حيرة :
“قصدك ايه ؟؟”
التفتت الى الباب المغلق ثم اليه دون ان ترد فاتسعت حدقتاه ينكر ما التقطه ذهنه من تلميحها :
“نور …ايتن بالنسبالي بنت عمي وبس ولو على ..”
أوقفته بكفها تمنعه من الخوض في الحديث أكثر ..لاتريد أن ينفي شكها بحديث واهن ..
هي تريد الفرصة لكليهما كما أخبرته ..
تريد قلبه خاليا حتى وان فقد احساسه بالعشق ستعرف كيف تعيد بعشقها اليه العمل ..
فقط لو كان خاليا ..
“حسام انا مش بتهمك ..ولا انت مدان قدامي بحاجة …بس انا بحبك وخايفة اغامر بقلبي وده حقي ”
تنهد في عمق يفكر فيما تقوله …
فرصة …
ربما كانت محقه وهو في امس الحاجة اليها فليعطي لقلبه الفرصة في تحديد وجهته فاما يستقر مرساه على مرفأها أو يغرق دون ان يحذبها معه الى حدفها في القاع ..
***********************************
بعد مرور عامين
ارتعدت بشدة وهي تحتضن نفسها وتنظر الى الباب تطالع ذلك القاسى الذي يتابعها فى نظرة تقشعر لها لتتذكر انه لاسبيل لها من الفرار أبدا ، ربما كان لديها أمل أخير فى انقاذ نفسها مما هي فيه ، خيط ضعيف من النور بين كل ظلمات اليأس التى تاهت فيها ، لماذا لم تلجأ اليه ؟؟..
نعم جرحته ولكن ما كان ليتخلى عنها ابداا…
ليت الثمن كان حياتها اذن لفضلت الموت مائة مرة على ان تقدم على ذلك ولكنها ليست حياتها … بل حياة أخرى تستحق أن تجازف من أجلها ..
ربما كان الله به رحيما فتلقى حدفها او ترسله هو الى حدفه قبل أن تذبح على هذا النحو ..
انتفضت على صوت قاس وصارم:
” هتفضلي واقفة كدة كتير ما تخلصي ”
التفتت له بعينين امتلئتا بالدموع ولكنهما بقيا على حافة جفنيها يقاوما الانحدار ، لقد استنفذ ما مضي من دموعها ومشاعرها بما يكفى ولم يتبقى لها سوى الشعور بالقهر فقط والقهر لا يحتاج الى دموع ..
القهر يستجلب العجز ويسلب ما تبقى من الروح.. ازدردت ريقها وهي تغمض عينها تتحسس هذا الخنجر فى حقيبتها قبل ان تمد يدها الى مقبض الباب..
أمسك الرجل بكفها وهو يضغط عليه قائلا بصوت هادىء مرعب أشبه بفحيح الافعى:
” انتى عارفة اتفاقنا تزودي كلمة معاه ..عارفة كويس ايه اللى هيجرى ”
هزت رأسها وأخذت نفسا عميقا وهي تدعو الله ان ينجيها ، ارتعد كفها وفتحت الباب وهي تنظر الى عينى ذلك الرجل الشامتة نظرة اخيرة ..
بدأت تخطو فى تردد لا تشعر بطراز الغرفة الراقى ولا حتى بالهواء الذي تتنفسه ، عيونها تبحث في تلقائية عن ذابحها .. تراجعت فى ذعر وهي تطالعه معطيا لها ظهره ، ترى دخان سيجارته يتصاعد ويتصاعد وكأنه دخان نيرانه التى اعدها ليحرقها بها ، انه هو ، قال دون ان يستدير اليها:
” أخيرا جيتي”
لم ترد وظلت على صمتها… وبعد لحظة واحدة تسرب صوته الى أذنها ومنه الى خلايا مخها التى تعرفته على الفور فتسمرت فى مكانها وكادت ان تفقد وعيها ..
لم يعط لتعجبها وقتا اطول اذ استدار لها ووقف لحظات يتأملها من اخمص قدمها الى رأسها وهو يبتسم فى شماتة قائلا:
” اخيرا ”
وفى لحظة عادت ذكريات العامين الماضيين تمر بسرعة امام عينيها كفيلم قصير فبعد انفصالها عن يوسف البدري وعودتها مع أخيها الى المنزل القديم كان لزاما عليها ان تبحث عن عمل فقد رفضت أي مساعدة من عائلته وبالأخص زين ولكن كونها طليقة ليوسف البدرى يجعلها قيد أمرين لاثالث لهما اما استغلالها ضده او رفضها تماما لتجنب اى مشاكل معه ، ومن عمل الى عمل لاقت الرفض …
حاولت ان تدير مقهى ابيها ففشلت فى الأمر بجدارة فلم يكن أمامها سوى بيعه لتستطيع تدبير امورها والانفاق على اخيها ومدرسته الخاصة باهظة التكاليف فهى لم تفكر تماما فى ازاحته عنها …
اخذت النقود تتضاءل وتتضاءل وهي حقا لاتعرف ماذا تصنع حتى جاء الفرج من السماء على هيئة ساكن جديد اخبرها حارس المنزل انه يريد تأجير الشقة التى تمتلكها مقابلة للاخرى التى تسكنها مع اخيها ، وافقت بالطبع فحاجتها للمال لم تدع لها فرصة لتفكر من الأساس وجاء الساكن الجديد
” فارس“
مدرس هادىء الطباع لاتراه ايلينا الاوقت دفع الايجار فقط ، لم يزعجها او يضايقها ابدا فى شىء بل كان ملاكها الحارس فى اليوم الذى لجأت فيه الى يوسف وخذلها …
لن تذهب ذكرى هذا اليوم من بالها ابدا ، حين تهجم فؤاد ابن عمها عليها فى الثانية صباحا ، وجدته أمامها يطرق الباب بقوة ففتحت له حتى لايثير لها المشاكل تخيلت انها ستصرفه بهدوء وينتهى الأمر كما كانت تفعل معه دائما …
لم تعرف ان هذه المرة ستختلف كثيرا فقد همس لها فؤاد فى وقاحة بمجرد أن فتحت له الباب :
” واخيرا يا ايلينا اتطلقتى وبقيتى ليا ”
ودفعها بعنف شىء ما ليدلف الى المكان..
رمقته باحتقار..
طالعت هيئته التى يبدو ان الخمر قد اذهب بما تبقى من تعقل بها لتقول وهى تشير بثبات الى الباب :
” اخرج برة يا بنى ادم انت ..اطلع برة ”
نظر فؤاد الى الباب ليتجه ويغلقه في برود ويعقد ذراعيه مواصلا فى تلذذ غريب:
” لا مش خارج ..يوسف وطلقك خلاص …شوفى مين بقا هينجدك من تحت ايدي ”
تنفست في عمق تخبره بهدوء فلم يخطر ببالها ما ينتوي فعله:
” اسمع يا فؤاد انا مش ممكن اقبل الجواز منك ابدا ”
قهقه عاليا وهو يحاول الاقتراب منها :
” ومين جاب سيرة الجواز بس دلوقتي ..جواز ايه ووش ايه ”
كزت ايلينا على اسنانها وقبل ان تفلت منها سبابا يستحقه وجدت علي وقد خرج من غرفته يتحسس الحائط فى خوف محاولا الوصول اليها ، اندفعت اليه تضمه وهى تقبل رأسه تطمأنه وتهدهده لتتغلب على ارتجافه وبعدها بلحظات حاولت الوصول الى الباب لتستغيث بأحد فكان هو اسرع منها…
جذبها من يدها فصرخت وهى تحاول ان تخلص معصمها من قبضته ليصرخ علي بدوره باسمها وهو يلوح بكفيه فى عشوائية ويبكى فى قلة حيلة فهو عاجز عن حماية شقيقته ولأول مرة يراوده هذا الشعور …
نجحت ايلينا اخيرا فى تخليص معصمها من قبضته ودفعته بقوة ليسقط على الأريكة لتتمايل به فتستغل هي الفرصة لتحتضن علي من جديد وتلوذ بأقرب الغرف وتغلقها عليها ..
دفنت رأس علي فى صدرها وهي تلهث بشدة واول ما جاء على بالها رغم كل شىء هو الاستنجاد بيوسف ، فرغم كل ما حدث بينهما ورغم انقطاع الصلة تماما ورغم علمها بزواجه من جينا واحضارها للحياة معه في قصره الا انها كانت على ثقة كاملة انه لن يخذلها ابدا وسيتخذ التصرف الصحيح ، فكرت به حتى قبل ان تفكر فى الشرطة ..
امسكت بهاتفها وبمجرد ان فتح المكالمة لم تنتظر حتى ان يأتيها صوته …صرخت مباشرة فى فزع:
”يوسف الحقني فؤاد اتهجم عليا ”
لم يأتيها اى رد فعاودت الهتاف:
” يوسف انت سامعني ..اعمل معروف انا …“ انقطعت المكالمة او انهااها يوسف دون كلمة واحدة ولم يكن لديها متسع من الوقت لتفكر فى صدمتها فقد تزايدت دقات فؤاد على الباب وازداد ارتجاف علي بين ذراعيها وقبل ان ترفع هاتفها لتتصل بالشرطة ، سمعت صوت جلبة بالخارج فأحدهم قد كسر الباب وبعدها سمعت اصوات تحطيم اشياء بالشقة واصوات تأوهات متتالية لصفعات ولكمات فلم تحملها قدميها اكثر لتتهالك ارضا وهى تضم علي اليها فى قوة تحاول ان تأخذ منه الامان اكثر مما تحاول ان تبثه اياه ، هدأت تلك الاصوات تدريجيا لتنتفض على صوت دقات هادئة على باب الغرفة وصوت فارس الرخيم يناديها:
” افتحي يا ايلينا انا فارس ”
مدت يدها فى تردد وخوف ونهضت لتفتح الباب فى بطء ..نظرت منه قبل ان تفتحه اكثر الى فؤاد الذى تكوم ارضا والى فارس الذى انتحى جانبا ليترك لها الفرصة فى الخروج ، اطلقت على من بين ذراعيها ونظرت الى فارس تسأله فى توتر :
” انت عرفت ازاى باللى حصل ؟؟“
ابتسم فارس وهو يضع يديه فى جيب بنطاله مداعبا:
” العفو مدام ايلينا ..تحت أمرك ”
لو كانا فى موقف اخر لاتسع ثغرها من دعابته وطريقته فى القائها ولكن نظرة الى فؤاد المتكوم ارضا اصابتها بالفزع فأعادت سؤالها من جديد فى ثبات وجديه لا تحتمل اى مزح ليرد فى هدوءه المعتاد:
” انا جيت على صوت الدق والخبط اللى كان فى المكان وعلى صوت صرختك وصرخة علي..مش محتاجة ذكاء يعنى ”
نظرت اليه فى تمعن لأول مرة …
هيئته توحى بانه احد ابطال المصارعة وليس مدرسا ابدا ..
يشبه الى حد كبير نجوم السينما فى هندامه وطريقته اللبقة وكل شىء ..
لم يصبه مجرد خدش واحد من فؤاد ، او ربما هى حالة فؤاد الذى سيطر الخمر فيها على عقله فلم يتمكن من الدفاع عن نفسه ..
قطع تأملها صوت فؤاد المترنح :
” وده يطلع مين ده راخر ؟؟“
اقترب فارس منه قائلا وهو يعقد ذراعيه بابتسامة جذابة للغاية:
” اهلا فؤاد باشا ….ازى الحال دلوقتى ”
لهجته ..ثقته ..طريقته… تذكرها به ..
يوسف البدرى الذى تخلى عنها منذ لحظات ..
وضع فؤاد يده على رأسه ونظر اليها بعد ان تلونت بالدم هاتفا:
” وحياة امك لدفعك التمن غالى ”
فرك فارس كفيه :
” لا يافؤاد بيه محدش هيدفع اى تمن غيرك ..تفتكر لو بلغنا البوليس دلوقتى هيبقا ازى الحال وياسلام بقا لو خطيبتك بنت الوزير عرفت والجوازة اتفركشت شوف انت بقا …“
نهض فؤاد فى تثاقل قائلا وهو يمسك جبينه يكافح الدوار بشدة :
” انت بتهددنى يا بتاع انت ”
رد فارس فى برود :
” اه ”
نظر فؤاد الى ايلينا هامسا في غضب مكبوت وكأنه تعمد الا يصل تهديده الى احد غيرها وهو يميل اليها قبل ان يخرج :
” مسيرك تقعى تحت ايدى ..لو مكنش دلوقتى بعدين وبكرة تشوفى يا ..“
واضاف فى تهكم:
” بنت عمي ”
وقبل ان يخرج تفاجىء بقبضة فارس الحديدية حول معصمه وهو يقول ببروده الثلجى المخيف:
” متفكرش يا فؤاد بيه ..انصحك متفكرش ”
نظر اليه فؤاد بتوعد قبل ان يخطو مغادرا المكان فى تعب دون أن يرد..
التفتت ايلينا الى فارس بابتسامة ممتنة:
” مش عارفة بجد اشكرك ازاى ”
ابتسم فارس ابتسامته الغامضة الجذابة التى طالما اثارت حيرتها فهى لاتعرف حقا أهي ابتسامة حزينة ..ام حائرة… ام تائهة ..
شفتاه تبتسمان بينما عيناه هائمتان فى عالم اخر وقبل ان يرد سمعت صوت ارتطام فتفاجئت بعلي يسقط ارضا فاقدا للوعى
صرخت ايلينا باسم أخيها وركعت ارضا وهى تضع رأسه على حجرها وتضرب وجنته فى رفق صارخة فى هستيريا :
” على …الحقنى يا فارس اعمل حاجة ..اول مرة اشوفه كدة ”
تحسس فارس نبضه وتنفسه بسرعة وهو يقول لها:
” اهدى ايلينا …هوا بس خايف …دى نوبة فزع مش اكتر ..حاولى تتكلمى معاه فى اى حاجة وحسسيه بوجودك ”
رمقته فى دهشة من أين له اين يعرف كل هذا ولكنها نفذت ما طلبه بالضبط وضمت على اليها اكثر وهى تتحدث اليه وتقبل رأسه بينما يجلس فارس على ركبتيه امامهما حتى هدأ تنفس علي المتسارع وفتح عينيه فقبلته ايلينا على جبهته وحمله فارس الى غرفته وقبل ان يذهب سألته ايلينا فى فضول :
” انت ازاى قدرت تعرف اللى عند على ”
هز كتفيه قائلا فى بساطة:
” ابدا انا اخدت دورة اسعافات اولية وكنا بنعرف ازاى نفرق بين الحاجات النفسية والعضوية ”
ابتسمت ايلينا له فى اعجاب واضح:
” بجد يا فارس متشكرة اوى ” .
شعرت فى نظراته بشىء جديد اصبح يتطور يوما بعد يوم …
تزايد اهتمامه اكثر مع الوقت بينما هى كانت لاتزال تتبع اخبار يوسف رغم حنقها عليه ، اقنعت نفسها انه الفضول.. تريد ان تعرف كيف يعيش..
كيف يقضى حياته مع جينا وهل بالفعل استطاع تجاوزها ؟؟..
تعرف انها الان ربما تحيا وهمها الأعظم الذى استيقظت منه على دقات بابها من فارس ، دق بابها و كأنه يدق قلبها يطلب الاذن بالدخول ، فتحت له الباب فنظر لها لحظات دون ان ينطق قبل ان يتنفس فى عمق قائلا :
” ايلينا …تتجوزيني “

رواية مذاق العشق المر

الفصل السادس والعشرون

هذا اخر ما تمنت ان تسمعه فى الحياة..
أغرقها بسؤاله فى حقيقة لا مفر منها ولا نجاة …
حقيقة كلمة زوج التي لا تعنى لها سوى يوسف ..
الزواج ويوسف كلمتان مترادفتان بالنسبة اليها..
رغما عنها وعن كل ما حدث لايمكنها تخيل حياتها مع شخص سواه …
لا يمكنها تحمل لمسات رجل غيره…
مجرد التفكير فى هذا الأمر يصيبها بالتقزز ..
لاتريد ان تتخلص من ذكرياتها معه..
لاتملك الارادة لذلك مهما حاولت ، حتى ان لم يكن هناك أمل فى الوصال بينهما من جديد الا ان الأمر برمته خارج عن سيطرتها ..
تحبه رغم كل ما حدث ..
رغم خيانته ..
رغم جرحه لها وجرحها له الذى يذكرها فى كل لحظة باستحالة ان يجمعهما مكان من جديد..
لافرار من الحقيقة ابدا فلايمكنها ان تكون لرجل بعد يوسف …
مشاعرها وجسدها وذكرياتها وكل شىء قد اصبح حكرا عليه منذ زمن …
رفضت فارس …
رفضت غير عابئة بتقريعات عقلها الذى يصفها بالغباء المطلق فرجل مثله لايمكن لأي فتاة ان ترفضه ..
أبت كرامته ان يبقى امامها بعد هذا الرفض فترك المنزل بعد ان ودعها ..
لم تستطع ان تطلب منه البقاء فقط لأنها تحتاج الى حمايته فمن حقه ان يأخذ فرصته فى نسيانها والبدء فى حياة جديدة مع اخرى تكون له بكل جوارحها فهو اكبر من ان يكون مجرد تجربة تحتمل الفشل اكثر مما تحتمل النجاح بكثير .
ومرت الأيام تلو الأيام وحياتها على وتيرة واحدة لا تتغير ، حتى حدث ماحدث فى هذا اليوم حينما عادت الى منزلها بعد ان ابتاعت بعض الأشياء من السوق ، بدلت ملابسها وانتظرت الحافلة التى تقل اخاها من مدرسته ولكنه تأخر كثيرا عن موعده ، هاتفت مدرسته فأخبرته انه بالفعل استقل الحافلة التى انزلته امام البيت كالمعتاد ، كادت ان تجن …
هبطت بسرعة تبحث عنه خارج المنزل وحوله فربما فقد وعيه او اصطدم بشىء ..فتشت عنه في كل مكان فلم تجده ..
جلست على السلم الخارجى للمنزل بعد ساعات من البحث ورأسها يخيل لها كل السيناريوهات المؤلمة عن ضياعه ، اخذت تضرب فخديها فى قلة حيلة وهى لا تعلم ماذا تفعل ولمن تلجأ فان ابلغت الشرطة فلن يكن هناك اى تحرك قبل مرور اربع وعشرين ساعة ، ضربت على جانبى رأسها فى حزن من بامكانه ايذاء طفل كفيف ولماذا ؟؟؟
سالت دموعها فى عجز لم تشعر به قط فى حياتها فعلي ليس مجرد اخ بل هو ولدها الذي لم تنجبه ..
مرت ساعات اخرى وهى على جلستها دون حركة حتى أسدل الظلام ستائره حولها…
انتفضت فجأة على صوت رنين هاتفها فالتقطته سريعا دون ان تنظر الى اسم المتصل ، ربما كانت المشفى او قسم الشرطة او ايا كان من يخبرها بما يزيح تلك الحيرة الثقيلة عن صدرها ، فتحت المكالمة وهى تلهث فجاءها صوت اجش غليظ قائلا :
” مدام ايلينا …مساء الخير ..ياترى اخوكى وحشك لا لسة ”
انتفضت واقفة وهى تمسك الهاتف بكلتا يديها هاتفة فى ذعر:
” على ..اخويا …انت تعرف هوا فين ؟؟؟“
ضحك المتصل فى سخرية :
” فى الحفظ والصون متخافيش …بس لحد امتى ده يتوقف عليكى ”
اتسع ثغرها فى صدمة ، لقد اختطف احدهم على ، من يكون ؟؟ولماذا ؟؟؟..
جاءها صوته المنتشى قائلا:
” ها تحبى نتفق ولا مستغنية عن اخوكى ”
تحكمت فى ارتجافها وقبضت على الهاتف أكثر:
” انت حيوان …انا هوديك فى ستين داهية ..بتخطف طفل كفيف يا حيوان يا حقير ..“
قاطعها فى برود:
” كدة انا هزعل ومنصحكيش تجربى زعلى ”
ضغطت على شفتها السفلى في عجز لتسأله :
” انت عاوز منى ايه واخويا ذنبه ايه ..اللى بتعمله ده حرام عليك والله ”
تأفف المتصل قائلا :
” هنقلبها صعبانيات ولا نتكلم بالعقل ”
مسحت دموعها لتخبره في جدية:
” عاوز منى ايه ..انا مش معايا فلوس تساومنى عليها ”
ضحك المتصل قائلا :
” ومين قالك انى انا اللى عاوز …الباشا الكبير هوا اللى عاوز ….عاوزك ”
تهالكت ارضا فى انهيار وهى لاتصدق ما تسمعه اهناك من يساومها على شرفها مقابل حياة اخيها :
” بتقول ايه ؟؟؟“
رد فى بروده المقيت:
” اللى سمعتيه …انتى مقابل حياة اخوكى واختارى ”
هتفت فى الم ومرارة:
” انت حقير ووسخ ..مين ده اللى باعتك ”
واضافت بعد لحظات بصوت متحشرج مترقب:
” فؤاد ؟؟…صح هوا فؤاد انا هوديك وهوديه فى داهية ”
تنهد قائلا :
” براحتك ..بمجرد بس ماتفكرى تقلى بعقلك جثة اخوكى هتكون عندك ..انتى حرة ”
واغلق الخط دون ان يعطها فرصة للرد ، احتضنت نفسها فى خوف وهى ترتعد وتهتز للامام والخلف كمحاولة للتغلب على ارتجافها المتزايد مرددة كل الابتهالات التى تعرفها …
ماسمعته يعجز عقلها عن استيعابه ..
لم تتخيل فى اصعب كوابيسها ان تتعرض له ..
كيف يساومها هذا الحقير بتلك الطريقة ؟؟
كيف يستغل طفل كفيف فى خطة كهذه ؟؟
ماذا عليها ان تفعل ؟؟
نهضت فى تثاقل دالفة الى شقتها …
ارتمت ارضا فى قلة حيلة ..
وضعت الهاتف امام عينيها للحظات وابتلعت ريقها فى توتر وهى تدير رقم فارس وبعد عدة محاولات وجدت هاتفه مغلقا ..
فكرت فى يوسف ولكنها تراجعت على الفور وهى تتذكر انه خذلها من قبل حين استنجدت به يوم ان تهجم عليها فؤاد ، ظلت هكذا على وضعها لساعات دون حركة وهى تتخيل ما يمكن ان يلاقيه اخوها الان على ايدى هؤلاء القساة …
سدت اذنيها كأنها تسمع اناته من بعيد وهو يتلقى من قسوتهم ما يرفض حتى خيالها رسمه ..
انتفضت على صوت رنين الهاتف مرة اخرى فالتقطته بكف مرتعد ليأتيها صوته البغيض :
” ها فكرتى ولا لسة ؟؟“
انتحبت فى ضعف يعتريها للمرة الاولى فى حياتها وهى تتوسل اليه:
” ارجوك انا مقدرش اعمل اللى بتطلبه ده …خلى فؤاد يكلمنى وانا هتفق معاه ”
رد فى غلظة :
” الباشا بيقولك قدامك ساعتين يا تكونى قدامه يا تقرى الفاتحة على روح اخوكى ”
انتحبت اكثر فقال:
” من غير عياط ملوش اى لزمة ..ها…قولتى ايه ؟؟؟“
اغمضت عينيها هامسة فى انكسار :
” حاضر ”
تنهد قائلا:
” هبعتلك رسالة بالمكان ولو حسيت بأي حركة غدر منك انتى عارفة التمن هيكون ايه ”
وانهى الكالمة لتأتيها رسالة بمكان الفندق ورقم الغرقة التى يطالبها فيها فؤاد بالتنازل عن شرفها مقابل حياة اخيها ، رفعت يدها الى السماء وهى تركع ارضا:
” يارب ساعدنى انا مليش غيرك مقدرش اعمل كدة ابدا يارب ”
ومرت ساعة من الوقت وهى مشلولة تماما فى مكانها دون حراك ولكن عليها ان تتخذ قرار فى النهاية وقد فعلت ..
مسحت دموعها وادارت رقم صوفيا ..
تخلصت من كل انفعالاتها بصعوبة وهى تقص لها بالتفصيل ما حدث وعن نيتها التى اصابت صوفيا بالفزع وهى تتوسل اليها ان تتراجع ولكنها قد عزمت وبقوة وطلبت منها ان اصابها سوء ان تحضر الى مصر وتأخذ علي الى باريس وبلا عودة وانهت بعدها المكالمة غير مكترثة بصرخات صديقتها المذعورة ..
*************************************
عادت الى واقعها الذى لم تتخيل ان تعيشه والى من يقف الان أمامها بنظرة ظفر وتشفى لم تتخيل ان تراها فى عينيه لها ابدا ..
لم تتخيل ان يكون اول من فكرت فى اللجوء اليه لانقاذ علي يكن هو خاطفه الذي ساومها على شرفها فالذي كان يقف امامها يدخن سيجارته فى برود قبل ان يلقيها فى عشوائية ويدهسها تحت قدمه فى قسوة وبطء لم يكن سوى يوسف البدرى..
اقترب منها فى خطوات مميته بعد أن تسمرت في مكانها كتمثال عتيق من الشمع …
نظر لها بابتسامة ساخرة وهو يضع يديه في جيب سترته:
” ايه ده يا مدام …انتى ايه اللى جايبك هنا ؟؟؟….قبلتى بالعرض وجيتى تسلمى شرفك ”
قطب حاجبيه باصطناع التأثر ليواصل:
” ازاى بس ده يحصل ؟؟؟….هوا فيه حاجة ممكن تضطر الانسان انه يعمل حاجة غصب عنه …فيه حاجة اسمها ظروف اصلا ”
زفر فى بطء ليخرج بقايا الدخان التى لازالت عالقة فى صدره وهو ينظر الى عينيها التى تجمدت نظراتها تماما من الصدمة ليهمس:
” ليه وصلتينا لكدة …“
وارتفع صوته وهو يهتف فى غضب مشوب بالم غريب ” ليه وصلتينا لكدة …ليه عملت فيا كدة ؟؟…انا محبتش حد فى الدنيا قد ما حبيتك ..كل اللى طلبته منك فرصة ..قولتلك اوعى تسيبى ايدى ابدا وخلينا نكمل طريقنا سوا ..خسرتينا كل حاجة …ابنى وامى ..كل حاجة يا ايلينا ”
انفاسها كانت تتصاعد وتتصاعد حتى كادت تتوقف لاتصدق ان من يقف امامها هو يوسف ..تحاول اقناع نفسها أنه كابوس مقيت وهي فقط في انتظار الاستيقاظ منه
أشاح برأسه ليزدرد ريقه ويعاود الهمس فى الم:
” محدش وجعنى فى الدنيا قدك ”
اغمض عينيه في قوة قبل أن ينظر اليها مجددا فى شراسة وهو يتفحصها بنظرات وقحة متعمدة:
” بس تصدقى انك فعلا وحشتينى ”
اتسعت عيناها في ذهول لا تصدق أنه يعني ما فهمته ليمحو ذهولها بعد لحظات حين اقترب منها اكثر يمرر كفه على حجابها ..
انتفضت فى هلع بينما يدها تتحرك تلقائيا الى السكين الذى تضعه فى حقيبتها ، يرتعد كفها مع حركته البطيئة لاتصدق ان موقف كهذا يجمعها معه ، لاتصدق انه سيحاول الاعتداء عليها وهى ستقتله …
توقفت يدها فجأة وهى تلقى بحقيبتها ارضا حين دفعها للخلف فى حدة قائلا وهو يدير ظهره له:
” اللى كنت عاوز اقوله قلته خلاص… واعتقد ان اللى عايز اوصلهولك وصلك ”
واستدار لها فجأة :
” وانا مخطفتش اخوكى …اخوكى فى اوضة هنا فى الفندق انا اللى جبته بنفسى من قدام البيت وسواء جيتى او مجتيش كنت هرجعه ..انا اقنعته بطريقتى انه ييجى معايا عشان عاوز اتكلم معاه شوية و…“
وقبل ان يكمل عبارته فتح باب الغرفة فجأة ليدلف زين وهو يلهث بشدة ، لم ينتبه لوجود ايلينا فى البداية وهو يهتف بيوسف :
” يوسف انت هنا وانا بدور عليك …ايلينا عندها مشكلة كبيرة ولا…“
وتوقف عن الكلام فجأة وهو ينظر الى ايلينا التى استدارت له بنظرات منكسرة ، ظنها فى البداية قد لجأت اليه ليساعدها ولكنه ادرك ما لم يمكنه تصديقه حين عاد اليها النطق لتقول بحروف مبعثرة وهى تنظر الى يوسف بألم :
” حقير ..حقير ..بكرهك ..هفضل اكرهك لاخر يوم فى عمرى ”
وتراجعت فى خطوات بطيئة وهى تصطدم بما يقابلها من أثاث الغرفة قبل ان تغادر المكان وهى تركض بأقصى سرعتها لا تشعر بأي شىء ابدا ..
تقدم زين ببطء الى اخيه وصرخ فى غضب وهو يشير بسبابته تجاه الباب حيث خرجت لايصدق ان من قصدته كان هو:
” يوسف انت عملت ايه ؟؟؟“
واقترب يكرر كلماته وهو يمسك بملابس اخيه ويهزه فى شدة …
ازاح يوسف ذراعيه فى عنف هاتفا:
” معملتلهاش حاجة اهى ماشية قدامك اهى زى ما هيا ..وانت لما دخلت الباب كان مفتوح وكنت بعيد عنها ”
هز زين رأسه فى مرارة وقد فهم الخدعة كلها دون سؤال :
” وانت لما تذلها بالطريقة دى ..لما تعمل كدة مع واحدة زى ايلينا …تبقا كدة معملتلهاش حاجة …مش هتسامحك يا يوسف ..عمرها كله مش هتقدر تسامحك ”
هتف به يوسف وهو يكور قبضته :
” ومين قالك انى انا كمان قدرت اسامحها بعد كل اللى عملته ..انت ناسى هيا عملت ايه …ناسى امنا اللى خسرناها بسببها و…“
اوقفه زين بكفه :
” متخدعش نفسك يا يوسف …امنا ماتت لان ده عمرها …لكن ايلينا متبلتش عليك ولا كان قصدها حاجة غير انها ترد كرامتها من وجهة نظرها …انا مبقولش انها صح لكن انك تحملها كل المسئولية وكأنك انت كمان مش مشترك فيها يبقى بتظلمها ..انت عارف ايلينا كانت جايالك وناوية على ايه يا يوسف ؟؟؟”
*************************
ركضت بأقصى سرعتها وبكل طاقتها حتى دون ان تطمأن على اخيها …
ركضت وكأنها تفر الى الموت ..
ركضت وهى لاتعرف الى اين والى متى ستتوقف ، ركضت وقد غابت كل تفاصيل الحياة من حولها فلم تعد تشعر بشىء ولا حتى بانفاسها المتلاحقة ونبضاتها التى كادت ان تشق صدرها من قوتها حتى حينما صدمتها السيارة كانت لها كرصاصة الرحمة وهى تفقدها وعيها وتفصلها عن العالم بكل ما فيه ..
سقطت ارضا وسط دمائها…
هبطت الفتاة التى كانت تقود السيارة فى جزع…
اتجهت اليها تحاول ان تستشعر نبضها ..التفتت حولها في ذعر تبحث عن أي شخص يساعدها ..نادتها في خوف وقد اصابتها الدماء بالذعر..
*************************************
قبضت على الهاتف بكفها في قوة وهي تهدر في قلق:
“ردي يا ايلينا …ردي ”
“صوفيا ”
نداء رقيق من خلفها التفتت اليه فسألها في اهتمام :
“لسة مفيش جديد صوفيا ”
مررت يدها في شعرها تهز رأسها في خوف ..
تنهد في عمق في محاولة لتهدأتها :
“طيب اهدي …ايلينا قوية وميتخافش عليها ”
عضت على شفتها السفلى في ألم لتردف :
“انت مش عارف ايلينا تبقا ايه بالنسبالي ”
ابتسم في ود :
“لا عارف ..وعشان كدة انا كلمت شركة الطيران وهننزل مصر سوا نطمن عليها ”
اتسعت حدقتاها وسألته في دهشة :
“انتي ازاي تعمل حاجة زي دي من غير ما ترجعلي ؟؟”
هز كتفه في بساطة :
“ودي محتاجة سؤال صوفيا …صاحبتك اللي بتموتي من خوفك عليها محتاجالك ومش عارفة توصليلها …تفتكري الخطوة التانية ايه ؟؟”
رفعت رأسها تخبره في حسم :
“انت عارف اني قررت منزلش مصر تاني تحت اي ظروف”
رفع حاجبيه يسألها فجأة :
“خايفة ”
تراجعت للخلف كأنه دفعها بسؤاله لترد في غضب :
“وهخاف من ايه ”
كتف ذراعيه يجيبها في هدوء :
“الاجابة عندك انتي ..ايه اللي في مصر ممكن يخوفك صوفيا ”
احمر وجهها غضبا وقبل ان تنسحب من أمامه ناداها فتوقفت للحظات :
“انتي عارفة انتي ايه بالنسبالي ”
التفتت اليه قائلة في رفق :
“عارفة يا زياد ”
اقترب مجددا ليقف في مواجهتها :
“يبقى الحل واضح قدامك …يا تواجهي يا تنهي كل حاجة وانتي عارفة انا اقصد ايه كويس ”
***********************************
” بتقول ايه يا زين ؟…كانت عاوزة تقتلنى ”
هتف بها يوسف فى صدمة وهو ينهض ليواجه زين الذى رد وهو لم يتخلص بعد من صدمته فى اخيه بدوره:
” كانت عاوزة تقتل فؤاد او اى حد بيساومها ..اومال انت كنت متخيل انها فعلا ممكن تسلم نفسها لحد ايا كان التمن ايه ؟؟؟“
تنهد يوسف ليرى حقيبتها التى سقطت ارضا منها قبل ان تغادر فالتقطها بسرعة وفتحها ليغمض عينيه فى حزن وهو يخرج السكين الذي أخفته ..
هز زين رأسه في حزن:
” علي فين يا يوسف …حصلت انك تخطف الولد ”
ضم يوسف الحقيبة اليه بلاوعى كأنه يضمها هى ورد دون ان ينظر اليه:
” اكيد مخطفتوش ..انا روحت جبته بنفسى من قدام بيته واقنعته انى عاملها مفاجأة عشان نرجع لبعض وهوا جه معايا ”
رفع زين ذراعيه فى سخرية :
” وياسلام على المفاجأة …وياترى بقا انت اللى كلمتها بنفسك ولا خليت حد من رجالتك يقوم بالمهمة ”
ابتسم يوسف فى حزن :
” تفتكر اقدر ..انا خليته يخرج برة ويكلمها من غير ما اسمعه ..ما اقدرش اسمع حد بيخوفها او بيهددها ”
اتسعت عينا زين لما يسمعه وردد فى خفوت:
” انت مريض يا يوسف ..مريض ”
تحرك يوسف ليجلس على احد المقاعد فى زوايا الغرفة قائلا:
” انا عارف انى مريض ..مريض بيها وبحبها …مريض بحاجة افتكرتها فى يوم هتكون دوايا وكانتلى وجع جديد ”
كان يبدو وكأنه يهذى فاقترب منه زين واوقفه امامه وهو يهزه في قوة:
” فوق بقا يا يوسف ..اللى عملته ده هيضيعها منك ”
انزل يوسف ذراعي اخيه ونظر له فى صرامة :
” انا عملت كدة عشان هيا عمرها ما صدقت فى كلمة ظروف …كنت عاوز اثبتلها كلامي بشكل عملى ..يمكن لو حست بده اقدر بعد كدة اتناقش معاها ”
ضحك زين بشدة :
” انت متخيل انها ممكن تبص فى وشك تانى ”
هتف يوسف وهو يشير له بسبابته :
” وهوا ايه اللى عملته ..لعبت باعصابها شوية مش اكتر …لكن فى الاخر لا خطفت اخوها فعلا ولا كنت هقربلها ”
واقترب اكثر وهو يكور قبضته ويقول فى اصرار غريب ” ايلينا فى الاخر هترجعلي حتى لو غصب عنها يا زين هترجعلى ..فاهم ”
تراجع زين خطوة وهو يتأمل اخاه قائلا:
” حبك غريب يا يوسف ..غريب بشكل يخوف ..بشكل ممكن يكون …ممكن يكون مؤذى ”
ابتسم يوسف وهو يهز كتفيه :
” زى حبها بالظبط …غريب بشكل يخوف ومؤذى ..هيا متأكدة ان انا بحبها زى ما انا متاكد انها لسة بتحبنى ورغم كدة بنستخدم حبنا بطريقة محدش يقدر يفهمها غيرنا ..طريقة ممكن تجرح وتبعد بس فى الاخر محدش فينا هيقدر ينكر مشاعره ابدا ”
وتمعن فى عينيه لحظات قبل أن يسأله فى تعجب:
” انت عرفت منين انها جاية ؟؟؟“
اشاح زين بوجهه وقال فى نبرة جريحة يعرفها يوسف جيدا :
” من صوفيا ”
وصمت لحظات قبل ان ينظر اليه مواصلا:
” هيا كلمتنى وحكتلى كل حاجة وانا ساعتها كلمتك ولقيت تليفونك مقفول وعارف انك لا كنت فى الشركة ولا فى القصر ..فكرت فى الفندق ده لانك كنت بتجيه زمان لما بتبقى مخنوق ”
واضاف بلهجة لاذعة:
” مكنتش متخيل انى هاجى الاقيها هنا وتطلع المسرحية دى كلها من اخراجك ”
وحين هم يوسف ان يرد عليه رن جرس هاتفه فالتقطه بسرعة ولحظات هتف بعدها فى قلق :
” ايه ؟؟؟حادثة ؟؟؟…وانت كنت فين يا حيوان …خليك ورا العربية شوف هتوديها انهى مستشفى وانا معاك على التليفون “

رواية مذاق العشق المر

الفصل السابع والعشرون

خوف ، قلق ، ندم وكل ما يتعلق بالحزن من مشاعر سيطر على باله في تلك الساعات الصعبة التى مرت عليه وهو فى ردهة المشفى فى انتظار الاطمئنان عليها ..
خرجت الطبيبة المعالجة لها منذ قليل وأخبرته انها مجرد رضوض وكدمات وكسر فى ذراعها الايسر..
أما الغيبوبة التى سقطت بها فلاسباب نفسية تفر بها من واقع ترفضه وتلوذ بعقلها الغائب من حقائق يؤلمها تصديقها..
لم يتخيل أن الأمر سيصل الى احتجازها في مشفى ..ظن أنها أقوى بكثير من كل هذا ..
مرت امامه الطبيبة من جديد فأسرع اليها في لهفة:
” لو سمحتى انا ممكن اشوفها ”
رمقته الطبية فى حذر وتمعنت بهيئته القلقة قبل أن تسأله:
” وحضرتك تبقالها ايه ؟؟“
رد دون تفكير :
” ابقا جوزها ”
قالها صدقا ودون شعور منه وبتلقائية وبساطة فلم يستطع ابدا ان يقتنع انها لم تعد زوجته ..
وضعت الطبيبة يدها فى جيب معطفها وعضت على شفتيها تفكر للحظات قبل ان تقول:
” تقدر تشوفها ”
ذهب اليها …
جلس على كرسى قريب من فراشها ..
تأمل في حزن كدمة الى جوار عينيها وأخرى اسفل شفتها ..
التقطت عيناه ملامحها الهادئة التى اشتاقها واعتادها اربع سنوات كاملة حتى اصبح يشعر انها جزء من ملامحه هو ..
ضرب على جبينه فى ندم.. لم يقصد ان يصل بها الى هذه الحالة ابدا ، ارادها فقط ان تتخذ له العذر ..
ارادها فى حياته بعد ان تقتنع بمبرراته حتى وان كان رغما عنها …
ولكن يبدو أنه قد خسرها للابد كما اخبره زين ..
هز رأسه في اصرار…
لا لن يخسرها ابدا سيحاول من جديد ..
مرت ساعة وبدأت تتململ فى فراشها فابتسم فى سعادة واقترب بوجهه منها وهى تفتح عينيها فى بطء ليهمس لها فى حنان:
” حمدلله ع السلامة يا حبيبتى ”
نظرت له طويلا ولم ترد فكرر وهو يقترب اكثر ويضع يده على جبينها:
” سامعانى ايلينا ؟؟؟“
اغمضت عينيها فى قوة حتى كادت تعتصرهما وفتحتهما من جديد لتصرخ به :
” اخويا فين ؟؟؟“
تراجع يوسف وهو يخفض رأسه فى ندم فكررت هى بصوت اعلى:
” اخويا فين يا حقير ؟؟”
واعتدلت فى فراشها فى حدة مزيحة كفه عن جبينها في تقزز..
مقاومة كل الالام التى اصابتها ومنعت اى أنة واحدة من بلوغ شفتيها وهى تهتف به بينما تدفع بكفها الايمن صدره :
” هاتلى اخويا هنا دلوقتى واخرج برة ”
امسك بكفها وضغطه بقوة هامسا فى قلق :
” اهدى ايلينا ..على انا مخطفتوش هو اصلا كان فى الاوضة اللى جنبى ..اهدى بس وانا هعملك اللى انت عاوزاه ”
تأوهت من لمسته لها فهى لم تعد تتقبلها …
هى تذكرها بما كان خيالها يوحى لها ان يفعله من كان يساومها :
” والله يا يوسف لدفعك تمن اللى عملته ده غالى ..مكفكش خيانتك ووجعك جاى كمان تكمل عليا …انا بكرهك بكرهك بكرهك …اطلع برة ”
وكررت صراخها فى هستيرية لتدلف طبيبتها فى تلك اللحظة وترى حالة الانهيار التى اصابتها وهى تهتف بيوسف فى غضب فنظرت له فى صرامة بدورها :
” لو سمحت يا استاذ ..اتفضل برة دلوقتى ”
نظر يوسف اليها وهي تشير الى الممرضات خلفها ليقتربن ثم الى ايلينا التى تطالعه فى حقد وكره لم يعرفه من قبل حين كانت تتلوى بين يدى الممرضات ليحاولن حقنها بمهدىء وبينما كانت الطبيبة تغرس المحقن فى ذراعها كان يوسف يتراجع للخلف وهو ينظر اليها ترتخى لترتمى على الفراش…
**********************************
اخذت تخدش على الأوراق امامها فى عشوائية بينما تجلس على فراشها فى المشفى وهى تفكر وترتب كل شىء فى رأسها من جديد …
عمرها الذى قضته مع يوسف وما فعله بها وحاول تبريره بشكل يبدو لها الان مضحكا فهى لاترى الا انه اراد كسرها امام نفسها ولكن لا…
ستعود ايلينا اقوى مما كانت ، ستعود انسانة اخرى لم يسبق له ان صادفها ، تنهدت وهى تسترجع ما اخبرها علي به فقد استغله يوسف منتهزا حبه له فقد كان الأخير يرعاه كأخ له عندما كانا فى القصر وكثيرا ما شاركه اهتماماته ولهوه ..
تنهدت في عمق وهي تتذكر لقائها به..
فبعد ان استقبلته حاولت ان تعود الى طبيعتها امامه وهى ترى قلقه وخوفه الواضح ولكنها ارادت ان تعرف كيف خدعه يوسف فأخبرته في هدوء:
” بعد كدة يا على مش اى حد يقولك حاجة تصدقها …انا عمرى ما اتخيلت انك ممكن تكون ساذج كدة ..معقول يقولك هعملها مفاجأة تصدقه وتروح معاه ”
تحسس على نظارته فى ارتباك وهو يقول في تردد:
” ماهو مكناش نقصد اكيد ان الموضوع يوصل بيكى للمستشفى ”
ضيقت عينيها وهى تنظر اليه وتدرس جملته فى عقلها لتهمس في حذر :
” مكنتوش تقصدو …هوا قالك ايه بالظبط ياعلي ”
فرك يديه وأخذ تنفسه يتصاعد بينما يهز ساقيه فى حركة مرتبكة تعرفها ايلينا جيدا ..تضاربت الأفكار برأسها لتهتف بصوت اعلى نسبيا :
” اتكلم يا علي ”
نهض من مكانه فى بطء وازدرد ريقه قبل ان يخفض رأسه ليقول في خجل:
” هوا ..هوا بصراحة قالى انه عايز يتكلم معاكى وانه بس هيقنعك انه حد خاطفنى عشان توافقى تتكلمي معاه ”
نهضت من مكانها وقطبت حاجبيها وهى تتحرك تجاهه في بطء …لا تصدق حقا ما يخبرها به :
” وانت شاركته لعبته الوسخة دى يا على ”
اشاح بوجهه يعطيها الجواب بصمته ..
ففعلت معه مالم تفعله فى حياتها ابدا مع اى شخص …
لطمته بقوة حتى دوت صوت الصفعة في المكان..
تحسس وجنته في ألم دون ان يرفع رأسه اليها فواصلت وهى تضم قبضتها وتنحنى قليلا لتعادل طوله:
” خليته يلعب بأختك واعصابها ..انا كنت بموت وانا بتخيل ان فيه حد ممكن يكون عمل فيك حاجة ”
واضافت وهى تمسك بكتفيه وتهزه فى عنف:
” انت غبي ..غبي …غبي…تعرف الطريقة اللى استخدمها عشان اروحله كانت ايه ولا مقالكش على دى كمان ”
حاول التغلب على شهقاته حتى لا يبكى فألمه لا يحتمل بعد ان تلقى تلك الصفعة من اخته بكل ما حملته من خيبة امل به ليجيبها بصوت متلعثم :
” ايا كان اللى هيعمله انا كنت واثق انه بيحبك وعمره ما هيأذيكى ”
أفلتت ضحكة ساخرة وهى تدفعه فى غضب و تشير بذراعيها للمكان :
” كل ده وماأذنيش …انا محدش فى الدنيا اذانى قده ولا وجعنى زيه ”
هنا همس على بصوت يشوبه البكاء :
” بس انتى بتحبيه يا ايلينا وكنتى عاوزة ترجعيله …انا عملت كدة عشانك مش عشانه …كنت عاوزة اكسر جزء العند اللى مانعك تتكلمى معاه او تسمعيه …“
واضاف بعد ان مسح انفه:
” انا كنت بسمعك كل ليلة بتعيطى يا ايلينا …كنت بسمعك بتنادى باسمه وانتى نايمة ومع كل ده بتعاندى نفسك طول الوقت وتقولى انك نستيه ”
صرخت به فى الم لا تنفي ما قاله بل تؤكده تماما فالنكران لم يعد يفيد:
” وهوا ميستاهلش ..ميستاهلش ذرة حب واحدة جوايا ..هوا جرحنى بكل طريقة ممكنة ولازم يدفع تمن كل اللى عمله ”
” اخبارك ايه دلوقتى ؟؟؟“
تسلل صوت الطبيبة المحبب الى اذنها فانتشلها من افكارها لترفع رأسها بابتسامة صغيرة:
” بخير دكتورة ملك ”
واضافت في امتنان:
” ومش عارفة فعلا اشكرك على اللى انتى عملتيه معايا ازاى ”
جلست ملك امامها قائلة فى هدوء :
” اولا احنا اتفقنا انى ملك وبس ..ثانيا انا خبطتك بعربيتى وكان لازم اعالجك يعنى احنا كدة خالصين ”
قالت ايلينا وهى تربت على كفها القريب منها:
” انتى مش بس عالجتينى ..انتى كمان اخدتى بالك من على الفترة اللى فاتت ..انا بجد مديونالك كتير ”
ابتسمت ملك وهى تحتوى كف ايلينا بين كفيها :
” احنا خلاص بقينا اخوات والاخوات مفيش بينهم شكر ولا ايه ”
هزت ايلينا رأسها فى امتنان فواصلت ملك فى جدية :
” المهم دلوقتى انتى ناوية على ايه ؟؟؟“
لمعت عينا ايلينا وتراجعت للخلف وهى تتنهد في عمق:
” كتيييير ”
ضيقت ملك عينيها تسألها في خبث:
” والكتير ده يا ترى ليه علاقة بيوسف ”
رفعت ايلينا حاجبيها وخفضتهما وكأنها تجيبها فى نفسها بل كله من اجل يوسف ..
من اجل ان ترد له كل صفعاته…
من اجل ان تؤدب نفسها على كل لحظة ندمت فيها على ما فعلته فى حقه …
هو يستحق كل ما أصابه واكثر
واصلت ملك وهى تتمعن بها أكثر تحاول سبر أغوارها:
” بصراحة يا ايلينا اللى انتى حكيتيلى عنه مستحيل يكون نفسه الانسان اللى كان بينهار عشانك الايام اللى فاتت ..مش جايز تكونى فعلا ظالماه ”
ضحكت في هم وهى تمرر يدها فى شعرها بعصبية:
” ظالماه ؟؟؟…بعد كل اللى حكتهولك يا ملك ظالماه ”
هزت ملك كتفيها تحاول أن تؤكد وجهة نظرها:
” هوا قالك انه مخانكيش بارادته وانها هيا …“
قاطعتها ايلينا وهي تلوح بكفها :
” انتى هتتكلمى زيه يا ملك ..هتتبرريله اللى هوا عمله عشان يثبتلي ان الظروف ممكن تجبر البني ادم انه يتنازل …لو كان قالى وقتها كان جايز اعذره لكن اكتشف بعد سنتين ان جوزى خانى واتجوز عشيقته وكمان عنده منها طفل ويطلب منى استوعب كل ده واصدق ان حياتى كلها اتقلبت عشان خدعة هوا وقع نفسه فيها بمزاجه ”
واضافت فى مرارة واضحة:
” ملك يوسف اخد منى احساسى بالامان ..خطف اخويا و…“
قاطعتها ملك في رفق:
” انتى عارفة انه مخطفوش وعلى نفسه اكدلك ه ”
ضربت ايلينا الوسادة بقبضتها هاتفة:
” مجرد انه يوهمنى انه عملها ..مجرد انه يخلى واحد يكلمنى ويساومنى على شرفى حتى لو بالكدب ..مجرد ما يكسرنى قدام نفسى تبقى جريمته مكتملة بالنسبالى يا ملك ”
واشاحت بوجهها وهى تغمض عينيها فى ضعف تخبرها بما يقتلها التفكير به :
” انتى مش عارفة يوسف بالنسبالى كان ايه …يوسف كان اول حب فى حياتى ..كنت بغمض عينى فى حضنه وانا مطمنة ورامية كل حمولى عليه ..وفجأة الاقيه اخد منى كل ده ..فجأة اهون عليه بالطريقة دى ”
لمعت دمعة بعيني ملك وكأن كلمات صديقتها الجديدة قد خرجت من قلبها الجريح بدوره ..قلبها الذي لازال يعاني من الم لاشفاء له :
” اهدى يا ايلينا ..اهدى ارجوكى …انا اسفة لو كان كلامى ضايقك ”
افلتت ايلينا نفسها من بين ذراعى ملك وابتسمت بصعوبة لتنحي هالة الحزن جانبا ولو للحظات :
” ملك هوا انا ممكن اطلب منك تساعدينى فى انى الاقى شغل مناسب ..اى شغل ..ومكان اعيش فيه غير بيتى القديم ..اى مكان حتى لو بسيط مش هيفرق ”
ربتت ملك على كتفها في دعم :
” موضوع الشغل متشيليش همه خالص ..اكيد انتى سمعتى عن مجموعة عزام ”
هزت ايلينا رأسها بالايجاب:
” اه طبعا دى اشهر من النار على العلم ”
شابكت ملك أناملها ببعضها :
” تبقا بتاعة بابا ..احمد عزام …وانا هكلمه يا ستى فى الموضوع ده متشيلش هم وبالنسبة للبيت برضه ليها حل بس ليه عايزة تسيبى بيتك ”
أطرقت ايلينا برأسها لتعبث في شرشف الفراش للحظات قبل ان تنظر الى ملك مطولا وتقول :
” ملك انا ممكن اطلب منك طلب وتوعدينى انك هتعمليه ”
قطبت ملك حاجبيها في جدية:
” لو فى مقدورى اوعدك طبعا ”
مالت اليها ايلينا في رجاء:
” اوعدينى ان يوسف البدرى ميعرفش اى حاجة لا عن شغلى ولا عن مكانى ”
نهضت ملك في دهشة .. ماالذي تنتويه تلك المجنونة:
” وليه ده كله ؟؟؟“
” اوعدينى وبس ياملك ”
ادرات ملك حدقتى عينيها فى تفكير قبل ان تتنهد في استسلام:
” اوعدك يا ايلينا ..ده شىء يخصك ..بس اعملى حسابك ان احنا كدة هنسافر اسكندرية لان اغلب شغل بابا هناك ”
ابتسمت ايلينا فى سعادة ، هذا ما تريده بالضبط لن يراها يوسف وهى على انكسارها هذا ابدا ، ستستعيد كل قوتها لتواجهه من جديد ..
تعرف انه سينبش الارض بحثا عنها وسيتألم لفراقها فهى لم تنكر انه لازال يحبها رغم كل شىء ..
لا تنكر ان مذاهبهما فى الحب شاذة عن المعروف ولكنه يبقا حبا فى النهاية حتى وان اختلف فى طريقته عن المعتاد ..
ورغم هذا فلن تغفر له ابدا هذا الانكسار والصدع الذى ألم بروحها …
ستعود لتظهر له من جديد بالوقت والطريقة التى تحددها ..والى هذا الحين فيلتجرع الام الفراق والندم حتى يكتفى .
*************************************
وقف زين فى شرفته يتنفس في عمق وهو ينظر الى السماء الصافية ليلا ويخرج من جيب سترته تلك الحلية الصغيرة التى انتزعها من شعرها منذ سنوات ..
قربها من أنفه وأخذ نفسا عميقا من رائحتها التى كانت رحيمة بحاله وظلت عالقة بها ..
لم تفارقه تلك الحلية ابدا ..
ينقلها من جيب سترة الى سترة أخرى..
يخشى ضياع اخر ما تبقى من حبيبته…
نعم حبيبته …
قد سأم المقاومة …
سأم المحاولة للتسليم بأمره لينتهى كل شىء ويخرجها من تفكيره ، ابتعد عنها كما وعدها وتركها لحياتها مع اخر وحاول أن يفعل المثل ففشل …
حاول أن يقنع بحياته مع سمر …
حاول ان يأخذ من عشقها الغريب له اى طاقة تدفعه لنسيان صوفيا او التسليم لحياته بدونها لتبوء كل محاولاته بالفشل..
فتح المجال لمن صدهن فى الماضي واعطاهن الفرصة ليقتربن من جديد ، حاول ان يلهي مشاعره بهن ليعيش مجرد حالة حب فقط فعجز…
كل ذرة من مشاعره ترفض ان يزاح عن كاهلها عشق صوفيا حتى وان ذاقت بسببها كل عذابات الدنيا …
سلم لقدره فى النهاية وتوقف عن المحاولة وأيقن انه سيظل يعشقها حتى وان كان من المحال حتى ألا يلمحها مجددا…
حتى وان كان سيظل يتعذب بهذا الحب مابقى له من عمر فليس له الان سوى ان يتعايش مع المه ان لم يكن منه شفاء..
لايصدق انه بالفعل قد استمع الى صوتها منذ أيام حتى وان كان طلبا للمساعدة…
تسللت نبراتها المحببة الى طريقها الذى تعرفه جيدا ولم تضله مهما مرت عليها السنوات ، الطريق سيظل واضحا امامها الى عمق قلبه …
تذكر وقتها كل مامر بهما من ذكريات..
بداية من اللقاء الأول ..
مرورا بعهدهما الذى نفضت يدها منه ولا يمكنه ان يلومها ابدا على هذا …
ونهاية بالوداع الاخير الذى عرفته فيه على زوجها لتضع نقطة النهاية التى يرفضها قلبه ضاربا كل اعتبارات الدنيا عرض الحائط…
استيقظ من افكاره على واقعه المزعج المتمثل فى ذراعي سمر تطوقان خصره بينما تريح رأسها بين كتفيه … قبض على الحلية فى يده وهو يزفر فى ضيق :
” سمر ..مش قادر لو سمحتى ”
ارخت ذراعيها على خصره ورفعت رأسها في بطء لتقف الى جواره قائلة فى غيظ حاولت كتمه :
” انت مش حكاية مش قادر ..انت بقالك كام يوم حتى لمسة ايدى مش طايقها ”
مسح وجهه بيده دون ان ينظر اليها فماذا بوسعه ان يقول ، لقد فقد القدرة فى تكذيب ما يراه حقيقة لامفر منها …
واصلت في مرارة وهى تحتضن نفسها:
” فيها ايه يا زين مش موجود فيا ؟؟..فيها ايه مخليك مشغول بيها لحد دلوقتى؟؟ …انت عارف انت قربت منى كام مرة طول السنين اللى فاتت ”
واضافت وهى تزمر شفتيها وتقول فى الم واضح بينما يتجنب هو النظر اليها:
” وكل مرة انا اللى كنت برغمك وبحاول اخليك تقرب بكل طريقة حتى لو كانت الطريقة انك تتخيلنى هيا ”
التفت لها فى حدة لم يحتمل ما قالته ليهتف بها فى غضب :
” سمر ”
ارتمت دون مقدمات بين ذراعيه وهى تتشبث فى ملابسه كأن قدميها لاوجود لهما وتأخذ من وجوده الدعم كى لا تسقط …مرغت وجهها فى صدره لتتمتم وهى على شفا الانهيار:
” زين انا بحبك ..ارجوك …ارجوك…لو عرفت بس انا بحبك اد ايه ..ارحمنى بقا يا زين ..ارحمني ”
اشفق عليها ولكن ما بيده وقد اخبرها من اللحظة الأولى بما تعرفه هى جيدا….
لم يعدها بانه سيحبها يوما وكيف يعد المرء بما ليس له عليه حكم ولا سلطان …هو لايملك لها سوى كثير من الشفقة وهي ترتجف بين ذراعيه فهي مثله تماما تتألم بحبها المستحيل …
كلاهما يحمل العذاب ذاته فهى بين ذراعي رجل يعشق طيفا لازال يعانى من سحره حتى الان ، تنهد فى عمق وهو يضمها اليه هامسا:
” خلاص يا سمر ..اهدي ”
ازداد ارتجافها وتشبثها به أكثر فحملها ليضعها على الفراش فى رفق وقبل أن ينهض من جوارها امسكت بكفه تتوسله :
“ارجوك يا زين ارجوك ما تسيبنيش ”
اقتربت منه ببطء وهو لم يرفضها وكعادتها دائما هى من تبدأ وهو اما يستجيب او يتزرع بألف حجة ، فان استجاب فهو يستدعى كل غريزته كرجل ليستطيع ان يأخذها كزوجة ، كان حملا ثقيلا على فؤاده يتهرب منه باستمرار ويشعره دوما بالخيانة ، هذا الشعور الغير منطقى الذى يلازمه وعبثا يحاول ان ينحيه جانبا …أغمض عينيه بينما كانت بين يديه وهمس فى حزن اعتادته منه دوما:
” صوفيا ”
وكأنها لاتهتم أن يتخيلها أخرى ..
كأن كرامتها لم تعد ذات قيمة …
كأنها تركت له الخيال ليعشق صوفيا فيه كما يشاء لتتلقى هي هذا العشق بين ذراعيها في الواقع ..
تتلقى حقها التي كادت أن تغتصبه منها تلك الشقراء اللعينة …
حقها التي قاتلت من أجله بحقارة لا تنكر ولكن لم يكن أمامها سبيل غيره ..وجود زين الدين في حياتها مسألة حياة أو موت وهي لاتريد الموت مطلقا …
هي تريد أن تحيا لتنعم بقربه فالحياة قد بدأت تمنحها الكثير فبعد أن عاش راهبا الى جوارها لثلاثة أعوام تمخض الحظ معطيا اياها فرصة لتصبح زوجته عن حق ..وهاهو يوما بعد الاخر يستسلم لقدره معها وربما جاءت اللحظة التي تتمكن فيه من طرد خيال تلك الشقراء العالق بباله هذا الى الأبد ..
*************************************
زهرة بيضاء شريدة في منتصف حوض مميز في حديقة منزل زياد مرررت الذكرى على ذهنها رغما عنها …
نبرات صوته تسللت الى أذنها مجددا :
“سمتها صوفيا …جمالها ميحتملش اي اسم تاني ”
أغمضت عينيها واقتربت في استسلام تشم عطرها …
فتحت عينيها فجأة وقد قفزت الذكرى الى الزهرة بدورها …
لم تشتم رائحتها بل شعرت برائحته هو..
ماذا حدث لها بحق الله ؟؟…
لقد ظنت انها تجاوزت كل شىء …
كيف عادت الى نقطة الصفر بمجرد مكالمة صغيرة استغاثت فيها به لينقذ ايلينا …
العقل والمنطق وكل شىء يخبرها انه لايستحق ..والقلب يعترض كالدوام غير عابىء بأحد …
حسنا فليعترض كما يحلو له فلم يعد هناك ارادة ستخضع له مطلقا فيكفي جدا ما حدث …
شعرت بمن يجذب بنطالها فنظرت الى الأسفل بابتسامة لتجد تلك الصغيرة المبهجة تفتح ذراعيها لها وتطلب منها أن تحملها ..
رفعتها وقبلت وجنتها وهي تقول :
“ديانا الجميلة ”
قطبت الصغيرة حاجبيها في تركيز واشارت باصبعها تجاه الوردة البيضاء …
ابتسمت صوفيا وهي تضمها اليها ؛
“ايه رأيك لو نسميها ديانا …جمالها ميحتملش …”
بترت عبارتها بسرعة …
الويل لها هل تردد عبارته دون وعي …
هل بلغ بها الخبل تلك الدرجة ؟؟
انزلت الصغيرة لتلتقط كفها وتبتعد بها عن المكان …
اجلستها على ارجوحة صغيرة وبدأت في هزها لتتعالى ضحكاتها في سعادة …
“يا بختك ديانا ”
انتبهت صوفيا على الصوت لتحيي الفتاة الرقيقة التى عقدت ساعديها تتابعهما :
“دارين ..ازيك ”
ابتسمت دارين في رقة :
“انا بخير …المهم انتي عاملة ايه …خلاص اتطمنتي على ايلينا ”
هزت صوفيا رأسها وهي تتمتم :
“الحمد لله ”
عضت دارين شفتها السفلى للحظات وهي تطرقع أصابعها في حيرة ..
ضيقت صوفيا عينيها وأنهت ترددها على الفور :
“دارين …انتي عايزة تقولي حاجة صح ”
حكت دارين جبينها بكفها تجيبها في توتر :
“بصراحة زياد كان عاوز يسألك عن ..”
توقفت صوفيا عما تفعله لتنظر الى دارين في صرامة :
“احنا ناقشنا الموضوع ده كتير دارين وانتو عارفين رأيي كويس فيه فليه كل شوية تضغطو عليا ”
“اللي هوا ايه رأيك يا صوفيا ؟؟؟”
التفت الاثنتان على صوته وقدومه المفاجىء الذي أربكهما …
اقترب من الصغيرة ورفعها من على الأرجوحة قبل أن يقبل وجنتها ويعطيها لدارين قائلا :
“خديها جوة يا دارين لو سمحتي ”
ضمت دارين الصغيرة وهي تبدل النظر بين وجهيهما في ترقب ليكرر زياد :
“دارين لو سمحتي ..”
قاطعته وهي تبدأ بالتحرك :
“حاضر ..حاضر ”
راقبهما زياد حتى اختفيا ليلتفت الى صوفيا يسألها وهو يضع يديه في جيب سترته :
“لحد امتى صوفيا ”
تشبثت صوفيا بأحد أعمدة الأرجوحة وضغطته بقوة ..فتحت ثغرها تبحث عن اجابة لم يسعفها بها عقلها ..
كرر سؤاله في لهجة تحمل حزما نوعا ما :
“امم.. مقولتليش صوفيا ؟؟”
أشاحت بوجهها لحظات عادت فيها اليه تخبره في حسم :
“زياد …انا مش هبدأ حياة جديدة والقديمة لسة متقفلتش ..مش هقولك ان الموضوع يخص صحتي لانك دكتور وعارف ان حالتي دلوقتي بقت احسن كتير بعد العلاج ..انا عاوزة الاقي نفسي يا زياد قبل اي حاجة تانية …انا بدأت طريق ولازم اكمله …خلاص بدأ يكون ليا هوية وكيان منفصل …بدأت اعرف انا مين …انا كنت ضعيفة تايهة ولما في لحظة افتكرت نفسي وصلت تهت اكتر …انا مش ههرب تاني يازياد …مش هتجوز الا لو كنت بقلبي وكياني للانسان اللي هتجوزه …مش هظلم حد معايا واخليه مجرد تجربة للنسيان …الظلم احساس صعب …جربته كتييييير وللاسف من الناس اللي بحبهم …احساس بيقتل وبيخليك تسأل نفسك طب ليه انا …ليه الحب يكون قصاده الوجع …احساس ميتوصفش وانا مش هخلي حد يجربه على ايدي انا ابدا”
تنهد في عمق وهو يقترب خطوة منها يخبرها في حنان:
“بس انتي من حقك يكون عندك حياة يا صوفيا …ممكن الحياة الجديدة دي تكون المخرج من كل اللي مريتي بيه …جايز لما يكون عندك عيلة واولاد تفكيرك يختلف ”
احتضنت نفسها بذراعيها قبل ان تهتز ابتسامة بائسة على شفتيها لتخبره :
“انت ناسي اني عمري ما جربت احساس العيلة من اصله يا زياد …انا اترميت في مدرسة داخلي من وانا عمري خمس سنين …سنين طويلة عشتها جواها وانا لاعارفة ليا دين ولا هوية ولا حتى اهل …كلمة اب وام بالنسبة لاي حد فيكو معناها كبير لكن بالنسبالي مجرد اتنين متكفلين بيا ماديا وبس …عمره ما حد فيهم خدني في حضنه او حتى حاول يعرف حاجة عني ”
أغمضت عينيها بقوة لتزدرد غصة مؤلمة حشرجت نبرتها :
“تعرف اني اوقات كتيرة كنت بغير منك انت وايلينا …لما كنا بنتقابل في المناسبات كان كل واحد فيكو وسط ابوه وامه وانا لوحدي …بس دلوقتي خلاص مش هيبقى هدفي ادور على حد يشاركني وحدتي ولا حد يرسملي حياتي زي ماهوا عايز …انا كبرت خلاص يا زياد ..كبرت اوي ”
“لسة بتحبيه ؟؟”
“الاجابة بتوجع ..الاجابة ظالمة للكل …ظالمة ليا وليها وحتى ليه هوا كمان …الاجابة مش هتغير حقيقة مهمة ..حقيقة ان زين لازم يخرج من حساباتي ”
مال اليها يسألها في ترقب :
“وعشان كدة كدبتي عليه ”
فركت كفيها ببعضهما للحظات لتهمس في حسم :
“لا…انا كدبت عليه عشان قاصدة اوجعه ..عشان تعبت اني طول الوقت انا اللي بحارب وبواجه وهوا بيستسلم ..استسلم لوعد ادتهوله وسابني تلات سنين …تلات سنين لولا وجودك جنبي فيها انت ودارين كان زماني انتهيت ..زين سابني عشان الظروف ورجعلي لما الظروف اتحلت …انا ولا مرة كنت في حياته الاختيار الاول…دايما كنت في الاخر …خلاص دلوقتي الوضع اتغير ومن النهاردة انا هكون الاختيار الاول في حياتي ”
*************************************

” كلكو تعتبرو نفسكو مرفودين …كلكو ..ماهو انتو مبتاخدوش شوية عشان لما اطلب منكو اعرف مكان حد لحد دلوقتى متعرفوش تجيبولي معلومة واحدة عنها .. الأرض انشقت وبلعتها ولا ايه ؟؟؟..وانتو كان لازمتكو ايه قدام المستشفى .. لبست طاقية الاخفا وهيا خارجة”
هتف يوسف بهذا الكلام فى غضب وهو فى غرفه مكتبه يتلقى أنباء فشلهم كالمعتاد في العثور على ايلينا بعد مغادرتها للمشفى دون علمهم ، حاول احد الرجال الدفاع عن موقفهم :
” يا فندم احنا مسبنهاش ولا لحظة اكيد هيا اتنكرت او خرجت من مكان سرى منعرفهوش ”
ابتسم يوسف فى تهكم وعلت نبرته الغاضبة أكثر:
” ده على اساس انكو بتشتغلو ايه …مش المفروض أي مكان بتراقبوه بتعرفو مداخله ومخارجه كويس ولا انتو من الاخر شوية هواة وملكوش فيها وواخدين سمعة على الفاضي ”
رد الرجل وهو يحاول كبح غيظه :
” حضرتك كلفتنا من الأول بحمايتها مش مراقبتها ودي تفرق عن دي ”
,كور يوسف قبضته وكز على أسنانه حتى كاد يحطمها حنقا:
” وكمان لكو عين تردو والله ل…“
وقطع جملته وهو ينظر تجاه الباب الذي فتحه أحدهم.. ابتسم للشاب الأنيق مفتول العضلات الذى دخل اليهم :
” جيت فى وقتك يا فارس باشا ”
تقدم فارس اليه فى بطء ووقف امامه لحظات قبل ان يلكمه فى فكه صارخا فيه بغضب:
” عملت ايه فى ايلينا يا يوسف يا بدري “

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثامن والعشرون

اخذت ايلينا ترصف الملابس فى الخزانة الخاصة بأخيها فى شقتهما الجديدة التى انتقلا اليها غير آبهة باعتراضاته المعتادة التي لم ينطق بها هذه المرة بل ظل ناكس الرأس..لم يتحسس الغرفة كعادته ليتعرف عليها بل جلس على طرف الفراش مطرقا في حزن …
خصام شقيقته كان قاسيا للغاية على قلبه فهي المرة الأولى التي تعاقبه بهذه الطريقة ..
تنفس فى عمق وهو يرفع رأسه قليلا:
” ايلينا ”
ردت وهي تواصل ما تفعله دون أن تنظر اليه:
” خير محتاج حاجة ؟؟؟“
هز رأسه فى الم وعاد لينكسها من جديد ..
التفتت اليه لترى تردده وحزنه ووحدته ..علي لا يعرف شخص فى هذه الدنيا سواها ..هي صديقته وأمه وأخته وجل أهله ..
خدعه يوسف واستغل برائته وحبه له ، هو فى النهاية مجرد طفل حتى وان كانت لديه قدرات تفوق من هم في عمره فهذا لا يعني أنه تخطى سنواته الاربعة عشر وأصبح بخبرة كهل يدرك من يستغله ومن يحبه عن حق …
قبضت كفها للحظات ..يكفي انها صفعته على وجهه لأول مرة في حياتها ..
رفع رأسه من جديد لترى دموعه تنحدر من تحت نظارته وهو يهمس بصوت متهدج:
” انا بحبك اوي يا ايلينا وعملت اللي عملته عشان كنت فاكر انكو ممكن ترجعو لبعض وانتي تخرجي من حزنك ..انا اسف والله مكنش قصدي ”
ازدردت ريقها في تأثر فدموع الصغير لم ترها منذ وفاة أبيه
نهض في ضعف يتحسس طريقه أمامه حتى وصل اليها ليحيط خصرها بذراعيه ويضمها اليه مواصلا:
” سامحينى بقا ..انا اسف خلاص ”
اغمضت عينيها وهي تشعر بارتجافه ودموعه التى أحرقت فؤادها فمالت لتقبل رأسه وتحتضنه بقوة وهي تقول في حنان :
” خلاص يا علي ”
شهق طويلا وهو يرفع رأسه اليها قليلا كأنه يراها بالفعل:
” يعنى خلاص سامحتينى ؟؟؟“
ابتسمت وهي تمسح على شعره البني الفاتح:
” ايوة بس توعدني انك متخبيش عني أي حاجة تانية ويوسف بالذات لو طلب منك أي حاجة او كلمك تيجي تقولي على طول مفهوم يا علي ؟؟“
ابتسم بين دموعه وهتف في سعادة :
” مفهوم ايلينا ”
*************************************
أربعة اشهر مرت وهو لا يعرف أي شىء عنها ..
لا يعرف أين ذهبت واختفت هكذا وكأن الارض ابتلعتها ولم تترك لها أثر يذكر ليدلها الى مكانها ….
لا يعرف أحد كيف غادرت المشفى ولماذا لم تعد الى منزلها ؟؟..
حتى علي الصغير لم يعد الى مدرسته هو الاخر ….
شك فى البداية فى هجرتهم الى باريس مجددا ولكن رجاله أخبروه بعدم حدوث ذلك بعد مراجعة كشوف السفر فى المطار …
شك فى أن يكون فؤاد قد الحق بهم أي أذى وبعد وضعه تحت المراقبه ليل نهار انتفت أي علاقة له بهم مطلقا …
هل تختار دائما العقاب الأكثر قسوة لقلبه وتذيقه اياه …
هي تعلم جيدا أن غيابها عن عينيه هو أكثر شىء لا يتحمله ..نعم سيطر عليه كل ندم العالم بعد ما فعله معها ..
بعد أن عايش كسرتها وصدمتها وخيبة أملها فيه …ولكن هو لم يقصد مطلقا ان يصل بها الى هذا الانهيار …
كل ما أراده ان تلتمس له العذر حين يضعها قيد الاضطرار…لم يتمخض ذهنه سوى عن تلك الفكرة التي أدرك حماقتها وهو يتلقى عقابه القاسي فراقا وكمدا ..
أو ربما أراد ان تنقذه من شعوره بالذنب وتحمل هذا الوزر الثقيل عنه ..
وزر موت امه وموت طفله الذى تمناه منها …
نظر الى جينا التي ترقد في هدوء على الفراش وتساءل لما لازال يحتفظ بها حتى الان ؟؟
هل لتبقى أمام عينيه طيلة الوقت تذكره بذنبه الشنيع؟ ام من اجل ولده ؟..
ابتسم وهو يردد في سخرية دحضت تماما هذا الاحتمال …ولده الذي لا تعطيه أدنى اهتمام بعد أن أوكلت مهمة العناية به الى مربية وهي بالكاد تعرف ملامح وجهه ..
تأملها من جديد…
تأمل شعرها الاشقر…
ملامحها المغوية ..
جسدها المنحوت باثارة …
لما لا يراها الا مجرد مسخا ؟؟…
ذنبا …
سببا لكل ما يعانيه فى حياته …
اهي هكذا بالفعل أم أنه أصبح يبحث عن أي سبب يعلق عليه اوزاره بعد أن كلت كتفاه من تحملها ؟؟
وهي بدورها قد توقفت عن الحديث عن المشاعر ..
ملت تماما من محاولاته البائسة للتقرب منه فهو لم يمسها فى حياته سوى تلك المرة التى غيبته بها عن العالم…
حتى بعد زواجها منه وطلاقه لايلينا حاول ان يتقرب منها فقط لافراغ غيظه من الثانية ففشل .. كان يشعر بالاشمئزاز بمجرد أن يشتم رائحتها ليسلم أخيرا انه رغم كل شىء لا يوجد انثى تؤثر به سوى حبيبته العنيدة ومن هذه اللحظة اصبح كل ما يربطه بجينا هو المال الذي تسرفه بسخاء ويعطيه لها ببذخ اكثر كأنه أجرها عن بقاءها الى جوار ولدها الذي لاتهتم به من الاساس رغم تعلق الطفل الشديد بها ، تنهد فى عمق وهو يخرج هاتفه يبحث عن اسم فارس وهو يتذكر ما حدث بينهما منذ فترة….
تلقى يوسف قبضة فارس بكفه وتفاداها فى مهارة ، نظر اليه فى غضب قبل أن يصرف الرجال بنظرة من عينه ، وحين اختلى به هتف في ثورة:
” انت اتجننت يا فارس!! ”
تعالت أنفاس فارس وعيناه تتسع في غضب مخيف :
” انت اللي واضح انك اتجننت ..انت ازاي تستغل واحد من رجالتي من ورايا وتخليه يعمل اللى يعمله ده مع ايلينا ”
تمعن به يوسف للحظات …
لا يتخيل أن هناك رجل ايا كان يضربه دفاعا عن ايلينا ، هو حصن ايلينا وحماها ولا يقبل ان يأخذ احد هذا الدور ابدا ولولا انه يعرف قصة فارس جيدا لسحقه الان سحقا لو شك مجرد شك بتحرك مشاعره نحوها
واصل فارس بعد أن مسح وجهه في محاولة بائسة للتحكم في أعصابه :
“شوف يا يوسف… احنا اصحاب من زمان وانا وافقتك وكملت فى اللي أنت عايزه بس عشان صداقتنا ..لما جيتلي بعد ما طلقت مراتك وقولتلي انك عايز تساعدها وتحميها من غير ما تحس أنا وافقتك ..وافقتك كمان لما رفضت أي حد من رجالتي يقوم بالمهمة وخلتني انا صاحب شركة الأمن نفسها اللي اقوم بيها لانك مش قادر تثق فى حد غيري ..وافقتك على جنونك حتى لما خلتني اروح اقولها اني عايز اتجوزها بس عشان سيادتك تعرف اذا كانت لسة بتحبك ولا لأ ولما تعرف تعمل كدة يا يوسف ؟؟”
تنهد يوسف وهو يجلس في هدوء .. تلك اللهجة الحارقة التي يحدثه بها يعرف جيدا ما سببها .. قصة فارس القديمة التي تشبه تلك القصة…
حبيبته التي تشبه في طباعها طباع ايلينا …كور قبضته عند تلك النقطة من تفكيره ليميل الى فارس ينتشله من اعتقاده هذا :
” ايلينا مش فريدة يا فارس ..خليك فاكر ده كويس ”
ازدرد فارس ريقه وهو يجلس بدوره في تهالك على كرسيه ..فرك جبينه للحظات يحاول أن يتجاوز شريط الذكريات السريع الذي هاجم خياله ليهمس باحدى مبرراته في ضعف :
” بس انسانة وثقت فيا ومش أنا اللي أخذل حد وثق فيا أبدا حتى لو كان عشانك يا يوسف ”
ضرب يوسف المكتب بقبضته يمنعه من مواصلة مهاتراته تلك ..يمنعه من مواجهته بايذائه لحبيبته:
”فارس افهم ..ايلينا دى تبقى مراتي أنا مسئوليتي أنا محدش في الدنيا يخاف عليها ويحبها قدي ”
ابتسم فارس فى تهكم وهو يشيح بوجهه بعيدا:
” اومال لو كنت بتكرهها كنت عملت فيها ايه ….للأسف يا يوسف أنت خسرتها باللي انت عملته ده ”
نهض يوسف في بطء …تمشى بهدوء حتى وصل الى النافذة …تنهد في عمق قبل أن يتهدج صوته وهو يخبر صديقه فى حزن :
” محدش فيكو هيقدر يفهم انا عملت كدة ليه ”
أسبل جفنيه للحظة ازدرد فيها لعابه بصعوبة قبل أن يلتفت مجددا الى فارس ويقول في جدية وهو يشبك كفيه خلف ظهره :
” على كل مش موضوعنا …أنا عاوز أعرف هيا راحت فين ودي مهمتك أنت يا فارس ”
نهض فارس وقال بعد ان تأمله للحظات :
” حبك غريب يا صاحبي ..أي حد يفكر بس يقرب منها بتنسفه وفى نفس الوقت تعمل اللى عملته ده معاها !!”
ابتسم يوسف وهو يلتفت للنافذة مجددا ليجيبه في تأثر واضح :
” انا بس ألاقيها وهصلح كل حاجة …دور يا فارس مرة واتنين وعشرة أنا مش بثق فى حد قدك ”
وبالفعل مرت أربعة اشهر دون ان يعرف اى شىء عنها …
كلف فارس وغيره بالبحث عنها دون جدوى ، عاد من شروده فجأة وذهنه يتفتق عن فكرة ما ..
أدار رقم فارس وحين جاءه صوته سأله مباشرة :
” فارس… أخبار منصور التهامي ايه ؟؟؟“
تأفف فارس في ملل:
” أنا مش عارف شاغل دماغك بيه ليه ..واحد خرج من السجن من كام سنة وحاليا مدمن مخدرات ومفيهوش حيل يمشى خطوتين على بعض ايه اللى يهمك فى حاجة زى دي ”
رد يوسف بسرعة وصرامة :
” أنا عاوز اخباره كلها تكون عندي باستمرار ومن غير مناقشة فاهمني ”
*****************************************
اخذت تدق على حاسوبها فى انتظام وتركيز واضحين وهي تدون بعض الأشياء في ورقة الى جوارها قبل ان تلوي فمها بانزعاج واضح وهي تتمتم فى حنق:
” زي ما اتوقعت ”
ستة أشهر مرت على عملها في مجموعة عزام ، عرفتها ملك على أبيها احمد عزام ..
ذلك الرجل الذى يحمل من الهيبة والوقار بالقدر الذى يحمله من الطيبة والحنان ..
اخبرته بقصتها كاملة فتعاطف معها فرفضت أن يأخذ هذا التعاطف دوره في العمل..هي لم تخبره من أجل هذا بل أرادت أن تكون كتابا مفتوحا من البداية لمن سيستأمنها على عمله وماله ..
أصرت أن تخضع الى فترة اختبار قبل أن تستلم عملها بشكل رسمي وبالفعل أذهلته ففي أقل من شهرين اصبحت مديرة لمكتبه وكالعادة ايلينا اضافة حقيقية قوية لأي مكان تعمل به .
اتخذت احتياطها جيدا حتى لا يعرف يوسف مكانها ..المصادفة ساعدتها في البداية فمقر المجموعة فى الاسكندرية وليس القاهرةو ليست للمجموعة أي صلة او تعاملات تذكر مع مجموعة البدرى ..والخطوة الأخيرة هو تحريف اسمها قليلا لتختار اسم الدلال الذى كانت تناديه بها ملك ليكون اسما رسميا يعرفه الجميع بها وهو ” ايلا ”
جمعت ما دونته وذهبت به الى أحمد ..
طرقت مكتبه في رفق فأذن لها بالدخول ، ابتسم حين رآها فاقتربت لتضع الاوراق على مكتبه قائلة في جدية :
” انا عاوزة حضرتك فى موضوع مهم ”
وضع أحمد القلم الذى بيده فى حاوية الاقلام وهو يعقد حاجبيه فى اهتمام :
” خير يا ايلينا …موضوع ايه ؟؟؟“
عضت ايلينا على شفتها فى حيرة فالأمر برمته محير حقا فتنهد أحمد في فضول :
” ها يا يا ايلينا قولي أنا سامعك ”
رفعت رأسها تخبره في سرعة شديدة حتى لا تدع فرصة للتراجع :
” بصراحة يا فندم اللي حسبته لقيته ..فيه تلاعب فى الحسابات بتاعة المجموعة وخاصة اللي تحت ايدين أسامة بيه ”
اطرق احمد برأسه للحظات دون أن يعلق فألقت رأسها الى كتفها الايمن وهي تنظر له فى دهشة فلم يبدو عليه الصدمة مطلقا وهي تخبره أن اخيه الذى يعمل فى خيره يسرق امواله ..
تنحنحت وسألته في حيرة :
” أحمد بيه هوا ليه حاسة ان حضرتك متفاجئتش ”
رفع أحمد رأسه بابتسامة متعبه وهو يقول :
”لا ..كنت متوقع …“
وتراجع فى كرسيه يطالعها في اعجاب :
” اللي أذهلنى بجد هوا شطارتك انتي يا ايلا ….بجد كل يوم بتثبتيلي ان ملك قدمتلي هدية حقيقية ”
ابتسمت في خجل لم يطغى على حيرتها التي كان لها النصيب الأكبر في امر هذا الرجل ..
هل هذا كل ما يشغله ؟؟؟
ماذا عن خيانة اخيه وسرقته له؟؟
رفعت رأسها من جديد تحاول أن ترضي فضولها :
” طب ازاى يعني حضرتك شاكك فيه ومع ذلك بتشغله هوا ملوش أي رأس مال فى المجموعة واللي اسمعه أن ضيع فلوسه من زمان اوي ”
شبك احمد اصابعه وهو يوضح لها في بساطة أغاظتها:
” اسامة يبقا اخويا فى الأخر.. بعد ما خسر فلوسه انا جبته هنا وشغلته وبقا للأسف معاه كل اسرار شغلى ..انا كنت شاكك من فترة انه بيسرق من ورايا بس طبعا مينفعش بعد ما تبقى معاه كل اسرار الشغل انى ارفده لأنه ساعتها هيفكر ينتقم وهنبقا احنا الخسرانين ”
زفرت ايلينا فى ضيق من مبرراته تلك وأعدتها سلبية الى حد كبير :
” يعنى حضرتك هتسيهاله كدة ينهب زى ماهوا عايز ”
نهض احمد فى بطء ينفي ما ظهر واضحا في نبراتها عن اتهامه بالعجز عن المواجهة:
” بمزاجى يا ايلينا ..فى الوقت المناسب هنحل كل حاجة ”
عضت على شفتها لتتجاوز الأمر وهي تنظر الى ورقة اخرى :
” الغريبة بقا هوا خالد ابنه ..كل حساباته مظبوطة والمصنع اللى بيديره من انجح مصانع المجموعة ”
هز احمد رأسه مصدقا على حديثها :
” ده حقيقى ..خالد غير ابوه تماما ..ونفسى ملك فعلا تفكر فى موضوع جوازها منه بشكل عملى اكتر ”
شردت ايلينا بعينيها قليلا :
” ملك خايفة ..اكيد حضرتك عارف ان تجربتها الاولى افقدتها الثقة فى حاجات كتير ”
وقبل أن يرد احمد تفاجىء بمن يفتح الباب ويدلف الى المكان في عنف وهو يتجه مباشرة الى ايلينا صائحا في غضب:
” انتى فاكرة نفسك مين ؟؟؟بأي حق تاخدى كل الحسابات وتراجعيها ”
أوقفه احمد في حدة:
” اسامة كلامك معايا انا ….انا اللى طلبت منها ده ”
تطلع أسامة اليها في غيظ وهي ترمقه في ظفر واضح وتحد كأنها تخبره بعدم اكتراث شعرة واحدة من جسدها بما يفعله ..زفر في ضيق وهو يلتفت الى أخيه: ” بأى صفة ان شاء الله دي مجرد سكرتيرة ”
مسح احمد وجهه ليهدأ :
” انت عارف ان ايلا اكتر من مجرد سكرتيرة دي.. ”
قاطعه اسامة وهو يبسط كفيه متهكما فى وقاحة:
” اه طبعا عارف انها اكتر من سكرتيرة ”
واضاف في استهزاء وهو ينظر اليها مجددا :
” اكتر بكتير ”
فهم احمد وايلينا مارمى اليه أسامة وقبل ان ترد سارع احمد بالرد نيابة عنها:
” تلميحاتك السخيفة دى مش هقبل بيها يا اسامة ..انت فاهم ولا لا …واياك تدخل هنا تانى بدون استئذان انت فاهم ”
ضحك اسامة باستفزاز وهو يضع يديه في جيبه:
” اعمل ايه بس ما كل مرة باجى بلاقيها جوة معاك ”
هتف به احمد في غضب:
” اسامة ”
هز اسامة كتفيه فى لامبالاة :
” خلاص خلاص انا ماشى ”
ونظر الى ايلينا فى شماته وهو يرى امارات الغضب على وجهها كأنه يخبرها انه وجد الطريقة المثلى للنيل منها ، وبمجرد ان اغلق الباب التفت احمد الى ايلينا قائلا في أسف:
” متزعليش يا ايلينا هوا لما بيتزنق بيقول اى كلام ”
ابتسمت ورفعت رأسها فى شموخ معتاد:
” يقول اللى يقوله هوا يعنى الكلام بفلوس ”
ضحك احمد من ثقتها التي تذهله دوما:
” يلا اديكى قولتى ”
وتأملها لحظات قبل ان يقول:
” ايلينا انتى عارفة انك عندى زى ملك بالظبط ”
هزت رأسها بسرعة قائلة:
” عارفة يا فندم ومش هنسى وقوفكو جنبى ابدا ”
ابتسم قبل أن يزمر شفتيه ليقاوم تردده ويخرج جملته أخيرا:
” طيب ده هيشجعنى اطلب منك طلب غريب شوية ”
*************************************
هبط من سيارته بوقاره المعتاد ..
اغلق بابها وقبل ان يغادر المكان توقف فجأه ..
اتسعت عيناه ليمكنه احتواء المشهد أمامه ..
رفع نظارته في حنق ليمكنه الرؤية بوضوح أكثر ..
لم يمكنه بالفعل أن يحدد ماهية شعوره وهو يراها تهبط من سيارة أحد موظفيه ..
أهو غاضب ام ساخط أم يشعر بالغيرة ..
لا ..
أي غيرة !!
الغيرة عشق وقد كفر بكل ما يرتبط به منذ زمن ..
استحضر مشهد خياتتها البعيد ليبرر ما يشعر به ..
هو استعادة لألم سابق ليس اكثر ..
ألم لن يبرأ منه بسهولة ولكنه يحتاجه ليحفظ كرامته ..
تنهد في عمق وهو يحاول ان يرخي عضلات وجهه المنقبضة قليلا بينما يتقدم اليه الاثنان بابتسامة روتينية بسيطة بادلها اياهما في استسلام ..
“صباح الخير باشمهندس حسام ”
قالها الشاب في هدوء ليجيبه حسام بهدوء اقرب الى البرود :
“صباح الخير يا هاني ”
وانحرف بنظراته اليها ليخبرها وهو يرفع حاجبه :
“صباح الخير يا ايتن ”
هزت ايتن رأسها :
“صباح الخير ”
عقد ذراعيه خلف ظهره قبل ان يسألهما :
“انتو جاييين مع بعض ولا ايه ؟؟”
رد الشاب في بساطة :
“لا اصل ايتن كان..”
وقطع جملته صوت رنين هاتفه فابتسم حسام قائلا :
“طيب اتفضل انت رد على تليفونك واطلع شغلك ”
هز الشاب كتفيه قائلا :
“طيب تمام ”
وابتسم لايتن مضيفا :
“هتطلعي يا ايتن ولا …”
قاطعه حسام في حدة :
“اطلع شغلك يا باشمهندس وسيب ايتن عشان عاوزها ”
عقد الشاب حاجبيه في تساؤل وجهه لايتن التى ابتسمت في بساطة :
“طيب اطلع يا هاني وانا هحصلك ”
راقبه حسام حتى اختفى ليلتفت اليها ..
نظر اليها لحظات كأنه ينتظر منها ان تبرر..
التزمت الصمت بدورها..
نظراته المتهمة لها على الدوام واضحة وقد سأمت الدفاع عن نفسها بداع او بدون …
مسح وجهه بيده وسألها في حنق واضح :
“ايه اللي بيحصل ده بقا ان شاء الله؟؟ ”
ضيقت عينيها في تعجب :
“قصدك ايه ؟؟..مش فاهمة ؟؟”
احتد عليها تاركا العنان لغضبه المختزن :
” هوا انتي ايه!!!.. استهتارك ده ملوش اخر ؟؟..اي حد تركبي معاه عربيته …وياترى دي اول مرة ولا الهانم متعودة ”
“باشمهندس حسام ”
هتفت في صرامة لم يعتدها منها مطلقا ..
صرامة اصابته بالدهشة فألجمته عن مواصلة ما بدأه ..
كل ما اعتاده منها طيلة السنوات الماضية هو محاولاتها لترضيته ويبدو انها ملت فأرادت ان تبحث عن مستقبلها مع اخر ..
قطبت حاجبيها مواصلة في غضب :
“انا مش مستهترة ..لو بصفتك مديري في الشغل فحضرتك عارف اني ابعد ما يكون عن الاستهتار …انا مغلطتش غلطة واحدة بالعكس انت بنفسك عينتني مديرة للحسابات لما شفت كفائتي …اما بقا حياتي الشخصية فمعتقدتش انها تخص ادارة الشركة في حاجة”
قاطعها وهو يشير بسبابته :
“متخصش الشركة ..بس تخص سمعة صاحب الشركة اللي هو ابن عمك يا استاذة …ده غير اني مش ناقص غلطة جديدة ليكي ..وقتها هواجه ابوكي واخواتك ازاي وهما فاكرين انك هنا تحت عيني ”
عضت على شفتها في الم..
يصر على التلويح بخطأها في كل وقت ..
يصر دوما ان يكرر على مسامعها ذنبها الذي ارتكبته في لحظة طيش ..
كأنه يعيرها ويخلع عنها كل تلك السنوات التي غيرت فيها الكثير ليحصرها في تلك الصورة التي تحاول أن تتناساها
ألم يجتازها واختار حياته ؟؟
ماذا يريد منها اذن ؟؟
لقد احبت العمل في المكان ..
أحبت نجاحها وتميزها يوما عن يوم ..
أحبت تدرجها في الوظيفة بناءا على كفاءتها لا على أنها ابنة صاحب المال..
لم يخطر ببالها ان تترك العمل مع حسام لتنتقل الى مجموعة ابيها ولكن يبدو أنه سيجبرها على ذلك …
“سكتي ليه ؟؟؟”
انتشلها صوته من أفكارها فأشاحت بنظراتها بعيدا عنه وهي تجيبه :
“لو فاكر اني هقعد ابرر زي كل مرة تبقى غلطان …لو مصدق حاجة عني صدقها …انا خلاص تعبت ..انا مفيش حاجة بيني وبينه …ده الله يخصك يا ابن عمي ولولا ان عربيتي عطلت في الطريق وهوا عدى عليا صدفة مكنش هييجي بالي من اصله اني استعين بيه …ولو انت شايف اني مستهترة وخايف تشيل مسئوليتي فعنك انا مرضهالكش …تقدر تعتبرني مستقيلة من دلوقتي ”
تنهد في عمق وأمسك بذراعها حين همت أن تذهب ..
نظرت الى كفه في استياء فرفعه وهو يخبرها :
“انا اسف اتعصبت عليكي من غير داعي انا عارف ”
وأضاف بصعوبة :
“انا مقدرش انكر انك …”
اوقفته بكفها :
“حسااام …انا تعبت …سامعني …تعبت …”
وأضافت في جدية متخلصة من حشرجة الألم في نبرتها :
“انا في حاجات كتير لازم اظبطها مع قسم الحسابات قبل ما امشي …وياريت تدور على مين ياخد مكاني علشان افهمه الشغل ماشي ازاي قبل ما اسيبه ”
وتراجعت خطوة للخلف :
“بعد اذنك ”
راقبها وهي تختفي من امامه …
ضرب السيارة بكفه في عنف …
من أي شىء هو غاضب الان؟؟ ..
هل يخشى من الاجابة ؟؟
هل يخشى أن يجد التفسير ؟؟
لا والف لا ..
العقل سيعطيه مفتاح القرار حتى النهاية …
والعقل اختار نور ولن يحيد عن قراره مطلقا …
لا وقت للحب ..
لاطاقة للحب ..
لا مشاعر بامكانها ان تتحمل عذاباته من جديد ..
ومن بعيد انحدرت دمعتان من عينين تابعتا المشهد من أوله ..
عينان تفهمتا الموقف بشكله الصحيح ليدرك القلب ان الفرصة قد انتهت بل لم يكن هناك داع لوجودها من الاساس ..
حسام عاشق تكابره كرامته في العفو عن ذنب اقترفته ايتن ليرفض حبها المطعم بندم سنوات مرة بعد مرة ..
ولكن العشق اقوى من المكابرة ويوما ما سيرضخ الكيان كله له وتكون هي مجرد عقبة ..
هل تنتظر ان تكون في هذا الدور ؟؟
لا وألف لا ..
انتهى الاختبار الذي خضع له الجميع ولم يعد بمقدور الزمن أن يعطي وقت اضافي فالنتيجة قد أعلنت…
لم ينجح أحد …
********************************

” يا فندم اللى حضرتك بتطلبه ده صعب جدا ..انا اسفة” هتفت بها ايلينا وهى تهم بالخروج تاركة المكان فنهض احمد يستوقفها في هدوء:
” ممكن تقعدى وتسمعى للاخر وتبطلى استعجال ”
عقدت ساعديها امامها فى ترقب لما سيقوله فواصل :
” الجواز ده هيبقى مجرد ورقة يا ايلينا وتأكدى انى لو رجعت من رحلة العلاج دى عايش اول حاجة هعملها انى هرجع كل حاجة لأصلها ”
قطبت حاجبيها فى حيرة فأشار لها بالجلوس :
” اقعدى يا ايلا خلينا نعرف نتكلم ”
جلست فى بطء محاولة استيعاب هذا الجنون ..
نعم فكلمة زواج بعد يوسف رغم كل ما حدث بينهما لا تعنى سوى هذا …
ماحدث ماهو الا رد فعل طبيعى بااللاوعي ، جلس احمد مقابلا لها وهو يردف في هدوء:
” انتى عارفة انك بالنسبالى زى ملك بالظبط لكن اديكى سمعتى اسامة من شوية وتلميحاته الوقحة ”
ومال الى الامام ليوضح أكثر :
” المرض يا ايلينا كل يوم بيتمكن منى وملك كل يوم بتضغط عليا اكتر عشان اسافر ومكنش ينفع اسافر واسيب كل حاجة فى ايدين اسامة او اى حد ..لكن واحدة زيك بذكائك وحنكتك اسلمها روحى وانا مطمن ”
لوحت بكفيها فى تذبذب :
” انا ممكن اعمل كل ده يا احمد بيه ..مش فاهمة بس الجواز هنا لزمته ايه ؟؟؟“
” لزمته ان احنا هنمنع اى كلمة سخيفة وملهاش لزمة ممكن تتقال ..لزمته ان لو جرالى حاجة ”
وقبل ان تقاطعه اوقفها بكفه ليواصل :
” هيكون ليكى صفة رسمية تخلى ملك تعملك توكيل بالادارة وكمان هيكون ليكى الوصايا على مازن اخوها ويارا لحد ما يكبرو ومازن يقدر يدير كل حاجة ”
نهضت في بطء وهى تفرك يدها فى توتر فنهض احمد امامها مواصلا:
” انا مش بس بوصيكى ع الشغل يا ايلينا انا بوصيكى على ولادى ..ملك متعرفش اى حاجة فى شغل المجموعة وممكن كل حاجة تضيع وحقها وحق اخواتها يتنهب ..وخلى بالك وجود مازن هوا اللى مانع الورث عن عمه اسامه وممكن بسهولة ”
وضغط على شفتيه فى الم فواصلت ايلينا الحديث عنه وهى تضيق عينيها فى حذر:
” قصدك انه ممكن يأذيه ….يأذى طفل صغير وكمان ابن اخوه ”
شرد بعينيه وهو يجيبها فى أسى:
” الطمع يعمل اكتر من كدة يا ايلينا للاسف ”
تنحنح ليجلي صوته الجاد وعاد ينظر اليها :
” المهم انتى حاليا مش مجبرة على حاجة ..بس لو وافقتى يبقى عملتى فيا معروف مش هنسهولك ابدا ”
مسحت وجهها بكفها وسألته في ترقب:
” هيا ملك تعرف بعرضك ده ؟؟؟“
هز احمد رأسه بالايجاب:
” قولتلها امبارح وتفهمت كل حاجة ..وخاصة انه الحل الوحيد قدامها عشان اسافر ”
برمت ايلينا شفتيها في تفكير:
” بس يا فندم دى مسئولية كبيرة و..“
قاطعها احمد في حسم :
” انا عارف انك قدها ”
التفتت اليه ، هذا الرجل الذى وقف الى جواررها فى ازمتها هو وابنته فكانا عوضا لها عن الاهل ..
تذكرت كيف اودع كل ثقته فيها وساندها لتستعيد نفسها من جديد..
ساعدها لتسترد ايلينا القديمة قبل ان يحطمها يوسف البدرى ..
رأت الخطر بالفعل محدق بالجميع وهى بيدها ان تدفع كل ذلك عنهم ..
ان تدفع احمد ليسافر لتلقى العلاج وان تحمى ملك واخويها من اسامة وامثاله .
هي تثق فى احمد عزام ثقة عمياء ..
تثق انه لن يجبرها على اى وضع …
لاحت صورة يوسف البدرى امامها لتبرق عيناها بوميض غريب فربما كانت تلك هى ضربتها الاولى …
هو لن يعرف ان كان هذا الزواج صوريا ام حقيقيا فقط سيعرف انها اقترنت برجل غيره اصبح له الحق فى جسدها وروحها ولخياله ان يرسم لهما كل المشاهد الموجعه لقلب عاشق بتملك كقلبه ، استيقظت على صوت احمد في انتظار اجابتها:
” ها يا ايلينا ؟؟“
ابتسمت ابتسامة واسعة وهي تجيبه:
” موافقة يا احمد بيه ”

رواية مذاق العشق المر

الفصل التاسع والعشرون

ترجل يوسف من سيارته وأغلقها في هدوء بينما يدلك عنقه فى ارهاق ..
تنهد بابتسامة حالمة وهو ينظر الى المنزل الصغير بحديقة القصر والذي اقامت فيه ايلينا قبل زواجهما .. دون وعى منه اخذه الحنين اليه فسحبته قدماه دون ادنى اعتراض منهما …
هنا اعترف كلاهما بحبه للاخر ..
هنا اخذها بين ذراعيه لأول مرة ليتواعدا على الحب والبقاء معا الى النهاية…
ارتمى على الأريكة وهو يتذكر هذا المشهد البعيد الذى بكت فيه بين يديه وهو يعترف لها بحبه ويحضها هى الاخرى على الاعتراف بمشاعرها …
شبك انامله وهو يتذكر كيف ضمها اليه بكل حنان العالم واخذ اول جرعاته من عبقها الذى ادمنه بعد ذلك ولازال يعانى من اعراض انسحابه …
اين ذهبت ؟؟..
لماذا تختار دائما العقاب الاكثر قسوة على قلبه ؟ الفراق ..
اخرج هاتفه ليطالع عدة صور جمعتهما سويا ليشعر ان تلك السنوات التى مرت وكأنها لم تمر …
لا يعرف كيف ولكن لديه يقين انه سيفتح عينيه ذات يوم ليجدها نائمة الى جواره متناسيين معا كل ما حدث ، رن هاتفه برقم غير مدرج على جهات الاتصال لديه ففتح المكالمة ولم يصدق ما سمع ..
أهو حقا صوتها ؟ام ان خياله قد وصل به حد الجنون فأصبح يهذى بها فى يقظته مثلما لاتفارق احلامه ..
هتف بكل لوعة وشوق وترقب:
” ايلينا ”
جاءه صوتها الذى حاولت اضفاء التماسك عليه :
” ازيك يا يوسف ”
نهض من مكانه وهتف فى الم:
” مش كويس ابدا ..انتى فين ايلينا ؟؟“
لم تبال به وهي تقول في نشوى واضحة:
” مش هتباركلي ..انا اتجوزت ”
وكأن العالم كله قد توقف فى تلك اللحظة..
وكأن حواسه بأكملها قد تحولت فقط لحاسة السمع …
هي تكذب او تهذي أو …
قبض على الهاتف بقوة يتمتم في صدمة:
” انتى قولتى ايه ؟؟”
عادت لتكرر جملتها:
” اتج…“
قاطعها فى حدة..
يكفيه أول حروف الكلمة ليدرك أن سمعه لم يخونه …ليس في حاجة لتلوث سمعه بالجملة كاملة :
” انتى بتقولى ايه ؟؟؟…انتى كدابة …ازاى تتجوزى حد تانى وانتي مراتي ”
ردت فى برود :
”فوق من أوهامك دي بقا .. انا طليقتك مش مراتك …انا دلوقتى بقيت على ذمة راجل تانى ”
وضع يده على صدره ومال الى الامام وهو يشعر ان انفاسه تؤلمه …
يشعر أن الهواء قد اصبح أنصال حادة تمزق صدره ..هتف بأكبر قدر من قوة متبقية لديه :
” هقتلك يا ايلينا ..لو فعلا عملتيها هقتلك ”
اغلقت الخط فتهالك على مقعد قريب وقد تعرق بشدة وكأنه لتوه قد انهى مباراة للمصارعة الحرة ..
فك رباط عنقه بيده المرتعدة وهو يحاول التنفس بينما يعيد الاتصال بهذا الرقم من جديد ليجده مغلقا..
عاود الكرة مرات والنتيجة نفسها …
ألقى الهاتف أرضا بقوة محطما اياه الى اشلاء كأنه يعاقبه على تلك السموم التى نقلها الى اذنه ، مسح وجهه وهو يردد فى صدمة:
” مستحيل ..مستحيل …دى بتكدب عليا ..مستحيل تقدر تسلم نفسها لراجل تانى …ايلينا متعملش فيا كدة”
امسك جبينه بسبابته وابهامه وهو يترنح كالطائر الذبيح متخيلا اياها بين ذراعى رجل اخر …
لا لن يحدث …
لا يمكنها ان تسمح لغيره ان يشم عبيرها او ان تداعب اصابعه شعرها الغجرى ..
لا يمكنها ان تريح رأسها على صدر رجل اخر وتنام على صوت دقات قلب ليس بقلبه ..
ارتمى ارضا وهو يفكر هل بالفعل ارادت عقابه هذه المرة بتلك القسوة ؟؟؟
يعرف انه الموت بعينه لكليهما فهل بلغ بها الانتقام ذروته لتقتل نفسها من أجل أن تؤذيه ..
تأوه بصرخة عالية وهو ينهض مجددا بينما تدق كل معاول العالم رأسه …
أمسك جبينه بسبابته وابهامه وضغطه بقوة ..
هز رأسه بعنف واتجه الى الحائط ليطرقه به عدة مرات ربما يهون هذا قليلا من المه او يسلو به عنه ..
لم يشعر بعدها بشيء …
ارتمى على أريكة قريبة ولم يعرف بعدها كم مر من الوقت …
شعر بأنامل رقيقة تتحرك على وجنته …
لاحت الذكرى القديمة في عقله …حينما غضب منها وجاءت تطلب رضاه …هاهي قد عادت مجددا اليه …كان يعرف انها تمزح ولن تفعل بهما هذا أبدا …
تمتم في ضعف وهو يمد كفه يحتضتن أناملها :
“ايلينا ..حبيبتي ..عارف انك مكنتيش هتعملي فيا كدة ابدا …ايلينا ..”
وقطعت أبغض رائحة على فؤاده الحديث …
رائحة عطر من ابهظ عطور باريس ثمنا وأكثرهم شهرة ولكن اختلاطه برائحتها يصيبه بالاختناق …
فتح عينيه فجأة ولايدري من اين جاء بتلك القوة لينهض واقفا من جديد وهو يهتف :
“انتي !!..انتي بتعملي ايه هنا …ايه اللي جابك ”
ارتبكت جينا قليلا وتراجعت للخلف ..
لقد لمحته وهو يدخل المكان …راقبته واستمعت الى صرخاته ..ظنت الفرصة مناسبة هذه المرة ..عادت الى غرفتها وتزينت كأجمل ما يكون ليجد السلوى بين ذراعيها من صدمته في حبيبته المصون …
“أنا …لقيتك اتأخرت قلقت عليك ..جيت ادور عليك هنا ”
أغمض عينيه بقوة يكافح ألمه حين تذكر يوم غيبته تلك الملعونة عن الوعي ليستيقظ ويجد نفسه في فراشها..
اقتربت منه في بطء …
مدت يدها في تردد الى عنقه بينما عبثت يدها الأخرى في أحد أزرار قميصه وهي تضع كل انوثتها في همسة مغوية :
“يوسف ”
فتح عينيه لتتراجع فزعا فما تحتويه تلك الحدقتين كافيا باحراق العالم بمن فيه ..
امسك ذراعها بقوة ليدفعها الى الباب بعنف وهو يهتف في تهديد :
“المكان ده رجلك متخطيهوش تاني ….انتي فاهمة !!!”
وضعت كلتا يديها على صدرها لتهتف في عنف بدورها ..ترفض اهانته بالرفض مرة بعد أخرى :
“المكان ده ماادخلوش …جناحك في القصر معاها ما ادخلوش …اي مكان جمعك بيها مينفعش ادخله مش كدة !!!”
كز على أسنانه بقوة وكاد ان يصرخ بها …
نعم يرفض ان يدنس أي ذكرى جمعته بحبيبته ..
يرفض رائحتها ان تلوث أي مكان لازال يحمل بين طياته عشقه المقدس …
ضربت الباب بقبضتها وهي تواصل:
“انت عايش في وهم …هيا سابتك خلاص وعاشت حياتها …اقبل انت كمان حياتك معايا ”
تأملها لحظات قبل ان ينفجر في الضحك …
ضحك طويلا حتى دمعت عيناه ..
ضرب كفيه ببعضهما وقال بصوت متقطع :
“حياة معاكي انتي !!!”
وخفت ضحكاته فجأة وهو يردف :
“بقى بعد ايلينا وحياتي معاها …ابدأ حياتي معاكي انتي ”
اقترب منها خطوة نظر لها فيها بازدراء :
“انت عارفة الفرق بينكو قد ايه !!!…ايلينا انا حفيت عمر بحاله عشان بس أقدر المس ايدها ومحصلش غير وهيا في بيتي وعلى ذمتي …انما انتي غيبتيني عن وعيي عشان …”
وقطع جملته وهو ينظر اليها في اشمئزاز واضح …
ازدردت ريقها تحاول ان تبتلع غضبها قبل أن تقذفه بما تعرف أنه يكرهه:
“ماشي يا يوسف …بس متنساش ان في الاول والاخر انا ابقى ام ابنك ..سامعني …ام ابنك الوحيد”
التفت اليها في هدوء :
“وعشان كدة انتي موجودة هنا …عشان هوا للاسف الطرف الخسران في الحكاية كلها …عشان ميجيش بعد سنين يتهمني اني حرمته من امه …خليه يكبر ويعرف بنفسه ويختار اذا كنتي فعلا تستاهلي تكوني امه ولا لا ”
عضت على شفتها الرقيقة وهي تقول :
“دي اخر مرة هعرض عليك نكمل حياتنا زي اتنين طبيعييين ”
اتجه ليفتح الباب وهو يجيبها :
“ودي اخر مرة اسمحلك انك تدخلي المكان ده تاني وعشان تكون بشكل اوضح لو فكرت في يوم اكمل حياتي مع حد غيرها فالحد ده مستحيل يكون انتي ”

***************************************************
استندت على سياج الشرفة الخشبى الانيق التى تطل على حديقة القصر التي خفت بهجتها بعد أن اسدل الليل ستائره عليها فلم تتمكن من تأملها بوضوح ، اخرجت الشريحة من هاتفها وهى تكسرها بين اصابعها بعد ان اجرت مكالمتها معه ..
تعرف جيدا الان فما يفكر
صوته…
انفاسه..
تلك الاشياء التى تحفظها جيدا وشاركته فيها لسنوات لا يمكن ان تخطئها حينما تخبرها بوضوح انه الان ربما يموت قهرا …
حاولت ان تبتسم او ان تشمت بحالته تلك فلم تستطع ، دمعة خانتها ، خانت كبريائها وكرامتها ووعدها بالانتقام منه بكل الطرق وشاركته مشاعره هو ..
تشفق عليه رغم كل شىء …
تحبه الى الان ودون ارادة منها …
اى ذنب ارتكبته فى هذه الحياة لتكفر عنه بهذا العشق الملعون ..
لقد نفذت ما اتفقت عليه مع احمد عزام واصبحت من الان سيدة لهذا القصر بعدما انتقلت للحياة فيه مع اخيها واول شىء فكرت فيه بعد ان انهى المأذون عمله هو مهاتفه يوسف واخباره ولم يمهلها القدر الفرصة الكافية للتشفى..
اثبت لها انه حبيبيها مهما فعلت وان انتقامها منه بأى شكل سيكلفها هى بالقدر الذى سيكلفه هو واكثر و…
“ ايلينا ”
التفتت الى ملك بعد ان مسحت دمعتها ..
تقدمت ملك الى سياج الشرفة لتقف الى جوارها، تأملت الاشيء للحظات قبل أن تقول:
” مش عارفة ايلينا اشكرك ازاى …لولا اللى عملتيه بابا مكنش وافق يسافر ابدا ”
ربتت ايلينا على كفها :
” اطمنى يا ملك ان شاء الله كل حاجة هترجع زى الأول واحسن ”
اغمضت ملك عينيها وهي تبتلع انصالا جارحة فى حلقها اودت بتماسك نبرتها:
” انا خايفة …خايفة اوى يا ايلينا ؟؟؟انا دكتورة وعارفة طبيعة مرض بابا كويس وفرصة العلاج فيه فى المرحلة دى صعبة جدا ”
تنهدت ايلينا وهى تتذكر مرورها بتلك المخاوف من قبل ..تدرك جيدا الشعور بالضياع الذي اختبرته بعد موت سمير ولا تدرك حقا بأي شىء تواسيها ..هو شعور لا يمكن لشيء أن يخفف من قهره ..
واصلت ملك من بين دموعها التى لم تستطع مقاومتها اكثر :
” حاسة انه هيسيبنى وسط شوية ناس كل همهم الفلوس وبس ..اديكى شايفة عمى اسامة وعمايله ..مستني أي مصيبة عشان يستولى على كل حاجة ..انا خايفة اوى.. خايفة عليه وعلى مازن ويارة وخايفة اكون لوحدى يا ايلينا ”
ضمتها ايلينا وهى تربت على شعرها فى حنان :
” انا هفضل جنبك وعارفة انى اقدر اوقف اى حد عند حده كويس وان شاء الله عمو احمد يرجع بالسلامة ”
ورفعت رأسها من على صدرها لتواصل وهى تغمز بعينها في محاولة لانتشالها من هذا الحزن :
” وبعدين انتى مش هتبقى لوحدك اومال خالد راح فين ”
ابتسمت ملك فى حزن شابه كثير من التهكم:
” ايلينا خالد ماهو الاجزء من خطة ابوه مش اكتر مهما حاول انه ي…“
قاطعتها ايلينا وهى تترك وجهها لتنفي زعمها في قوة:
” لا ياملك ..خالد غير باباه تماما ..انا اتعاملت معاه وشوفت قد ايه بيخاف على المجموعة وشغلها ”
عقدت ملك ساعديها وهي تلوي ثغرها في عدم اقتناع: ” كله تمثيل فى تمثيل ”
امسكت ايلينا بذراعها تخبرها في حسم:
” خالد بيحبك انا متأكدة من ده ”
صمتت ملك للحظات لمع فيها عقلها بوميض ذكرى قديمة :
” واللى قبله برضه كان بيحبنى ”
ومالت على سياج الشرفة لتضيف :
” طول سنين الكلية كانو مسمينا روميو وجولييت لحد ما بان على حقيقته كان كل همه فلوس بابا ..ولما ملاقاش منها امل رمانى وسابنى …انا مش ناوية اكرر التجربة تانى ”
وقبل ان ترد عليها ايلينا دخل عليهما احمد قائلا وهو يعقد كفيه خلف ظهره :
” ايه يا بنات مش ناويين تنامو ”
ونظر الى ايلينا ليتابع:
” انا هسافر بكرة ان شاء الله ..بس قبل ما اسافر بكرة الصبح هعمل اجتماع مجلس ادارة عشان ابلغهم بالتطورات الجديدة ”
ابتسمت ايلينا وعينيها تلمع بتحد غريب :
” يبقى فعلا لازم ننام عشان عندنا حرب هتبتدى من بكرة ولازم نستعدلها كويس ”
ابتسم احمد وهو ينظر لها نظرة اجلال وتقدير وثقة …
يوقن انه لن يندم وهو يسلم مصير كل اعماله بل روحه بين يديها…ابتسمت تخبره أنها تفهم ما يفكر به وعاهدته بنظرة مماثلة ان تكون فى حجم تلك المسئولية واكثر…
******************************************************
ينظر الى عينيها يتمنى ان يجد فيهما طوق النجاة الذى يتشبث به لينقذه من الشتات الذى يعيش فيه ..
ليجد الحب الذى يريد ان يكتفى به عن مجرد وهم لا يمكن ان يطلق عليه اى مسما اخر مهما احتل من قلبه ومن كيانه …
مهما ظل يكتوى بنيرانه لن يعطيه اكبر من هذا الحجم ابدا حتى ولو كذبا ..
سيسلم الأمر برمته لعقله فلا عشق ولا جنون ولا حياة تسيطر عليها نزوات القلب …
سيحيا بمبدأ السلامة ويكفيه ما أصاب قلبه وكبريائه من لعنات العشق …
طرق بشوكته على الطبق لتنتبه له نور التى جلست مقابلة له على احدى الطاولات فى مطعم انيق ملحق باحد الفنادق الفارهة ..
ازاحت خصلة سقطت على جبينها وابتسمت له فتنهد قائلا :
”روحتى فين ؟؟“
ابتسمت وهى تتمعن به :
” معاك ”
همس فى حزن :
” لامتى يا نور ؟؟؟“
اغمضت عينيها واطرقت ارضا تسأله:
” هو ايه اللى لامتى ؟؟؟“
ضم كفيه الى بعضهما قائلا :
” اللى احنا فيه …من أكتر من سنتين بالظبط طلبتك للجواز وانت كل ده بتماطلى وتقولى بتأكد من مشاعرى ياترى اتأكدتى ؟؟“
مالت اليه قليلا تجيبه في ثقة:
” انا متأكدة من مشاعرى من زمان يا حسام من اول ماشوفتك واتعاملت معاك …الفترة اللى فاتت كنت عاوزة اتأكد من مشاعرك انت ”
رفع حاجبيه وخفضهما محاولا التحدث بعملية بحتة لم تنطلي عليها مطلقا:
” وانا من اول لحظة صارحتك يانور قولتلك انى مش بعترف بأي حاجة اسمها حب وشايف انه مجرد وهم وكدب وكلام رومانسى ملوش معنى غير فى الراويات ودوواين الشعر والأفلام ”
ضغطت نور على شفتيها :
” متأكد؟؟“
هز رأسه فى مرارة :
” محدش متأكد من ده قدى ”
تنفست فى عمق وهى تشيح بوجهها ..ارتجفت شفتاها قبل أن تطلق لحيرتها العنان :
” اومال بتسمى اللى بتحسه ناحية ايتن ايه ؟؟“
حملق بها للحظات من اين علمت ..ومن اخبرها.. هل فعلتها تلك المجنونة …
ابتسمت وكأنها تعطيه الاجابة :
” حسام.. الأعمى يقدر يميز كويس انت بتبصلها ازاى بتراقبها ازاى بتسرح فيها ازاى زى ما برضه يقدر يميز انك مجروح منها وجرحك محسسك بالضعف لانك مش قادر تكرهها ”
صدم من ردها وكأنها قرأت ما عجز هو عن قرائته ..لكنه يرفض هذا ولن يسمح بوجوده ..
طرق المائدة نافيا في قوة:
” مش صحيح ابدا ..“
التمعت دمعة بعينها وابتسامة حزينة تتردد على شفتيها:
” مش صحيح انك حبتها ولا مش صحيح انها جرحتك ؟؟؟“
هز رأسه يواصل انكاره بقوة:
” قولتلك مفيش حاجة اسمها حب ..ده وهم بنقنع بيه نفسنا عشان …“
قاطعته فى الم :
” بس انا حبيتك ..“
واضافت وهى تقطب جبينها فى الم :
” وانت حبيت ايتن ولسة بتحبها ..تسمح تقولى دلوقتى انت عايز تتجوزنى ليه …هتقولى الاحترام وحده كفاية الحب ده وجع قلب بس ده مش حقيقى ..انت عاوزنى اكون مجرد مسكن ..مخرج او مهرب من حبك الحقيقى اللى انت واقف فى نص الطريق بالظبط لاقادر تسامح وترجع ولا قادر تكمل ”
امسك حسام بكفها يخبرها في حنان :
” طريقى انا عاوزه اكمله معاكى انتى يا نور ..انا فوقت من كل الاوهام اللى كنت عايش فيها.. انا محتاجك انتى جنبى ..محتاج حد عاقل متوازن مش طايش ومجنون ”
سحبت يدها من كفه لتمسح بها دمعتها التي ملت محبسها قيد جفنها فانسابت غير عابئة باعتباراتها السخيفة:
” لو مكنتش حبيتك كنت وافقت بسهولة كنت قلت عادى اللى بينا كفاية لحياة زوجية ناجحة ..لكن انا مش هقبل اكون الزوجة اللى تفنى حياتها فى حب واحد عمره ما هيحس بيها لانه قلبه مع غيرها مش هقبل اموت فى اليوم ميت مرة وانا خايفة اصحى الصبح الاقيك روحتلها ..مش هستحمل نظراتك ليها ..مجرد نظراتك ليها حتى لو انت رافض تعتبر خيانة يا حسام ”
دفنت وجهها بين كفيها.. لم تتمنى ان تصل الى تلك اللحظة بهذه السرعة .. لحظة المواجهة .. كانت تعرف انها اتية لامحالة ولكنها ارادت ان تهنأ بقربه للحظات اطول…
ولأن لكل شىء نهاية فشاءت أم أبت قد جاءت تلك اللحظة ..
نهضت فى تثاقل وابتسمت فى حزن تخبره بأثقل حمل على قلبها الان :
” حسام حاول تسامح ايتن لان مظنش انك بالساهل هتنساها ولو قررت فى يوم تتجوز دور على حد ليه مبادئك عشان متظلمهاش معاك ..انا مستقيلة من شغلى ”
وانسحبت من امامه مسرعة وهو لم يقوى على النهوض..
كم كانت المواجهة صعبه وهى تكشف له كل ما يخفيه عليها وعلى نفسه ..
سؤال طرحته على باله واختفت ..
هل يستطيع ان يغفر لايتن ؟؟؟ ..
لقد وضع قلبه وحياته وعمره يوما بين يديها فدهست كل شىء تحت قدميها ..
كيف تحبه الان وهى لم تجد منه سوى الجفاء والقسوة والالم الذى يتعمد ان يلحقه بها فى كل لحظة كأنه يعاقبها على كل لحظة ضياع عاشها بسببها ، لاينكر انها تغيرت ولكن كما اعطاها حبه ببذخ من قبل لن يعطيها ابدا سماحه وعفوه بالقدر ذاته .
************************************************
” يعنى ايه معنى كلامك ده مش فاهم ؟؟؟“
هتف بها اسامة وهو يضرب مائدة الاجتماعات بقبضته ، استند احمد الى ظهر مقعده وهو يقول فى هدوء:
” يعنى مدام ايلا هتبقى رئيس مجلس الادارة والمسئولة عن كل حاجة طول فترة غيابى ”
تعالت الهمهمات فى الاجتماع الذى عقده احمد وحضرته ملك التى نظرت الى ايلينا بابتسامة تطمأنها فبادلتها ايلينا ابتسامتها وهى تغمز لها فى ثقة وتخبرها انها جاهزة تماما لكل شىء ، نظر اسامة الى الجميع محاولا استغلال الموقف فنهض يتهكم بوقاحته المعتادة: ” وده بصفتها ايه ان شاء الله ..السكرتيرة ؟؟؟“
نهض احمد فى بطء ونظر الى الجميع نظرة طويلة قبل ان يمد يده الى ايلينا التى اعطته كفها ليوقفها الى جواره قائلا في صرامة وحسم واضحين:
” بصفتها مراتي ”
وكأن قنبلة مدوية قد انفجرت فى المكان..
تعالت الهمسات وتعالت وتعالت حتى اصبحت حديثا صاخبا يصم الاذان ..
نهض الجميع من اماكنهم وتسمرو فى صدمة بينما فغر اسامة فاه هامسا في صدمة :
” بتقول ايه ؟؟“
ضغط احمد على كف ايلينا :
” افتكر ان الكل سمعنى ”
اسقط فى يد اسامة حينها فكل ما كان ينوى فعله من تشويه لسمعة تلك الدخيلة بوجود علاقة بينها وبين اخيه قد اصبح لاقيمة له فقد قطع الثاني الطريق عليه تماما…
نظر الى ملك كورقة ضغط اخيرة يعلم أنها لن تنصفه ولكن موقفه المهتز جعله يتشبث بأي أمل:
” وانتى عاجبك الكلام ده يا ملك ؟؟..عاجبك ابوكى يتجوز سكرتيرته ويديها الصلاحية فى كل حاجة؟؟ ”
رمقته ملك باستهزاء ونهضت لتقف بجوار ابيها قائلة:
” افتكر محدش هنا يكون ليه كلمة بعد كلمة احمد بيه عزام ..هوا اللى يحدد ايه مناسب وايه لا ”
ربت احمد على كتفها وهو يردف في عملية :
” انا بلغتكو بقرارى وعاوزكو كلكو تبقو فى صف ايلا وتحافظو على المجموعة دى اللى هيا اصلا بتاعتكو قبل ما تكون ليا ”
واشار الى الجميع بكفه :
” تقدرو تتفضلو الاجتماع انتهى”
انصرف الجميع ليستكملو همهماتهم فى الخارج فالتفت احمد الى ملك وايلينا :
” الحرب بدأت بس انا واثق انك قدها يا ايلينا ”
رفعت ايلينا رأسها في ثقة وتحد :
” قدها ان شاء الله يا احمد بيه ”
وفى الخارج وبعد ان ابتعد اسامة عن الباب بمسافة مناسبة ضرب الحائط بقبضته وهو يهتف فى ولده خالد:
” المجنون ابن المجانين سايبلها ثروته كلها فى ايديها ”
نظر خالد خلفه ثم قال باستياء:
” بابا لو سمحت وطى صوتك ”
واصل أبوه غير مباليا به:
” من ساعة ما شوفتها وانا مش مرتاحلها ابدا ..من امتى وهوا بيسيب كل حاجة فى ايدين حد لا وكمان يتجوزها ”
قال خالد فى هدوء يناقض تمام غضب ابيه :
” بابا كلنا عارفين ان ايلا قد المسئولية دى واكتر وبعدين دى فى الاول والاخر فلوسه وهوا حر فيها ”
رد اسامة من بين اسنانه :
” فلوسه ”
وكور قبضته فى شر :
” فلوسه دى احنا لينا فيه حق و..“
ضرب خالد الحائط بكفه هذه المرة وهمس في حنق :
” انا مبقتش صغير عشان اصدق الكلام ده …حقك انت ضيعته من زمان وكتر خير عمى انه وافق اصلا يشغلك ”
طرق اسامة بظهر يده على صدر ولده:
” بقا انا عامل كل ده عشانك وانت تقول كدة ”
رد خالد فى حنق:
” انا مش عاوز حاجة ..ريح نفسك مش هاخد حاجة مش من حقى ”
هز اسامة رأسه في تأفف :
” مفيش فايدة فيك ابدا ”
وتركه وذهب ، راقبه خالد حتى اختفى وهو يغمض عينيه فى مرارة ، والده لن يكف عن طمعه بما ليس له فيه حق ابدا ، اضاع ثروته كلها فى الماضى وعاد يحاول ان يزرع فى عقله ان لهما حق فى اموال عمه ليجاريه فى خططه ..
رآها تمر من امامه وهى تخفى وجهها بيدها ليناديها فى لهفة :
” ملك ”
تنهدت وهى تلتفت له تمسح دمعة على وجنتها ، اقترب منها في قلق :
” مالك يا ملك ..انتى بتعيطى ؟؟؟“
ردت بعدم اكتراث:
” لا ابدا ”
مال اليها يتمعن بها :
” انتى بس ايه اللى مضايقك ..متضايقة ان باباكى اتجوز وسلم كل حاجة لايلا ”
رفعت رأسها وعقدت ساعديها تجيبه بحقد يعادل الحقد الذي تشعر أنه يحمله هو وابيه لهما :
” الفلوس بس هيا اللى بتفكر فيها انت ووالدك لكن اى حاجة تانية لا ..صحة بابا متستاهلش انى اقلق عليها ولا انت شايف ايه ؟؟“
اغمض عينيه في ألم … قاسية كعادتها تجرحه دوما بكل طريقة عمدا كان او بدون …
يعرف جيدا انها تشعر به ولكنها لاتبالى بحبه بل تتهمه دوما ودون اى دليل ، تراه لايفكر بها الا من اجل المال وهو حتى الان يتخذ العذر لها فتجربتها السابقة كانت قاسية الى حد كبير وافقدتها الثقة فى نفسها وفى الغير ولكن الى متى سيظل هذا التنافر بينهما؟؟ الى متى سيظل يحمل وزر غيره ؟؟
لقد أحبها منذ طفولته ..
أحبها من قبل أن يعرف كيف يكون الحب من الأساس..
تحمل مالا يتحمله انسان وهو يراها تزف الى غيره ..
تألم لألمها حين فشلت زيجتها فلم يتمكن شعوره بالراحة لعودتها حرة ان يسيطر على حزنه لحزنها ..
هو لايتمنى شىء في الحياة سوى ان تتيقن فقط من صدق مشاعره فلو كذبته عيناها الف مرة سيظل قلبه يردد حبها الاف المرات ..
*************************************
فتحت جينا باب الغرفة فى بطء وبدأت فى فك بعض ازرار قميصها وهى تمد يدها الاخرى الى زر الاضاءة لتتفاجىء بيوسف يجلس على طرف الفراش ..
تراجعت خطوتين وهى تضع يدها على صدرها وتشهق فى خوف ..
نهض يوسف ونظر لها لحظات قبل ان يقول فى تهكم: ” حمدلله ع السلامة يا هانم ”
ردت وهى تتجه الى احد المقاعد فى زوايا الغرفة جالسة فى هدوء :
” ايه اللى جابك بدرى ؟؟”
نظر لها شذرا وهو يجيبها في غيظ:
” جيت لما المربية كلمتنى وقالت ان الولد تعبان وسيادتك مش موجودة كالعادة ومش بتردى ع التليفون”
واضاف وهو يشير لها بسبابته فى غضب:
” انا مش فاهم انتى ام ازاى ..يعنى سايبة ابنك للمربية وقولنا ماشى معندكيش خبرة ..لكن حتى مترديش عليها تشوفيها عايزة ايه وتطمنى على الولد ”
رمقته بعدم اكتراث وهى ترفع قدما فوق ساقها لتخلع حذائها …
لم يحتمل أكثر فاقترب في حنق وجذبها من معصمها لتقف امامه هاتفا:
” لما اتكلم معاكى يبقا تردى عليا ”
حاولت ان تفلت معصمها من قبضته وهى تصيح به:
” انت عايز ايه منى بالظبط؟؟ ”
زاد من ضغطه على معصمها وهو يقول من بين أسنانه:
” عاوزك متنسش انك اصلا موجودة هنا عشانه ..عايزك متنسيش حقوق ابنك عليكى ”
بصعوبة افلتت معصمها وهتفت وهى تتحسسه فى الم ” عارفة كلامك ده وحافظاه كويس وسمعتهولى ميت مرة ..بس انت عاوز ابنك يتربى بطريقتك وعلى مزاجك وعلى تقاليد مجتمعك ودينك اللى معرفش عنهم حاجة ”
مسح وجهه في محاولة فوق طاقته حتى لايفتك بها:
” وانتى اصلا محاولتيش ..ده الولد بيحب المربية عنك ..اسمعى يا جينا ..ده اخر تحذير ليكى ..انتى كل طلباتك مجابة ..العربية احدث موديل وجبتهالك الشهر اللي فات …ومن هنا ورايح انتى اللى هتوصلى وتجيبى ابنك من اى حته فاهمانى ”
رمقته طويلا وبدأت فى خلع ملابسها قبل ان تقول في برود:
” اوكيه ”
والتفتت اليه لحظة لتضيف:
” انا محتاجة فلوس ”
قطب جبينه في استنكار :
” فلوس تانى ..انتى بتعملى بيهم ايه بالظبط ..امال الفلوس اللى ادتهالك دى كلها الاسبوع اللى فات راحت فين ”
توقفت عما تفعله ووقفت فى مواجهته وهى تعقد ساعديها تجيبه ببساطة مستفزة :
” يوسف انت مش لسة حالا قايل ان وجودى هنا عشان ادم وبس ..خلاص انا كمان محتاجة المقابل ..قصاد حياتى مع راجل مبيحبنيش ولا بيقرب منى ..قصاد قعدتى فى بلد لا ليا فيها اهل ولا اصحاب ..قصاد وجودى جنب طفل سيادتك لحد دلوقتى شايف ان وجوده منى غلطة ”
كان يعرف جيدا ما تقوله …لم يصدم مطلقا .. يعرف ان جينا لا علاقة لها بالامومة تماما وانها ستحاول استنزافه ماديا بقدر المستطاع كنوع من رد الاعتبار لها ولكن تصريحها بهذا وقاحة لم يتوقعها ، ولكن ماذا بيده هى ام طفله فى النهاية…
ادم يحبها رغم كل شىء وهو حتى اللحظة الاخيرة لا يريد ان يكون سبببا فى حرمانه منها ، فلاذنب له ان حظه العاثر قد اوقعه فى اب انجبه من ام لاتصلح لذلك مطلقا فى لحظة طيش ، شاء حظه ان يأت من رحم اخر من تمنى ان تكون اما لاطفاله ، تنهد وهو يتذكر ايلينا …يعلم انها ستكون اما رائعة…
كم تمنى الطفل الذى اجهضته ، تمنى ان يرى بعينيه طفلا يحمل ملامحهما وروحيهما معا ، تراها كانت جادة حين اخبرته بأمر زواجها ؟؟
عقله لايصدق حتى الان ما اخبرته به ، مر ما يقرب من العام وهو يواصل البحث عنها دون جدوى فهل حكمت عليهما بالفراق للابد ، هل استطاعت ان تتوقف عن حبه بالفعل !!!
********************************************************
جلست ايلينا على حاسوبها تتابع فى تركيز شديد كل ما يخص المجموعة وما انجزته خلال العام الماضى ..
عام انقضى وتغير به الكثير فقد مات احمد عزام بعد شهرين بالضبط من سفره لتنتقل ادارة المجموعة بأكملها اليها فالوصية التى تركها كانت واضحة فهى لها حق الوصايا على مازن ويارة ..
اما ملك فقامت بعمل توكيل رسمى لها بالادارة ، واجهت كل عقبات الدنيا فى البداية فكونها امرأة جعل الكثير من موظفى المجموعة ينحازون لاسامة واضعين العراقيل فى طريقها ولكنهم لم يعرفو بعد بتحديها ومثابرتها فقد نجحت فى اعادة التوازن الى كل شىء ، اجبرت الاغلبية على الاعتراف لها بالاحتراف التام وتخلى الكثير عن اسامة لينضمو اليها وبخبرتها التى استطاعت اكتسابها فى وقت ضئيل من عملها مع احمد عزام استطاعت زرع عيون لها فى المجموعة لتنقل لها كل الاخبار وتعرف انتماءات الجميع كما زرعت مثلها خارج المجموعة لتخبرها بكل ما يخطط له المنافسون ..اصبحت مخضرمة وتعلم جيدا ان الكثير ربما يسلك طرقا غير شرعيه لاسقاط مجموعة عزام وهى لن تسمح لهذا ان يحدث ، لن تنسى ابدا وقوف خالد الى جوارها واخلاقه واخلاصه فى العمل ، كم تمنت لو غيرت ملك رأيها فيه وتخلت عن عقدتها القديمة لتخرج من بوتقه الماضى التى حبست نفسها فى تجاربه ، دقات متواصلة على مكتبها رفعت لها رأسها وابتسمت وهى تخلع نظارتها الانيقة:
” موكا ..ايه النور ده كله ”
ابتسمت ملك وهى تعقد ساعديها قائلة:
” ايه يا عم المهم …ايه اللى واخدك مننا ”
ابتسمت ايلينا فى تعب :
” شغل المجموعة اديكى شايفة ”
صفقت ملك فى جذل :
” قده طبعا …الكل كان فاكر ان المجموعة هتقع بوفاة بابا الله يرحمه مكنش حد هيتوقع انها هتبقا اقوى من الاول كمان ”
ردت ايلينا فى بساطة :
” متبالغيش ”
جلست ملك مردفة:
” والله يا ايلينا ما كنت عارفة من غيرك كنا هنعمل ايه ..لولاكى كان زمان اسامة واخالد استولو…“
قاطعتها ايلينا فى غيظ :
” انتى لسة بتحطى خالد وابوه فى نفس الكفة يا ملك ..حرام عليكى يا شيخة ارحمى الراجل بقا ”
اشاحت ملك بوجهها فنهضت ايلينا لتجلس على الكرسى المقابل لها مردفة فى حنان :
” ملك ..افتحى قلبك لخالد ..اديله مجرد فرصة مش هتخسرى حاجة ”
رفعت ملك عينيها الحزينتين الى ايلينا تشي لها بمخاوفها:
” فيه ايه خالد زيادة عن التانى عشا اغامر بقلبى معاه من جديد ..نفس الكلام.. النظرات ..الحب ..الوهم اللى فضلت عايشة فيه سنين وفى الاخر طلع كله كدب ..خدعة ”
امسكت ايلينا بكفيها وقالت في رقة :
” ملك انتى حاسة بحاجة ناحية خالد وبتحاولى تقاوميها بتحاولى تقنعى نفسك انه وحش وتحاول تقنعيه انك رافضاه بس الحقيقة مش كدة ”
نهضت ملك فى حدة وهى تنزع كفيها من يدى ايلينا لتعود الى تجهمها:
” دى الحقيقة ..هوا وابوه طمعانين فى الثروة هوا عمره ما حبنى وانا عمرى ما حبيته ”
نهضت ايلينا وتمعنت بعينيها لحظات قبل ان تواجهها في حسم:
” يبقى بتكدبى على نفسك يا ملك ”
لم ترد ملك هذه المرة بل التقطت حقيبتها فى عنف وهى تفر من امامها وقبل ان تلحق بها رن جرس هاتفها فالتقطته بسرعة وهى تقول :
” ايوة ..لو المناقصة رسيت على مجموعة البدرى تعتبرو نفسكو كلكو مرفودين ..افتكر كلامى واضح ”
واغلقت المكالمة وعينيها تلمع ببريق غريب مرددة فى خفوت:
” واخيرا هنتقابل تانى يا يوسف “

رواية مذاق العشق المر

الفصل الثلاثون

خرجت من مكتب صديقتها هاربة من حقيقة تخشى دوما مواجهتها …
فارة من مشاعر تخشى ان تتمكن منها اكثر او ان تأخذ مساحة من خيالها أو أي أهمية…
حاولت ان تتحسس جراحها القديمة لتحول بألمها بينها وبين أي حب جديد …
عن اى حب تتحدث ايلينا ؟؟
ألم ترى حب زوجها وحبيبها السابق لها؟
ألم ترى براعته الفائقة فى التمثيل لسبع سنوات متواصلة ..
كان حبها الأول وذكرياتها البريئة الحالمة التي تشوهت بعد ذلك بمطامعه البغيضة في ثروة أبيها فكيف لها ان تؤمن ان هناك اخر يحبها دون ان تشك ولو للحظة انه يقوم بنفس الدور فى مسرحية هزلية جديدة نهايتها معروفة لها …
لا ليست بتلك البلاهة ابدا لتعيد الكرة من جديد ..
ليست بالسفاهة الكافية لتعطي القدر خدها الاخر ليعيد صفعها بقوة أكبر ..
خالد ماهو الا مجرد طامع فى ثروة ابيها الراحل…
لص مخادع لا يكترث لمشاعرها ابدا وسيسحقها تحت قدميه بمجرد ان يصل الى هدفه …
تقابلت معه فى احدى ردهات الشركة …
تجمعت كل خواطرها في عينيها ليقرأها بكل سهولة فكيف لمن عشقها منذ نعومة أظافرها أن يجهل مفردات نظراتها ولغتها ..
” لص …مخادع… كاذب ”
كلمات شتى تهين بها كرامته دون أن تنطق بها شفتاها..
ذنب ارتكبه غيره ويحاسب هو عليه فالى متى سيظل فى تلك الخانة العقيمة !!!!
ذنب حبيبها السابق الذى افقدها الثقة فى اى مشاعر صادقة فهل من العدل ان يوصم هو بما اقترفه غيره..
ذنب ابيه الطامع فى ثروة ابيها دوما وما بيده اذ ولد لأب جاحد طامع …
لقد نفذ صبره حقا وهو لايرى لهذا العذاب نهاية ..
ربما ان الاوان ليضع له اخر …
اتخذ قراره بالفعل وفى نهاية اليوم كانت استقالته على مكتب ايلينا وبدون ابداء أسباب.
*************************************
” امم يعنى ملخص الكلام ان لحد دلوقتى مفيش اى جديد ”
قالها يوسف وهو يتمعن فى فارس الذى كان يجلس اليه يطالعه فى هدوء جعل الشك يدب فى نفسه
هز الثاني رأسه :
” للاسف اه ”
تأمله يوسف للحظات وقال:
” فارس اوعى تكون …“
وصمت وهو يلوح بسبابته فالتفت له فارس فى بطء وابتسامة غريبة تلوح على ثغره …
نعم قد توصل احد رجاله الى مكانها ولكنه لن يخبره به الان ابدا…على يوسف البدرى ان يأخذ نصيبه من العقاب على ما فعله معها أولا …اجابه وهو يحاول المرواغة:
” لو حابب تستعين بحد غيرى ممكن ت…“
ولم يكمل جملته اذ تفاجىء بالباب يفتح ويظهر من خلفه رجل فى منتصف الثلاثين تقريبا طويل القامة ..عريض المنكبين.. بالغ الأناقة ..تحمل عيناه ابتسامة هادئة لم تخف خلفها مطلقا ما تحمله نظراته من صرامة وثقة بالغتين…
ابتسم يوسف ونهض من خلف مكتبه هاتفا في جذل : ” أيمن الالفى ذات نفسه فى مجموعتى ”
اتسعت ابتسامة الرجل وهو يقترب اكثر ليصافحه فى ود :
” اهلا بيوسف البدرى …السكرتيرة اللى برة قالتلى انك مديها اوامر فى اى وقت اجى تدخلنى على طول ”
ربت يوسف على كتفه :
” هوا انت اى حد برضه يا ايمن ؟؟“
اطلق ايمن صفيرا عابثا وهو يرفع حاجبيه:
” بس خد بالك ياكبير احنا هنا النهاردة فى بيزنس ملوش علاقة بصداقتنا نهائى ”
ضرب يوسف كفيه ببعضهما وهو يهز رأسه :
” عمرك ما هتتغير ابدا يا بن الالفى ..تعالى اقعد ”
وحين كان يقترب كان فارس يهم بالذهاب ..
تنهد يوسف وهو يدرك ما غاب عنه للحظات ونبهته اليه علامات الحزن والارتباك التى وضحت على وجه فارس فى وضوح ..
ضيق ايمن عينيه وابتسم وهو يمد يده ليصافح فارس:
” ياااااه ع الصدف …فارس مختار هنا ..طيب كويس بقا عشان اشهد عليك يوسف ”
ازدرد يوسف ريقه .. ترى ما يعنيه ايمن هل علم ب…، قاطع ايمن استرسال افكاره ليجيبه مردفا:
” بقا ينفع يا يوسف اكتر من مرة اطلب منه خدماته فى امن الشركة ويتهرب منى ”
تنحنح فارس ونطق اخيرا:
” اتهرب ؟؟؟اتهرب ليه وازاى …الفكرة بس ان كان فيه مسئوليات كتير وقتها ومكنش عندى رجالة كفاية ”
ابتسم ايمن وهو يعقد ساعديه كأنه يدير صفقة:
” كان ..اديك قولت بلسانك …احنا فى دلوقتى بقا …اعمل حساب حتى للمعرفة القديمة ايام انت وادهم ماكنتو اصحاب فى النادى ..ايام الجودو فاكر ؟؟؟”
ابتسم فارس بصعوبة لينهى الأمر مسرعا:
” ان شاء الله هحاول واكلمك فى اقرب فرصة ”
صافحه من جديد وذهب مسرعا كأنه يفر من شبح وبالفعل هو يفر من شبح الماضى بكل المه وقسوته ، فالذى يقف امامه قد اصبح زوجا لحبيبته …
نعم حبيبته ..
لن ينفض تلك الصفة عنها ابدا فقد دمغها قلبه بخاتمه منذ سنوات …
لم يعد هناك خلاص حتى بعد أن اختبر انانيتها وغرورها ستظل هى الانثى الوحيدة التى سكنت قلبه …
فريدة ..
كم لها من اسمها نصيب ..
فريدة فى حسنها الأخاذ …
في طباعها الشرسة التى لم يرى انثى عليها من قبل… هي أشبه بنمرة صغيرة تخلبك بجمالها فتسقط صريعا لهواها لترقص فى النهاية على اشلائك بعد ان يفترس غرامها كل جزء فيك ..
كيف يقبل بالعمل الى جوار ايمن الالفى بعدما علم بزواجها منه؟؟ …
كيف ينظر اليها؟؟
كيف يواجهها؟؟
هذا لايمكن ان يحتمله ..
كور قبضته وهو يتذكر اخر ما كان بينهما ..تلك الصفعة التى انتهى بها كل شىء حين ذبحت رجولته بكلماتها..
لن يسامحها فقد سطرت بيدها اخر كلمات فى قصتهما …
ولكن ….
ربما كانت هناك حسابات اخرى لم يتم تصفيتها بعد ، هناك أثمان كثيرة لم تسددها فريدة له ..
ابتسم فى صمت وهو ينظر الى الباب الذى اغلقه منذ لحظات على يوسف وايمن .
جلس ايمن فى هدوء وفى المقابل جلس يوسف:
” اخبارك واخبار ادهم ايه لسة برضه مقاطعك ؟؟؟“
تنهد ايمن فى حزن واضح نادرا ما يراه عليه يوسف فأيمن شخص عملى للغاية ومشاعره قد يعتبرها البعض لاوجود لها من الاساس :
” مش مقاطعين بعض اكيد ..بس مش زى الاول ..لسة مش قادر يسامح ”
واشاح بوجهه مضيفا فى حزن :
” انا كنت خايف عليه ”
مال يوسف اليه قائلا:
” كان لازم تعرف هوا قد ايه بيحب مراته واللى بيحب مبيفقدش الامل ”
وعاد ليستند بظهره الى كرسيه مواصلا فى شرود:
” اسئلنى انا ”
رفع ايمن حاجبيه وخغضهما:
” انا بقا ريحت نفسى من كل الحسابات المعقدة دى كلها …صدقنى مفيش اجمل من العقل لما بيمشى كل حاجة ”
رد يوسف:
” والسعادة ”
لوى ايمن ثغره في تهكم:
” يعنى ايه سعادة اصلا يا يوسف ؟؟؟ …دى حاجة نسبية ”
تمعن به يوسف للحظات واجابه بهدوء:
” السعادة يعنى ممكن تكون لحظة من اللى عشتها زمان مع ..شهد ”
ظلت عينا ايمن معلقة بصديقه دون ادنى رد فعل …
نعم يوسف يعلم بتلك القصة القديمة فحين بدأ بادارة كل اعمال والده كان ايمن يعود من نكبته فى حبيبته للعمل مع ابيه من جديد ، تعرف على يوسف فى هذا الوقت الصعب حين كان مختلفا تماما عن ايمن الذى يجلس امامه الان….
كان حزينا تائها يعيش حدادا طويلا على محبوبته وبالمثل كان يوسف شخصا اخر لا يعطى للمرأة اى اهمية ويحاول ان يهون عليه ويعرفه على غيرها فشتان ما وصل اليها الاثنان الان …
يوسف اصبح يتحدث عن المشاعر والحب والسعادة بينما ايمن هو من كفر بكل هذا والان تحت عصمته حبيبه رجل اخر تتظاهر مثله بأنها كفرت بكل المشاعر بعد تجربتها القاسية مع فارس ولكن ربما كانت مثل زوجها تماما بداخلها جزءا لازال ينبض بالحياة وتحاول جاهدة ان تجهز عليه تماما ..
فارس.. ايمن وفريدة سقطو جميعا فى دائرة عشق مغلقة لاسبيل ابدا الى الخروج منها .
افاق يوسف على حركة ايمن وهو يهم بالنهوض فأسرع يستوقفه في أسف :
” انا اسف يا ايمن مقصدتش ”
لوح ايمن بكفه محاولا العودة الى صرامته:
” لا لا محصلش حاجة ..انا بس مرهق شوية ومحتاج ارتاح هاكلمك ونشوف معاد تانى ”
وفرار آخر بعد فرار فارس ..
فرار اعتاده ايمن الالفى ..
فراره الوحيد فهو لايعرف الانسحاب ابدا ولكنه مضطر فدمعته هاهي تخونه مجددا كما توقع وهو يتستعيد المشهد والصرخة الاخيرة لحبيبته ..
لن ينكر انه تغير بل تحول ولكن بداخله جزء لازال هشا للغاية وضعيف ويسهل تحطيمه بطيف بعيد لذكرى مرت وانتهت …
جزء ربما لايريد هو ان يتخلص منه… ربما يريد ان يظل دائما على المه وشعوره بالذنب فهذا اقل ما يستحقه على حبيبة اضاعها منذ سنوات طويلة .
************************************
دفعت ايلينا باب غرفة ملك التى كانت مشغولة بالقراءة فى احد مراجعها الطبية الضخمة …
انتفضت وهى تنظر الى ايلينا فى توجس فهى لم تعتد منها ابدا ان تقتحم غرفتها بتلك الطريقة ، قطبت حاجبيها فى حيرة:
” فيه حاجة يا ايلينا ”
بسطت ايلينا ورقة كانت فى كفها ووضعتها امام عينيها لتقرأ ما بها فضيقت عينيها وازدردت ريقها للحظات بعد ان انتهت من قراءتها لتعود تطالع مرجعها من جديد ببرود اتضح لايلينا انه مصطنع للغاية حين تلعثمت نبرتها:
” هوا حر ”
اختطفت ايلينا المرجع من يديها تسألها في جدية:
” وحر برضه انه يقدم على طلب هجرة وميرجعش البلد دى تانى ”
رفعت ملك رأسها فى بطء وتمتمت فى قلق لم تستطع اخفاءه:
” هجرة ؟؟؟“
اخذت ايلينا تعبث بالمرجع بين يديها وهي تقول:
” قولى بقا انه مش فارق معاكى ده كمان ”
نهضت ملك فى عنف وهي تجىء وتذهب في الغرفة بلاهدف :
” انتى عاوزة ايه يا ايلينا ..عايزة ايه ؟؟؟“
القت ايلينا المرجع على المكتب وامسكت بكتفى ملك تخبرها فى جدية:
” عايزاكى تواجهى نفسك وكفاية هروب …خالد مش اسامة ولا جوزك الاولانى ..الدنيا فيها الحلو والوحش …خالد بيحبك فعلا بجد وانتى كمان بتحبيه كفاية عند بقا ”
ضغطت ملك على شفتيها وتخلصت من كفى ايلينا لتمرر يدها فى شعرها لحظات قبل ان تلتقط مفاتيح سيارتها وتهم بالخروج وهى تسألها:
” هوا فين دلوقتى ؟؟“
ردت ايلينا وهى تتابعها فى قلق:
” فى الشركة بيجمع حاجته ..رايحة فين ..“
ضغطت ملك بقوة على المفاتيح فى كفها حتى كادت ان تجرح جلدها الرقيق :
” هثبت لنفسى وليكى ان فينا اكيد واحدة غبية ”
*****************************
فتحت باب مكتبه في عنف فالتفت لها في هدوء دون ان ينطق قبل ان يعود ليجمع حاجياته فى صندوق من الكارتون …
اقتربت لتقف امامه وهي تحاول ضبط سرعة انفاسها فخرجت جملتها في حسم بدا مهتزا للغاية :
” انا موافقة على الجواز ”
واضافت وهى تزدرد ريقها وتعبث فى خاتم ماسى رقيق فى بنصرها :
” المجموعة محتاجالك ولو ده اللى هيخليك تفضل هنا فانا موافقة على الجواز ”
توقف عما يفعله واغمض عينيه للحظة وهو يتنهد في عمق مبتلعا اهاناتها المعتادة قبل ان يرفع رأسه لها فى حزم:
” وانا مش موافق ”
تراجعت خطوة للخلف ورفضه الذي لم تتوقعه يخترق اذنيها بكلمات واضحة لاتقبل معنا اخر ..ومع هذا فقد وجدت ثغرة حاولت أن تنفذ منها اليه :
” مش موافق على الجواز ولا مش موافق انك تفضل فى المجموعة ”
رد وهو يعود الى ما كان يفعله :
” الاتنين ”
وابتسم فى حزن وهو يلتفت لها مجددا يجيبها عما تريد معرفته وتخشى من طرحه:
” عشان انا تعبت يا ملك ..تعبت من اهانتك ليا واستهتارك بمشاعرى طول الوقت ..انا عارف انك عارفة اني بحبك ومن زمان …واتجاهلتى ده مرة واتنين وعشرة ..وانا فضلت هنا فى المجموعة عشان افضل طول الوقت قريب منك وانتى قابلتى كل ده بايه ؟؟؟….فكرتى فى وجعى لما حبيتى حد تانى وروحتى اتجوزتيه …
فكرتى وقتها انا كنت حاسس بايه وانتى بتطلبى منى كل حاجة يوميها فى فرحك عشان اعملهالك بنفسى..”
ازدرد لعابه كأنه يزدرد معه حرقة تلك الذكرى اللعينة التى رأها تزف فيها الى رجل غيره بينما تطلب منه أن يشرف على كل شىء بنفسه ليواصل في حرقة:
” وعملتهالك يا ملك …واتمنتلك السعادة حتى لو مع راجل تانى ….ويوم ما اتطلقتى انا اكتر حد شال ذنب ده ..اتبصلى على انى حرامى دخيل زيى زى اللى قبلى ..كل يوم عينيكى كانت بتقولهالى وتهينى وانا اصبر واقول اصلها مجروحة لحد انا كمان مبقاش فى قلبى جزء سليم ”
واستند على المكتب بكفيه وهو يردد في اصرار ونبرته تتشبث بكرامته لتبدو أكثر حسما وصرامة:
” كفاية لحد كدة ذل بقا …كفاية ذل ”
وضغط شفتيه وهو يغلق صندوقه ويغلق معه الحوار بأكمله:
” لو المجموعة احتاجتنى فى اى وقت انا هكون موجود ومش هتأخر عنها ”
لم تستمع الى جملته الأخيرة ..توقفت أذنيها عن التقاط أي صوت بعد وصفه لها معاناته .. انصال حادة وجهها اليها ..هل كانت بلا أدنى احساس الى هذا الحد !!..
ام انها كانت تشعر به وتبالغ في عقابه باظهار عشقها لاخر …تعاقبه فقط على ذنب أبيه كما عاقبته بعدها على ذنب عشق مهتريء أثبت فشله مع أول اختبار .. كم وجهت له دائما اصابع الاتهام دون جريمة تذكر.. حملته وزره وذنبه ونفست فيه فشلها …
والان هاهو يلقى بكل شىء خلف ظهره فارا بما تبقى من مشاعره التي امتهنتها مرارا …
عيناه هذه المرة تحمل ذهابا بلا عودة .. انقبض قلبها من هذا الخاطر فوضعت يدها على صدرها وجلست على كرسى مجاور لتبدأ دموعها تنساب فى صمت مرير موجع ..
” انت ليه مش مقدر اني خايفة ..انا خايفة خايفة ..خايفة من نفسى لاظلمك ..وخايفة من الماضى اللى مقيد الحاضر ومش مخلينى عارفة اعيش “
بئس للقلب الضعيف هذا …
كيف له ان يسيطر على كل الجوارح هكذا وهو بهذا الضعف …
رؤيتها تبكى امامه وهى تخبره بخوفها جعلته يذهب ليجثو على ركبتيه امامها هامسا فى حنان :
” انتى بتعيطى يا ملك ؟؟“
شهقت بقوة وبنبرة ممزقة واصلت :
” المواجهة اللى جوايا انا مش قدها يا خالد …مجرد ما حسيت انك فعلا هتمشى حسيت بخوف كبير.. كنت عاوزاك تفضل بأي تمن ..بس تفضل جنبي ”
التقط كفها لتقف امامه :
” يا ملك …انا حبيتك من قبل ما اعرف يعنى ايه حب اصلا ..ومش عارف اثبتلك ده ازاى ..لو بعدت وسبت كل حاجة يمكن ده يثبتلك ”
هزت رأسها فى عنف :
”انت مش محتاج تثبت حاجة .. انا بغالط نفسى وبخترع وهم بعيش فيه ..قتلت حبك جوايا بس فضل يعافر ويقاوم وبمجرد ماخدت قرار البعد قام وصرخ جوايا بكل قوته ”
وطأطأت رأسها لترفعها من جديد قائلة فى رجاء:
” متسافرش يا خالد انا بجد محتاجالك عشان اعرف اخرج من الدوامة اللى انا فيها وساعتها مشاعرى هتكون صافيه ليك لوحدك ومفيش اى حاجة تقدر تلوثها ”
لم يصدق ما قالته فأجمل احلامه بها لم تشمل اكثر من نظرة رضا.. اما ان تعترف بحبه هكذا وتتوسل اليه الايذهب فهذا مالم يخطر بباله ..
ابتسم لها فى حب هامسا:
” خلاص يا ملك مش هسافر ”
ابتسمت في رقة بددت غيامة هذا الحزن على وجهها وهي تقول :
” وانا كمان موافقة على الجواز ”
رفع خالد حاجبه فى خبث :
” جواز ايه ؟؟“
” جوازكو اللى هيبقا اخر الشهر الجاى ان شاء الله يا خالد بيه ”
ابتسم الاثنان وهما ينظران الى ايلينا التى وقفت عاقدة ساعديها مستندة الى باب الغرفة ليقولا في صوت واحد :
” انتى هنا ؟؟؟“
ضحكت في سعادة :
” لسة جاية متخافوش ….اصل قولت ميصحش برضه يا موكا تيجى لواحد لوحده الشيطان شاطر لازملكو محرم لحد اخر الشهر كدة ”
نظرت ملك الى خالد واطرقت برأسها فى خجل قائلة :” بس يمكن هوا مش موافق على الجواز ”
رد خالد بسرعة :
” حمار مين اللى قال كدة ”
ضحكت ايلينا مجددا واقتربت لتحتضن ملك هاتفة:
” واخيرا هطمن عليكى يا ملوكتى ”
همست ملك فى امتنان:
” مش عارفة من غيرك كنت عمل ايه ايلينا بجد ”
*****************************
ضرب يوسف طاولة الاجتماعات بقبضته فى غضب هاتفا:
” يعنى ايه رابع مناقصة نخسرها وصفقة بالملايين تروح من تحت ايدينا ”
نهض احد موظفينه في لهجة دفاع مهتزة:
” يا فندم مجموعة عزام قويه جدا ”
صرخ من بين اسنانه :
” واحنا اقوى مجموعة فى السوق ..واسمنا خلاص اتهز ده غير الملايين اللى خسرناها ”
وزفر فى بطء كمحاولة عقيمة لاسترداد هدوئه وهو يشير بيده للجميع طالبا منهم الانصراف الا مساعده طارق …
جلس يوسف وهو يأذن لطارق بالجلوس قائلا :
” ايه معلوماتك عن مجموعة عزام ..مش احمد عزام توفى من فترة طويلة ..احنا عمرنا ما كان فيه بينا منافسة وبعدين امتى نقل مقره من اسكندرية للقاهرة ”
شبك طارق اصابعه وقال فى عملية :
” مقرها اتنقل من حوالى شهرين يا فندم ..واللى بيدير المجموعة دلوقتى ارملة احمد عزام ”
قلب يوسف شفتيه فى حيرة :
” ارملته ؟؟؟….عايز تفهمنى ان اللى ممشى الشغل بالدقة دى ومخسرنا ده كله واحدة ست فى الاخر ” واضاف فى شرود :
” وبعدين ارملته ازاى ..انا نفسى معزيه فى مراته من حوالى سبع سنين ”
رد طارق فى هدوء :
” لا ما دى واحدة تانية ..كانت مديرة اعماله وبعدين اتجوزها وسافر للعلاج تانى يوم ..فيه ناس بتقول انه عمل كدة عشان تقدر تمشى الشغل من غير حد ما يقولها تلت التلاتة كام ”
ضيق يوسف عينيه فى تفكير:
” اسمها ايه ارملته دى ؟؟؟“
ادار طارق حدقتى عينيه ليتذكر:
” بيقولو اسمها ايلا تقريبا ”
نهض يوسف من مكانه وتحرك نحو النافذة فى بطء وهو يردد الاسم في نفسه …
لاحت ايلينا امامه فجأة ليس لمجرد قرب الاسم منها ولكن لانه يثق انه ليست هناك امرأة تستطيع ان تدير عمل بكل هذه الجرأة والنجاح سواها..
اتراها هى ؟؟..
ام تراها مجرد نسخة جديدة منها ؟؟
او ترى شوقه هو من يدفعه لان يفكر بتلك الطريقة؟؟
لابأس ان ارضى فضوله ورآها ليعرف الى أي حد تشبهها تلك النسخة التى يبدو ان حبها قد اذهب بعقله تماما فلم تعد كلمة امرأة تعنى له سواها .
*************************************
راقبها وهى تخرج فى بطء بعد ان انهت عملها معه ، تغيرت كثيرا لايمكنه أن ينكر هذا ..
لم تعد تلك الساذجة السطحية بل حين أخبرته برغبتها في ترك العمل معه أخذ يماطل في اختيار من سيخلفها في ادارة الحسابات ..
ماطل طويلا حتى همت أن تترك المكان حين شعرت بمراوغته فدفعه هذا الى تكرار اعتذاره عما بدر منه وتوسلها البقاء فهو لايمكن ان يثق بغيرها بسهولة ..
ظنها ستستغل انهاء خطبته لنور وتعود لتتقرب اليه من جديد ولكنها لم تفعل…
استقبلت الخبر ببرود مبالغ به فهل بالفعل قد تنازلت عن حقها فى التواجد فى حياته ؟؟
اليس هذا ما كان يريده ؟؟؟
ألم يتمنى ان تتوقف عن محاولاتها تلك التى ارهقته بها؟ ؟؟
الم يطلب منها مرارا وتكرارا ان تنساه ؟؟
لماذا ساوره القلق حين شعر انها بالفعل فى طريقها لذلك ؟؟
الم يتخذ قراره منذ سنوات بأنه لايريدها وان كانت اخر فتاة فى العالم ؟؟
لماذا يشعر ان غضبه منها قد بدأ يتضاءل وان مشاعره نحوها قد بدأت تستيقظ من سباتها وتستعيد نشااطها كأنها كانت كمجرد قيلولة عادت بعدها الى كامل حيويتها فلم يعد قادرا على اخمادها من جديد فلقد نالت حصتها بما يكفى من الوخم ولم يعد عقله وحده كافيا بكل مبرراته فى قمع نزواتها حتى ان كانت رغما عن كرامته ..
اما هى فقد استسلمت تماما ولم يعد لديها الرغبة فى المحاولة معه من جديد ستحتفظ بما تبقى من كرامتها التى استمتع هو باهدارها طيلة سنوات …
كان عليها ان تستوعب من البداية انها تطلب المحال فحسام ان كان عاشقا فى يوم فهو رجل شرقى بالمقام الاول وجرحها لكرامته بهروبها مع اخر أصابه فى مقتل ليرد لها الطعنة فى كبريائها بخطبته لنور ورفضه التام لمشاعرها وحتى حين فسخ خطبته منها لم يعد يهمها الأمر فى شىء فهى لن تعيد محاولة تدرك جيدا ان لس لها ادنى فرصة من النجاح ، لن تعيش اسيرة تنتظر العفو السامى منه ، ستحاول تخطيه بكل المنطق الذى بداخلها مقاومة به كل نبضات قلبها المتمردة ..
لن تفر ..
ستتجاوزه وهو أمامها ..
ستتخطى وجوده وهو أمامها ..
لم يعد يهمها مطلقا أن تثبت له أي شىء ..
بل ما يهمها الان أن تثبت لذاتها أنها بالغعل تغيرت ..
************************************************************
فتحت مريم مديرة اعمال ايلينا الباب فرفعت الأخيرة نظرها اليها بتساؤل أجابته الأولى مسرعة:
” يوسف البدرى برة يا فندم وعاوز يقابلك ”
مجرد ذكر اسمه جعل قلبها يقفز فجأة من مكانه بل كادت هى ان تقفز من مقعدها اثر تلك الانتفاضة التى سرت فى اوصالها لتتشبث بمقعدها الجلدى بقوة وهى تكاد تغرز اظافرها به ..
ازدردت ريقها بصعوبة وبللت شفتاها بطرف لسانها وهى تحاول بقوة التغلب على توترها حتى لا تلحظه مريم ..
هى المفاجأة اذن التي اعدتها له ، اخيرا ستلقاه وهى فى وضع القوة كما تمنت ..
وضع هزت به مجموعته وكلفته الملايين ..
زفرت فى بطء عدة مرات قبل ان ترفع رأسها لمريم من جديد :
” قعديه برة شوية ومتخليهوش يدخل غير لما اقولك ”
تراجعت مريم خطوة تسألها فى دهشة:
” يا فندم ده يوسف البدرى مش حد عادى ..وكمان احنا معندناش اى مواعيد دلوقتى ”
رفعت ايلينا نظرها اليها ببطء وبنظرة صارمة كانت كافية تماما لتهز رأسها في طاعة:
” حاضر يا فندم تحت امرك ”
تنهدت وهى تراقبها تغادر المكان ولا تعرف هل ستتركه ينتظر لانها تعلم جيدا كم يكره الانتظار؟؟؟
ام انها تحتاج لهذا الوقت لتستعيد به هدوئها وترتب افكارها وكلماتها ؟؟
هى لا تريد موقفا اقل ايلاما من موقفها امامه يوم ان اوهمها بخطف اخيها .
وبالخارج اتسعت ابتسامته وهو ينظر الى ساعته بينما يتابعه طارق مساعده فى حيرة ..
كل شىء تفعله يذكره بايلينا ومشاكستها له فى الماضى .. حقا على استعداد لان يقضى عمره كله انتظارا لرؤيتها ، لحظات ونهضت مريم بعد ان اغلقت سماعة الهاتف بينها وبين ايلينا لتتجه الى الباب تفتحه لهما قائلة:
” تقدر تتفضلو ” ..
دلف الى المكتب ولم ينشغل ابدا بفخامته كما انشغل طارق بل كان يخترق بنظراته تلك التى تجلس على الكرسى موليه اياهما ظهرها ..وفى لحظة دارت بالكرسى فى بطء لتواجههما …
لحظات تعلقت فيها الاعين فى صمت ، المفاجأة لم تكن من نصيب يوسف بقدر ما كانت من نصيبها هى فالبرغم من انها مكثت قرابة النصف ساعة تحاول تمالك اعصابها وتنميق كلماتها لتنفذ به الى اهدافها مباشرة الا ان رؤية يوسف البدرى الرجل الوحيد الذى احبت وكرهت فى نفس الوقت امامها لا يفصله عنها شىء كانت اقوى من اى محاولة لضبط النفس ، ازدردت ريقها وهى تشعر بجفاف مؤلم فى حلقها من تكرارها تلك الحركة وفرط توترها ، حاولت ان تكون هى البادئة فى الحديث ، حاولت ان ترسم ابتسامة شامته على شفتيها ولكنها توقفت وهى ترى عيناه فجأة وقد تخلت عن صمتها وبدأت تبثها كل عبارات الشوق والحب.. عبارات خاصة بها لا يملكها الاقاموس يوسف وطالما اغرقها فيها لسنوات ..
لغة اخترعها لها ومن اجلها ولا يجيد غيرها فك طلاسمها ..
كادت عيناها ان تخنها وتبادله حبه ولكنها اشاحت بوجهها بسرعة قبل ان تفقد سيطرتها ..
حاولت ان تتذكر كل اللحظات التى قسى عليها فيها يوسف لتستمد منها القوة فتلاشت كل المشاهد و لم تفكر الافي شىء واحد الحنان الذى لانهاية له بين ذراعيه التى تتوق لأن ترتمى بينهما الان …
عليها اللعنه بما تفكر ..
لقد سلبها بنفسه هذا الحق ..
اوقفت سيل افكارها عند هذا الحد واقامت بها سدا عاليا يمنعها من الاسترسال أكثر ..
وكانت الكلمة الأولى منه بنبرته التي تحشرجت في حلقه :
” بقا انتي ؟؟“
اطرقت ارضا للحظات لتنهض بعدها فى بطء مميت وتقترب منه قائلة فى نشوى جاهدت لترسمها على ملامحها:
” ايوة انا يا يوسف …انا اللى اخدت منك الصفقات اللى فاتت وانا اللى خسرتك ملايين وانا اللى هزيت اسم شركتك فى السوق ”
توقعت منه اى رد سوى ان يضحك بتلك الطريقة المتسلية المستفزة…
تلك الضحكة التى سلبتها فؤادها فى بدايات حبها له ، تمنت حقا لو صفعته فقد أثار غيظها الى ابعد حد حين قال بصوت متقطع من بين ضحكاته:
” كنت متأكد انه مينفعش يكون فيه منك نسخة تانية ”
تراجعت فى دهشة بينما وقف طارق يراقب ما يحدث وكأنه بداخل فيلم من افلام الحركة…
طرقع له يوسف باصابعه لينتبه وهو يقول بينما ناظراه مثبتان عليها:
” اتفضل استنانى برة يا طارق ..الهانم طلعت معرفة ”
قطب طارق حاجبيه فى حيرة مما يحدث حوله بينما عقدت ايلينا ساعديها في نزق:
” ويطلع برة ليه احنا مفيش بينا حاجة خاصة …احنا هنتكلم فى البيزنس وبس مش ده اللى انت كنت جاى فيه ”
لم يكترث بها وهو يشير لطارق ليذهب وحين نفذ ما أمره به وغادر المكان استدرا لها ليظل يرمقها طويلا حتى كادت تفقد وعيها من نظراته تلك..
اقترب خطوة وهو يهمس في شوق :
” وحشتيني ”
كانت تعلم بذلك دون ان ينطق فعينيه وشت بكل شىء
ولكن …
هى لاتريد حبه ولا شوقه…
هى تريد فقط ان تراه مكسورا امامها كما فعل بها وضع يده فى جيب سترته وتنهد طويلا:
” واخيرا اتقابلنا ”
ابتسمت لتغيظه بأي شىء:
” وايه رأيك فى الطريقة اللى اتقابلنا بيها ..والملايين اللى دفعتها ”
رفع حاجبيه وخفضهما في تلذذ :
” فى ستين داهية ”
تلاشت ابتسامتها وهى تسمعه يتابع :
” انا كنت مستعد ادفع روحى عشان بس المحك من بعيد تانى مش بس جزء من ثروتى ”
لم تتخيل ابدا بعد كل ما خططت له ان يأتى ليتغزل بها فى النهاية … عادت لتجلس على كرسيها فى بطء وهى تقول:
” طيب كنت جاى ليه بقا ..ياريت تتكلم فى الشغل ”
حك رأسه بكفه يجيبها في بساطة :
” كنت جاى اشوف واحدة شبهك وطلعت انتى ..اصلا مينفعش يكون فيه حد شبهك ”
اخذت تدق على المكتب باصابعها الرفيعة …
هذا الوقح المستفز فى طريقه لجعلها تنهار وتفقد اعصابها وتصرخ بحبه بدورها وكأن كل هذه السنوات لم تمر …
امسكت بقلم امامها تعبث به كمحاولة لاخفاء توترتها : ” يوسف بيه يا ريت متنساش ان احنا مفيش بينا حاجة تسمحلك انك تكلمنى بالطريقة دى ”
ابتسم في عبث:
” بجد ؟؟“
رحمها دخول مريم فى تلك اللحظة وهى تقول في عملية :
” الاجتماع جاهز يا فندم ”
نهضت فى تثاقل ..قد نجت بالفعل منه فلو بقيت أكثر معه لا تعلم ماالذي بامكانه ان يحدث :
” فرصة سعيدة يا يوسف بيه …نتقابل فى جولات تانية ”
بخطوة واحدة كان امامها ووضح امامه ارتباكها واهتزاز حدقتيها من قربه هذا …
هى لن تتمالك كثيرا ابدا فليذهب الى الجحيم …رائحة عطره القديم الذي اختارته لها بنفسها تداعب أنفها متلاعبة على ما تبقى من أعصابها من تماسك … ابتسامته القديمة تتلاعب على شفتيه وهو يخبرها في همس مرهق لمشاعرها المضناه :
” المهم ان احنا نتقابل حتى لو فى جهنم نفسها ”
وذهب تاركا اياها تتخبط من جديد …
تتخبط فى عشقه ….
فى شوقها اليه…
فى مشاعرها التى لم تتغير قيد انملة …
لازلت غارقة فى حبه حتى النخاع…
لا تنكر انها اختارت الانتقام كوسيلة للتقرب منه فكرامتها كأنثى ترفض التقرب منه بأى وسيلة اخرى .
وطريقة اخرى جاءت امامها بالمصادفة فقد تعودت منذ فترة على اصطحاب مازن الصغير الى النادى لاداء تدريبات السباحة الخاصة به وفى يوم ذهبت اليه لتعود به الى المنزل فوجدته يلهو مع طفل يبدو فى الرابعة من العمر او الخامسة ، ضيقت عينيها للحظات تتأمل الصغير واقتربت منه لتقطع شكها باليقين قائلة وهى تجثو على ركبتيها تربت على شعره الناعم:
” القمر اسمه ايه ؟؟؟“
رد الطفل بابتسامة ذكرتها على الفور بابتسامة سحرتها لسنوات واوقعتها صريعة مشاعر لم يسبق لها ان عرفتها سوى على يد يوسف البدرى وكما توقعت جاءها الرد :
” ادم يوسف البدرى ”
ابتسمت ايلينا فى خبث ربما كان لديها الفرصة الان فى التلاعب باعصاب ابيه قليلا كما فعل معها من قبل ، اخذت مازن وادم الصغير معها بسهولة فجميع من فى النادى يعرفونها جيدا ولا يمكنهم الشك بها ..
اصطحبت الصغيرين الى احدى النوادى وتركتهما يكملان لهوهما البرىء بينما هى كانت تراقبهما فى سعادة ..
راقبت ادم الصغير …
كم يشبه ابيه في كل شىء حتى حينما يرفع حاجبه في نزق هكذا …
دمعة لمعت فى عينها …
كم تمنت لو كان هذا الطفل منها …
لا يمكنها ان تصدق ان دماء يوسف اختلطت بدماء امرأة اخرى ..من الجيد أن القدر كان اكثر رحمة فالصغير لم يحمل من ملامح جينا اى شىء بل كان نسخة مصغرة من ابيه ..
تشاركت الطعام معهما واطعمت ادم بيدها واالطفل يشكرها بعينيه بنظرة حزينة لا تعرف كيف استوطنت عينيه البريئتين هاتين ..
لاتنكر انها احبته ولا يهم تحت اى مبرر يمكنها ان تصنف مشاعرها ….
هل لانه ابن حبييها ونسخة منه وجزء من روحه ؟؟؟
ام لان الطفل الوديع يستحق تلك المشاعر عن حق؟؟
نظرت فى ساعتها لتجد الوقت قد تأخر بالفعل ..
ابتسمت فى خبث وهى تخرج هاتفها تدير رقم يوسف قائلة فى نفسها:
” افتكر كدة كفاية اوى عليه زمانه مات من القلق ”
اتاها رده ربما من قبل ان يرن الهاتف ، كانت نبراته هادئة تماما بل فاجئها :
” وحشني صوتك ”
ابعدت الهاتف عن اذنها ونظرت اليه فى حيرة قبل ان تعود لتلصقه على صدغها من جديد وهى تفكر منذ متى واصبح بهذا البرود؟؟
طفله من المفترض ضائع وهو يتغزل بها ، نست كل ما كانت تخطط له لتسأله فى ضيق:
” هوا ابنك فين يا يوسف ؟؟“
اتاها رده بعد لحظات :
” فى البيت هيكون فين ؟؟؟“
هو لايعرف اذن تبا له ولاهماله …
صاحت به فى غضب لم تستطع اخفائه:
” فى البيت ..فى البيت ازاى يعنى ..انت روحته بنفسك …كلموك فى البيت قالولك ان ابنك موجود وروح من النادى ”
سمعت انفاسه تتسارع ليهتف بعدها فى ارتباك واضح ” انت تقصدى ايه ..ابنى جراله ايه يا ايلينا انطقى ”
صمتت للحظات …
كم تمنت ان تتلاعب باعصابه قليلا و قلبها الابله رفض ذلك وبشدة لتجيبه فى هدوء :
” تعالى نادى …ابنك معايا ”
وفى دقائق كان هناك …
بحث بعينيه عنها وقبل ان يخرج هاتفه ليعرف مكانها بالضبط وجدها وقد جلس ادم فى حجرها بينما تدفن رأسها فى صدره تدغدغه والطفل تعلو ضحكاته حتى بلل حجابها بلعابه …
ابتسم يوسف فى حزن لكم تمنى ان يكن طفلها هي يعلم انها كانت ستصبح اما رائعة …
حرمها من هذا الحق حين فقدت جنينها بسبب صدمتها فيه …
نعم فقد علم الحقيقة بأ