رواية إنذار بالعشق الجزء السادس للكاتبه مريم غريب #6

5
(2)

 90 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

رواية إنذار بالعشق للكاتبه #مريم_غريب

{ #إنـذار_بالـعشق }

( الجزء السادس)

( 6 )

_متعجرف ! _

إنقضـي اليوم سريعا … و حل المساء علي ذلك الحي الشعبي ، في منزل الريـس “وصفـي”

تجلس “مجيدة” فوق إحدي آرائك الصالون الرثة ، أمامها تجلس “زهرة” القرفصاء و علي وجهها إرتسمت تعابير الألم و القنوط ، كانت مستسلمة تماما لأمها غير قادرة علي التفوه بكلمة لئلا تجد صفعة أو لكمة تخرسها في الحال ، بينما كانت الأخيرة عاكفة علي تمشيط خصيلات شعرها الطويلة غامسة الفرشاة الغليظة بمسحوق نتن الرائحة

لم تقدر “زهرة” علي كتم صراخات الألم من حين لأخر ، فكانت تردعها “مجيدة” فورا بقوستها المعهودة :

-إثبتي يابت . خليني أنضف الهباب إللي في راسك ده و إن كان في حاجة تانية تقع لوحدها .. ماسمعش حسِك فاهمة ؟

زهرة بنبرة باكية :

-ياما دماغي وجعتني . و الله شعري نضيف أنا كل يوم بغسله بالصابون

مجيدة بسخرية :

-و إنتي الصادقة ياختي الصابون ده هو إللي مبوظ شعرك كده و مخليه ماسك في بعضه .. ثم قالت بإبتسامة ملتوية :

-بس دلوقتي تشوفي زيت الخروع و بزر الكتان إللي إشترتهملك هيعملوا إيه في راسك .. دي الإزازة بـ30 جنية يابت !

تدفقت دموع الصغيرة في صمت و صبرت مغلوبة علي أمرها …

يدق جرس الباب في هذه اللحظة ، فتطلق “مجيدة” سراح إبنتها أخيرا قائلة بغلظة :

-قومي إفتحي يابت

تنفست “زهرة” الصعداء عندما قامت من تحت يدي أمها ، كفكفت دموعها و هي تتوجه نحو باب الشقة … شبت علي أطراف أصابعها قليلا لتصل إلي المقبض ، فتحت ، فبزغت إبتسامتها تلقائيا و هي تهتف :

-هيـام !!

-إزيك يا زوزو عاملة إيه يابت ؟! .. قالتها “هيام” و هي تنحني صوب “زهرة” لتقبلها علي خديها

زهرة بإبتسامة عريضة :

-كويسة الحمدلله

-وحشتيني يا مزغودة

-و إنتي كمان

-أختك ساره هنا ؟

-مـيــــن يابـت ! .. كان هذا هتاف “مجيدة”

صاحت “زهرة” من مكانها :

-دي هيام بنت أبلة مني ياما . جاية لساره .. ثم قالت و هي تفسح للضيفة :

-خشي يا هيام ساره لوحدها في أوضتها !

ولجت “هيام” و في يدها حقيبة من البلاستيك ، مرت من أمام “مجيدة” بنظراتها المتلصصة الرزيلة …

-عواف يا خالة مجيدة .. قالتها “هيام” علي مضض مكتفية بإشارة من رأسها بدلا من المصافحة
مجيدة و هي ترمقها بإستخفاف :

-يعافيكي ياختي .. خير يا عنيا جاية في إيه ؟؟ … و سلطت أنظارها الفضولية نحو ما تمسكه بيدها

إغتصبت “هيام” إبتسامة و هي ترد :

-أصلي كنت معدية بالصدفة . قلت أما أدخل أطل علي ساره أصلها وحشتني

هزت “مجيدة” رأسها متمعنة فيها للحظات ، ثم أشاحت بوجهها للجهة الأخري صائحة :

-بت يا زهرة . تعالي يلا عشان أغسلك شعرك !

لمحت “هيام” إنقلاب وجه الصغيرة و المعاناة التي ظهرت عليها ، إبتسمت لها آسفة .. ثم مشت بإتجاه غرفة “ساره”

قرعت الباب ، لينفتح بعد برهة …

-إتأخرتي كده ليه يا هيام ؟! .. غمغمت “ساره” بغضب ، لتكمم “هيام” فمها بكفها و تدفعها للداخل و هي تهمس :

-هشششششش . إكتمي يابت هتفضحينا .. الحربية مرات أبوكي قاعدة تلمع أوكر

أغلقت “هيام” الباب و إستدارت لها …

ساره بضيق :

-أنا مستنياكي من بدري !

هيام مبتسمة بإعتذار :

-معلش كنت بقضي مصلحة للمعلم عطوة . مراته الأولانية طفشت علي بيت أبوها و خدت الدهب . فروحت أرجعه منها

ساره بإنزعاج :

-سرقة تاني يا هيام ؟؟!!

ضحكت “هيام” و قالت :

-يابت أنا إترقيت دلوقتي مابقتش محتاجة أسرق . أنا كل إللي عملته جمعت حبة بنات لسا علي أول طريق الكفاح . خدنا بعضنا و علمتهم يجيبوا القرد من بطن أمه إزاي .. منغير سرقة و كتاب الله

ساره بعدم رضا :

-و رجعتي الدهب ؟

هيام بغمزة :

-عيب عليكي يابت . ده أنا هيام

-طيب يا معلمة .. جبتيلي إللي طلبته منك ؟

-طبعا . ثانية واحدة .. و فتحت الحقيبة البلاستيكية ، لتخرج منها رداء جميل شديد الأناقة ، وضحت عليه قيمته الباهظة

-إيه رأيك يا لووز ؟!

ساره و هي تتناوله من يدها :

-الله يا هيام . شيك أووي

-أي خدمة ياستي

نظرت “ساره” لها و قالت بجدية :

-هيام .. إوعي يكون الفستان ده مسروق !

عبست “هيام” و هي تقول بضيق شديد :

-يابنتي إنتي هتقعدي تأطمي فيا ؟ ما أنا سمعتك لما إتصلتي و قولتيلي عايزة حاجة نضيفة و مش مسروقة . إطمني ياختي هتلبسي حلال

ساره بإلحاح :

-جبتيه منين طب ؟؟

هيام بغيظ :

-عديت علي رجاء في المشغل بتاعها و إستأذنتها فيه يومين

ساره بإحتجاج :

-خدتيه منغير فلوس يعني ؟؟!!

إنفعلت “هيام” :

-يابت إنتي هطقيلي عرق . بقولك إستأذنتها . إستأذنتـهــــا !

-خلاص خلاص إهدي شوية .. هدأتها “ساره” و هي تضحك ، ثم قالت بإمتنان :

-شكرا يا هيام .. إنتي أجدع بت عرفتها في الحتة الموبوئة دي

إبتسمت “هيام” و هي ترد :

-بتتشكري علي إيه يا هبلة إنتي أختي .. بس لو لازم شكرانية يعني و كده . إكسبي فيا ثواب و حنني قلبه عليا

ساره بإستغراب :

-هو مين ده ؟!

هيام ، بهيام :

-هيكون مين غيره ؟ .. إللي مجنني و مطير النوم من عيني . إللي صوته بيلبشني و نظرة عنيه بترعش قلبي . هيييييح .. صـــلاح !

ساره بتفهم :

-إممممممم . صلاح .. ماشي يا هيام هبقي أشوف الموضوع ده

أمسكت “هيام” ذراعها بكلتا يداها و هي تقول بلوعة :

-و حياة العيش و الملح لتحاولي تخليه ينتبه ليا شوية . ده أنا هتجنن ياختي .. مش بيبصلي خآاالص و عامل فيها محترم إبن وصفي و مجيدة

ساره و هي تضربها علي رأسها موبخة :

-إحترمي نفسك يابت أخويا محترم غصب عنك

-ماشي ياستي محترم و بيدي الدروس في الجامع كمان . بس كلميه عني شوية .. عشان خاطري يا ساره !

-حاضر يا هيام هحاول أساعدك و الله . بس نصيحة أخوية ماتوقفيش حياتك علي صلاح

-يعني إيه ؟!

-يعني خليكي عادي . لو لاقيتي قدامك فرصة أحسن من صلاح شيليه من دماغك و عيشي حياتك في الأخر محدش يعرف إيه إللي في دماغه بالظبط

هيام بجدية تامة :

-أنا عمري ما هكون مع حد غير صلاح . أخوكي بيستهبل من زمان بس هو عارف كويس إني عيني عليه و أنا مش هسيبه إلا عند المأذون و هتشوفي يانا يا هو

ساره بإبتسامة :

-و الله لو حصل أنا هكون أسعد واحدة في الدنيا .. ربنا يوفقكوا لبعض يا حبيبتي

تنهدت “هيام” و قالت :

-ماشي ياستي . المهم ماقولتيش إنتي هتروحي فين كده بالطقم الفخيم إللي خلتيني أستقضاهولك ده ؟؟؟

ساره بفتور :

-مش رايحة إتفسح أنا يا هيام ده أنا قريت إعلان شغل في الجرنان هاروح أقدم

إبتسمت “هيام” و قالت و هي تربت علي كتفها بعطف :

-إعملي إللي إنتي عايزاه يا حبيبتي .. إعملي أي حاجة تبسطك و تشغل وقتك . و تنسيكي إللي حصلك كله

ردت “ساره” الإبتسامة لها ، و قالت برقة لا تخلو من الحزن :

-مهما عملت يا هيام . عمري ما هنسي !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

صباح يوم جديد …. تجلس عائلة الريـس “وصفي” علي مائدة الفطور المتواضعة

يباشر “صلاح” إبتلاع و مضغ طعامه بطريقته المميزة ، لا ريب أن تلك الطريقة من شأنها أن تثير إشمئزاز من يجالسه علي طاولة واحدة

إلا أن عائلته و أناس منطقته إعتادوه هكذا و لا ينفرون منه إطلاقا ، بل أنه ( زين الشباب ) كما يطلقون عليه ، لكنه بالحقيقة لم يآبه كثيرا بمدحه أو ذمه ، كان يكفيه دوما أن يظل الجميع يخشاه لكي تبقي سيطرته سائدة …

تخرج “ساره” من غرفتها في هذه اللحظة .. إجتذبت نحوها الأنظار … لكن ركزت هي ناظريها علي شخص واحد فقط ، لم تعبأ إلا به و كأن لا يوجد فرد أخر غيره …

منحته وحده إبتسامتها المشرقة و هي تقول :

-صباح الخير يا صلاح !

يبتسم “صلاح” لها بدوره قائلا و فمه ممتلئ بالطعام :

-صباح الفل يا ست البنات . خلاص ناويتي ؟

و أخذ يتفحص شكلها البديع و لباسها الأنيق … فستان زهري ، واسع فضفاض ، يتوسطه حزام رفيع من المعدن الذهبي ، و كللت رأسها بحجاب قاتم لائم لون جزمتها الجديدة …

-إدعيلي يا صلاح .. قالتها “ساره” و هي تمسك بيده الكبيرة و تقبض عليها بشدة لتستمد منه بعض القوة

صلاح بصوته الخشن :

-ربنا معاكي . بس لو إحتاجتي حاجة أو حصلك أي حاجة إتصلي بيا بس .. هتلاقيني قصادك في خمس دقايق

ساره بإبتسامة :

-حاضر يا حبيبي ! .. و إنحنت لتطبع قبلة علي خده

قبلت “زهرة” أيضا و غمرت رأسها في حضن قصير ، ثم غادرت دون أن تزيد قول أو فعل أخر …

-شايفين قليلة الرباية و لا قالت صباح الخير حتي ! .. قالت “مجيدة” هذا و هي تقذف إبنها و زوجها بنظراتها الحانقة

ليرد “صلاح” بصرامة :

-إسمعـي يامـا . الكلام ده أنا مش هكرره تاني و ياريت تحطيه في بالك كده و تفتكريه كويس من هنا لجاي .. ساره دي مالكيش دعوة بيها خالص . لا بخير و لا بشر و لو سمعت بس إنك ضايقتيها بكلمة حسابك هيبقي معايا أنا يا معلمة فهماني ؟

مجيدة بغضب :

-و الله عال يا سي صلاح . بتكلم أمك باللهجة دي !!

-إنتي إللي عايزة كده . قولتلك 100 مرة ساره خط أحمر و بعدين إحمدي ربنا إنتي و الريس وصفي إني عديت إللي عملتوه معاها بمزاجي . أنا لو كنت سيبت نفسي عليكو كان زماني في السجن دلوقتي

-طيب و بالنسبة للطلوع و الخروج إللي منغير إذن ده يا معلم صلاح ؟! .. قالها “وصفي” بنبرة تهكمية

-متنساش إنها بقت مطلقة دلوقتي ؟

نظر له “صلاح” و رد بثقة :

-ساره مابتعملش حاجة منغير إذني يا ريس . إركن إنت و إرتاح و ماتشغلش بالك بيها .. ساره بقت تحت مسؤوليتي أنا و أنا بس إللي يحقلي إتصرف فيها براحتي . فاهمين إنتوا الإتنين ؟؟

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في قصر عائلة “الراوي” …

في غرفة الجدة “جلنار” ، يجلس “عمر” أمامها فوق كرسي محاذي لسريرها ، يمد يده لها بحبة الدواء فتأخذها و ترتشف من الكأس الذي ناولها إياه

يبتسم لها بحب قائلا :

-بالشفا يا حبيبتي !

جلنار و هي ترد له الإبتسامة :

-تسلملي يا قلبي .. بس صدقني يا عمر إنت وجودك جمبي دوا أصلا و أنا مش عايزة أكتر من كده

-ربنا يخليكي ليا . بس لازم تاخدي علاجك يا جلنار هانم . أنا مش هستحمل أشوفك تعبانة تاني زي ما شوفتك في المستشفي .. إنتي ماتعرفيش مكانتك جوا قلبي عاملة إزاي … و أمسك بيدها ليقبلها

مسحت جلنار علي شعره قائلة :

-ربنا يمد في عمري يا حبيبي لحد ما أشوف ولادك و أفرح بيك يارب !

و هنا يدخل “نصر الدين” …

-الله ! عمر هنا ؟

-تعالي يا نصر .. هتفت “جلنار” باسمة

أقبل “نصر الدين” نحوهما قائلا :

-أنا كنت فاكرك لسا ماخلصتش مع البنتين إللي جم من شوية !

أدار “عمر” عينيه شاعرا بالضيق و رد :

-و لا واحدة منهم عجبتني .. الإتنين مش مظبوتين

جلنار بإستغراب :

-مين البنتين دول يا نصر ؟!

نصر الدين و هو يجلس بجوارها علي طرف الفراش :

-دول يا أمي إللي كانوا جايين عشان الوظيفة بتاعتك . أنا مش قولتلك هاجبلك Sitter !

جلنار بضيق شديد :

-إنت بردو مصمم علي الموضوع ده ؟ . قولتلك مش عايزة يابني و لا كلكوا شايفني مكسحة يعني ؟؟

عمر عابسا :

-بعد الشر عليكي يا تيتة . بابا مش قصده إللي فهمتيه .. هو عايز يريحك بس و متخيل إنه بكده بيزود إهتمامه بيكي

-بالظبط كده ! .. قالها “نصر الدين” موافقا و تابع :

-يا أمي أنا ببقي مشغول عنك معظم الوقت و مش معني إن عمر رجع فهو كده هيبقي تحت تصرفك طول الليل و النهار . عمر كمان يومين و هينزل الشغل معايا و مع إخواته أنا سايبه بس لحد ما يختارلك البنت المناسبة

جلنار بتذمر :

-و هي البنت المناسبة دي هتعملي إيه يعني ؟

-هتعمل حاجات كتير يا أمي و أهم حاجة هتعملها إنها هتملا وقتك . إنتي نسيتي إن بقالك فترة كبيرة مش بتقري في الكتب بتاعتك بسبب تعليمات الدكتور ؟ . البنت دي بقي هتقرالك زي ما إنتي عايزه و هتكون مثقفة بطريقة تخليكي تحبي عشرتها . هتتناقشي معاها و هتسليكي جدا صدقيني !

صمتت “جلنار” بتفكير و قد أغرتها إقتراحات إبنها .. نظرت له بعد برهة قائلة :

-ماشي يا نصر .. أنا موافقة بس علي شرط !

نصر الدين برحابة :

-إللي إنتي عايزاه يا حبيبتي أؤمري !!

جلنار و هي توجه أنظارها صوب “عمر” :

-ماتخدش عمر مني . يعني مش كل وقته يبقي ليك يشتغل معاك آه بس يبقي ليا نصيب فيه بردو

نصر الدين بإبتسامة :

-بس كده ؟ تحت أمرك . أوعدك إني هقلل ساعات الشغل بتاعته عشان يرجعلك كل يوم بدري و تشبعي منه زي ما إنت عايزه

-عمر بيه ! .. هتفت الخادمة و هي تقف علي أعتاب الغرفة

إلتفت لها “عمر” متسائلا :

-في حاجة يا بشري ؟

بشري : في أنسة جديدة جت عشان الوظيفة إللي بلغتنا بيها

عمر و هو يومئ بتفهم :

-تمام . و قعدتيها فين ؟

بشري : هي دلوقتي في أوضة المكتب منتظرة حضرتك !

……………………………………………………………………….

كانت “ساره” تجلس هنا في هذه الغرفة الفخمة مرتجفة البدن … لم تخف عليها هالة الرغد و الترف المحيطة بها من كل حد و صوب ، إذ كل حجر بني و كل قطعة أثاث يحويها ذلك المنزل تحدث عن مدي ثراء أصحابه و علا قدرهم

كم شعرت بحقارة نفسها و خاصة في ذاك الثوب الذي ظنت إنه سيعززها قليلا حين تطئ هذا القصر بقدميها ، و بئس ما فعلت ، لقد بقي دعائها الوحيد الآن ألا يصدق تنبؤ “صلاح” بإحتمالية التسفيه من شأنها ثم طردها خارجا شر طردة …

هزت “ساره” رأسها بقوة و تهمس لنفسها بإصرار :

-لأ يا ساره . لازم تتقبلي في الشغلانة دي . لازم بأي طريقة !

ينفتح باب غرفة المكتب في هذه اللحظة ، تقف “ساره” تلقائيا و عيناها مصوبتان علي القادم هناك … و كما توقعت ، صدمها البريق الأزرق مرة أخري ، فإنفلتت خفقة من القلب خارج الإيقاع ، بينما ظل “عمر” بمكانه قليلا يحدق في هذه الفتاة المألوفة

ضيق عينيه و هو يمعن النظر في وجهها ، الأمر الذي ضاعف من توترها و جعلها تتعرق وسط طقس كانون الثاني القاس … تنحنح “عمر” و تقدم نحوها و هو يقول مرحبا :

-أهلا . أهلا يا أنسة .. مساء الخير ! … و مد يده لها بالمصافحة

ترددت “ساره” للحظة ، ثم أودعت يدها بيده قائلة بصوت متأثرا بنبضات قلبها السريعة :

-مساء النور يا أستاذ عمر . أنا مبسوطة جدا إني قابلتك للمرة التانية !

عقد “عمر” حاجبيه و هو يرد بحيرة :

-أنا كمان بشبه عليكي أوي . بيتهيألي شوفتك من فترة قريبة .. بس فين ؟!

إزدردت “ساره” ريقها بصوت مرتفع و قالت غير قادرة علي التحييد عن أمواج عيناه المتلاطمة :

-أنا ساره وصفي يا أستاذ عمر .. أنا إللي وقعت قدام عربيتك من كام يوم و ودتني المستشفي !

إرتخت تعابيره فورا حين ذكرته بنفسها أخيرا ، سرعان ما إستعاد تلك الذكري كاملة .. نعم فهذه هي تماما ، نفس البشرة الخمرية ، و الوجه الطفولي ذي الملامح الأنثوية ، و لكنه لا يري شعرها كما رآه بالمرة السابقة …. إنها تغطيه الآن ، ربما لم يعرفها بادئ الأمر لهذا السبب …

-أهلا بيكي ! .. تمتم “عمر” بجفاف هذه المرة ، و أكمل :

-يا تري إيه سبب تشريفك ليا في بيت العيلة ؟ . إنتي قررتي تعملي محضر و عايزاني أجي أشهد و لا إيه ؟؟

نفت “ساره” بسرعة :

-لالالا حضرتك مش كده خالص . أنا ماجتش عشان كده

عمر بفظاظة :

-أومال إنتي جاية ليه ؟ . عايزة تسلمي عليا مثلا ؟!

تفاجأت “ساره” من حدة طباعه التي ظهرت مرة واحدة ، لقد عاهدت القليل منها بالمقابلة الأولي لكنها ظنت إنه كان متوتر حينها و هذا ما جعله يبدو بهذه العصبية .. لكنه الآن لا يبدو عصبيا إطلاقا ، بل أنه ( قليل الذوق ) !

-لأ يا أستاذ ماجتش عشان أسلم عليك و لا حاجة .. قالتها “ساره” و قد إكتسبت نبرتها شئ من القوة ، و أردفت :

-أنا جيت عشان الوظيفة دي ! .. و أخرجت ورقة الجريدة من حقيبتها الصغيرة و رفعتها أمام ناظريه

نظر “عمر” إلي الإعلان الذي يعرفه جيدا ، ثم نظر لها … تأملها بعيناه الزرقاوتان من رأسها لأخمص قدميها بطريقة أزعجتها ، ثم قال بهدوء :

-طيب إتفضلي يا أنسة ! .. و مد يده نحو صالون صغير بأقصي الغرفة

رمقته “ساره” بدهشة للحظات ، ثم إستدارت حيث أشار و ذهبت لتجلس .. بينما توجه “عمر” نحو المكتب الضخم ، فتح أحد أدراجه و أخذ شيئا لم تستطع “ساره” تبيانه و وضعه بجيبه ، ثم مشي ناحيتها …

جلس قبالتها و هو يقول :

-ممكن تقوليلي إنتي خريجة إيه بالظبط ؟

أحمـَّرت وجنتها من شدة الحرج و ردت بصعوبة :

-أنا مش خريجة .. أقصد ماكملتش لحد الجامعة . أنا معايا ثانوية عامة !

رفع “عمر” حاجباه و كرر مدهوشا :

-ثانوية عامة !! .. ثم قال بجدية :

-أنسة آاا ..

-ساره !

-أنسة ساره إنتي قريتي الإعلان كويس ؟ . الإعلان طالب Sitter معاها مؤهل عالي !

ساره بنبرة متفهمة :

-أنا عارفة الإعلان طالب إيه . بس أنا شايفة نفسي هنفع في الشغلانة دي .. محتاجة الفرصة بس عشان أثبت ده

فكر “عمر” بعض الوقت … هو أصلا لم يكن ليعطيها هذه الوظيفة ، إعتزم هذا قبل أن يحاورها و كان ينوي أن يردها خائبة ، لكن ليس تماما ، كان سيعطيها مبلغا من المال كتعويض عما سلف .. إنما هي أذهلته تماما …

-للأسف يا أنسة يا ساره . مش هينفع أديكي الوظيفة دي !

هكذا رفض “عمر” بإسلوبه الجاف و قد وضع ساقا فوق ساق …

توهجت نظرات “ساره” و هي ترد بشئ من الإنفعال :

-يعني إيه مش هينفع ؟ و ليه أصلا مش هينفع ؟ . حضرتك شايفني ناقصة إيد و لا رجل ؟ و بعدين دي شغلانة بسيطة جدا و أي حد ممكن يعملها

-من فضلك يا أنسة صوتك مايعلاش هنا ! .. أنذرها “عمر” بغلظة ، و تابع :

-و بعدين المسألة مش محتاجة جدال . إنتي مش مستوفية شروط الإعلان .. لا معاكي مؤهل و لا معاكي لغات . إنتي معاكي لغات ؟

عضت “ساره” علي شفتها بقوة و قالت :

-لأ !

-خلاص يبقي بنتكلم في إيه أصلا ؟ أنا مش عارف أساسا إنتي إزاي جه في بالك إنك ممكن تتقبلي في شغل زي ده !!

حدجته “ساره” بنظرات غاضبة و هي تقول بجرأة كبيرة :

-هو حضرتك ليه قليل الذوق كده ؟؟!!

عمر مفغرا فاهه بصدمة :

-أنا .. قليل الذوق !

ساره بتأكيد :

-آه بصراحة جداا2

إبتسم “عمر” رغما عنه و رد :

-أوك . إللي تشوفيه .. بس بردو قراري مش هيتغير

ساره مزمجرة :

-قرارك إللي هو إيه يعني ؟ لازم تعرف إني مش هسمحلك تعمل معايا كده منغير ما أخد فرصتي

مالكيش عندي شغل يا شاطرة ! .. قالها “عمر” بصرامة وقحة ، و أكمل و هو يقذف بمجموعة من الأوراق النقدية أمامها علي الطاولة :

-و مقدرش أقدملك إلا المبلغ ده . إعتبريه تعويض . مساعدة إحـســان أو أي حاجة .. بس أكتر من كده مش هتلاقي هنا . شرفتي … و أشار بيده لها نحو الباب

إبتلعت “ساره” الإهانة القاسية و قد حرصت علي ألا تظهر أي تأثرا بكلماته .. رمقته بنظرات زجاجية للحظات ، و قالت بنبرة حادة :

-أنا لو مشيت من هنا منغير الشغلانة دي .. هتندم أوووي يا عمر بيه

صمت “عمر” لثوان ، ثم قال ببرود :

-أفندم !

ساره بتهديد :

-هعملك فضايح في كل حتة .. إنت مش أدي و ماتفتكرش إنك أقوي بفلوسك و مركزك . أنا أقدر بإشارة أبوظلك إسمك و إسم عيلتك إللي فرحان بيه ده ! ……. !!!!!!!!!!!5

يتبــــع ….

رواية إنذار بالعشق الجزء السابع للكاتبه مريم غريب #7

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

#موقع_رييل_ستورى

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 2

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful...

Follow us on social media!

0%
Reel-Story © 2020 | Established in 2019 Privacy Policy I Terms & Conditions I Advertise I Contact