رواية إنذار بالعشق الجزء الثانى للكاتبه مريم غريب #2

5
(2)

 166 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

رواية إنذار بالعشق للكاتبه #مريم_غريب

{ #إنـذار_بالـعشق }

( 2 )

_ ليلة إسعاف ! _

كان المطر قد بدأ رذاذا خفيفا عندما شارف “عمر” علي عبور بوابات مدينة الـقاهرة ، كم من الوقت إستغرقه الطريق ؟ .. لم يحسبها تماما لكنه يعرف أنه قطع مسافة طويلة جدا تزيد عن الساعتين و هو يقود كالمجنون ، ‭500‬ كيلومتر قطعهم في زمن قياسي غير عابئا ما إذا إلتقطه ردار السرعة و أرسل خلفه دورية لمعاقبته ، كان همه الوحيد هو أن يصل إليها ، أن يكون أمامها خلال طرفة عين ، جدته الغالية … أكثر إنسانة يحبها في الوجود
منذ أن تلقي الإتصال المشؤوم من أخيه ، أخيه الكبير و أكبر نذل عرفه بحياته أيضا ، طلب منه أن يحضر فورا للإمتثال أمام الجدة المريضة ، فقد داهمتها إحدي الأزمات القلبية المعتادة ، لكن هذه المرة كانت أقوي فطلبت أن تراه ، حفيدها المقرب إليها و إلي قلبها ، و لو أنه لم يجني من وراء حبها و حنانها هذا سوي المشقة و العذاب ، أما حب والده و تفضيله له فقد أودي به إلي منفاه الساحلي الرائع ، و كل هذا بسبب الحقد المتفاقم بين إخوته ، لطالما ضمروا له الضغينة و العداء ، ليس جميعهم لكن الأمر كان يؤلمه كثيرا ، أما الآن بعد أن أصبح منيعا ضد هذه المشاعر ، أو بعد أن أصبح مجردا من المشاعر بمعني أدق ، لم يعد يآبه بأي شئ ….

يدق هاتفهه في هذه اللحظة. يتناوله علي الفور مجيبا بصوته الآجش :

-ألو !

-إنت فين يابني ؟ .. كان هذا الصوت الصارم لوالده

يجيب “عمر” بلهجة ثابتة :

-أنا خلاص قربت . قدامي 10 دقايق

نصر الدين بحزم :

-بسرعة . جدتك رافضة تطلع مع الإسعاف قبل ما تشوفك

أصابت قلبة إنقباضة خفيفة و هو يرد متمسكا برباطة جأشه :

-مش هتأخر . دقايق بس و هكون قدامها

نصر الدين و قد لانت نبرته الآن :

-خلي بالك من نفسك . إحنا مستنينك !

أقفل “عمر” الخط مع والده و هو يزيد من سرعة السيارة ، مد يده ليضع الهاتف بجوار المقود ، سقط منه سهوا فأطلق سبة غاضبة و هو ينحني ليلتقطه ، رفع رأسه من جديد ليصطدم برؤية أحدهم هناك أمامه علي الطريق

إتسعت عيناه بصدمة ، من أين ظهر ذلك الجسم وسط العتمة كالأشباح هكذا ؟ .. كانت السيارة تعدو منطلقة بسرعة رهيبة حيث أن من المستحيل السيطرة عليها قبل أن تدهس ما أمامها ، لم يجد “عمر” خيارا سوي الكبس بقوة بمنتصف عجلة القيادة و إطلاق زامورا مدويا

ظل يكبس بإلحاح شديد لينبه ذاك الغافل عن مصيره الأسود إذا لم يبتعد في الحال ، لكن ما دب الذعر في قلبه حقا حين سقط الجسم فجأة و قد كان علي بعد مسافة لا تذكر منه !!!

لا يعرف كيف إنحرف بالسيارة فجأة متوغلا بالرمال التي تحد الأسفلت تماما ، كانت السيارة تدور حول نفسها قبل أن تتوقف نهائيا علي الجانب الرملي المغبر ، ترجل “عمر” فورا و هو يبحث بعيناه عن ذلك الشخص الأبله .. ميزت أنظاره الجسم المسجي هناك علي بعد مترين منه ، توهجت حدقتاه و هو يشق طريقه في هذا الإتجاه … كان عازما علي تلقين ذاك الأخرق درسا قاسيا و صب جام غضبه عليه ، كانت الدماء تغلي و تفور بعروقه …. و فجأة جمد بمكانه ، شخصت عينيه بصدمة مضاعفة و هو يعاين هذا المنظر بعدم تصديق …
لم يكن رجلا ، لم يكن شابا أو حتي فتي يتجول في تلك المنطقة النائية بهذا الوقت المتأخر ، بل كانت فتاة .. فتاة ملقاة أمامه علي مطلع الطريق الصحراوي ، ترتدي ثوب الزفاف ، و فاقدة الوعي !

أجفل “عمر” بتوتر و تلفت حوله بلا هدف ، كان حائرا ، ماذا عليه أن يفعل ؟ .. كيف يساعدها ؟ … ماذا لو كانت ميتة ؟
اللعنة ما هذا الحظ ؟! .. أي بلاء هذا الذي أنزله الله به في تلك الساعة تحديدا ؟؟؟!!!

لم يستطع “عمر” تجاهل نداء الرجولة و الشهامة بداخله و إن لعن نفسه سرا علي هذه الصفات التي لم ينجح بالتخلص منها أبدا ، زفر بقوة و هو يجثو علي ركبتيه أمام هذه المخلوقة … كان شعرها الغامق يغطي وجهها ، فمد يده و أزاحه ليراها بوضوح

لوهلة إرتبك عندما إنكشفت له ملامحها ، وجه أثنوي مائل للطفولي ، تلطخه دموعها الممتزجة بكحل عينيها … تري ماذا حدث لها ؟ من أين أتت ؟ و كيف إنتهي بها الأمر هكذا ؟؟؟

و هنا تململ “عمر” فجأة و قد زم شفتاه متذكرا صورة جدته ، تصرف بشئ من التبلد الآن و هو يضرب خدها بكفه هاتفا بجمود :

-يا أنسة .. يا أنسة … إنتي يا أستــاذة !

و لكن لا رد …

تأفف “عمر” مغمغما بضيق شديد :

-واضح إن مافيش فايدة . مش هينفع أسيبها كده في البرد و الحتة المقطوعة دي .. وقعتي عليا منين إنتـي ؟! … و دس يديه تحتها ، ثم رفعها بسهولة علي ذراعيه

سار بها صوب سيارته ، وجد صعوبة قليلا بسبب فستانها المنتفخ حين وضعها بالمقعد الخلفي ، لكنه نجح أخر الأمر و أغلق الباب جيدا .. إستقل خلف المقود ثانيةً ، تنهد بحرارة و هو يشغل المحرك .. ألقي نظرة خاطفة علي الفتاة الغريبة ، ثم إنطلق مجددا …..

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

يخرج الشيخ “راشد” من قاعة الحمام الفاخرة متآزرا بروب الإستحمام السميك ، كان يجفف شعره الأشيب بتلك المنشفة الصغيرة عندما ولج إلي حجرة النوم و هو يدندن إحدي الأغنيات الرائجة ببلده ..

راشد بصوته الناشز :

-تعال اشبعك حب اشبعك دلال
تعال يابن الحلال . بس لك منطي مجال .. ثم نظر بإتجاه السرير مكملا بإبتسامته الخبيثة :

-إتأخرت عليكي يا چميل ؟

لكنه وجده فارغ … لم تكن “ساره” هناك ، حتي الفستان الذي جردها منه بيديه ، لم يكن ملقي بجوار السرير كما تركه !

تلاشت إبتسامة “راشد” و حل محلها العبوس ، إستدار خارجا من الحجرة و هو ينادي بصوت عال :

-ســـاره … ســـاره … ســـاره .. وينك يالمري ؟؟!!

بحث عنها بالشقة كلها ، لم يترك مكانا إلا و فتش فيه … إلي أن وصل عند باب المنزل ، وجده مفتوحا ، ليتضح الأمر سريعا له ….

-هربتي يا ملعونة !! .. غمغم “راشد” من بين أسنانه ، و أردف :

-خسرتي و الله . ما بتستاهلي النعيم يلي كنتي حتشوفيه .. علي رأي المصريين ( وش فقر ) !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كان منزل عائلة “الراوي” عتيقا مهيبا جليلا ، في الحقيقة كان قصر ، لعل تاريخ إنشائه يتجاوز المئة .. كان مطليا كله بلون أبيض زاهي ، رقعة البيت نفسه واسعة جدا ، مربعة الشكل ، تنهض بثلاث طوابق ينعكس عليهم أضواء مصابيح الإنارة من كل مكان … في الطابق الأرضي ، جنوبا ، تنفرد السيدة “جلنار” بجناح خاص مستقل .. كانت غرفتها الآن مزدحمة ، تغص بسكان البيت كله

يقف “آسر الراوي” الحفيد الأكبر بجوار جدته ، كانت زوجته الشابة الجميلة خلفه تماما ، تتمسك بذراعه ، بينما يمسك هو يد الجدة بيده الأخري ، إنحني ليقبل جبهتها قائلا بلهجة هادئة مفتعلة :

-هتبقي كويسة يا تيتة . ماتخافيش !

-أنا مش عارف إحنا مستنيين إيـه ؟ .. قالها “زياد” الأصغر متذمرا و هو يعيد ضبط عبوة الأكسچين فوق أنف الجدة

آسر بإبتسامة هازئة :

-مستنيين معالي الباشا طبعا . عمر بيه الراوي .. ماتقلقش زمانه جاي يا زياد

تتدخل “يسرا” .. الأم ، في هذه اللحظة موبخة و هي ترمقهم بنظرات محذرة :

-بس إنت و هو . مش وقته خالص إللي بتعملوه ده . إحنا في إيه و لا في إيه ؟؟

و هنا دق هاتفها في يدها ، نظرت إلي الشاشة الساطعة و هي تتمتم بضيق :

-يآاااه يا معتز هتفضل تزن كده كل شوية !

آسر بجدية :

-ردي عليه . ده في غربة و عايز يطمن

يسرا و هي ترشق “زياد” بنظرة حانقة :

-ما هو لو ماكنش أخوك إللي لسانه زالف ده ماراحش قاله لما إتصل كان الجو هيبقي أهدا من كده

آسر مكررا بهدوء :

-معلش ردي عليه . طمنيه علي جدته بدل ما نبص نلاقيه جه في أول طيارة هو و مراتو و بنته

زفرت “يسرا” بضجر و إستدارت متجهة نحو الشرفة لترد علي الهاتف …

تمتد يد “جلنار” في هذه اللحظة لتزيل عبوة الأكسچين عن وجهها ، يلاحظها “زياد” فيحاول منعها قائلا :

-بتعملي إيه يا تيتة ؟ سبيها كده مش كويس عشانك

أدرك “آسر” من إصرار الجدة أن هناك خطب ما ، فأمر أخيه بصرامة :

-سيبها يا زياد . شكلها عايزة تقول حاجة !

حركت “جلنار” عيناها مؤيدة ملاحظة “آسر” ، فترك “زياد” يدها ، لتقول الأخيرة بصوت ضعيف جدا بعد أن رفعت الحائل الزجاجي عن فمها :

-عايـ…ـزة سـلـ…ـيم !

جمد وجه “آسر” بينما أمتقع وجه “زياد” ليغمغم بلهجة ساخطة و هو ينظر في عيني أخيه :

-أنا حاسس إن إحنا مالناش لازمة هنا سليم و عمر كانوا كفاية أوي

-زيـاد ! .. هتف “آسر” و هو يزجره بقوة

أشاح الأخير بوجهه غير راضيا عن هذا كله ، ليربت “آسر” علي يد جدته و هو يقول لها مبتسما :

-سليم نايم دلوقتي يا تيتة . إحنا قربنا علي الفجر و هو عنده مدرسة الصبح . لكن أوعدك أول ما يرجع من مدرسته هجيبه لحد عندك عشان تشوفيه

-وسعوا كلكوا الإسعاف داخلة ! .. كان هذا صوت “نصر الدين” الذي عاد إلي الغرفة من جديد و قد صار وجهه مكفهر أكثر

أفسح الجميع إنصياعا لآوامره ، ماعدا “آسر” .. ظل واقفا بلا حراك و هو يقول بسخرية :

-حضرتك كل ده كنت بتكلم عمر ؟ . يا تري وصل لفين دلوقتي ؟ . و لا هو أساسا لسا ماقامش من علي سريره من ساعة ما كلمته أنا

حدجه “نصر الدين” بنظرات غاضبة ، كان يعلم ما يحاول إبنه الوصول إليه ، لذلك مضي ناحيته و إجتذبه من ذراعه بعيدا و هو يقول بصوت كالهسيس :

-أنا مش هسمحلك بأي ألاعيب الليلة دي . إحترم نفسك و خليك راجل و لو لمرة . جـدتك بيـن الحياة و المـوت

تجاهل “آسر” نعت والده اللاذع و قال بنفس التعبير الساخر :

-و الإسعاف هتاخدها إزاي قبل ما يوصل بسلامته ؟ . مش هي رافضة تروح معاهم غير لما يجي سي عمر !!

كز “نصر الدين” علي أسنانه و جاهد كثيرا لئلا يفقد أعصابه في هذا الموقف الحرج ، أغمض عيناه بشدة و فتحهما ثانيةً و يزفر مطولا ، ثم قال :

-أخوك عمل حادثة و هو جاي . سبقنا علي المستشفي . تفتكر أنا ينفع أقول خبر زي ده لجدتك و هي في الحالة دي ؟!

برقت عينا “آسر” للحظة و هو يقول و قد عجز علي إخفاء نبرة السرور في صوته :

-عـمر . عمل حـادثة !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

يصل “عمر الرواي” إلي مشفي المدينة التخصصي …

نزل من سيارته و توجه بخطوات مهرولة صوب البوابة ، فتحها و دخل إلي قسم الطوارئ باحثا عن طاقم الإسعاف

وجد الرئيس هناك ، شرح له الأمر بإيجاز ، فأرسل معه الأخير ستة أفراد معهم النقالة المعدنية .. فتح “عمر” لهم الباب الخلفي ، فتولوا أمر الفتاة ، حملها بعضهم بحرص و البعض الأخر تلقاها علي النقالة .. تقدمهم “عمر” ماشيا علي قدميه بتمهل

وضعوها بغرفة الإسعاف ، و كانت عبارة عن غرفة طويلة فيها صفوف من الأسـَّرة تفصل الستائر الصغيرة بين كل سرير و سرير … كان “عمر” يقف بأخر سرير رفيقته ، راقبها في صمت عندما وضعت الممرضة مقياس الضغط حول ذراعها ، و جاءت أخري لتضع ميزان الحرارة تحت لسانها

بدا أن الإثنتين لم تلاحظا وجوده حين دار بينهما ذلك الحديث النسائي المعابث …

فالأولي تقول :

-ختامها مِسك إنهاردة . دي عروسة !

ترد الثانية محاولة كتم ضحكتها :

-طلعت من النوع إللي بيروح المستشفي . ياما ورد علينا زيها

الأولي : لأ و إنتي الصادقة . شكل الحيوان جوزها هو إللي غبي . ما أصل الجهل هيعمل فينا إيه أكتر من كده ؟!

الثانية : إنتي شخصتي بسرعة من قبل ما كشف النسا حتي ! إصبري لما الدكتور يجي و نعرف فيها إيه بالظبط

الأولي بإنفعال :

-هيكون فيها إيه يعني ؟ . ما الحكاية واضحة زي الشمس أهيه . جهل و همجية !

و إستدارت فجأة فإتصطدمت بـ”عمر” …

-إيه ده إنت مين ؟ .. قالتها الممرضة الحانقة بمزيد من الإنفعال

مالت زميلتها نحوها مغمغمة بخبث :

-شكله جوزها !

سمعها “عمر” فأوضح بلهجة حادة :

-أنا إللي جبت الأنسة هنا . كانت واقعة علي الطريق و كنت هخبطها بعربيتي . كنت مستني بس لما أطمن إنها بخير عشان أمشي

-تـمشي فـــين يا حـضرة ؟ إنت فاكرنا هنسيبك تمشي ؟ لأ مش قبل الشرطة ما توصل و نفتح محضر إحنا إيش عرفنا إنك مش جوزها و مألف علينا الحوار ده و تكون عملت فيها حاجة !

حدق “عمر” فيها بقوة و هو يشد علي أسنانه غضبا و قال :

-باين إن مافيش تمييز خالص . يعني لو ده منظر عروسة ! .. و أشار نحو العروس الساكنة فوق السرير الطبي ، ثم أشار لنفسه مكملا :

-ده شكل عريس ؟

تفحصته الممرضة معاينة ملابسه الشتوية العادية و جزء كبير من عقلها منصت لمصدقيته ، إلا أنها عاندت بحدة :

الممرضة : مش هتمشي يافندم . لازم الشرطة تيجي الأول و هي إللي تقرر

عمر و هو يكافح لإحتباس غضبه بداخله :

-أنا عندي ظروف . مش فاضي للكلام ده . ممكن أجي بعدين

الممرضة بعناد :

-بردو لأ

و هنا نفذ صبره تماما ، كاد أن يطلق لشره العنان … لولا ذلك الصوت الضئيل المشوش الذي قاطعهم :

-أنا فـين ؟ . إنتوا مـين ؟؟؟؟ ……….. !!!!!!!!!!!

يتبـــع …

رواية إنذار بالعشق الجزء الثالث للكاتبه مريم غريب #3

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

#موقع_رييل_ستورى

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 2

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful...

Follow us on social media!

0%
Reel-Story © 2020 | Established in 2019 Privacy Policy I Terms & Conditions I Advertise I Contact