رواية إنذار بالعشق للكاتبه مريم غريب

5
(2)

 244 اجمالى المشاهدات,  2 اليوم

رواية إنذار بالعشق للكاتبه #مريم_غريب

{ #إنـذار_بالـعشق }

الشخصيات :

بطلا الرواية ( عمر الراوي / ساره وصفي )

_ ( نصر الدين الراوي ) والد “عمر”
_ ( إيلين باسيلي ) والدة “عمر” المتوفاة
_ ( يسرا الشلاتوني ) زوجة “نصر الدين” الأولي
_ ( آسر الرواي ) إبن “نصر الدين” الأكبر من زوجته “يسرا” و يليه “عمر” بعد زواج الأب الثاني من “إيلين”
_ ( معتز الراوي) إبن “نصر الدين” الأوسط من زوجته “يسرا”
_ ( زياد الراوي ) إبن “نصر الدين” الأصغر من زوجته “يسرا”
_ ( سليم الراوي ) إبن “نصر الدين” الأخير و شقيق “عمر” من أمه “إيلين”
_ ( جلنار حسين ) والدة “نصر الدين”
_ ( آصال الكيلاني ) زوجة “آسر الراوي” و حبيبة “عمر” السابقة

و البقية لاحقاً ….

………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

( 1 )

_ عجوز متصابي ! _

أواسط كانون الأول ، منتصف الليل و قليل …

حيث الطقس شديد البرودة و لاسيما في هذا اليوم الحالك منذ بدايته ، كان السكون يعم الأجواء في ذلك الحي القاهري الراقي ، إلي أن إقتحم سرب من السيارات المنطقة و إنفجرت الأبواق المهللة و زغاريد النسوة و الصيحات المتداخلة كل هذا في وقت واحد

يصطف الموكب الهائل تباعا أمام بناية فخمة مكونة من أربعة طوابق ، في المقدمة تقف سيارة بيضاء من فئة ( الليموزين ) ، ينزل منها السائق أولا و يهرول ليفتح الباب من جهة اليمين ، فيظهر رجل بدت عليه إمارات الثراء و المهابة ، من النظر إليه يسهل التعرف علي هويته العربية _جلباب و عمامة _ ملابس رائجة بدول الخليج العربي فقط ، كما يسهل تقدير عمره أيضا دون تفكير طويل ، إذ حدث الشيب في رأسه و التجعيدات التي ملأت وجهه عن مدي طعونه في السن ، بل فعليا لم يكن ذاك سوي كهل ربما جاوز الستين نحو السبعين من عمره ، و لا يستبعد أن يكون أبا و جد لأكثر من حفيد ، كانت فتاة في مقتبل عمرها تجلس بجواره مرتدية ثوب الزفاف الأبيض ، كانت زينتها صارخة لا تلائم بتاتا جمالها الملائكي ، صحيح أنها لم تكن بارعة الجمال ، لكن وجهها جمع بين الملامح الناعمة الطفولية و الرقة الأنثوية في آن ….. بدت العروس الشابة شديدة الوجوم إلي جانب عريسها العجوز الرزين ، بالطبع هذه صورة متوقعة ، من يمكن أن يتخيلها في حال أفضل و هي تزف الليلة لرجل بعمر جدها ؟ و كل هذا لأجل المـال !!

ذلك السناريو القديم المعتاد ، نعم ، فهي تلك الفتاة الفقيرة المنحدرة من عائلة معدمة ، لا يمتلك أبيها سواها ليتاجر بها و يجني من ورائها أموالا طائلة ، كانت دائما بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبا ، إذ أنها ليست المرة الأولي التي يقوم بإستغلالها ، فكم مرة أجبرها علي الإرتباط برجال متيسري الحال لتتلاعب بهم حتي تسلبهم ما لديهم ثم تنسحب بمهارة تاركة أمرهم له ، في بداية كل علاقة كان يظهر كم هو رجلا شريف نزيه ، كان يبالغ كثيرا في تقديس نفسه و عائلته ، و ما أن تنتهي ( المصلحة ) مباشرةً حتي يريهم وجهه الحقيقي ، وجه الإجرام و النذالة …. لكن هذه المرة تختلف تماما ، فهو أخيرا قام بتزويج إبنته ، حين لوح له ذلك الثري المسن بالمال الوفير ، سال لعابه و قدمها إليه علي طبق من فضة … كيف لهذا أن يدعي أبا !

شاب ثرى متعدد العلاقات يقع فى حب فتاه ملتزمه فقيره و يرفض محيطه هذه العلاقه و يحاولون التفريق بينهما
إرتعشت العروس الوجلة عندما لامسها زوجها بيده فجأة ، نظرت له بخوف واضح ، بينما إبتسم بمكر و هو يربت علي خدها بلطف لا يخلو من التملك ، كان يبث في لمسته لها رسائل فهمتها جيدا ، فإنكمشت علي نفسها و خوفها يزداد أكثر فأكثر …
ينفتح باب السيارة من جهتها في هذه اللحظة ، تلتفت فتري والدها صاحب الوجه القاس الخشن يدنو منها ، كان تعبيره ضاحكا الآن ، وزع نظراته بين إبنته و زوجها و هو يقول بصوته الفج المنفر :

-ألف حمدلله عالسلامة و ألف ألف مبروك يا شيخ راشد . ليلتك بيضا إن شاء الله

ينظر المدعو “راشد” إلي والد زوجته ، يبتسم محاكيا كلماته الودية علي طريقته النبيلة :

-تشكر خيو ( أخويا ) . بس و الله ما كان مستاهل چيتك إنت و ناسك لين هون ( لحد هنا ) . كذا ( كده ) تعب عليكن ( عليكوا ) يا أستاذ وصفي1

وصفي بضحكته البذيئة :

-أستـآااذ حتة واحدة ! هعهعهعهعهعهع . ده بس من ذوقك يا شيخ . و بعدين إحنا نتعبلك علي عينا . بعون الله بكره هنكون عندك من النجمة

عبس “راشد” قائلا بإستغراب :

-من النچمة ! شتقصد ( تقصد إيه ) ؟

وصفي و هو يلوح بيده في الهواء :

-من الصبح بدري يعني يا شيخنا . ليلتك زي الفل

راشد بإبتسامة :

-لا تجلج ( تقلق ) يا أستاذ . ساره بعيوني التنتين .. و نظر إلي “ساره” مكملا و هو يقبض علي يدها الرقيقة بقوة لم تؤلهما بل أخافتها :3

-راح شيلك علي كفوف الراحة و الله يا بعد قلبي إنتي !

تصاعد نبض قلبها مدويا في عروقها و هي تنظر إليه برعب قطع أنفاسها ، إبتلعت ريقها بصعوبة و حاولت أن تصمد قدر المستطاع ، لعل ما خططت له يتحقق الليلة ، بمشيئة الله

وهنا نشب فجأة جمع من الناس حول العروس أغلبهم من نسوة عائلتها ، شهقت “ساره” عندما سحبتها يد إحداهن خارج السيارة ، تطلعت لتري لمن تلك اليد الهمجية

بالتأكيد ، هي بدون شك … “مجيدة” مسجلة خطر ، و زوجة أبيها بلا فخر و أم لأخ و أخت لها ، كانت متبرجة و نظيفة جدا الليلة علي عكس طبيعتها القذرة ، فستان رخيص إلتقطته من فوق رصيف الباعة لكنه ناسبها علي أي حال ، زينة بالية ساهمت بشكل ضئيل علي تهذيب ملامحها الخطرة ، و إن عجزت علي إخفاء ندبة غائرة وسط خدها الأيمن أخبرت عن مدي شراسة حكايتها ، مالت زوجة الأب العطوفة ( مجازا ) بوجهها الممتلئ صوبها و تمتمت بصوتها الكريه محذرة :

-إنتي يابت . أنا لأخر مرة بنبه عليكي إوعك تزعلي الشيخ راشد أو تقلي مزاجه بالذات الليلة دي أحسن و رحمة أمك أجيبك تحت رجلي و أكسر رقبتك . إفردي بوزك ياختي و طريها كده الراجل هيعيشك في مطرح عمر أهلك ما شافوه . عايزة لما أجيلك الصبح أعرف أقول صباحية مباركة علي حق . لو قليتي في أي حاجة حسابك مش هيبقي عند أبوكي بس لأ . يا ويلك مني أنا يا بنت بدرية و إنتي عارفة مجيدة لما بتقول .. بتفعل ! … و حدجتها بنظرة شرسة أخيرة ، ثم إبتسمت بحليمية كأن شيئاً لم يكن

ضمتها أمام الحشد الغفير متظاهرة بدور الأم المخلصة ، طبعت علي خديها الناعمين قبلاتها المقززة المتعددة ، رغم أنها تعلم كم يضايق هذا إبنة زوجها ، أن يقبلها أحدا و خاصة هي ، لكنها تعمدت ذلك ، أرادت تسديد مزيدا من مشاعر الضيق و القهر لديها حتي تكسر إرادتها تماما و تجعلها آداة طيعة بيد زوجها المزعوم ، تلبي جميع رغباته بفم مطبق فقط ليكون همها الوحيد هو أن تمرق ليلتها بسلام ، فهي تعرف جيدا تلك الفتاة و تعرف كيف يعمل عقلها ( الزنخ ) _ كما يحلو لها وصفه دائما _ …

تركتها “مجيدة” أخيرا ، لتتلقاها بقية النساء بالتناوب ، حيث تركت كلا منهن بصمة كريهة عليها ، أحضان و قبلات لم تحسن صد واحدة عنها ، و ما أنقذها هو ما تموت خوفا و ترقبا منه

أستلها الشيخ “راشد” بمنتهي السهولة و الحزم من بين جموع المهنئين ، علق يدها علي ذراعه و سار بثبات متجها بها نحو بوابة البناية الرائعة … خلفوا ورائهم صيحات و زغاريد متواصلة ، بينما صكت “ساره” أذنيها عن كل هذه الجلبة .. بقت في أذنها عبارة واحدة فقط لا تنفك تكررها بعقلها لتزداد بأسا أمام هيمنة السلطة و الإجرام المحيطة بها .. ” إجمدي يا ساره . محدش يقدر يغصبك علي حاجة ” …

-إجمدي ! .. تمتمت لنفسها بخفوت هذه المرة ، لم يعد همسا تتردد أصدئه بداخلها ، تابعت بأنفاس مهزوزة و فعليا كانت علي وشك الإنفجار بالبكاء كالأطفال :

-فينك يا صلاح ؟ إنت فين ياخويا ؟؟؟؟!!!!

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

كان خلفها مباشرةً ، و كانت ممسكة بفستانها الكبير و هي ترتقي درجات السلم الرخامي في صمت ، إنقبض قلبها أكثر مرة كلما وصل إلي مسامعها صوت تنفسه حين يكون علي مقربة منها ، كانت تستطيع أن تري نظراته اللئيمة دون أن تنظر إليه ، أنبأها حدسها أن ثمة شئ غير حميد إطلاقا سيحصل الليلة .. لكنها إبتلعت خوفها الآن محاولة الظهور بمظهر الهادئة و تشبثت بأملها الضعيف فقط ، ليس أمامها خيارات للآسف …

يصلا أخيرا عند الطابق المنشود ، يتقدمها الشيخ “راشد” فاتحا باب الشقة بمفتاحه المصنوع من الذهب ، أجفلت و قلبها ينقبض بقوة حين أحست بكفه الغليظ يطبق علي رسغها و يسحبها معه للداخل ، إزدردت ريقها بتوتر و هي ترفع عينيها دون أن تتفحص المساحة الفسيحة للشقة المرفهة ، كانت حديثة الأثاث بديكور عصري أنيق ، لكن لم يمهلها خوفها أي فرصة لملاحظة شئ و سرعان ما إصطدمت بوجهه هو … لم تخطئ تلك الإبتسامة الخبيثة التي إنبلجت علي محياه في هذه اللحظة .. تقدم ببطء فقفزت متراجعة للخلف و قد سقطت باقة الزهور البيضاء من يدها1

إزدادت إبتسامة العجوز الهرم إتساعا و هو يقول بصوت خفيض مقلصا المسافات بينهما بخطواته الوئيدة :

-إيش يا حلوة ! . خچلانة ؟ لاااا ما يصير و الله . دحين ( دلوقتي ) أنا صرت چوزك .. تعالي يا بعد قلبي

كزت “ساره” علي أسنانها و أخيرا خرج صوتها العدائي :

-إسمع يا راجل إنت . و لا يا شيخ راشد زي ما بيقولوا عليك .. أنا مش جاهزة خالص لأي حاجة إنت عاوزها . أولا كده أنا تقريبا ماعرفكش نهائي . ثانيا الجوازة تمت بسرعة و أخويا ماكنش حاضر . هو هيوصل بكره من طلعة السفر بتاعته . مش هيجرا حاجة لما نستني لغاية بكره

-لا يا طول عمري .. تمتم “راشد” و هو يتفرس فيها بشهوة مستعرة :

-بتفرج ( بتفرق ) كتيييير ! .. و جذبها إليه فجأة1

صرخت “ساره” عندما ألصقها بصدره مطوقا خصرها بذراعاه ، ضحك بفظاظة ، بينما فارت الدماء بعروقها و هي تصارع من أجل الفكاك منه صائحة :

-أوووعـي يا راجل إنـت . شيــل إيـدك . عـارف لـو لمسـتني !

-إيش هتعملي يا قلبي ؟ .. قالها بتساؤل مستمتعا بمراقبة حمرة وجهها المتزايدة

ساره بغضب شديد و قد إنهار جدار هدوئها تماما :

-مش أنا إللي هعمل . أخويا إللي هيشرب من دمك لو لمستني أو فكرت تقرب مني يا شايب يا عايب إنت

ضحك العجوز المتصابي ملء فمه ، و قال و هو ينظر لها برغبة عارمة :

-ما راح حلك ( أسيبك ) الليلة . الليلة بالذات ما راح إسمح لشي يباعدك عني . الشيخ راشد ما بيرمي مصاريه بالأرض . و أنتي لو ما بتستاهلي التمن يلي دفعته ما كنت عطيتك إسمي و لو ليوم واحد يا حلا الدني ( الدنيا ) إنتي . راح تكونين إلي ( ليا ) . و بعدين فيكي تساوي إيش ما بدك

و ضحك من جديد ، ثم أدارها بحركة مفاجأة و حملها تحت إبطه مثل كيسا من البطاطا … لهثت “ساره” مذعورة و مرعوبة في آن من قوته العجيبة التي لا تناسب سنه البتة …. ولج الأخير بها إلي غرفة النوم ذات الإنارة الخافتة ، ألقاها بعنف فوق الفراش الأبيض الكبير و إبتعد خطوة لينزع جلبابه بطريقة همجية جعلت الرعب يمسكها بقوة شديدة و يشلها ، حتي أنها عجزت عن إزاحة بصرها المتجمد عنه … لم تعود إليها الروح إلا حين رأته يهم بالإقتراب منه و علي وجهه تلك الإبتسامة اللعوب

أطلقت صرخة حادة و هي تنقلب للجهة الأخري في محاولة يائسة للفرار ، إلا أن يده سبقتها ، أمسك بها من ساقها و شدها بقوة و هو يقول ضاحكا :

-فديت هالمـُهرة ( الفرسة ) العاصية . و الله بتستاهلي وزنك ألماظ يا بعدي ( يا حبيبتي ) . تعي هون !

و ألقي بنفسه عليها مكبلا حركتها بجسمه الضخم الثقيل ، أسكت صراخها بقبلة مقرفة أثارت غثيانها إلي حد مميت حتي كادت تختنق إشمئزازا و بغضا ، حاولت “ساره” التخلص منه ، حاولت مرارا و تكرارا متشبثة بذلك الأمل الواهي … لكن جاءت تلك اللحظة ، و تبخر إصرارها تماما كأنه لم يكن …. سكنت مصدومة .. مدهوشة و دموعها تفيض بلا بكاء ، فكيف تبكي الآن ؟ … و هي التي لم يقهرها أحدا إلي حد أوصلها للبكاء رغم كل ما مرت به في عمرها ؟ .. و لكن أي قهر هذا ؟ .. إنها الطامة التي أودت بحياتها و أنهتها قبل حتي أن تبدأ … لم تبق لها أي فرصة لعيش أي حياة بعد اليوم ، أبيها .. زوجته .. ذلك الكهل اللعين .. و معهم حفنة من المجرمين المحيطين بها ، جميعهم أصروا علي تحطيمها ، سلبوها كل حق لها في عيش حياة كريمة و لو بنسبة ضئيلة للغاية ، لقد جار عليها الزمن و أزهق روحها النقية التي حافظت عليها حتي هذه اللحظة ، لقد إنتهت “ساره” ، إنطفأت و لن تعود كما كانت أبدا ……

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

في ذلك الحي الشعبي العشوائي … يقع منزل الريس “وصفي” الشهير ، ملجأ الصعاليق و اللصوص و المجرمين المحترفين من مختلف المجالات و التخصصات

أمام باب الشقة المتآكل طلاؤه ، تدفع “مجيدة” بمفتاحها الخاص بالقفل ، تديره ، فيعلق قليلا ، تعاود الكرة بطريقتها الخاصة الفعالة فيصدر ( تكة ) يعقبها صرير الفتح ، كانت بطيئة الحركة كعادتها ، فنفذ صبر “وصفي” الواقف خلفها بجواره إبنتهم الصغيرة ، و سرعان ما صاح بها منفعلا :

-يا ولية إنجزي في ليلتك دي و خشي و لا عديني . طول السكة هموت و أوصل لدورة المايه !

تلتفت “مجيدة” له هاتفة بإسلوبها الأرعن :

-مالك ياخويا بتشخط و تنطر فيا كده ليه ؟ إوعاك تكون فاكرني الغندورة بنتك هتلبسني مكانها تتصبح و تتمسي عليا . لأ يا حبيبي ده أنا مجيدة ماتنساش نفسك

وصفي و هو يرفع حاجباه بدهشة :

-يا ولية أنا كلمتك ! عملتلك إيه لكل ده ؟ بقولك محصووور فتحتيلي موشح !!

كادت أن تمطره بوابل من كلماتها اللاذعة ، لولا ظهور ذلك الشاب المفاجئ عند عتبة الباب من الداخل …

-صــــلاح ! .. صرخت الفتاة الصغيرة ببهجة شديدة فور أن رأته

تركت يد أمها و ركضت صوبه في الحال ، قفزت عليه متعلقة برقبته ، تبادلا العناق العفوي و هما يضحكان كلاهما مسرورا برؤية الأخر ، بينما تسمر كلا من “وصفي” و زوجته أمام هذا المأزق ، و كأن القط أكل لسانهما .. لم ينبسا ببنت شفة ، جمدا في ترقب مخيف فقط ، فقد وقعت الكارثة الحتمية و قد جاء “صلاح” !

-زوزو ! وحـشتيني يابـت .. قالها “صلاح” بصوته القوي الذي إتسم بشئ من اللطافة المستوجبة في حضور أخته الصغيرة

زهرة بإبتسامتها الجميلة :

-إنت وحشتني أكتررر يا صلاح . إتأخرت ليه أنا كنت بدخل أوضتك كل يوم أشوفك رجعت و لا لسا ماكنتش بلاقيك ! .. و تلاشت إبتسامتها ليحل الحزن محلها

صلاح و هو يداعب ضفيرة شعرها الطويلة :

-معلش يا حبيبتي كان ورايا شغل كتير أوي لسا خلصان إنهاردة . و أديني أهو لما خلصت جيتلك علطول . و شوفتي جبتلك إيه .. و أخرج من جيبه الخلفي لوح كبير من الشوكولاه و رفعه ملوحا به أمام عيناها المتسعتين

شهقت “زهرة” صائحة بحماسة و هي تقبض علي اللوح بكلتا يداها :

-هيييييييييه . الشوكلاتة إللي بحبهـــا !

صلاح بتبرم :

-يا شيخة ! الشوكلاتة بس إللي بتحبيها ؟

زهرة و هي تحتضنه بقوة :

-و بحبك إنت كمان . خلاص إنت بس هتبقي حبيبي بعد ما ساره مشيت !

عبس “صلاح” مستغربا و سألها بجدية :

-ساره مشيت ؟ راجت فين يا زوزو ؟؟؟؟

نظرت “زهرة” له قائلة ببراءة :

-راحت بيت جوزها !

صلاح و قد إتسعت عيناه من الصدمة :

-جـوزهـا مــــــــين ؟؟؟!!!

أجفلت “زهرة” و هي تجيبه بتوتر :

-جوزها الشيخ راشد !

-مــــــــــــين ؟؟؟؟؟؟؟ .. هدر “صلاح” بعنف شديد ، أنزل أخته أرضا و إلتفت إلي والديه بوجهه المحتقن بصورة خطرة

تململا الزوجين الوجلين و هما يتطلعان إليه بحيرة ممزوجة بالخوف ، بينما توجه “صلاح” إلي أبيه مباشرةً ، أمسك بتلابيبه مجتذبا إياه و هو يصيح بوحشية :

-عملتها يا معلم وصفـي ؟ غفلتني و روحت جوزت البت و أنا غايـب للراجل إبن الـ××××× ده ؟ عليا الحـرام ما هعديها علي خير و عليك إنت بالذات . ليلتك مش معدية لو ماقولتليش البت فـــين ؟ ســاره فــــين ؟؟؟؟

مجيدة و هي تحاول الفض بينهما :

-إنت إتجننت يا صلاح ؟ سيب أبوك

-إسكتي إنتي .. صرخ فيها بغضب ، فأذعنت له مرتبكة دون أن تفه بحرف ، ليكمل مزمجرا من بين أسنانه :

-إشتري نفسك يا سيد المعلمين و إنطق قبل ما صبري ينفد !

كان “وصفي” يعلم قدرة إبنه جيدا ، و يعرف أنه ربما يخسر الكثير بعد أن أصبح “صلاح” علي علم بكل شئ و خاصة عندما يكون الأمر متعلق بواحدة من أختيه فهو لا يتساهل أبدا و لا يتواني عن تدمير الدنيا كلها و هدمها فوق رؤوسهم جميعا ، و الجميع يعرف من هو “صلاح” ، فخر أهالي المنطقة و كبيرهم حتي أنه يفوق والده أحيانا و لو أراد لإتخذ مكانه بسهولة

كل هذا يعلمه “وصفي” تماما ، لكنه مثل المتعارف عليه عبدا للمال و لا يستطيع رفضه مهما كان المطلوب ، و في نفس الوقت يخشي بطش “صلاح” الذي إختبره عدة مرات ، لذلك عمد إلي الهدوء و هو يتحدث إليه :

-يعني إنت غايب من إسبوع و زيادة . مافيش حتي إزيك يابا ؟

صلاح بعصبية شديدة :

-مافيـش زفـت . قـولي فين البت أحسنلك . و عزة جلال الله لو طلع الراجل ده لمسها أو جه جمبها بس مش هيكفيني رقبته و رقبتك يا معلم وصفي

وصفي و هو يربت علي يدي إبنه قائلا بإبتسامته الصدئة المستفزة :

-ماتتعبش نفسك يا معلم صلاح . أختك إتجوزت خلاص . الليلة دي كانت دخلتها . و زمانها دخلت !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كانت تشعر بدوار شديد عندما أصبحت وحيدة أخيرا ، نصف عقلها كان يعمل فكان بإمكانها سماعه و رؤيته و هو يغادر الغرفة ماضيا نحو الحمام ، الشيخ “راشد” زوجها بالإجبار ، لقد حقق وعده و لم يتركها إلا بعد أن نال مآربه كاملة … “ساره” المسكينة ، لا ناصر لها وسط هؤلاء الجاحدين الذين لا يفقهون شيئا عن العطف أو حتي الرحمة

تسلل إلي أذنها صوت إنهمار المياه في الحمام ، لا تعرف كيف وجدت القوة و قامت من الفراش ، ترنحت و هي ترفع حمالات الفستان علي كتفيها لترتديه مجددا

كان ثقيل بعض الشئ ثقل لم تلحظه إلا الآن بعد أن إستنزفت قواها مرة واحدة ، لم تعبأ بإنتعال جزمتها و لم تهتم بأخذ أي شئ و هي تركض بعدم إتزان هاربة من هذا البيت كله …. فرت “ساره” في تلك الساعة المتأخرة .. لم تنظر ورائها أبدا … إندفعت بإلحاح نحو الطريق المقفر النائي …. كانت مصرة رغم الظلام و البرودة .. رغم أنفاسها المنقطعة … و لم تدرك إلي أن جرحت قدمها أنها كانت تسير دون تحفظ علي الدرب المحفوف بالحصي و الحجارة الحادة

أطلقت أنينا متألما و قد سالت دموعها عندما أيقنت إستحالة بلوغها مسافة أكبر من تلك ، أجهشت ببكاء مرير و عاندت نفسها محاولة التغلب علي هذا اليأس الطبيعي ، سقطت مغشيا حين وصلت إلي مقدمة الطريق ، حتي أنها لم تري هذه السيارة الباذخة و هي تطلق زمورا جنونيا عندما إنزلقت نحوها زاعقة بعجلاتها بسبب الفرامل ، لم تعلم ما كان مصيرها في تلك اللحظة تحديدا ، لم تنتظر لتعرف أي شئ ……… !!!!!!!!+

يتبـــع …

رواية إنذار بالعشق الجزء الثانى للكاتبه مريم غريب #2

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

#موقع_رييل_ستورى

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 2

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful...

Follow us on social media!

0%
Reel-Story © 2020 | Established in 2019 Privacy Policy I Terms & Conditions I Advertise I Contact