Connect with us

يوم عرفة

الحج عرفة

Published

on

5
(1)

وقت القراءة المقدر: 16 دقيقة (دقائق)

قال رسول الله : “الحج عرفة”[1]. الحديث أخرجه أحمد في مسنده، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في السنن. كما رواه ابن حبان والحاكم وصححاه من رواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي[2]: أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا فنادى “الحج عرفة، من جاء ليلة جمع[3] قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيامُ منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه”. وفي لفظ لأبي داود: “الحج الحج يوم عرفة”. وفي رواية لأحمد: “الحج حج عرفة”.

قال الترمذي: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبيي وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل، وعن وكيع قال: هذا الحديث أمُّ المناسك.

وقوله : “الحج عرفة” قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقديره: إدراك الحج وقوف عرفة، قال القاري: أي ملاك الحج ومعظم أركانه: وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفواته.

أي: أن من أدرك عرفة ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج فلم يفته، وأمن الفساد، وعليه أن يتم أعمال الحج بعد ذلك، والحديث دال على أن من لم يدرك عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر فإنه لا حج له، وعليه أن يتم عمرة ليتحلل من إحرامه ويحج من قابل.

العبد يعتق والصبي يحتلم والصبية تحيض بمزدلفة:

معلوم أن الحج فرض على المسلم البالغ الحر، فإن حج العبد ثم أعتق أو الصبي ثم بلغ فلا تجزئه عن حجة الإسلام.

قال القرطبي: إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي وهو محرم قبل عرفة أجزأته عن حجة الإسلام. ولو أعتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر، أجزأت عنهما من حجة الإسلام ولم يكن عليهما دم.

قال الشنقيطي في أضواء البيان: والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا. وإن اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم. وإن من اقتصر على النهار دون الليل لم يصح وقوفه عند المالكية، وحجه صحيح عند الجمهور، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وإن كان أحمد وأبو حنيفة قالا: يلزم الدم.

أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار، أو النهار من بعد الزوال دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلاً: عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور في رأس المقال. حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فقد أدرك الحج” فهذا نص صريح على المقتصر على الليل وقوفًا، ولا يدل على لزوم الدم، وليس له معارض، وعليه جمهور أهل العلم.

أما من اقتصر في وقوفه على النهار دون الليل فلحديث عروة بن المضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيئ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى نرفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه”[4]. وقوله : “فقد تم حجه” ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم. وإن خالف في ذلك المالكية. أما من وقف نهارًا قبل الزوال، فظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يبين المقصود من النهار وأنه بعد الزوال، وهذا هو الأرجح والأحوط عند أهل العلم.

ولابن القيم في زاد المعاد كلام نفيس حول وقوف النبي  يوم عرفة بعرفة نسوق هنا بعضه، قال: وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب[5] بُعرنة وليست من الموقف، وهو  نزل بنمرة، وخطب بُعرنة، ووقف بعرفة، وخطب خطبة واحدة، ولم تكن خطبتين جلس بينهما. فلما أتمها أمر بلالاً فأذن، ثم أقام للصلاة فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة فدل على أن المسافر لا يلزمه الجمعة، ثم أقام فصلى صلاة العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. ومن قال: إنه قال لهم: “أتموا الصلاة فإنا قوم سَفر” فقد غلط فيه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزوة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين. ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي ، وهذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة.

وإنما التأثير لما جعله الله سببًا وهو السفر، هذا مقتضى السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات، واستقبل القبلة وجعل جبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة. وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: “وقفت هنا وعرفة كلها موقف”.

صعود جبل الرحمة من بدع الحج:

قال الشنقيطي في أضواء البيان: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له، ولا فضيلة فيه لأنه لم يرد في خصوصه شيء بل هو كسائر أرض عرفة، عرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله  فالوقوف فيه أفضل من غيره.

ومسجد نمرة كان في عُرنة، ولم يكن فيه من عرفة شيء، واليوم قد اتسع المسجد فصار جزء منه في عرفة يجزئ الوقوف فيه، وبقيته في بطن عُرنة لا يجزئ الوقوف فيه لمن لم يدخل إلى عرفة على التفصيل السابق.

صوم يوم عرفة:

مسلم عن أبي قتادة رضى الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، قال: “يكفر السنة الماضية والباقية”.

 

قال المنذري في الترغيب: قال الحافظ: اختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة، فقال ابن عمر: لم يصم النبي  ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، وأنا لا أصومه. وكان مالك والثوري يختاران الفطر، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة..

والفطر عمل أكثر أهل العلم، ويستحبون ذلك لمن وقف بعرفة؛ ليتقوى على الدعاء، وقد قال الشافعي ذلك.

وقال ابن المنذر: الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إليَّ؛ اتباعًا لرسول الله ، والصوم بغير عرفة أحب إليَّ؛ لقول الرسول  -وقد سئل عن صوم يوم عرفة- فقال: “يكفر السنة الماضية والباقية”.

فضل يوم عرفة:

قال القرطبي في تفسيره: يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم: يكفر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال رسول الله : “صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له”.

عائشة أن رسول الله  قال: “ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو  ثم يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء”. وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله  قال: “ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رُئي يوم بدر”.

 

يوم اجتماع طاعة وعبادة وإخلاص::

يقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. قال القرطبي: وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة.

إذا نظرت -أخا الإسلام- لقول القرطبي هذا علمت أن الشيعة اليوم بمحاولتهم التظاهر في الحج يحيون سنن الجاهلية، وهم كذلك في كل شأنهم واجتهادهم؛ لنشر ضلالاتهم وإحياء عبادة غير الله والشرك بصوره، فاللهم نجنا من ضلالتهم وشركهم.

ونسوق من الأدعية الخاصة بالعرفة، والعامة به وبغيره:

ما يمكن للحاج أن يدعو بها وبأمثالها، وبعضها مأثور عن السلف الصالح، وهي منقولة من زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ومن المغني لابن قدامة: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول. اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي، ولك ربي تُراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.

اللهم تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيًّا، وكن بى رءوفًا رحيمًا يا خير المسئولين، ويا خير المعطين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي صدري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري. وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر.

كان ابن عمر يقول: “الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى”. وروي من دعاء النبي  بعرفة: “اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته، وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه”.

ومن دعاء أعرابي يرويه سفيان الثوري يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفًا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فيَّ سابق، وأمرك فيَّ محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني. إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسئ حتى قضيت عليَّ، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك، الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما. اللهم أنت أنس المؤنسين لأوليائك، وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع على سرائرهم، وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصمت عليَّ الهموم لجأت إليك، استجارة بك، علمًا بأن أزِمَّة الأمور بيدك، ومصدرها عن قضائك.

وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضناي، وبصرتني من عماي، وأنقذتني من جهلي وجفاي، أسألك ما يتم به فوزي، وما أؤمل في عاجل دنياي وديني، ومأمول أجلي ومعادي، ثم ما لا أبلغ أداء شكره، ولا أنال إحصاءه وذكره، إلا بتوفيقك وإلهامك، أن هيجت قلبي القاسي، على الشخوص إلى حرمك، وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك، ونقلت بدني لإشهادي مواقف حرمك، اقتداء بسنة خليلك، واحتذاء على مثال رسولك، واتباعًا لآثار خيرتك وأنبيائك وأصفيائك، صلى الله عليهم.

وأدعوك في مواقف الأنبياء -عليهم السلام- ومناسك السعداء، ومشاهد الشهداء، دعاء من أتاك لرحمتك راجيًا، عن وطنه نائيًا، ولقضاء نسكه مؤديًا، ولفرائضك قاضيًا، ولكتابك تاليًا، ولربه  داعيًا ملبيًا، ولقلبه شاكيًا، ولذنبه خاشيًا، ولحظة مخطئًا، ولرهنه مغلقًا، ولنفسه ظالمًا، وبجرمه عالمًا، دعاء من جمعت عيوبه، وكثرت ذنوبه، وتصرمت أيامه، واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرًا، ولا لعيبه غيرك مصلحًا، ولا لضعفه غيرك مقويًا، ولا لكسرة غيرك جابرًا، ولا لمأمول خير غيرك معطيًا، ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقًا. اللهم وقد أصبحتُ في بلدٍ حرامٍ، في يوم حرامٍ، في شهرٍ حرام، في قيام من خير الأنام, أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك، ولا أخيب الراجين لديك، ولا أحرم الآملين لرحمتك، الزائرين لبيتك، ولا أخسر المنقلبين من بلادك.

اللهم وقد كان من تقصيري ما فد عرفت، ومن توبيقي نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب منه قد نجيت! ومن غم قد جليت، ومن همٍّ قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدةٍ قد أزلت، ورخاء قد أنلت، منك النعماء، وحسن القضاء، ومني الجفاء، وطول الاستقصاء، والتقصير عن أداء شكرك، لك النعماء يا محمود، فلا يمنعنك يا محمود من إعطائي مسألتي، من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤلي، ما تعرف من تقصيري، وما تعلم من ذنوبي وعيوبي، اللهم فأدعوك راغبًا، وأنصب لك وجهي طالبًا، وأضع خدي مذنبًا راهبًا، فتقبل دعائي وارحم ضعفي، وأصلح الفساد من أمري، واقطع من الدنيا همي وحاجتي، واجعل فيما عندك رغبتي، اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المغفور ذنبهم، المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصي لك بعده أمرًا، ولا يأتي بعده مأثمًا، ولا يركب بعده جهلاً، ولا يحمل بعده وزرًا، منقلب من عمرت قلبه بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الأدناس من بدنه، واستوعبت الهدى قلبه وشرحت بالإسلام صدره، وأقررت قبل الممات عينه، وأغضضت عن المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه يا أرحم الراحمين. وصلِّ الله وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، كما تحب ربنا وترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


[1] اختلف في سبب تسمية عرفة وعرفات على أقوال، منها: أنه من العرف، بمعنى: الرائحة الزكية، وذلك لأن منى تصبح رائحتها لكثرة الذبح متغيرة، أما عرفات فلا يصيبها ذلك أو لأنها مطيبة بالتقديس، فهي وادٍ مقدس معظم؛ لأنه من شعائر الله. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه فيتعارفون. وقيل: لأن العباد يتعرفون على ربهم بالطاعات والعبادات. وقيل: من الصبر؛ لأن العارف والعَروف هو الصبور. وقيل: لأن الله بعث جبريل عليه السلام إلى إبراهيم، فحج به، حتى إذا أتى عرفة، قال: عرفت وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، قال له: عرفت. وقيل: لأن آدم وحواء تعارفا بعد الهبوط إلى الأرض. وعرفات مع أن فيها العلمية والتأنيث إلا أنها مصروفة؛ لأن الأصل فيها الجمع كمسلمات ومؤمنات سميت به بقعة معينة، فرُوعِي فيها الأصل فكانت منصرفة. وتسمى عرفات: المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وتسمى: إلال، على وزن هلال، ويقال للجبل الذي وسطها: جبل الرحمة. وحد عرفات من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبل المقابل له إلى ما يلي حوائط بني عامر، وليس وادي عُرنة من الموقف، ولا يجزئ الوقوف فيه. وعرفة موضع الموقف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج. وقريش في الجاهلية كانوا لا يقفون بعرفة، ويفيضون من مزدلفة، والناس يقفون بعرفة. يقول أهل قريش: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، فأنزل الله تعالى قوله: “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [البقرة: 199].
[2] عبد الرحمن بن يعمر الديلي صحابي نزل الكوفة ويقال: مات بخراسان. ليس له في مسند أحمد وأصحاب السنن غير هذا الحديث، وله حديث آخر في الأشربة، أنكر الذهبي والحفاظ نسبته إليه. فكأني بهذا الصحابي الجليل لم يلق رسول الله إلا في الحج، فسمع هذا الحديث ورآه فنقلته عنه كتب السنة. وهو من الأحاديث التي بنيت عليها أحكام هامة في الحج، وله منزلة عالية عند المحدثين والفقهاء، هو وحديث عروة بن المضرس الطائي المذكور. وهي من أعمدة نصوص الحج عند الفقهاء.
[3] جَمْع: اسم لمزدلفة؛ لأنها تجمع الحجيج فيها ليلة العيد.
[4] أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارمي، وهو صحيح.
[5] كانت خطبة النبى صلى الله عليه وسلم يوم عرفة خطبة جامعة، وكانت قبل الأذان جاء فيها: “إن دماءكم وأموالكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث -وكان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟” قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس: “اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات. وقال في خطبته: “اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا “. وقال فيها: “أيها الناس، إن الله أدى لكل ذي حق حقه، وأنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفًا ولا عدلاً”.

 1,822 اجمالى المشاهدات,  3 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

No tags for this post.
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

The maximum upload file size: 128 ميغابايت. You can upload: image, audio, video, document, text, other. Links to YouTube, Facebook, Twitter and other services inserted in the comment text will be automatically embedded. Drop file here

يوم عرفة

أحوال الصادقين في يوم عرفة

Published

on

By

5
(1)

وقت القراءة المقدر: 6 دقيقة (دقائق)

كانت أحوال الصادقين في الموقف يوم عرفة تتنوع، فمنهم: من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء، ومن العارفين من إن بالموقف يتعلق بأذيال الرجاء.

من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء

وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة فقال أحدهم: اللهم ترد أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم.

وقف الفضيل بن عياض بعرفة، والناس يدعون وهويبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء، وقال: واسوأتاه منك وإن عفوت.

Advertisement

وقال الفضيل أيضًا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحدٌ شرًا مني ومنك، فبئس ما ظننت. ودعا بعض العارفين بعرفة، فقال: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة تركك القبول مني. ووقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس فنادى: الأمان فقد دنا الانصراف، فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين.

ووقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء فقيل له: لم تدعو؟ فقال: ثَم وحشة، فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب فبسط يديه ووقع ميتًا.

ووقف بعض الخائفين بعرفات وقال: إلهي الناس يتقربون إليك بالبدن وأنا أتقرب إليك بنفسي، ثم خرَّ ميتًا.

للناس حج ولي حج إلى سكني *** تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي ودم

ما يرضى المحبون لمحبوبهم بإراقة دماء الهديا، وإنما يهدون له الأرواحا:

Advertisement

أرى موســــــم الأعيـــــــاد أنـــــس الحبائــب  *** وا العبد عندي غير قــــرب الحبائب
إذا قــــــــربوا بـــــــــدنا فقـربانـــي الهـــــوى *** فـــــــإن قبلوا قلبي وإلــــا فقـــالبــي
وما بـــــــــــــــــدم الأنـــــــعام أقضي حقوقهـم *** ولكــــــــن بما بين الحشــا والترائب

كان أبو عبيدة الخواص قد غلب عليه الشوق والقلق في الطريق ويقول: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه، وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا رب قد كبرت فاعتقني، ورؤي بعرفة وقد ولع به الوله وهو يقول:

سبحــان مــن لــو سجدنـا بالعيون له *** حمى الشوك والمحمى من الإبر
لــم نبلــغ العشــر من معاشـــر نعمته *** ولا العشيــر ولا عشــــرا من العشر
هـــو الرفيـــع فــلا الأبصــار تدركــه *** سبحانـــه مـــن مليـــك نافــــذ القدر
سبحان من هو أنسى إذا خـــــلوت به *** في جوف ليلي وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيـــب وأنت الحب يا أمـــــلي *** من لي سواك ومن أرجوه يا ذخـــر

ومن العارفين من إن بالموقف يتعلق بأذيال الرجاء

قال ابن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالًا ؟ قال: الذي يظن أن الله يغفر لهم.

وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا -سدس درهم- أكان يردهم، قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

Advertisement

وإنــي لأدعـــو الله أطلــب عفـــوه *** وأعلـــم أن الله يعفـــو ويغفـــر
لئن أعظم الناس الذنـــــوب فإنـــها *** وإن عظمت في رحمة الله تصغر

الواقفون بعرفة

وعما قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف فهنيئا لمن رزقه، يجاورن إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة، فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحب ألهبه الشوق وأحرقه، وراج أحسن الظن بوعد الله وصدقه، وتائب نصح لله في التوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه، فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه، وحينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن، وهو الذي أعطى ومنع، ووصل وقطع.

ما أصنع هكذا جرى المقدور *** الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد مأســــــــــور *** هل يمكن أن يبدل المسطور

من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، من لم يقدر على نحر هديه بمنا فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا، من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد، نفحت في هذه الأيام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعى.

يا همم العارفين بغير الله تقنعي، يا عزائم الناسكين لجمع أنساك السالكين اجمعي، لحب مولاك أفردي وبين خوفه ورجائه اقرني وبذكره تمتعي، يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروة المروى اسعي وأسرعي، وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي، ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي ثم إلى منى نيل المنى فارجعي، فإذا قرب القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي، لقد وضح الطريق ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدعي.

Advertisement

لئــن لــم أحــج البيــت أو شـط ربعـه *** حججت إلى من يغيب عــن الذكــر
فأحرمــت مــن وقتــي بخلع نقائصي *** أطــــوف وأسعى في اللطائف والبـــر
صفاي صفائي عن صفاتي ومـروتي *** مـروءة قلبي عـن ســـوى حبــه فقـــر
وفــي عرفــات الأنــس بالله مـوقفـي *** ومـزدلفـى الزلفـى لديـه إلـى الحشــــر
بــت المنــى منـي مبيتــي فـي منـــا *** ورمي جماري جمر شوقي في صدري
وأشعــار هــدي ذبــح نفسي بقهرهـا *** وخلعــي بمحـــو الكائنـــات عــن السر
ومـــن رام نفـــرا بعــد نســك فإنني *** مقيـــم على نسكـــي بـــلا نفـــــــــــــر

 2,391 اجمالى المشاهدات,  4 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمه!

Advertisement

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

أصوات الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Follow us on social media!

Advertisement
No tags for this post.
Continue Reading

يوم عرفة

مسائل في يوم عرفة

Published

on

By

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 7 دقيقة (دقائق)

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة. كما أن عرفات بقعة مخصوصة وموقف معروف. وقد سميت عرفات بذلك لأن آدم وحواء عليهما السلام تعارفا بها. وقال آخرون: بل سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام لما علَّم إبراهيم عليه السلام مناسك الحج قال له: أعرفت؟ وقال قوم: بل سميت بذلك لأنه مكان مقدس معظم، كأنه قد عرف، كما ذكرنا في قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6]. قال في تاج العروس: “كأنها عرفت أي طيبت. وقيل: لأن الناس يتعارفون بها”. قال الراغب في المفردات: “وقيل: بل لتعرف العباد إلى الله تعالى بالعبادات والأدعية”[1].

المسألة الأولى: في فضل يوم عرفة

قال صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده” رواه مسلم [2] عن أبي قتادة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب” رواه أبو داود [3] عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟” رواه مسلم [4] عن عائشة رضي الله عنها.

المسألة الثانية: في استحباب صومه وفضل ذلك

قال صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده”، وهذا الحديث وإن كان الرواي عن أبي قتادة هو عبد الله بن معبد الزماني وقد قال فيه البخاري رحمه الله في التاريخ الكبير: “ولا نعرف سماعه من أبي قتادة”، إلا أن البخاري نفسه قد بوب في الصحيح قائلًا: “باب صوم يوم عرفة”، ثم ذكر تحته حديث أم الفضل رضي الله عنها ولفظه “أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه” [5]، فدل هذا على أن صيام يوم عرفة  معروف معهود وأما صيام يوم عرفة بعرفة بالنسبة للحاج ففيه حديث يروى وهو في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما وقد بوب الترمذي رحمه الله عليه بالكراهة، وأكثر أهل العلم يستحبون الإفطار ليتقوى على الدعاء.

المسألة الثالثة: لِمَ يكفر يوم عرفة سنتين؟!

قال ابن القيم رحمه الله: “إن قيل لِمَ كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين؟! قيل فيه وجهان: أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام بخلاف عاشوراء. الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء فضوعف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم والله أعلم” [6].

المسألة الرابعة: يوم عرفة وتكفير الذنوب

قال الإمام النووي رحمه الله: “وقد يقال إذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين ويوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟

والجواب: ما أجابه العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت به درجات وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر والله أعلم” [7].

المسألة الخامسة: صيام عرفة والقضاء من رمضان

قال ابن عثيمين رحمه الله: “فمن صام يوم عرفة، أو يوم عاشوراء وعليه قضاء من رمضان فصيامه صحيح” [8].

المسألة السادسة: إن وافق صيام يوم عرفة يوم الجمعة

إن وافق صيام يوم عرفة يوم الجمعة فلا بأس بذلك , ولا يعد هذا داخلا في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام,  قال الإمام أحمد رحمه الله: “إنما كره أن يتعمد الجمعة” كما في المغني [9]، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام”.

المسألة السابعة: في التعريف وحكمه

التعريف هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء. وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس رضي الله عنهما، وذلك في مسجد البصرة. وقيل إن أول من عرف بالكوفة  مصعب بن الزبير.

والتعريف نوعان:
الأول: اتفق العلماء على كراهته، وكونه بدعة وأمراً باطلاً، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات.
الثاني: ما اختلف العلماء فيه، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر. فقال بعضهم: محدث وبدعة. وقال بعضهم: لا بأس به” [10] أ.هـ مختصرا.

ختامًا:
أ- روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا”، وفي رواية “وأظفاره” [11]. قال ابن عثيمين رحمه الله: “والحكمة من ذلك أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لنسك الحج محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أثيب عليها، والذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شرع لهم أن يضحوا في مقابل الهدي، وشرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئا، يعني لا يترفه، فهؤلاء -أيضا- مثله، وهذا من عدل الله عز وجل وحكمته، كما أن المؤذن يثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، فشرع له أن يتابع” [12]. وأما النهي فإن الجمهور يحملونه على عدم وجوب الإمساك بخلاف الحنابلة فإنهم يحملونه على وجوب الإمساك.

ب- ولا يمسك المضحي إلا عن ثلاثة أشياء فقط:
الأظفار والأشعار والأبشار, وكون الحكمة ما تقدم لا يعني أن يجتنب كل ما يجتنبه المحرم فلا يجتنب الطيب والجماع وغيره  مما يجتنبه المحرم وهذا خطأ شائع.

ج- إن وافق يوم الجمعة يوم العيد
فمن شهد أحدهما سقط عنه الآخر, قال ابن تيمية رحمه الله: “والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد. وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف” [13].


[1] يرجع لمعجم مقاييس اللغة والمفردات للراغب وتاج العروس للزبيدي.
[2] برقم 1162.
[3] برقم 2419 وصححه الألباني.
[4] 1350.
[5] 1988.
[6] بدائع الفوائد 4/211.
[7] شرح مسلم 3/113.
[8] الفتاوى 20/48.
[9] 3/170.
[10] البدع الحولية 263.
[11] 1977.
[12] الشرح الممتع 7/486.
[13] مجموع الفتاوى 24/211.

 1,564 اجمالى المشاهدات,  4 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

No tags for this post.
Continue Reading

يوم عرفة

فضائل يوم عرفة بقلم الشيخ محمد صالح المنجد

Published

on

By

5
(1)

وقت القراءة المقدر: 4 دقيقة (دقائق)

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو أحد الأيام التي أقسم الله تعالى بها منوهًا إلى عظيم فضلها، وعلو قدرها وشرفها، قال تعالى: {وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 2]. وليوم عرفة فضائل عديدة، منها:

1- أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة:

ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرءونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]. قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.

2- أنه يوم عيد لأهل الموقف:

قال صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب”[1]. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: “نزلت -أيْ آية (اليوم أكملت)- في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد”.

3- أنه يوم أقسم الله به:

والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3]. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة”[2].

وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3]. قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة. وهو قول عكرمة والضحاك.

4- أن صيامه يكفر سنتين:

فقد ورد عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: “يكفر السنة الماضية والسنة القابلة”[3].

وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.

5- أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم:

فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان -يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً، قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172، 173]”[4].

فما أعظمه من يوم! وما أعظمه من ميثاق!

6- أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:

ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟”.

وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا”[5].

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب، بتصرف يسير.


[1] رواه أهل السنن.
[2] رواه الترمذي وحسنه الألباني.
[3] رواه مسلم.
[4] رواه أحمد وصححه الألباني.
[5] رواه أحمد وصححه الألباني.
 

 3,055 اجمالى المشاهدات,  6 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

No tags for this post.
Continue Reading
سرحان والفئران
قصص أطفال14 دقيقة ago

قصة سرحان والفئران قصة جميلة ومسلية للأطفال قبل النوم

قصص مخيفه حدثت بالفعل لا ينصح اصحاب القلوب الضعيفة
قصص الإثارة19 دقيقة ago

قصص مخيفه حدثت بالفعل لا ينصح اصحاب القلوب الضعيفة

قصة كليوباترا ومارك أنطونيو
قصص تاريخيةساعة واحدة ago

قصة كليوباترا ومارك أنطونيو من اشهر قصص الحب التي خلدها التاريخ

سيدنا آدم
قصص أطفالساعتين ago

قصة سيدنا آدم عليه السلام من قصص القرآن الكريم للأطفال

قصة الأبرص و الأقرع والأعمى
قصص القرآن5 ساعات ago

قصة الأبرص و الأقرع والأعمى

قصص تاريخية5 ساعات ago

قصص العرب في المكر والدهاء

Orphan's
قصص اسلامية6 ساعات ago

قصة مال اليتيم

قصة أصحاب الجنه
قصص اسلامية6 ساعات ago

قصة أصحاب الجنة

قصص الإثارة7 ساعات ago

حكاية سمير: ما بدأ دردشة مثيرة مع فتاة جميلة انتهى بكابوس

قصة من اكل الرغيف الثالث
قصص اسلامية9 ساعات ago

قصة من أكل الرغيف الثالث

ابرهة الحبشى
قصص اسلامية10 ساعات ago

قصة ابرهة الحبشي وهدم الكعبة

قصص حدثت بالفعل11 ساعة ago

الصداقه ارواح توهب – قصة مؤثره

Angelina Jolie
قصص مشاهير12 ساعة ago

أنجلينا جولي ” أيقونة الإنسانية”

قصص متنوعة
قصص متنوعة13 ساعة ago

قصة عن الدهاء

قصص القرآن13 ساعة ago

أجمل قصص القرآن الكريم

قصص الإثارة3 أشهر ago

رواية رغبه متوحشه (كامله)

قصص الإثارة3 أشهر ago

رواية بنت بمدرسة عيال اغنياء بقلم ماري جو

قصص حدثت بالفعلشهرين ago

رواية هنا فى الاعماق – بقلم مايا بلال

قصص متنوعةشهرين ago

حكاية ليلى واحمد وجارتى ابتسام

قصص الإثارةشهرين ago

رواية بنت فى ورطه بقلم كوكى سامح

ادب نسائي3 أشهر ago

رواية ظلام البدر +21 بقلم بتول

ادب نسائي3 أشهر ago

قصة غرام اولاد الالفي بقلم سماء احمد

ادب نسائي3 أشهر ago

تكملة رواية ظلام البدر +21 بقلم بتول

قصص متنوعة3 أشهر ago

عايشة عند اخويا ومراتو بلقمتى ويارتني بلاقي اللقمه

روايات مصرية3 أشهر ago

قصة انا وحمايا بقلم كوكي سامح

قصص الإثارة3 أشهر ago

حكايتي مع ابو زوجى السافل وما فعلت به

قصص الإثارة3 أشهر ago

قصة حماتي وزوجتي الحامل +18 للكبار فقط

روايات مصرية3 أشهر ago

قصة حماتي كامله للكاتبه ايمي رجب

روايات مصرية3 أشهر ago

رواية كبرياء عاشقة بقلم هدير نور(كاملة)

قصص الإثارة3 أشهر ago

رواية انا والطبيب في العيادة وبدون إعتراض مني

Facebook

Trending-ترندينغ