Connect with us

يوم عرفة

الحج عرفة

Published

on

5
(1)

وقت القراءة المقدر: 16 دقيقة (دقائق)

قال رسول الله : “الحج عرفة”[1]. الحديث أخرجه أحمد في مسنده، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في السنن. كما رواه ابن حبان والحاكم وصححاه من رواية عبد الرحمن بن يعمر الديلي[2]: أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه، فأمر مناديًا فنادى “الحج عرفة، من جاء ليلة جمع[3] قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيامُ منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه”. وفي لفظ لأبي داود: “الحج الحج يوم عرفة”. وفي رواية لأحمد: “الحج حج عرفة”.

قال الترمذي: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبيي وغيرهم، أنه من لم يقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر، ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل، وعن وكيع قال: هذا الحديث أمُّ المناسك.

وقوله : “الحج عرفة” قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقديره: إدراك الحج وقوف عرفة، قال القاري: أي ملاك الحج ومعظم أركانه: وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفواته.

أي: أن من أدرك عرفة ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج فلم يفته، وأمن الفساد، وعليه أن يتم أعمال الحج بعد ذلك، والحديث دال على أن من لم يدرك عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر فإنه لا حج له، وعليه أن يتم عمرة ليتحلل من إحرامه ويحج من قابل.

العبد يعتق والصبي يحتلم والصبية تحيض بمزدلفة:

معلوم أن الحج فرض على المسلم البالغ الحر، فإن حج العبد ثم أعتق أو الصبي ثم بلغ فلا تجزئه عن حجة الإسلام.

قال القرطبي: إذا أعتق العبد أو بلغ الصبي وهو محرم قبل عرفة أجزأته عن حجة الإسلام. ولو أعتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر، أجزأت عنهما من حجة الإسلام ولم يكن عليهما دم.

قال الشنقيطي في أضواء البيان: والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا. وإن اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم. وإن من اقتصر على النهار دون الليل لم يصح وقوفه عند المالكية، وحجه صحيح عند الجمهور، وهو الصحيح في مذهب أحمد، وإن كان أحمد وأبو حنيفة قالا: يلزم الدم.

أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار، أو النهار من بعد الزوال دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلاً: عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور في رأس المقال. حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فقد أدرك الحج” فهذا نص صريح على المقتصر على الليل وقوفًا، ولا يدل على لزوم الدم، وليس له معارض، وعليه جمهور أهل العلم.

أما من اقتصر في وقوفه على النهار دون الليل فلحديث عروة بن المضرس الطائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيئ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى نرفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه”[4]. وقوله : “فقد تم حجه” ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم. وإن خالف في ذلك المالكية. أما من وقف نهارًا قبل الزوال، فظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده يبين المقصود من النهار وأنه بعد الزوال، وهذا هو الأرجح والأحوط عند أهل العلم.

ولابن القيم في زاد المعاد كلام نفيس حول وقوف النبي  يوم عرفة بعرفة نسوق هنا بعضه، قال: وموضع خطبته لم يكن من الموقف، فإنه خطب[5] بُعرنة وليست من الموقف، وهو  نزل بنمرة، وخطب بُعرنة، ووقف بعرفة، وخطب خطبة واحدة، ولم تكن خطبتين جلس بينهما. فلما أتمها أمر بلالاً فأذن، ثم أقام للصلاة فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما بالقراءة، وكان يوم الجمعة فدل على أن المسافر لا يلزمه الجمعة، ثم أقام فصلى صلاة العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجمع. ومن قال: إنه قال لهم: “أتموا الصلاة فإنا قوم سَفر” فقد غلط فيه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزوة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين. ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون ويجمعون بعرفة كما فعلوا مع النبي ، وهذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة.

وإنما التأثير لما جعله الله سببًا وهو السفر، هذا مقتضى السنة، ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات، واستقبل القبلة وجعل جبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة. وأخبر أن عرفة لا تختص بموقفه ذلك بل قال: “وقفت هنا وعرفة كلها موقف”.

صعود جبل الرحمة من بدع الحج:

قال الشنقيطي في أضواء البيان: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له، ولا فضيلة فيه لأنه لم يرد في خصوصه شيء بل هو كسائر أرض عرفة، عرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله  فالوقوف فيه أفضل من غيره.

ومسجد نمرة كان في عُرنة، ولم يكن فيه من عرفة شيء، واليوم قد اتسع المسجد فصار جزء منه في عرفة يجزئ الوقوف فيه، وبقيته في بطن عُرنة لا يجزئ الوقوف فيه لمن لم يدخل إلى عرفة على التفصيل السابق.

صوم يوم عرفة:

مسلم عن أبي قتادة رضى الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، قال: “يكفر السنة الماضية والباقية”.

 

قال المنذري في الترغيب: قال الحافظ: اختلفوا في صوم يوم عرفة بعرفة، فقال ابن عمر: لم يصم النبي  ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، وأنا لا أصومه. وكان مالك والثوري يختاران الفطر، وكان ابن الزبير وعائشة يصومان يوم عرفة..

والفطر عمل أكثر أهل العلم، ويستحبون ذلك لمن وقف بعرفة؛ ليتقوى على الدعاء، وقد قال الشافعي ذلك.

وقال ابن المنذر: الفطر يوم عرفة بعرفات أحب إليَّ؛ اتباعًا لرسول الله ، والصوم بغير عرفة أحب إليَّ؛ لقول الرسول  -وقد سئل عن صوم يوم عرفة- فقال: “يكفر السنة الماضية والباقية”.

فضل يوم عرفة:

قال القرطبي في تفسيره: يوم عرفة فضله عظيم وثوابه جسيم: يكفر الله فيه الذنوب العظام، ويضاعف فيه الصالح من الأعمال، قال رسول الله : “صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية”.

وقال صلى الله عليه وسلم: “أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له”.

عائشة أن رسول الله  قال: “ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو  ثم يباهي بهم الملائكة، يقول: ما أراد هؤلاء”. وفي الموطأ عن عبيد الله بن كريز أن رسول الله  قال: “ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما رأى من تنزُّل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رُئي يوم بدر”.

 

يوم اجتماع طاعة وعبادة وإخلاص::

يقول الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]. قال القرطبي: وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة.

إذا نظرت -أخا الإسلام- لقول القرطبي هذا علمت أن الشيعة اليوم بمحاولتهم التظاهر في الحج يحيون سنن الجاهلية، وهم كذلك في كل شأنهم واجتهادهم؛ لنشر ضلالاتهم وإحياء عبادة غير الله والشرك بصوره، فاللهم نجنا من ضلالتهم وشركهم.

ونسوق من الأدعية الخاصة بالعرفة، والعامة به وبغيره:

ما يمكن للحاج أن يدعو بها وبأمثالها، وبعضها مأثور عن السلف الصالح، وهي منقولة من زاد المعاد لابن قيم الجوزية، ومن المغني لابن قدامة: اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرًا مما نقول. اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي، ولك ربي تُراثي. اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.

اللهم تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك ربي شقيًّا، وكن بى رءوفًا رحيمًا يا خير المسئولين، ويا خير المعطين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي صدري نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري. وأعوذ بك من وسواس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر.

كان ابن عمر يقول: “الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واغفر لي في الآخرة والأولى”. وروي من دعاء النبي  بعرفة: “اللهم إنك ترى مكاني، وتسمع كلامي، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خشعت لك رقبته، وذل لك جسده، وفاضت لك عينه، ورغم لك أنفه”.

ومن دعاء أعرابي يرويه سفيان الثوري يقول: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني وقد خلقتني ضعيفًا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فيَّ سابق، وأمرك فيَّ محيط، أطعتك بإذنك والمنة لك، وعصيتك بعلمك والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، أن تغفر لي وترحمني. إلهي لم أحسن حتى أعطيتني، ولم أسئ حتى قضيت عليَّ، اللهم أطعتك بنعمتك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك، الشرك بك، فاغفر لي ما بينهما. اللهم أنت أنس المؤنسين لأوليائك، وأقربهم بالكفاية من المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع على سرائرهم، وسري اللهم لك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، إذا أوحشتني الغربة آنسني ذكرك، وإذا أصمت عليَّ الهموم لجأت إليك، استجارة بك، علمًا بأن أزِمَّة الأمور بيدك، ومصدرها عن قضائك.

وكان إبراهيم بن إسحاق الحربي يقول: اللهم قد آويتني من ضناي، وبصرتني من عماي، وأنقذتني من جهلي وجفاي، أسألك ما يتم به فوزي، وما أؤمل في عاجل دنياي وديني، ومأمول أجلي ومعادي، ثم ما لا أبلغ أداء شكره، ولا أنال إحصاءه وذكره، إلا بتوفيقك وإلهامك، أن هيجت قلبي القاسي، على الشخوص إلى حرمك، وقويت أركاني الضعيفة لزيارة عتيق بيتك، ونقلت بدني لإشهادي مواقف حرمك، اقتداء بسنة خليلك، واحتذاء على مثال رسولك، واتباعًا لآثار خيرتك وأنبيائك وأصفيائك، صلى الله عليهم.

وأدعوك في مواقف الأنبياء -عليهم السلام- ومناسك السعداء، ومشاهد الشهداء، دعاء من أتاك لرحمتك راجيًا، عن وطنه نائيًا، ولقضاء نسكه مؤديًا، ولفرائضك قاضيًا، ولكتابك تاليًا، ولربه  داعيًا ملبيًا، ولقلبه شاكيًا، ولذنبه خاشيًا، ولحظة مخطئًا، ولرهنه مغلقًا، ولنفسه ظالمًا، وبجرمه عالمًا، دعاء من جمعت عيوبه، وكثرت ذنوبه، وتصرمت أيامه، واشتدت فاقته، وانقطعت مدته، دعاء من ليس لذنبه سواك غافرًا، ولا لعيبه غيرك مصلحًا، ولا لضعفه غيرك مقويًا، ولا لكسرة غيرك جابرًا، ولا لمأمول خير غيرك معطيًا، ولا لما يتخوف من حر ناره غيرك معتقًا. اللهم وقد أصبحتُ في بلدٍ حرامٍ، في يوم حرامٍ، في شهرٍ حرام، في قيام من خير الأنام, أسألك أن لا تجعلني أشقى خلقك المذنبين عندك، ولا أخيب الراجين لديك، ولا أحرم الآملين لرحمتك، الزائرين لبيتك، ولا أخسر المنقلبين من بلادك.

اللهم وقد كان من تقصيري ما فد عرفت، ومن توبيقي نفسي ما قد علمت، ومن مظالمي ما قد أحصيت، فكم من كرب منه قد نجيت! ومن غم قد جليت، ومن همٍّ قد فرجت، ودعاء قد استجبت، وشدةٍ قد أزلت، ورخاء قد أنلت، منك النعماء، وحسن القضاء، ومني الجفاء، وطول الاستقصاء، والتقصير عن أداء شكرك، لك النعماء يا محمود، فلا يمنعنك يا محمود من إعطائي مسألتي، من حاجتي إلى حيث انتهى لها سؤلي، ما تعرف من تقصيري، وما تعلم من ذنوبي وعيوبي، اللهم فأدعوك راغبًا، وأنصب لك وجهي طالبًا، وأضع خدي مذنبًا راهبًا، فتقبل دعائي وارحم ضعفي، وأصلح الفساد من أمري، واقطع من الدنيا همي وحاجتي، واجعل فيما عندك رغبتي، اللهم واقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبول دعاؤهم، المفلوج حجتهم، المغفور ذنبهم، المحطوط خطاياهم، الممحو سيئاتهم، المرشود أمرهم، منقلب من لا يعصي لك بعده أمرًا، ولا يأتي بعده مأثمًا، ولا يركب بعده جهلاً، ولا يحمل بعده وزرًا، منقلب من عمرت قلبه بذكرك، ولسانه بشكرك، وطهرت الأدناس من بدنه، واستوعبت الهدى قلبه وشرحت بالإسلام صدره، وأقررت قبل الممات عينه، وأغضضت عن المآثم بصره، واستشهدت في سبيلك نفسه يا أرحم الراحمين. وصلِّ الله وسلم على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، كما تحب ربنا وترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


[1] اختلف في سبب تسمية عرفة وعرفات على أقوال، منها: أنه من العرف، بمعنى: الرائحة الزكية، وذلك لأن منى تصبح رائحتها لكثرة الذبح متغيرة، أما عرفات فلا يصيبها ذلك أو لأنها مطيبة بالتقديس، فهي وادٍ مقدس معظم؛ لأنه من شعائر الله. وقيل: لأن الناس يجتمعون فيه فيتعارفون. وقيل: لأن العباد يتعرفون على ربهم بالطاعات والعبادات. وقيل: من الصبر؛ لأن العارف والعَروف هو الصبور. وقيل: لأن الله بعث جبريل عليه السلام إلى إبراهيم، فحج به، حتى إذا أتى عرفة، قال: عرفت وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، قال له: عرفت. وقيل: لأن آدم وحواء تعارفا بعد الهبوط إلى الأرض. وعرفات مع أن فيها العلمية والتأنيث إلا أنها مصروفة؛ لأن الأصل فيها الجمع كمسلمات ومؤمنات سميت به بقعة معينة، فرُوعِي فيها الأصل فكانت منصرفة. وتسمى عرفات: المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وتسمى: إلال، على وزن هلال، ويقال للجبل الذي وسطها: جبل الرحمة. وحد عرفات من الجبل المشرف على عرنة إلى الجبل المقابل له إلى ما يلي حوائط بني عامر، وليس وادي عُرنة من الموقف، ولا يجزئ الوقوف فيه. وعرفة موضع الموقف في الحج، وهي عمدة أفعال الحج. وقريش في الجاهلية كانوا لا يقفون بعرفة، ويفيضون من مزدلفة، والناس يقفون بعرفة. يقول أهل قريش: نحن أهل الله في بلدته وقطان بيته، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، فأنزل الله تعالى قوله: “ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” [البقرة: 199].
[2] عبد الرحمن بن يعمر الديلي صحابي نزل الكوفة ويقال: مات بخراسان. ليس له في مسند أحمد وأصحاب السنن غير هذا الحديث، وله حديث آخر في الأشربة، أنكر الذهبي والحفاظ نسبته إليه. فكأني بهذا الصحابي الجليل لم يلق رسول الله إلا في الحج، فسمع هذا الحديث ورآه فنقلته عنه كتب السنة. وهو من الأحاديث التي بنيت عليها أحكام هامة في الحج، وله منزلة عالية عند المحدثين والفقهاء، هو وحديث عروة بن المضرس الطائي المذكور. وهي من أعمدة نصوص الحج عند الفقهاء.
[3] جَمْع: اسم لمزدلفة؛ لأنها تجمع الحجيج فيها ليلة العيد.
[4] أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارمي، وهو صحيح.
[5] كانت خطبة النبى صلى الله عليه وسلم يوم عرفة خطبة جامعة، وكانت قبل الأذان جاء فيها: “إن دماءكم وأموالكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث -وكان مسترضعًا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع وأول ربًا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به: كتاب الله. وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟” قالوا: نشهد أن قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها على الناس: “اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد” ثلاث مرات. وقال في خطبته: “اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، كحرمة شهركم هذا، كحرمة بلدكم هذا “. وقال فيها: “أيها الناس، إن الله أدى لكل ذي حق حقه، وأنه لا يجوز وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، ومن ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله له صرفًا ولا عدلاً”.

 1,524 اجمالى المشاهدات,  3 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

Advertisement
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

The maximum upload file size: 128 ميغابايت. You can upload: image, audio, video, document, text, other. Links to YouTube, Facebook, Twitter and other services inserted in the comment text will be automatically embedded. Drop file here

يوم عرفة

الحامل بإمكانها صوم عرفة بشرط

Published

on

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 2 دقيقة (دقائق)

أوضحت استشارية النساء والولادة الدكتورة فاطمة عبدالسميع، أن صوم السيدات الحوامل ليوم عرفة- غير الحاجات- يتوقف على وضعها الصحي وظروف الحمل، فالشريعة الإسلامية تبيح للمرأة الحامل والمرأة المرضعة والأطفال والمرضى الإفطار وعدم الصوم سواء كان صوم عرفة أو رمضان أو أيام الصيام الأخرى.
وقالت في تصريحات لـ”المواطن“: إنه في حال قدرة الحامل على صيام يوم عرفة الفضيل فإن عليها أن تهتم بالسحور جيدًا مع تناول كمية جيدة من الماء، على أن يكون سحورها يتضمن عناصر غذائية صحية وليست دسمة ومملحة ومرهقة للمعدة مثل الوجبات السريعة والمقليات وأطعمة الدهون لتفادي الشعور بعسر الهضم أو التلبك المعوي، مع تناول عصير طازج وليس محلى، على أن يكون السحور في وقت مناسب.
وتابعت أن الإفطار يجب أن يكون هادئًا وخفيفًا وليس دسمًا لمنع إرهاق المعدة، ويحتوي على شوربة ونوع من المعجنات أو الفطائر ووجبة رئيسية مناسبة، مع تجنب تناول أي مشروبات غير صحية مثل المشروبات الغازية أو مشروبات الكافيين، فذلك يرهق المعدة ويسبب الشعور بالتخمة، مع الابتعاد عن أطعمة المخللات لكونها تزيد الشعور بالعطش بشكل متكرر، كما ينصح بتناول سلطة خضراء وأيضًا سلطة فواكه، لكونهما خفيفتين وتمنحان الجسم الشعور بالشبع ولفوائدهما في احتوائهما على الفيتامينات والمعادن والألياف الضرورية للجسم.
ونصحت الدكتورة فاطمة، السيدات الحامل اللواتي تساعدهن ظروفهن على صيام عرفة، بعدم مواصلة الصوم في حالة الشعور- لا سمح الله- بالعطش الشديد، الانخفاض الملحوظ في التبول، أو عندما يصبح لون البول داكنًا وبرائحة نفاذة، مما يعني بالضرورة تعرضها للجفاف، وبالتالي تصبح عرضة للإصابة بالتهاب في المسالك البولية والمضاعفات الأخرى، أو الشعور بالصداع أو الآلام الأخرى أو ارتفاع حرارة الجسم، والشعور بالغثيان والتقيؤ، أو الشعور بالدوار أو الوهن أو الإجهاد أو التشوش الذهني، فإن جميع هذه الأعراض تستوجب كسر الصوم وتناول كمية من الماء والوجبة الغذائية.
source

 211 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

Advertisement

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

Advertisement

As you found this post useful…

Follow us on social media!

Continue Reading

يوم عرفة

مسائل في يوم عرفة

Published

on

By

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 7 دقيقة (دقائق)

يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة. كما أن عرفات بقعة مخصوصة وموقف معروف. وقد سميت عرفات بذلك لأن آدم وحواء عليهما السلام تعارفا بها. وقال آخرون: بل سميت بذلك لأن جبريل عليه السلام لما علَّم إبراهيم عليه السلام مناسك الحج قال له: أعرفت؟ وقال قوم: بل سميت بذلك لأنه مكان مقدس معظم، كأنه قد عرف، كما ذكرنا في قوله تعالى: {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6]. قال في تاج العروس: “كأنها عرفت أي طيبت. وقيل: لأن الناس يتعارفون بها”. قال الراغب في المفردات: “وقيل: بل لتعرف العباد إلى الله تعالى بالعبادات والأدعية”[1].

المسألة الأولى: في فضل يوم عرفة

قال صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده” رواه مسلم [2] عن أبي قتادة رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: “يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب” رواه أبو داود [3] عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟” رواه مسلم [4] عن عائشة رضي الله عنها.

المسألة الثانية: في استحباب صومه وفضل ذلك

قال صلى الله عليه وسلم: “صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده”، وهذا الحديث وإن كان الرواي عن أبي قتادة هو عبد الله بن معبد الزماني وقد قال فيه البخاري رحمه الله في التاريخ الكبير: “ولا نعرف سماعه من أبي قتادة”، إلا أن البخاري نفسه قد بوب في الصحيح قائلًا: “باب صوم يوم عرفة”، ثم ذكر تحته حديث أم الفضل رضي الله عنها ولفظه “أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه” [5]، فدل هذا على أن صيام يوم عرفة  معروف معهود وأما صيام يوم عرفة بعرفة بالنسبة للحاج ففيه حديث يروى وهو في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما وقد بوب الترمذي رحمه الله عليه بالكراهة، وأكثر أهل العلم يستحبون الإفطار ليتقوى على الدعاء.

المسألة الثالثة: لِمَ يكفر يوم عرفة سنتين؟!

قال ابن القيم رحمه الله: “إن قيل لِمَ كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين؟! قيل فيه وجهان: أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام بخلاف عاشوراء. الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء فضوعف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم والله أعلم” [6].

المسألة الرابعة: يوم عرفة وتكفير الذنوب

قال الإمام النووي رحمه الله: “وقد يقال إذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين ويوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟

والجواب: ما أجابه العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت به درجات وإن صادفت كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر والله أعلم” [7].

المسألة الخامسة: صيام عرفة والقضاء من رمضان

قال ابن عثيمين رحمه الله: “فمن صام يوم عرفة، أو يوم عاشوراء وعليه قضاء من رمضان فصيامه صحيح” [8].

المسألة السادسة: إن وافق صيام يوم عرفة يوم الجمعة

إن وافق صيام يوم عرفة يوم الجمعة فلا بأس بذلك , ولا يعد هذا داخلا في النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام,  قال الإمام أحمد رحمه الله: “إنما كره أن يتعمد الجمعة” كما في المغني [9]، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام”.

المسألة السابعة: في التعريف وحكمه

التعريف هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء. وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس رضي الله عنهما، وذلك في مسجد البصرة. وقيل إن أول من عرف بالكوفة  مصعب بن الزبير.

والتعريف نوعان:
الأول: اتفق العلماء على كراهته، وكونه بدعة وأمراً باطلاً، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات.
الثاني: ما اختلف العلماء فيه، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر. فقال بعضهم: محدث وبدعة. وقال بعضهم: لا بأس به” [10] أ.هـ مختصرا.

ختامًا:
أ- روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا”، وفي رواية “وأظفاره” [11]. قال ابن عثيمين رحمه الله: “والحكمة من ذلك أن الله سبحانه وتعالى برحمته لما خص الحجاج بالهدي، وجعل لنسك الحج محرمات ومحظورات، وهذه المحظورات إذا تركها الإنسان لله أثيب عليها، والذين لم يحرموا بحج ولا عمرة شرع لهم أن يضحوا في مقابل الهدي، وشرع لهم أن يتجنبوا الأخذ من الشعور والأظفار والبشرة؛ لأن المحرم لا يأخذ من شعره شيئا، يعني لا يترفه، فهؤلاء -أيضا- مثله، وهذا من عدل الله عز وجل وحكمته، كما أن المؤذن يثاب على الأذان، وغير المؤذن يثاب على المتابعة، فشرع له أن يتابع” [12]. وأما النهي فإن الجمهور يحملونه على عدم وجوب الإمساك بخلاف الحنابلة فإنهم يحملونه على وجوب الإمساك.

ب- ولا يمسك المضحي إلا عن ثلاثة أشياء فقط:
الأظفار والأشعار والأبشار, وكون الحكمة ما تقدم لا يعني أن يجتنب كل ما يجتنبه المحرم فلا يجتنب الطيب والجماع وغيره  مما يجتنبه المحرم وهذا خطأ شائع.

ج- إن وافق يوم الجمعة يوم العيد
فمن شهد أحدهما سقط عنه الآخر, قال ابن تيمية رحمه الله: “والقول الثالث: وهو الصحيح أن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد. وهذا هو المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: كعمر وعثمان وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم. ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف” [13].


[1] يرجع لمعجم مقاييس اللغة والمفردات للراغب وتاج العروس للزبيدي.
[2] برقم 1162.
[3] برقم 2419 وصححه الألباني.
[4] 1350.
[5] 1988.
[6] بدائع الفوائد 4/211.
[7] شرح مسلم 3/113.
[8] الفتاوى 20/48.
[9] 3/170.
[10] البدع الحولية 263.
[11] 1977.
[12] الشرح الممتع 7/486.
[13] مجموع الفتاوى 24/211.

 944 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

Continue Reading

يوم عرفة

دعاء يوم عرفة

Published

on

By

3
(2)

وقت القراءة المقدر: 6 دقيقة (دقائق)

في يوم عرفة كل ما حولك يحرك وجدانك، ويهيج أشجانك، ويهز أركانك.. منظر يتصدع له الفؤاد وإن كان قاسيًا، وموطن يثير المكامن فينحني عنده العبد مخبتًا خاضعًا، تسمع هذا يبكي، وذا يشكي، وثالث يُشجِي. إنه بحق .. يوم الدعاء والضراعة … يوم الابتهال والمناجاة … يوم التوجه والتمرغ.
وهذا ما أكد عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أن خير الدعاء هو ما كان يوم عرفة، فقال عليه الصلاة والسلام: “أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة”[1]. قال الباجي: “أي أعظمه ثوابًا، وأقربه إجابة”[2]. وقريبًا من هذا التفسير نص عليه صاحب المنتقى إذ يقول مجليًا معنى الحديث: “يريد صلى الله عليه وسلم أنه أكثر ثوابًا للداعي، وأقرب إلى الإجابة، فإن الفضل للداعي إنما هو في كثرة الثواب، وكثرة الإجابة”[3].
ولذا كان صلى الله عليه وسلم يحيي يوم عرفة بالضراعة والابتهال؛ يقول ابن القيم واصفًا حجته عليه الصلاة والسلام: “فلما أتى الموقف -يعني عرفة- وقف في ذيل الجبل عند الصخرات، واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس، وكان في دعائه رافعًا يديه إلى صدره كاستطعام المساكين”[4].
ومن دلالة صفة حجته -عليه الصلاة والسلام- استحب أهل العلم لمن وفقه الله إلى الوقوف بعرفة أن يكثر من مطلق الدعاء يوم عرفة راكبًا وراجلاًً، واقفًا وماشيًا، ومضطجعًا، ويلح على الله عز وجل أن يكتبه من أهل المغفرة، ويمنَّ عليه بالعتق من النار، ويسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة إلى أن تغرب الشمس، تأسيًا به في ذلك عليه الصلاة والسلام[5]. قال ابنُ عبد البر: “وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره، وفي الحديث أيضًا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب في الأغلب”[6].
وأما ما أُثِر وورد من الدعاء المستحب بخصوص يوم عرفة:
فأولاًً: ما ثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”[7].
وهنا سؤال وجيه: لماذا سمَّى قول لا إله إلا الله… دعاء، ومعلوم أنه ذكر؟
يجيب على هذا التساؤل الإمام الطبري بقوله: “إنما سمي هذا الذكر دعاءً لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لما كان الثناء يحصل أفضل مما يحصل الدعاء أطلق عليه لفظ الدعاء؛ لحصول مقصوده، يقول الحسين بن الحسن المروزي: سألت سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة فقال: لا إله إلا الله… إلخ، فقلت له: هذا ثناء وليس بدعاء. فقال: أما علمت ما قال أمية بن أبي الصلت حين أتى عبد الله بن جعدان يطلب نائله؟ فقلت: لا. فقال أمية:

أأذكــر حاجتــي أم قد كفــاني *** حيـاؤك إن شيمتك الحيــــاء
وعلمك بالحقوق وأنت فضـل *** لك الحسـب المهذب والثناء
إذ أثــنى عـليــك المـرء يومًـا *** كفــاه مـن تعــرضــــه الثناء

ثم قال: يا حسين، هذا مخلوق يكتفي بالثناء عليه دون مسألة، فكيف بالخالق؟!
الوجه الثاني: معناه أفضل ما يستفتح “خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير”، ويدل عليه الحديث الآخر فإنه قال: “أفضل الدعاء أن أقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له…”[8].
الثالث: معناه أفضل ما يستبدل به عن الدعاء يوم عرفة لا إله إلا الله…، والأول أوجه[9].
ثانيًا: يستحب للحاج الإكثار من التهليل والتكبير يوم عرفة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غداة عرفة، فمنَّا المكبر، ومنا المهلل…”[10]. والتهليل والتكبير دعاء؛ لأنه بمنزلة استجلاب لطف الله تعالى كما ذكر ذلك الملا علي القاري[11]. ولذا كان السلف يفضِّلون التكبير يوم عرفة كما يقول محمد بن سيرين: “حججت زمن ابن الزبير فسمعته يوم عرفة يقول: ألا وإن أفضل الدعاء اليوم التكبير. وهذا على الأفضل عنده، والله أعلم. وعن وبرة قال: سألت ابن عمر عن التلبية يوم عرفة، فقال: التكبير أحب إلي”[12].
ثالثًا: التلبية، وهي مشروعة للمحرم متى بلغ ميقاته، فيلبي عند اجتماع الرفاق، أو متى علا شرفًا، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل، وإدبار النهار، ولا يقطعها إلا عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر، كما نص على ذلك جمهور الفقهاء. ومن جملة تلك المواطن التي يتأكد فيها التلبية يوم عرفة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: “أنَّ أسامة بن زيد كان رِدْف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبِّي حتَّى رمى جمرة العقبة”[13]. يقول ابن باز رحمه الله: “ويبقى فيها (أي: في عرفة) إلى غروب الشمس مشتغلاً بالذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والتلبية حتى تغيب الشمس، ويشرع الإكثار من قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له…”[14].
وعمومًا فإنه ينبغي في موقف عرفة الإكثار من الأذكار والأدعية الواردة في الشرع في كل وقت، لا سيما في هذا الموضع، وفي هذا اليوم العظيم، وعلى العبد أن يختار جوامع الذكر والدعاء.
فهنيئًا لك عبد الله..
يا من وقفت بعرفة بجوار قوم يجأرون إلى الله بقلوب محترقة، ودموع مستبقة! فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه! ومحب ألهبه الشوق وأحرقه! وراجٍ أحسن الظن بوعد الله وصدَّقه! وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه! وكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أعسر الأوزار فكه وأطلقه! وحينئذ يطَّلع عليهم أرحم الرحماء، ويباهي بجمعهم أهل السماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان، وأعطاهم نهاية سؤالهم الرحمن[15].
فاللهم لا تحرمنا فضلك، وألحقنا بركبهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصدر: موقع مناسك.
 


[1] رواه مالك برقم (726)، وحسنه الألباني.
[2] تنوير الحوالك شرح موطأ مالك (1/168).
[3] المنتقى شرح الموطأ.
[4] زاد المعاد (2/217).
[5] منسك ابن باز بتصرف (42).
[6] التمهيد لابن عبد البر (6/41).
[7] رواه الترمذي برقم (3585)، وحسنه الألباني.
[8] رواه البيهقي برقم (4371).
[9] مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح (2/292).
[10] رواه مسلم برقم (1284).
[11] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/443).
[12] التمهيد لابن عبد البر (13/81).
[13] رواه البخاري برقم (1687)، ومسلم برقم (1281).
[14] مجموعة فتاوى ابن باز (2/151).
[15] لطائف المعارف لابن الجوزي (392).

 4,015 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 3 / 5. عدد الأصوات: 2

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

Continue Reading
ادب نسائي13 دقيقة ago

رواية جحيم العشق البارت السادس

ادب نسائيساعة واحدة ago

رواية جحيم العشق البارت الثامن

روايات مصريةساعتين ago

رواية ابن عار لكوكى سامح كامله

ادب نسائيساعتين ago

رواية جحيم العشق البارت الرابع

قصة مضحكة قصيرة5 ساعات ago

إنتقام جابريل باسترناك

شهر رمضان6 ساعات ago

متى يكون قضاء شهر رمضان

شهر رمضان8 ساعات ago

رمضان شهر الغزوات والانتصارات فى تاريخ المسلمين

شهر رمضان9 ساعات ago

الصوم أثناء الحمل أو الرضاعة

شهر رمضان10 ساعات ago

"جيش العسرة" قصص وإحداث… تبوك آخر غزوة للرسول معركة ونصر بلا قتال

شهر رمضان10 ساعات ago

كتب التراث.. "فتوح البلدان" سيرة غزوات الرسول والفتوحات الإسلامية

شهر رمضان10 ساعات ago

قائمة بأهم اكلات شهر رمضان 2022

شهر رمضان12 ساعة ago

اسئلة تاريخية عن الغزوات والفتوحات الإسلامية و التعرف علي اهم المعلومات

شهر رمضان13 ساعة ago

للحامل.. احذرى الصيام لو عندك أنيميا

شهر رمضان14 ساعة ago

هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان للقضاء

ادب نسائي15 ساعة ago

رواية جحيم العشق البارت الثالث

قصص الإثارة5 أشهر ago

رواية رغبه متوحشه (كامله)

قصص حدثت بالفعل4 أشهر ago

رواية هنا فى الاعماق – بقلم مايا بلال

قصص الإثارة4 أشهر ago

رواية بنت بمدرسة عيال اغنياء بقلم ماري جو

قصص متنوعة4 أشهر ago

حكاية ليلى واحمد وجارتى ابتسام

قصص الإثارة4 أشهر ago

رواية بنت فى ورطه بقلم كوكى سامح

ادب نسائي5 أشهر ago

قصة غرام اولاد الالفي بقلم سماء احمد

ادب نسائي5 أشهر ago

رواية ظلام البدر +21 بقلم بتول

روايات مصرية5 أشهر ago

قصة حماتي كامله للكاتبه ايمي رجب

روايات مصرية4 أشهر ago

رواية كبرياء عاشقة بقلم هدير نور(كاملة)

ادب نسائي5 أشهر ago

تكملة رواية ظلام البدر +21 بقلم بتول

قصص متنوعة4 أشهر ago

عايشة عند اخويا ومراتو بلقمتى ويارتني بلاقي اللقمه

روايات مصرية4 أشهر ago

رواية براءتي الجزء الحادى عشر بقلم كوكي سامح #11

ادب نسائي5 أشهر ago

تابع رواية ظلام البدر +21 بقلم بتول

قصص الإثارة4 أشهر ago

قصة حماتي وزوجتي الحامل +18 للكبار فقط

روايات مصرية3 أشهر ago

رواية السم فى العسل بقلم كوكى سامح

Facebook

Trending-ترندينغ