/* */
التخطي إلى شريط الأدوات

قصة لا وطن في الحنين الجزء الخامس

To report this post you need to login first.
0
(0)

 304 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

لا وطن في الحنين…5

 

في الشتاء تصاب جلابي ود عربي بهاء السكت ,أذ يخيم الصمت الزائف على كل شيء , فلا تعد  تسمع سوى زفيف ريح الشتاء الباردة , وهي تحتك بقش البيوت . أو تتسلل شقوق البيوت الطين .

في الشتاء بقدر ما يعم الصمت الأزقة والدروب العطنة والبيوت الواطئة , الفائحة بروائح سبخة , الا أن دواخل الناس في جلابي , تلتهب وتصطرع فيها الحرق , بصورة مميزة عن أشهر الصيف الغائظة .

عندما يحل الشتاء على جلابي , تتدهور أسعار المريسة ,وتصبح الفداديات (صاحبات الأنادي) على شفا الأفلاس , لولا رواج العرقي الذي بالكاد يسمح لتجارة الخمر البلدي بالاستمرار ويحفظها من الانقراض .

ولذلك منذ وقت مبكر قبل حلول الشتاء , تبدأ ” الفداديات” في حفظ أواني ” المريسة” (غير المرغوبة في هذا الفصل) ويخرجن أواني صناعة “العرقي” (التي كنّ قد خبئنها منذ نهاية الشتاء الماضي ( هذا اذا كانت الفدادية متخصصة في نوع واحد من الخمر حسب الفصول – ولكن هناك نوع آخر من “الفداديات” في الصيف اذ الى جانب اهتمامهن بصناعة المريسة , يصنعن العرقي – وهؤلاء كنّ من ذوات الثقافة الاقتصادية الرفيعة , التي تعتمد التنويع الانتاجي , فتمضي بعضهن الى اضافة صنف آخر  مثل “الكانجي مورو ” أو غيره من الخمور البلدية اللطيفة ) لكن الفداديات بصورة عامة تزدهر صناعتهن الأساسية “المريسة ” صيفا واذا كنّ لسنّ من رواد التنويع في الأصناف يتجهن شتاء الى تجارة الجنس , التي تجد في هذا الوقت من العام ازدهارا , يفوق كل ازدهاراتها في الفصول الأخرى , وهكذا تشهد جلابي في الشتاء ,ابتداء من الظهيرة حركة دؤوبة , لعاهرات ومثليين المدينة الريفية والمدن المجاورة باتجاهها .

فتيات أشكال وألوان (من كل الأعمار والتوصيفات : عزباوات , متزوجات , هاويات , محترفات , مدفوعات جميعن بالحاجة التي يفرضها البرد للدفء , وربما للمال ,الخ ..)..

لم يكن اللواط والسحاق والسلوك المثلي بعامة , ضمن الثقافة الجنسية التجارية لجلابي , ففي بدايات نشأة هذه الحلّة , كان يتم النظر للوطي ككائن غريب , وافد من عالم آخر ,غير عالم جلابي الذي لم يكن بعد جزء من حركة انتقال المعلومات , ولكن منذ حلّ حسّان جداد وأدروب وست البنات العشمانة , أصبحت مفردات مثل خوّل ولوطي أو لوطية من المفردات المألوفة والشائعة والمعترف بها على نحو غير رسمي في القاموس الشعبي لجلابي , والذي حوى الى جانب ذلك غرائب مفردات اللغة العربية ولغات البلاد الكبيرة الأخرى في هذا الحقل الهام من حقول المعرفة الانسانية , التي تهتم بأكثر الجوانب سرية في الذات الفردية ( أشار حسن الى أن الوثائق التي كتبت المخطوطة السرية على هداها , أشارت أن مملكة ساورا التي كانت بهذا الموقع – جلابي- أكدت وجود ممارسات مثلية , حسبما فهم الأثاريون, بعد تفكيكّهم للغة الاشارية والرمزية التي وجدت على جدران ما أسموه ب”حانة أتني” الكبيرة .  لكن اشارات ورسوم أخرى في المدينة الأثرية المكتشفة,  تعود الى عهد ساورا الاسلامية , أي مرحلة متأخرة من تاريخ ساور , نفت ذلك على اطلاقه اذ حصرت النشاط المثلي بين النساء فحسب !!) ..

في هذا الفصل من السنة تشهد جلابي, توافد اللوايطة والسحاقيات من كافة الأعمار والأشكال والألوان , يجيئون بثيابهم الزاهية , التي لا تعكس روح هذا الفصل الكئيب .

كما يشهد هذا الفصل توافد الموظفين والعمال بصورة أكثر انتظاما (رغبة في الجنس والعرقي) ..

 اذن في الشتاء من دون كل الفصول , تتراكم الأجساد على “عناقريب” وسراير جلابي , فهذه الحلّة هي وطن في العراء , تتناهشه الريح الباردة من كل جانب , حتى يتأصل فيه الحزن (الذي هو أكثر أبدية من بين كل المشاعر, كما أشارت كشوفات المدينة الأثرية) . وفي هذا البرد القاس يلتمس الجميع الدفء, في بعضهم البعض. فتتلاصق الأجساد كتلاصق بيوت جلابي المهترئة .

في الصيف من كل عام تتجرد جلابي من آثار شتائها , فتنداح الحياة على نحو مختلف , فالبيوت التي كان يسكنها الصمت أبتداء من العاشرة مساء , تضج بحركة النّاس في الظهيرة , حيث يبدأ يوم جلابي الصّيفي منذ الصباح الباكر , على عكس الشتاء اذ يبدأ اليوم بعد منتصف النهار , فالناس يصحون كسالى بسبب البرد الذي ” دشدش” عظامهم . وفي الصيف على عكس الشتاء كل أهل جلابي  بلا استثناء وينامون عند الفجر . وما أن تشرق الشمس حتى يتوافد عشاق المريسة والكانجي والعسلية , الذين لا يرحلون الا في المساء , مفسحين المكان لرواد العرقي .

ثمة تجارة لم تكن ضمن النشاط الاستثماري, في الثقافة الاقتصادية لجلابي . هي تجارة البنقو والحشيش , اذ بدت هذه التجارة ترسخ أقدامها بعد المجاهدات والنضالات الفذّة لمزيد الحلبي وكسبان الضّاوي .ففي البدء وجدا كثيرا من العوائق بسبب الاعتقاد الشائع في جلابي , بحرمة الحشيش والبنقو والسجاير الاحمر(العادي ده ) دونا عن سائر الخمور والأدخنة . ولكن بعد النشاط التنويري المكثف لمزيد الحلبي وكسبان . أقتنع أهالي جلابي( باستثناء جداد وبعض الذين يوالونه من التجار ) أنه لا توجد آية واحدة حرّمت الحشيش والبنقو, على عكس العرقي  والمريسة (مع أنهم كانوا لا يحفظون سوى قل هو اللّه أحد!!) .هذه “الفتوى” هدأت بال الناس قليلا !! كما أن كسبان ومزيد أعطيا مسألة الاتجار بالبنقو والحشيش بعدا وطنيا ثوريا في غمرة حماستهما ضد المخدرات “الاسرائيلية ” التي تدخل الى جلابي عن طريق الغرب محملة على اللواري القادمة من ” نيجيريا” .

فكان ضمن أجندة ندواتهم التي جعلا شعارها ” مقاطعة المخدرات الاسرائيلية وضرب عملاء أسرائيل في المنطقة : واجب وطني ” . كانا يفردان مساحة واسعة للحديث عن أنواع المخدرات في البلاد الكبيرة . فيتحدثان الى الحضور ,عن سلسلة نسب البنقو الغرباوي منذ أكتشفه الراعي  “بانغنيتو” في شمال أفريقيا أثناء تجواله بغنمه في سهول أطلس !!والبنقو والحشيش الشرقاوي الذي يضرب بجذوره في تلك الحديقة التي تعود لثمانية آلاف سنة , في الحبشة (أكدوا أن نجاشي الحبشة قبل أعطاءه حق اللجؤ للعرب الهاربين من القمع والانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان  في مكة كان “يصطبح” كل صباح على سيجارة عظيمة على غرار أسلافه , ومن هذه السيجارة بالتحديد(والتي كان يعدها له خصيه الأول من نبات البنقو في حديقته القصر المقدسة ) تحدر نسب البنقو الشرقاوي العريق جيلا اثر جيل .

لكن كل هذه الأنواع لاتضاهي البنقو الجنوبي , الذي يعود تاريخه الى ممالك الزولو والبانتيو اللتين نشطتا في تصديره الى السونغي ومالي , وهذا النوع من  البنقو لتميزه  أطلق عليه أهل جلابي (مسكين أنا , وقلبي أنجرح- على التوالي) وفي لحظات تجلياتهم يتندرون حوله بأنه الكافر المتمرد الحبيب (هذا غير التعابير الأخرى مثل : الفيل والطراوة والنكهة والتونسية وقطار عجيب وعجوبة, الخ ..) وتقول الأسطورة أن البنقو الجنوبي هو نبات مقدس , كان الاله لانجور يداوي به جرحى الحروب, ويشفي به الأكمه والأبرص بعد أن يغمسه في دم غزالة بكر بنت بكر (أي أنها البكر وأن ابويها أيضا بكرين على رأس قائمة أشقائهم ) ..

وبسبب هذه الأسطورة أعتقد أهالي جلابي (البعض منهم على الأقل ) أن هذه النبتة المباركة تحرس البيت من الأرواح الشريرة ,اذا تم تعليقها بطريقة معينة, بحيث تتدلى من سقف البيت , ولكن هذا الأعتقاد يدخلهم في معضلة عظيمة ,مع مكافحة المخدرات بحيث يتمزقون, بين القانون الرسمي واعتقاداتهم الموروثة المقدسة !!..

وهكذا تعتبر هذه الندوات التي تصدى بها كسبان ومزيد  للحملات المضادة من جداد , محطة هامة في ابتداع فكرة المهرجانات والمواسم الثقافية بجلابي , كما أنها شكلت منعطفا في مسيرة إغناء القاموس التعبيري الرسمي لجلابي .

لم يجد جداد في نهاية الأمر جدوى, من الصراع مع كسبان ومزيد , فحاول في فرص النقاش التي يطلبها في الندوة , أن يوسع المقاطعة لتشمل كل “البضائع الاسرائيلية” فلم تجد محاولاته هذه, لحرف الخط الدعائي الذي انتهجه كسبان ومزيد قبولا لدى الأهالي (الذين كانوا على الرغم من بساطتهم لا يصدقون ما أسموه : كلام فارغ!!), فالأهالي  لم يحدث  لهم أن رأوا خواجة بحكم موقع جلابي من الجغرافيا , ولذلك لم يكن من الممكن أن يعادوا “اسرائيل” التي لم يتشرفوا بمعرفتها أصلا !! كما أنهم لا يعرفون أين تقع هذه الاسرائيل من جغرافيا البلاد الكبيرة , والخريطة العامة لضواحي جلابي المؤمنّة, وهكذا أسقطت محاولات جداد لحرف أفكار السواد الأعظم في جلابي سقوطا مريعا جعله يهرب الى الأراضي المقدسة ..

أسعد هذا السقوط جهاز مكافحة المخدرات (للمفارقة) . فلم يقم بأي محاولات لتعويق خطة كسبان ومزيد (في البداية فقط) لكن بعد ذلك بوقت طويل, أصبح بيت مزيد وكسبان عرضة لحملات التفتيش من قبل المكافحة بين آن وآخر , ومع أنهم في كل حملة كانوا يقلبون بيت مزيد رأسا على عقب , الا أنهم لم ينجحوا على الاطلاق, في معرفة المخابيء السرية أو أساليب الترويج التي يتبعها كسبان ومزيد .

لكن قبل ذلك وكردة فعل على هذا السقوط , دعى جداد أهالي جلابي الى ندوة حشد ,لها الكراسي والصيوانات والمياه الغازية والبلح, والانارة بالوابورات الجاز “جنريترات”. وعلق على مقدمة الصيوان قطعة كبيرة من القماش كتب عليها بالخط الكوفي” : جلابي ود عربي تحذر اميركا للمرة الآخيرة  – بن لادن بطل قومي ..” .

 جاء أهالي جلابي أكلوا البلح وشربو المياه الغازية , وما أن بدا جداد في ندوته يتحدث عن العراق والاحتلال , الخ .. حتى أنفض أهالي جلابي الى بيوتهم, وقد اعترتهم دهشة عظيمة (فهم لم يخلصوا بعد من قصة اسرائيل , تطلع لهم قصة العراق وبن لادن !!) . وتعبيرا عن غضبهم أشاعوا أن جداد جنّ(مال التومة ومال العراق واسرائيل حتى تهدد أميركا: جلابي ودعربي تحذر أميركا للمرة الآخيرة؟!! بن لادن بطل قومي؟!!).. أشاع حينها بعض الخبثاء الذين أرادوا استغلال الموقف أن جداد عنصر ارتباط في شبكة أرهابية تتبع لبن لادن والظواهري !!..

كان مزيد في هذا الوقت قد تخلى عن عمله في “الملجة” كحداد , وأستقر بصورة نهائية في جلابي , التي أصبح يلازمها مع أنتعاش تجارته ولا يغادرها الا نادرا ..

في واقع الأمر ليس هذا هو ما يميز جلابي عن الحلالات والفرقان الأخرى , فما يميزها حقا هو الطابع الذي وسم حياة سكانها بطابعه .. الطابع الذي منحهم خصوصية تميزهم عن سائر مخلوقات الله وكائناته العجيبة في البلاد الكبيرة .هذه الخصوصية تمثلت في قدرة أهالي جلابي على الفرح , رغم ما يتعرضون له من كشات وسجون, قد تطول مددهم فيها أو تقصر . وعلى الرغم من ايماناتهم الدينية العميقة , كانوا يواءمون هذه الايمانات الدينية العميقة وسلوكهم ,الذي لم تشهد له الليبراليات الراديكالية, عبر التاريخ المعاصر مثيلا . فأهالي جلابي ايمانهم عجيب وغريب : ففي لحظة هم ملحدون ولا دينيون, ساخطون على الديانات والمؤمنين بها , وفي لحظة أخرى ليس كمثلهم أتقياء , وبين اللحظتين يتقلبون في سلوكهم اليومي بين التحفظ والتحرر والإنحلال التام..

قابلية أهالي جلابي على استقبال الجديد مدهشة, فعلى الرغم من أن الكهرباء هي أختراع يسمعون عنه فقط , وبالتالي تلفزيوناتهم كلها ,تعمل ببطاريات العربات . ومع أنهم ليست لديهم قنوات فضائية , والانترنيت ليس ضمن ثقافتهم , إلا أن جهاز الفيديو الوحيد في جلابي (الذي يملكه مزيد الحلبي) جعلهم يتصلون بعالم الموضة والأزياء , وتقليعات التسريحات في العالم من أقصاه الى أدناه (الى جانب أنهم ابتداء من دخول جهاز الفيديو بواسطة مزيد أصبحت لديهم معرفة مثيرة بأنواع الأوضاع الجنسية, على الطريقة الفرنسية والايطالية والهولندية والامريكية, فأصبح ليس من المستغرب أن يجد أحدهم بين فخذي عشيقته ,حلقا من الذهب , أو اسورة من الفضة , الى جانب أوشام لطيور وأفاعي في الكتفين, أو النهدين أو الفخذين – فقد أزدهرت صناعة الأوشام المثيرة كصناعة فنية مبهرة مع دخول الفيديو, الذي  مثل مرحلة تحول كاملة, وانتقال من ثقافة البلاد الكبيرة الكلاسيكية الى آفاق العولمة)  . فمزيد الحلبي كان رجلا خصب الخيال , لذلك لم يكن يكتفي باحضار شرايط الأفلام فحسب , بل كان ينتقي الى جانبها شرائط الموسيقى والرقص الأفريقي والغربي والبرامج الممتعة مثل أوبرا oprah وlaw & order   الخ .. (هذه البرامج جعلت النساء والرجال في جلابي يكتشفون كم هي حياتهم بائسة, وهكذا ظهرت طبقة من المثقفين الذين أطلقوا على أنفسهم فيما بعد – علمانيو جلابي ود عربي – !!)

عندما يحل المساء يحضر  الكثيرون من أهالي جلابي يتزاحمون أمام بيت مزيد الحلبي لشراء التذاكر من خميس (الذي كان مزيد قد أوقفه في الباب ) حتى يتمكنوا من الدخول لمشاهدة الفيديو ..

وعندما شاهدوا للمرة الأولى نيكول كيدمان في the others  تبدى العقل الأسطوري لجلابي كاشفا عن مواهبه الدفينة ( على الرغم من أنهم بكوا كثيرا لقتل بطلة الفيلم لطفليها , وانتحارها وبقاء أرواحهم الثلاثة معلقة بين العالمين ) فأصبح البعض يختبئون عند منعرجات الدروب ليخيفوا المارة . وسبب لهم ذلك خوفا لم تستطع أفلام الفضائيين eliensومصاصي الدماءمن تحقيقه. و على عكس ذلك , أسعدهم روبين ويليام في the dead poets  society على الرغم من الكآبة الرومانسية المزعجة ,التي تنضح من هذا الفيلم (فرغم كل شيء شعب جلابي هو شعب واقعي) ومن الأفلام التي ظلوا يحكونها لبعضهم البعض ,وعبرت عن تطلعاتهم غير المشروعة في القوة الغاشمة فيلم توم كروز the mission impossible  والغريب في الأمر أن مجتمع المشاهدة في جلابي , انقسم الى مجموعات فمجموعة تحاول ان تفرض على الآخرين, مشاهدة المباريات الرياضية المختلفة (ملاكمة , كرة , سباق , الخ …) وأخرى تحب أفلام روكي ورعاة البقر وجوالة تكساس, وتلك الأفلام التي على غرار the independence day , وأخرى لا تحب شيئاً سوى الأفلام الهندية . وانطلاقا من هذه التغييرات التي أعترت جلابي وأزعجت جداد , قرر الآخير جلب جهاز تلفزيون و فيديو كبير , ووابور لتشغيله, بدلا عن بطاريات العربات ..وأخذ يشغل بين كل فيلمين من الأفلام المصرية القديمة ” أبيض وأسود ” (الوسادة الخالية =عبد الحليم ولبنى عبد العزيز, للرجال فقط = سعاد حسنى ونادية لطفي  , شباب امرأة = شكري سرحان وتحية كاريوكا,  فقد كان جداد يعتقد أن هذه الافلام اسلامية !) أخذ يشغل أشرطة لأحمد ديدات وعمرو خالد والقرضاوي ألخ .. لكن لم تجد خطة جداد رواجا فسرعان ما ملّ الناس أفلامه “الاسلامية”..

هذه  المشاهدات لأفلام الفيديو المتنوعة جعلت لأهل جلابي ذوقا رفيعا في الأزياء والرقص والغزل وأشياء أخرى !!..كما أنتشرت بفضل هذه الأشرطة حفلات البارتي, التي اخذ أهالي جلابي يقيمونها بسبب وبدون سبب (فعندما أنجبت كلبة السرة التي كان أهالي جلابي يتهمونها بالعقم , أقامت السرة بارتيا لم تشهد له جلابي مثيلا  منذ ذلك البارتي الذي كان جداد قد أقامه احتفاء بالتطورات المهنية التي حدثت في حياتهما جعل اهالي جلابي يطلقون عليه لوقت غير قصير : الديك الراقص ) ..

وهكذا كان أهالي جلابي يملكون قابلية عجيبة على هضم كل جديد, في أي مجال من المجالات المتعددة للحياة وممارساتها اليومية , لذلك كانو  دونا عن سكان الضّواحي الاخرى التي تشبه جلابي . يهتمون بمشاهدة أفلام الجنس , اكثر من أي شيء آخر , رغم أنهم لم يكونوا يعانون من أي حالة كبت .. ربما كان ذلك لحاجتهم العلمية الماسة و لعادتهم في هضم المعارف الوافدة , أصبحت العديد من الأشياء التي تعرفوا عليها من أشرطة الفيديو المختلفة , جزء أصيلا من ثقافتهم ومعارفهم الجديدة .

ساعد على ذلك أن جلابي تنهض في الخيال بطبيعتها المعقدة ذات التجليات , أكثر مما تنهض في الواقع اليومي . وربما لهذا السبب بالذات , ألهمت الشعراء من أبنائها (الذين برزوا بعد ذلك على مستوى البلاد الكبيرة ) أعذب الأشعار التي طبقت شهرتها الآفاق , وأصبحت مفتتحا لمهرجانات الشعر العالمية . كما أن كل الكتاب والروائيين والتشكيليين والمغنين الذين انجبتهم جلابي , قد قوبلوا في مشارق الأرض ومغاربها بترحاب شديد , أزعج وزارة الثقافة ( فقد كان هؤلاء بشهرتهم الكبيرة قد جردوا الوزارة من مهمتها الأساسية :  تعريف العالم بثقافة وابداع البلاد الكبيرة) فقد أعطت هذه الشهرة العالم أنطباعا كاذبا عن وزارة الثقافة (فالصورة الابداعية التي عرفها العالم عن ابداع البلاد الكبيرة , جعلت  الوزراء في الشرق والغرب يتصلون برصفائهم المتعاقبين في جلابي ليدعون المبدعين عن طريقها, الى مهرجانات ومؤتمرات دولهم في حقول الابداع والمعرفة المختلفة ) فتحرج وزارة الثقافة ولا تعرف كيف ترد , لأن مبدعي جلابي لسؤ حظها جميعهم من المعارضين, الذين يرفضون السفر عبرها لتمثيل البلاد الكبيرة , الأمر الذي يضطر الوزارة للأستعانة ببعض الجنجويد المدّعين , فيسافر هؤلاء ويعكسون وجها قبيحا وفجا للعالم ,عن البلاد الكبيرة . ما أضطر كل الدول المضيفة ,التي كانت ترسل دعوات للتوقف عن ذلك, وهكذا لحق ابداع جلابي بموطن أسلافه في ساورا البائدة .. غاب تحت حجب النسيان) ..

كل هذا كوم والسياسيين الذين أنجبتهم جلابي كوم آخر , فقد مثّل هؤلاء جرحا داميا , ظل ” ينقّح” داخل وجدان جلابي قاطبة ..

فعندما يخرج الواحد من هؤلاء الى الضؤ, ويتربع على عرش السلطة مثل عباس ود الخزين وعبد الجواد ود الباهي ومحمد أحمد ود مستوره , ينسى جلابي واهلها ويلعن ” سلسفيل” أسلافها وسلالتها الضالين والمغضوب عليهم , كما ظلوا يزعمون في جلساتهم الخاصة , ولا يقدم لجلابي أي شيء, تعبيرا عن جمايلها ووقوفها معه في الانتخابات . بل يعمل من موقعه على تضييق الخناق عليها , ولذلك كانت من الهموم الكبرى في جلابي ,عملها الدؤوب على الا يصل أحد ابنائها الى دست السلطة , فقد ملّت من الانقلاب عليها والتنكر لها .. إذ يصبح عدوا بعد أن كان حبيبا .. ..

من جلابي وحدها تستطيع استشفاف تاريخ البلاد الكبيرة , والتقلبات التي مرّت بها في الإثني ethnic  والاجتماعي واليومي والثقافي .

على مسرح جلابي المنصوب في العراء قدم مسرحييها الذين حصل أغلبهم على جوائز عالمية (لم تسمح لهم الدولة بالسفر للحصول عليها ) كبيرة في التمثيل والاخراج والتأليف .. من هذا المسرح خرجت روائع المسرح الوطني , التي أصبحت تدّرس لتلامذة المسرح في بريطانيا وفرنسا وألمانيا (مراكز الآداب والفنون العالمية منذ الانحسار الهليني على أيام مملكة ساورا) .. فأهم السمات التي حملتها مدرسة “جلابي” المسرحية , أنها أستفادت من عصر الباروك في تعابيرها الحسية , وأخذت عن البيكيتية عبثية هذا العالم في البلاد الكبيرة , وعلى هدى كونت حاولت اشتراع عقلانية جذرية في الابداعي ..

هذا المزيج الغريب ,أدهش العالم واوقف ضربات قلب المشاهدين ,الذين كانوا يحبسون أنفاسهم منذ لحظة رفع الستار حتى أسداله .. قدمت جلابي مسرحا غير معقولا البتة , أستطاع أن يعكس مباهج “الانسان” وآلامه في هذا المكان المعزول عن العالم والمسمى “جلابي ود عربي” .. ما جعل أحلام الاهالي تتجاوز مجرد طرد حكومات الاستعمار المحلي الجنجويدية , الى نوع من الحلم الصوفي بالخلاص والفردوس المفقود والمدن الفاضلة ..

هذا المسرح الذي قدمته جلابي استطاع أن يضخ معان وقيم جديدة , جددت دماء العروق الجافة للمسرح العالمي , خاصة بعد المرحلة الشيكسبيرية الباروكية , التي أستمرت لوقت طويل رغم أنف التاريخ الفني ..

تخطر في راسي الآن كل هذه الخواطر عن جلابي وناسها , وأنا أراقب مسيرة حياتي منذ النشأة الأولى في المدينة الريفية , الى أن انتهى بي المطاف ها هنا ..

نشأت متوحدا في العزلة والوحدة , التي لا تزال تطبع حياتي بطابعها الموحش (لكن هذه العزلة تريحني من مشاكل الاحتكاك بالناس . فالناس عندما يتصلون ببعضهم البعض , تنشا بينهم المشاكل بسبب المشاعر الدنيا كالغيرة والحسد , أو لسؤ الفهم الذي يتم تصعيده سجاليا فيتحول من اختلاف الى خلاف(قطيعة) , أو بسبب الالتزامات المتبادلة التي تنهض فيها مشاعر متضاربة ربما تفضي للاحساس بالخذلان فالكراهية فالتآمر .. هذه العزلة تجنبني التعرض لكل ذلك مما لا احب ..) .. لذلك كنت كلما حطمت طوق عزلتي و خرجت لأتصل بهؤلاء الناس ,أعود مرة أخرى لاضرب السياج حول نفسي ..

 لحظات الاتصال بالناس في حياتي لهي ,لحظات قليلة , لكنها مكتظة بالاستهداف والحصار ..

اللحظة الأولى : هي تلك اللحظة التي كنت أساعد فيها والدي في الدكان وهو ينتقل به في ارجاء المدينة المختلفة , فأول مرة قام بتأجير محل لتجارته ,كان ذلك في الحي الشرقي , قريبا من شاطيء النيل, الذي تنكفيء عنده المدينة الريفية , كشخص مهيأ للاستفراغ . تدهور هذا المحل بسبب علاقته الجنسية مع صاحبة العقار , فقد كانت زوجة لسائق عربة حكومية محدود الدخل , ولذلك كانت تعمل في بيع الكسرة واللقيمات , وتؤجر جزء من عقارها كمحل تجاري . كانت سعاد صاحبة هذا العقار أربعينية جميلة , خاطبت فيه أشواق مقموعة , حفزته على الدخول في رأسمال تجارته . ودرء للفتنة والحرب التي أشتعلت في بيتنا , استجاب ابي لرغبة اخوالي وسلم صاحبة العقار محلها , وارتحل ببضاعته الى الحي الشمالي , على مقربة من بيتنا , اذ كنا نسكن شمال شرق هذا العقار . وهناك حاول أن يلتقط انفاسه ويسترد ما خسره مع الاربعينية الجميلة , عندها بدت جلابي كافق استثماري واعد , أخذ بعض تجار المدينة الريفية يتحدثون عنه بحماس , فذهب ابي وتفقدها ثم أختار مكانا , اصبح فيما بعد بمثابة القلب , شيد عليه دكان من الطين اللبّن , ألحق به قطية من القش والحطب و”الشراقن” , لم تكن نبؤات تجار المدينة الريفية قد جانبت الصواب , فقد أثبتت جلابي بمرور الوقت أن خيالها الاقتصادي لا يضاهيه خيال .

كنا قد تقلبنا بين مراحل مختلفة في الفقر , قبل أن يتمكن أبي , من انشاء تجارته ولا زلت أذكر عن طفولتي “الجوع” كمفردة وسمت حياتي بشرخ بالغ (الخوف من الجوع)  فالخوف من الجوع لا يعني افتقاد الطعام فحسب, بل كل الرغبات الأخرى, اذ هذا الخوف ,  يحمل معه مخاوف تظل تلاحق الانسان طيلة حياته , فالجوع يشعل في النفس رغبات أخرى في ارتداء الأزياء التي يقع عليها النظر . في اشتهاء كثير من الاشياء التي نمر بها ونظل نحلم باقتنائها , في اشباع هذا الظمأ للمشاعر الحميمة والنبيلة ..

ومهما انصلحت أحوالنا واقتنينا كل ما نرغب فيه , وأشبعنا كل ما نشعر به من احاسيس , نظل نرغب في مزيد من الاقتناء والاشباع , حتى يصبح واضحا, أن الخوف من الجوع استحال الى قيمة تتحكم في سلوكنا ومشاعرنا ..الجوع يتحول هكذا الى المحور الذي تنهض فيه الأحاسيس, المشاعر  التي تتحكم في سلوكنا حتى الممات ..

.. اذدهرت تجارة جلابي اذن , ومضى عهد ذلك الجوع نهائيا والى غير رجعة . هذا الازدهار اشعل في نفس ابي الرغبات القديمة المدفونة , وأعادها الى السطح مرة اخرى , فأقام علاقته التي طبقت شهرتها الآفاق , تلك العلاقة الحميمة مع السرة , ذاك هو الوقت الذي كنت فيه قد يئست من علاقة الكر والفر بيني وبين أبنتها ثريا , ولأنني كنت على شفا الدخول الى الجامعة اصبحت غير ميال , للحلول محل أبي في الدكان أثناء غيابه , الى أن انقطعت صلتي بجلابي تماما , فما عدت اذهب الى الدكان الا للضرورة القصوى . لكن ما أطلقته ام التيمان من مارد في عروقي , دفعني لأرتياد بيت سلمى خير اللّه, الذي لم يكن يبعد عن منزلنا كثيرا . فقد كانت سلمى خير الله قد أنفصلت من السكنى مع شقيقاتها , وسكنت لوحدها منذ جاءت من غربتها في الخليج وأستقرت نهائيا , هي التي دعتني بود لزيارتها , عندما التقينا صدفة في محطة المواصلات .

 كانت ودودة معي , فتصورت في البدء انها ترغب في اقامة علاقة معي, شبيهة بتلك العلاقة التي ربطتني بام التيمان . لكن بمرور الوقت اتضح لي أنه لم يخطر على بالها ابدا مثل هذا الأمر . فقد كانت على عكس ما يبدو عليها ,عفيفة وكثيرا ما أتصورها عندما تخطر على بالي كعذراء شقية , أو ذلك النوع من الحوريات اللائي يخطفن الشباب من “قيف” البحر , عندما يقعن في غرامهم . لكن سرعان ما يعدن هؤلاء الشباب الى حافة الحلم مرة اخرى . لينزلقوا بهدؤ الى حيث بؤسهم العريق . بعد أن تكون الحورية المزعومة قد تلاشت في أعماق النيل .

هكذا اذن لم أستطع التفكير ولا مرة واحدة في سلمى خير الله دون ان تكون مقرونة بخاطر أسطوري غير مكتمل التخليق .

ابرز ما استطيع الجزم به الآن عنها ,أنها لم تكن لديها فكرة واضحة عما تريد أو ترغب به . كنت أجيء الى بيتها في الامسيات . وأتسامر معها ساعة او ساعتين , ثم اغشى في طريق عودتي الى المنزل, صديقي اللدود حسن الذي كنت أحرص على الا يعلم شيئا ,عن علاقتي بها , فقد كنت أتحفظ معه حول كثير من الأشياء , التي أخذت اعتبرها أسرارا مقدسة لي ,وحدي فحسب . وكان هذا الموقف بسبب ما تسرب اليّ (قبل زمن طويل من عبده الخال, عن حكايا حسن في المدينة الريفية عن ثريا ومزاعمه بأنه خاض معها كثير من المغامرات من وراء ظهري ) ولأنني كنت أدرك جيدا, أن حسن نوع غريب من البشر . يحب تلفيق المغامرات , واضفاء منطق مدهش على الأكاذيب, التي تشكّل جلّ حكاياه , حتى في حكاياته عن تجاربه الحقيقية الحقيرة . يضطر الى سرد نوع من الأكاذيب المفضوحة , اذ لا يحكي سوى أنصاف وأرباع الحقائق, ويعمد الى تضخيم الوقائع الاحداث وتصعيدها, على نحو فانتازي يصعب تصديقه .

كان حسن خصب الخيال ,الى درجة أن كل زملائنا كانوا يتنبؤن له بمستقبل خيالي مشرق , وكنت ادرك ,انه يحاول ان يعوض نفسيا أحساسه بالانتماء لأسرة مدقعة الفقر , لطالما كرهها . فأخوته العشرة الذين يعتبر هو خاتمة عنقودهم . لم يكملوا تعليمهم ,وعطالى عن العمل , تفرق بعضهم داخل وخارج البلاد الكبيرة , كما أن والده يسكن مع أبناءه الآخرين من زوجة اخرى , في مدينة ريفية أخرى . فوجدت ام حسن  رغم تقدمها في السن ,نفسها مضطرة للعمل في الحواشات, حتى تتمكن من أن تعول هذه الأفواه, بسبب كل ذلك كان حسن كذابا كبيرا . يحاول اشباع غروره الذكوري ,كنوع من التعويض النفسي في جوانب حياته الأخرى .

حكى لي ذات مرة ,ان ست ذكية الأرملة مديرة المدرسة قد استدعته , وكانت ست ذكية قد أشتهرت في أنحاء المدينة وضواحيها , بعلاقاتها المتعددة, حتى انني بعد وقت طويل جدا, وكنا وقتها قد رحلنا الى حاضرة البلاد الكبيرة (عندما جئت لأداء خدمتي الوطنية في المدينة الريفية بعد التخرج من الجامعة , زارني أحد أصدقائي المدرسين ,الذي كان بالأساس رفيقا لي أيام كنت حزبيا مغيبا , فأصبحنا أصدقاء بعد أن تركنا الحزب  ,

طرق على هذا الصديق (الاستاذ عادل ) باب بيتنا, الذي كنت قد أخليته وقتها من المؤجرين :

-عندي زولة عايز أدخلها ..

-تفضل .

دخل تتبعه  ست ذكية فاستأذنت في الخروج . كانت ست ذكية قد فوجئت بي . فقد كانت مدرستي في الابتدائية المختلطة, وكنت أحد تلامذتها , الذين كانت توليهم أهتماما كبيرا . وبعد أن عملت حكومة الجنجويدي على تطبيق نظام الفصل بين الجنسين, فلم تعد هناك مدارس مختلطة . كلفت ست ذكية بادارة مدرسة ,في احدى ضواحي المدينة الريفية , حتى هذه المساء, كنت أعتبر أن امر علاقاتها المتعددة محض شائعات (بعد ذلك قلت لعادل :

– أنها أستاذتي . أنت لم تخبرني لاخلي المنزل حتى لا تحرج من رؤيتي ..

فأكد لي انها لم تتعرف علي . مع انني كنت واثقا انها تعرفت علي . خاصة أنني كنت أزورها باستمرار فيما مضى . وصلتي بها لم تنقطع الا بعد وقت طويل )  ..

زعم حسن أنه كان  يمارس الجنس معها, وأخذ يصف لقائهما بالحركات والتأوهات , وكيف أن قضيبه بعد عدد من المرات قذف دما ..

بعد أيام  حكاية حسن , أخبرني عبده الخال ,أمين اسراره أن كل ما حكاه , محض اكاذيب , فقد سمع الشائعات عن ست ذكية, التي كان قد تعرف عليها بواسطة عبده الخال نفسه , الذي كان(الخال) قد ربطته بها علاقة حميمة, وقررحسن التقرب منها ,من خلف ظهره ,فحسمته وطردته شر طردة . فأخذ يحكي عنها هذه الأكاذيب . ولذلك خطر لي ان حسن لم ُيقم أي علاقة مع ثريا , لكنني لا أستبعد أنه كان يلتقيها, ويحكي لها عني ما ينفرّها مني ,ويجعلها تمارس تجاهي ذلك السلوك العجيب , الذي لم أستطع فهمه على الاطلاق .

كبيرة هي شبكة الروايات الشفاهية, التي تعرفت خلالها ,على الجوانب الخفيّة, والمظلمة فيمن إحتكيت بهم لفترة طويلة من حياتي . مع ذلك لم أثق بها تماما . وان كنت كثيرا ما أعتمدها كعوامل مكملة لما اقف عليه من حقائق , غير قابلة للدّحض . هذا هو منهجي الآن فيما أجريه من مراجعات ,لوقائع وأحداث جلابي ود عربي .. هؤلاء الشخوص الذين كنت ارى فيهم . كل الشخوص الذين عبروا على مجتمعات البلاد الكبيرة, عبر تاريخها المظلم المديد , فصنعوا حقبها المختلفة , بافراحها واحزانها . مراثيها وامجادها في آن .. دون أن يتعرف عليهم احد من المؤرخين أو يهتم بهم .

فالمؤرخين اهتموا فقط للأثر ,الذي خلّفه الافراد من أبناء جلابي ,الذين تقلدوا مواقع السلطة الثقافية او السياسية واصبحوا مهمين , ولذلك ركزوا دوما على دراسة الفرد . فالتاريخ بالنسبة لهم سجل لبطولات الافراد العباقرة, الذين يحركون الاحداث باطراف أصابعهم , وهكذا يهملون أو يتجاهلون دور البسطاء من جلابي, في صناعة الثورات وصياغة الاحداث . ويذهبون الى أن اهمال دور الفرد في التاريخ ,او التقليل من شأنه يتعارض مع وقائع الاحداث ,التي صنعها بالفعل القادة .

 ولا أحد يختلف معهم في ان هذا التقليل ,والأهمال لدور الفرد يخالف الواقع , ولكن التركيز المطلق على دوره, يخالف ايضا واقعا آخر .. فالتركيز على دور فرد ما مثل حسان جداد أو لاكو لادو , أو مجموعة من المجموعات التي سكنت جلابي, في مراحل مختلفة. منذ ايام كان اسمها ساور المقدسة , في التأثير على ظاهرة تاريخية معينة , ليس هو المنهج الذي يمكن الاعتماد عليه, في رؤية ظواهر التاريخ التي كشفت عنها جلابي .

فهذا التركيز بفضل عشرات العوامل المعقدة , التي أثرت على الظاهرة , وتحصر المسألة في جوانب فرعية مهما كان تأثيرها , فانها لا تستطيع أن تؤثر في الظاهرة التاريخية ,تأثيرا ينقلها من النقيض الى النقيض .

المؤرخين الذي شدتهم حكايا جلابي, سلطوا الضؤ على بعض الافراد  الطائفيين, كود الخزين ومحمد أحمد ود مستورة وود الباهي أو أبو لكيلك الجنجويدي نفسه , ومجدوا بذلك ذاتية هؤلاء الأفراد غير المهمين, ولذلك عندما تخطر حكايا جلابي في ذهني الآن, لا أرى سوى الجماهير الغفيرة , التي تعاقبت عليها , عبر مراحل التاريخ المختلفة .. هذه الجماهير التي مثلها كسبان الضاوي ومزيد الحلبي والسرة وام التيمان ( وقبل كل هؤلاء بولدين وسورنق وأسلافهما في ساورا وممالك جلابي الغابرة) هؤلاء العباقرة الذين لولاهم , لما كان لجلابي وجود . ولما أهتم بها أحد من المؤرخين . الذين أعدوا رسائل الدكتوراه والماجستير, وكل ماهو من قبيل الدراسات العليا فقط, في جلابي كبوتقة .

 منهم من كتب عنها محتفيا بدور الفرد, الى درجة أن واحدة من هذه الرسائل المثيرة للغثيان, ذهبت للبحث في العوامل الذاتية التي فجرت طاقات جداد , وذهبت اخرى للبحث عن الاسباب الداخلية والخارجية لحريق جلابي..

وناقش أحد طلبة الماجستير باستماتة , إستنتاجاته النظرية التاريخية ,حول الدور البارز للقائد لاكو لادو في تطوير جلابي ؟ وهكذا ذهب آخرين للحديث عن السياسات الجنجويدية , ممثلة في الممارسات الجائرة لتنظيم القرى ومعالجة السكن الاضطراري, بينما هي في واقع الامر مجرد سياسات  غير ايجابية, ولا علاقة لها بالتاريخ الذي يصنعه الشعب في جلابي .. ظانين أنها تمثل التاريخ الحقيقي لجلابي ..

وما كانت هذه الرسائل الا خطوة أخرى, في مصادرة تاريخ جلابي ود عربي, وتكريس لآيديولوجيا التفوق الذاتية .. آيديولوجيا الفردالمسيطر الخالد أبدا !!..

 .. من حافة الحلم . عند أقصى زوايا الخاطر , يقفز أبكر, خارجا من الدوائر المتموجة للبخور . لم تكن ثمة رواية مؤكدة يمكن الاعتماد عليها , في اضاءة الحياة السرّية ,التي ظل بعيشها في جلابي , الى أن اختفى هو وبيته ,في لحظة حصار غاشمة . لم تكن ثمة رواية مؤكدة, يمكن الاعتماد عليها, في اضاءة الحياة السرية ,التي ظل يعيشها كآدمو أو كأبكر , حتى تلك اللحظة , ذات صباح كئيب, مشبع برائحة الرطوبة والبارود والبرد, الذي لم يثلّج أطراف الناس فحسب , بل ثلّج كل البيوت في جلابي , التي صدمت ذلك اليوم ودخلت في لجج الهلع والخوف , وهي ترى أبكر يرمى أمامها بالرصاص تحت عود المشنقة ..

مع أن أبكر ظل منسيا كمعلم بارز في ذاكرة الحكي اليومي , الا أن لا أحد ممن عاصروا لحظة حلوله بجلابي , كيف أنتصب بيته لوحده باشارة من يده فقط.

جاء أبكر للمرة الأولى, وأقام ثلاثة أيام في العراء , رافضا تلبية استضافة الأهالي في بيوتهم .. مضى في صبيحة اليوم الرابع الى سوق جلابي, لشراء مواد بناء للبيت الذي أزمع تشييده . كوّم البائع أمامه كل ما طلبه: من حصير وقش وقنا وحطب , وعندما أحضر الكارو, كان المكان خاليا من أبكر ومواد بناءه !..

 سأل جيرانه من باعة مواد البناء , فأكدوا أنهم لم يروا زبونه المزعوم, ولم يروا عربة كارو تحمل مواد بناء, وفي الواقع لم يروا شيئا على الاطلاق, من اي نوع كان.  فكل ما يعبر بهم لهو من الوضوح ,بحيث يشعرون به حتى لو غضوا النظر !!..

رأى الناس أبكر يقف في طرف البلدة ,وقد تكوّمت أمامه مواد البناء , رفع يده اليمنى فانتصبت “قطية” غريبة التصميم في الهواء, قبل أن تستقر على الأرض .. مضي بتؤدة الى داخل القطية .أشعل فيها النار والناس يراقبون مدهوشين .. أتتت النار على القطية والناس يتسآلون : لماذا أنتحر الرجل حرقا ؟ .. لكنهم فوجئوا به يخرج من القطية حيا ,لاشيء من الحروق عليه سوى رماد ثيابه ,التي كانت قد أحترقت, ولا يزال رمادها يغطيه, بعد .كأنه ثوب وليس رماد. ثوب ؟!!..

 تراجع الناس خائفين , تبقى منهم قلائل ينظرون لأبكر ,الذي رفع يده اليسرى فتساقط الرماد منها وأصبحت عارية , فانتصبت قطية أخرى من قلب الرماد , غريبة الشكل لم يروا مثلها من قبل . اذ تجلى في تصميمها كل شكل منسي من الأشكال الهندسية الغامضة .. كانت قطية جميلة توسطت سورا من شوك المسكيت الجاف .

ومنذ تلك اللحظة أخذ الأهالي يتعاملون مع أبكر كساحر كبير , وأخذوا يمنون أنفسهم الأماني , وأجتهدوا في التقرب اليه . الا أنه كان من الواضح أن أبكر لا يرغب في أي نوع من العلاقات الخاصة , تربطه بأي شخص من اهالي جلابي .

تلك الحادثة المذهلة .المتعلقة ببناء أبكر لقطيته, ظلت حديث الأهالي ,الذين أخذوا يتناقلونها جيلا عن جيل, في اللحظات التي تحتج فيها شخصية أبكر, على سقوطها عن ذاكرة الحكي اليومي, متشبثة بتلابيب الذاكرة الباطنة ..

ورغم سقوط أبكر عن ذاكرة الحكي اليومي ,الا أن حكايته أنتشرت خارج جلابي, فوصلت أسماع النساء والرجال في المدينة الريفية , والمدن المجاورة , وأخذت الفداديات يذهبن لأبكر, ليكتب لهن الحجبات التي تحميهن من “الكشة” ,او التي تجلب اليهن الرزق . بل والمرشحين في الانتخابات المغشوشة ,للمجالس البلدية , كانوا يحضرون منكسرين, الى منزل أبكر ,كي يكتب لهم حتى يتمكنوا من الفوز , وهكذا تمددت سمعة أبكر, في كل أنحاء البلاد الكبيرة ..

لم تكن لأبكر علاقة سوى بشخصين , اصطفاهما من دون كل الأهالي : هما كسبان الضاوي وجمال الحلّة .. وربما كان ذلك لأن كسبان (رجل في حاله) اشبه بالمجاذيب , اذ يكون في لحظة واعيا ومدركا (مثل تلك اللحظات التي كان ينوّر فيها الأهالي, بأهمية الحشيش والبنقو ) وفي لحظات أخرى ,يكون غير عالم بأي شيء يجري حوله , سابحا في ملكوت بعيد عن عالم جلابي .. وجمال الحلة ربما لأنه قريب الشبه في أحواله من كسبان , قرّبه ذلك من أبكر , فقد كان بركة يعتقد فيه الأهالي , الى درجة أنهم صوروه ,وعلقوا صوره في دكاكينهم وبيوتهم لتجلب لهم  الرزق ..

وفكرة البركة التي يعتقدها أهالي جلابي, لا أحد يدري على وجه التدقيق, كيف نشأت في أذهانهم . فالرجل لم تكن له كرامة واضحة, كعبد الرحمن العوير مثلا , عندما رفع يديه فأحترق بيت أم التيمان ..

اذن باستثناء كسبان الضأوي وجمال الحلة, وزبائنه من الجنسين , لم يكن أبكر يسمح لأحد بدخول بيته . ولذلك عندما أعلن حسان جداد حملته الانتقامية ضد ابكر المعراقي , كان كسبان وجمال هما اللذان تصديا لهذه الحملة الشرسة .

ثمة علاقة محتملة بين أبكر ومزيد الحلبي , لكنها غير مؤكدة ,فالبعض يقول بها والبعض الآخر ينفيها..

الحاشية الأولى:( وثيقة مصورة  رقم 23)(*)

 

 

لا وطن في الحنين…6

 

من اين تبدا الحكاية والى اين تنتهى ؟ .. من المقولات الكبيرة و الكثيرة و المثيرة التى انطلقت منها فكرة الوطن ,وهى تبحث فى عالم جديد , يتكون فى تشظى وتمزق عالم يؤول الى الانهيار والتلاشى !.. عالم تنهض فيه جلابي أرض النازحين التاريخيين , في ساورا البائدة أو مملكة الجبل والوادي, بمجهوليها الذين جاءوا من كل مكان ,يحملون حرمانهم واحزانهم وهزائمهم ..إحباطاتهم وخذلاناتهم العميقة ؟!..

 من اين جاء هؤلاء..انه السؤال الذى شغل البال, وقتل من بحث فيه . فمن اين اتى هؤلاء الى ساورا.. الى جلابي ود ….. الى اشباه المدن فى البلاد الكبيرة … لم ياتوا كالتروبادور المرتحلين بغنائهم الرومانسى المعذب فى اللانهاية .. عابرين بخيالاتهم البحار العظيمة . يواجهون غضب طبيعة متوهمة . واهوال وحوش لا وجود لها . ثم يتكئون على صدر جلابي, ينفضون عذاباتهم , لتنهار كما نهضت فى الانهيار, مثل مملكة الجوار , ربما .. الحلفاء , ربما .. مثل كل دويلات المدن .. تنهار بفعل الغربة والحنين!..

انها جلابي لحظة الميلاد . الناهضة فى قلب السوق البلاد الكبيرة , , تستمرأ تعاطى الاحاجى , والحواديت , عن الذى ياتى ولا ياتى, وميلاد عصر جديد , سهلت فيه عملية تبادل وانتقال عناصر الثقافة , فتقاربت الجزر المعزولة , بما جعل التواصل يتغلغل فى الوجدان , ليتشكل النسيج الذى طالما حلم به الأسلاف في ساورا البائدة!..

لكن قبل ان يموت السؤال, تنهض فى  الفضاء الطرفي للمدينة الريفية آلاف ال “جلابي  ود …) من كل شكل ونوع شاهقة , شاهقة , شاهقة على الرغم مما يضرجها من نزيف !..

 ذات نزيف جبل “سابا” صديقة الجنيات , عندما رمت بنفسها من أعلا قصرها الملكي , احتجاجا على استيلاء , بييه على السلطة , في مملكة الجبل والوادي ..

الجبل ينزف.. والسؤال يظن انه سيهدم العالم ويشيده, على نحو مختلف .. لا انهدم العالم ولا بقى السؤال هو السؤال .. كل ما هنالك: نزيف وضجيج وانهاك ف البدو تدخلوا بعدتهم وعتادهم , يدعمهم الرسميون من ثعالب الجنجويدي البحرية , التى فاجأتها الوديان , بنعومتها وطزاجتها ..

البدو بعدتهم وعتادهم يرمون الجبل بالراجمات , تؤازرهم الطائرات , لينجرح الخاطر , ويستحيل تناغم الطبيعة ايقاعا مختلا, يضرج وحدة السؤال وتوحده , ويهدمه ليعيد السؤال بناء نفسه من جديد(هل كان وقتها هناك طائرات وراجمات ؟ .. لكن كيف أعدم أبكر أو شنق , أو قتل ؟؟) ..

لا زال السؤال يظن انه سيشيد الاجابة! على نحو مختلف ..!

كيف لهم ان يفهموا ان الجبل خارج اطار الفيزياء , كيف لهم يفهموا  أن مغزاه الروحى ؟!..سيظل اخضرا مثل الفضاء المرتحل فى اللوعة والغياب, والمهاجرين القدامى والجدد ,الى فضاء قبل جلابي القديمة ,وهى تتكون فى التمزقات !!…

هاهو السؤال يستعد للنفى الاختيارى والرحيل , يمضى ك( عبد الكريم من  عشيرة ( كليبا التي ينحدر منها أبكر)الى قصر السلطان , يبلغ سن الرشد . فيقود الفرسان ضد العريقات الجدد .. يطردهم من آبار ( كارنوى )فى دار ( قلا ) ويزحف حافرا فى طبقات الوعى ,القصوى ليحرر الناس ,والمكان والوادى والشجر والقرود واشجار, القمبيل. ليدخل الجميع فى مزيد من الاسئلة الحرجة , لينفك اسار الجبل …

بينما يسقط آلاف القتلى. يروّون بدمائهم الوديان , فى اللحظة ذاتها يختلف المثقفون المازومون حول ( بروتكول ميشاكوس ) ويناقش الساسة والمفكرون المزعومون , الإلياذة  والأديسة ,فى كافتيريات هيئات التدريس , ويتغنى الجميع برحلات جلجامش ,لايجاد ربط بين مؤسسات المجتمع المدنى فى المدينة الريفية وحاضرة البلاد الكبيرة , وسومر أو بابل..

يمر الدراويش(كما مرّ الآشوريون يوما ) لحظتئذ بلباسهم المرقع عبر ثقوب الايديولوجيا !..

فى كافتيريا ( اتنى ) و( قاع المدينه الريفية فى قلب البلاد الكبيرة , وجوار جامع جداد .. ويحتدم السجال فيما اذا كان لابن عربى تاثير على الشعراء المجاذيب , او كون  مالىو الصونغي وإمارات الساحل, محض مؤامرة شيعية !..

والى اى مدى تداخلت الازمنه الثقافية , فى بوتقه الصهر . الفرن الجنجويدي في حاضرة البلاد الكبيرة..

كانت مسارب الايديولوجيا تحاصر , البعد فوق الفيزيقى , للكائن المسمى جلابي ,وتلّخص المسألة فى حدود الشرط الفيزيقى !..بينما تدلو حانة أتني في ساورا البائدة (اهم المنابر) بدلوها وتتدلى فى الفراغ الذي تنهض فيه جلابي بعوالمها المعلنة مع سبق الإصرار والترصد!!..

فالى ( اتنى ) ياتى القلقين .. المتوترين والموتورين, الذين لا يستطيعون الاستمرار فى أيّ عمل, نظرا لحساسيتهم المفرطة , تجاه المضايقات . اذ تجعلهم يشعرون بالحزن والتشاؤم , ما يدفعهم للغربة والاغتراب حيث هم !..

فتدهمهم المنافى بالحنين , ويتاوهون ويغمدون جراحاتهم , اقصى تفاصيل الفجيعة والدمار .. و يمضى! الواحد منهم باحساس محارب منقرض …..

انها( اتنى ) جلابي, فكل بيت في جلابي هو أتني  .. أتني الباحثين عن وطن دفء , فى الخمر البلدى المختلس , نزل عليهم ( بروتكول ميشاكوس) كالصاعقة .  والآن يفيقون من سكر دام لعقود طويلة يحلمون بالبلاد الكبيرة الجديدة !!..

لكنه الالم والرعب فى العيون الخبيئه الكابية , ففى فراغ ( اتنى ) تمر الصور , الذكريات , الاخيلة التى عاشوا لاجلها طيوفا متمزقة بالاسى والحرمان …..

فيكتب البعض بايحاء السؤال اسئلة اخرى : ( بين مطرقة اليانكى وسندان النازيين السمر ) : احداث ووقائع العذابات اليومية بوحدتها ووحشتها واساها !!..فى الخط الفاصل بين عالمين لينطوى السؤال على نبؤة الماساة !..

تنهض هنا مساحة خالية , ملأى بالتساؤلات الحارقة, لم تتمكن المخطوطة السرية من الإجابة عليها , تساؤلات يحملها التاريخ السحيق لشعوب البلاد الكبيرة .. شعب الوادى , الذى يتكون فى التمزق الشامل للناس والحياة والوادى ذاته ,الوادى بطبيعته وناسه واحساساته الغامضة .. الوادى الشاهد على اندثار اجيال ومولد اخرى , بافكارها المتباينه وتطلعاتها المتعددة عن : الحياة والناس والوجود والمصير والهدف …

حياة الوادي المتبدلة بناسها , هى حياة السؤال نفسه, مذ كان هاجسا فى خاطر الكون , فى لحظة دقيقة ,تفصل بين عالمين ينهض على ركامهما الوادى , كشاهد على عواصف الطبيعة, وزوابع التاريخ!..

ربما هو اللّوذ باليانكى الغرباء , الذين قدموا , رغم أنف رائحة التراب وعبق التاريخ , ورغم انف العالم المقهور كله ! .. حماة للسلام وراعين للديموقراطية والتنمية وحقوق الانسان , كما يزعمون ..

جاءوا كما جاء اجدادهم من قبل . يدّعون اخراج الناس من الظلمات الى النور , فغاص الناس فى الظلمالت اكثر فاكثر..

لم يرفض شعب الوادي والجبال اليانكى , كما فعل الاسلاف منذ وقت بعيد . لم يرفضوهم, على الرّغم من انهم كانوا يدركون, ان اليانكى سياخذون ثمنا غاليا ,من وجدان الناس وثروات الجبال الغنية واحساسات الارض ..

هذا القبول باليانكى ينطوى على اسئلة محرجة , حول العلاقة بالسلطة الوطنية , منذ غادر الانجليز ,حتى لحظة تدخل اليانكى لانهاء الحرب الاهلية !.. فمن الموقع الاخر , فى الغابات يتكررذات الموقف : لم يرفض رجال الغابات اليانكى , سمحوا لهم باقتلاع الاشجار والحفر عميقا فى باطن الارض لاستخراج الزيت ,بعد ا!ن ارضوا الفرنسيين , الذين لا تزال الاشواق الديجولية تعمل عملهافىتطلعاتهم العولمية !..

اذن لم يأت اليانكى هذه المرة, كرجال منظمات انسانية فحسب , تحارب الفقر والجهل والمرض .. ورجال الغابات يعلمون ذلك , ويقبلونه بطيب خاطر . فقد اوقف اليانكى الحرب ,واصبح بالامكان مساءلة الحكومة الجنجويدية,عن الميزانية العامة للدولة ؟!.. لكن سلطة اليانكى تتمدد لتشمل كل اطراف البلاد الكبيرة المهمشة !..لم يعترض أحد على اليانكى, فقد اشتغلت بنجاح تام رمزية الغريب , الحكيم : الذى يملأ الارض عدلا بعد ان ملئت جورا ..

والآن من أعلا برهات هذه اللحظة البلّورية , ها أنا أجلس وحدي على أحدى شرفات خاطري المتسع ,لأراقب أحوال العالم المنسي لجلابي ود عربي . فتاريخ جلابي هو تاريخ النازحين ونزوحهم , فمن ذكريات النزوح المتعاقبة ,تشكلت الذاكرة الجمعية لجلابي . ومن أحزان ومآسي النازحين, تشكل الوجدان الثقافي لجلابي, ففي موجة النزوح التاسعة, خلال قرن من الزّمان, في بدايات الربع الآخير من القرن الماضي . جاء المزيد من النازحون من أطراف البلاد الكبيرة, وأطراف المدن الريفية البعيدة عن مجرى النيل .

فجفاف تلك السنوات, لم يصب الأطراف الغربية فحسب , بل ضرب كل الأواسط البعيدة عن النيل . خاصة أن الأزمات الاقتصادية, للبلاد الكبيرة بسبب الفساد السياسي والمحسوبية, والنهب المنظم , الخ من أسباب وعوامل بلغت ذروتها ,وأضطرت الناس الى النزوح , فكانت جلابي التي أنشأها النازحون الاوائل ,مركز جذب ألتقى عنده كل هؤلاء وأولئك, الذين محلت أراضيهم , وجفت آبارهم ونفقت بهائمهم فلاذوا بجلابي . التي كان أقتصادها التقليدي المحدود لا يقوى على مقابلة الإحتياجات الضرورية لكل هؤلاء النازحين ..

تدفقت منظمات العون الانساني والاغاثة الأمريكية , ولأول مرة في تاريخ الاغاثات التي كانت تتم على مقربة من جلابي , تتعرف الأجيال الجديدة من النازحين على اسم “أميركا” وريغان .. هذين الاسمين, الذين حملتهما أغنيات الحكامات ,والمغنين البدو وأشعار المسادير والدوبيت, وغنا الهدّاي والمردوع والجراري .

حتى عازفي” الربابات والطنابير وأم كيكي جعلوا ” من أسمي أميركا وريغان مفتتحا لقصائدهم المجيدة, التي تمدح الخواجة النبيل .

هذه الأغنيات ترّنم بها القاصي والداني, في أنحاء البلاد الكبيرة , وشغلّت الناس وقتا طويلا , وبات الكثيرون يعتقدون أن أميركا هي زوجة الرجل الكريم ريغان , هذا الرجل الصالح الذي لم يروه أبدا , فقد أكتفى بارسال الطرود, المحملة بالمعلبات والزيوت والذرة والقمح والأغذية المختلفة , لاغاثة عباد الله المؤمنين في جلابي وأطرافها وامتداداتها, الى قلب المدينة الريفية, التي أصبح يطلق عليها ايضا “الفردوس” .

ويبدو أن الرجل الصالح ريغان, كان يعلم تمام العلم ,أن موظفي الاغاثة من أبناء المدينة الريفية, أو البلاد الكبيرة يعاونهم المجلس البلدي, سيتمكنون من سرقة المواد الإغاثية , وبيعها لأصحاب الكناتين , ولذلك ارسل أغاثة لا عدّ لها أو حصر , حتى لا تتأثر بالنقصان مهما كان حجم السرقة ..

وبالفعل ظل هناك دائما ما يكفي لحاجات النازحين, الذين لولا الرجل الصّالح ريغان , وزوجته المنعمة أميركا , لقضوا نحبهم جوعا وعطشا . اذ لم يكتفي هذا الرجل بارسال الإغاثات . بل أرسل محولات كهرباء صغيرة , وأجهزة ومعدات طبية  (كما علم النازحون – لانهم في واقع الأمر لم تصلهم هذه المحولات  والاجهزة والمعدات , اذ اختفت في ميناء شرق البلاد, بمجرد وصولها , وقيدت قضية أختفائها ضد مجهول ) لكن موّظفي ريغان, خشية تكرار مثل هذه الحوادث الغامضة , جاءوا بأنفسهم وأنشأوا مستشفي طواريء ,ومحطات مياه  ورّياض للأطفال( كانوا يقدمون في هذه الرياض, خدمات عديدة من غذاء صحي, وتطعيم ولبس وعلاج )  في مناطق النازحين .

وتوسعت مشاريع الأب ريغان وزوجته, لتشمل القرى المحيطة بالمدينة الريفية, فأنشأوا عبر فروع منظمات  plan sudan عدداً من القرى النموذجية, المميزّة بخدماتها الأساسية, (المراحيض الثابتة, والحمامات والمطابخ والكهرباء ومواسير المياه ) .. مضى ذلك الزّمن اذن ,الذي يقضي فيه الواحد من هؤلاء حاجته في العراء , أو يستحم داخل ذات المكان الذي ينام أو يطبخ فيه , بعد أن يخوض نضالا مستميتا, لأجل الحصول على الماء ..

وهكذا انقرضت الكوليرا , ودخلت متحف الأمراض الأثرية , ولم تطل برأسها مرة اخرى ,الا عندما اجتاح الفيضان الكبير البلاد , في أول خريف بعد سنوات الجفاف والتصحر .. اجتاحت الامطار والسيول البلاد الكبيرة من شرقها الى غربها , فلم تنجو الا مناطق قليلة , وشهدت البلاد بسبب ذلك مجاعة لم يسبق لها مثيل (وقتها كان الأب ريغان وزوجته, قد أختفيا بصورة غامضة ,ولم يعد احد يسمع عنهما شيئا ) حتى أن الناس, أصبحوا يشربون الشاي, والقهوة بالبلح وحلاوة الدربس , فقد أصبح السكر يندرج, في باب الذّكريات العزيزة . وأصبح أعتماد الناس في غذائهم اليومي على الطيور الموسمية , التي تضل اسرابها وبعض النباتات البرية ..

تلك سنوات لم تشهد لها البلاد الكبيرة مثيل , الا على أيام الخليفة عبد الله الجنجويدي , وخلفه أبو لكيلك ..

أخذ الناس رجالا ونساء في جلابي ود عربي وامتداداتها , يتذكرون الرجل الصالح ريغان , ويدعون له ايا كان المكان الذي أختبأ فيه, بطول العمر والصحة والعافية, وزيارة قبر الرّسول الكريم , ويتمنون له أن يتصدر  قائمة الشهداء والصديقين, في الدارالآخرة منذ عهد آدم ونوح الى عهد father moon  , ويدخل الجنة كولي من أولياء الله الصالحين, الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..آمين ..

بمجيء النازحين مرة اخرى بهذه الأعداد المهولة , وإنشآهم المساكن المؤقتة, في إمتدادات جلابي وحولها , ما لبثت ان ابتلعت أراضي الحواشات, التي يمتلكها سكان المدينة الريفية .. بتكاثفهم هكذا توصل الخيال الاقتصادي لجلابي , الى ضرورة اقامة سوق جديد, يستطيع أستيعاب الحاجات الجديدة الناشئة عن تمدد جلابي , وكثافة سكانها فنشأ سوق العصر, الذي سرعان ما تم تغييره الى سوق الحر .

ففي البداية كان الناس يأتون بعد الظهيرة, بعربات الكارو المحملة ب”الأقشّي” وعصير الليمون والكركدي , والكوارع و”القدو قدو” والسمك والخضروات واللحوم , الخ ..

ولكن بعد أن وجد السوق رواجا , أصبحوا يأتون بتجاراتهم المختلفة , قبل ان تفشي الظهيرة عن نفسها . ومن هنا كان الاسم : ” سوق الحر” .

أصبح سوق الحر بمثابة الملتقى للأحبة . فالفتيات والشبان, يستغلون التسوق لتبادل الأحاديث الغرامية , ما أدى الى إبداع لغة جديدة, وّظفت الكنايات والتشبيهات دون معرفة سابقة .. اذ يقول الفتى لبائع السمك مثلا :

-من أعماق البحر وأتأخرت في النار شديد ..

فيرد عليه البائع دون أن يدري ما وراء هذ الكلام :

-لا والله مقلية مظبوط

فتهم الفتأة (التي تكون وقتها بجوارهما ,تشتري من بائع الخضار ) أن حبيبها على جمر الشوق يتلظى مشتاقا للقاء المنتظر , فترد دون أن تلفت انتباه شقيقها الذي يرافقها :

-رغم أنو امي منعتني من الشراء منك , واخرتني لحدي ما وافقت , عشان خضارك مش ولابد . الا أني ما بغير الزباين.

ويفهم الفتى الصعوبات التي تواجهها حبيبته في سبيل لقاءه.. وهكذا عبر هذه اللغة الجلابية , يتم استغلال لغة التسوق نفسها, لإنجاز المواعيد والمقابلات بين الأحبة, المتوقعين والعشاق القدامى والمحتملين والجدد , الخ ..

ولأن الأفق الاستثماري لجلابي عبر تجاربها الاقتصادية , أصبح منطلقا ورحباً, فقد استثمرت اللجنة الشعبية لجلابي, نشؤ هذا السوق ,ففرضت رسوما على الباعة .. الأثر التراكمي لهذه الرسوم, أنجزت منه المدرسة الابتدائية (لأول مرة في تاريخ جلابي) مع أن جلابي لم يكن بها أطفال , لكن المدرسة كانت تعمل فكل طلابها من أبناء النازحين, الذين كانوا يقطنون امتدادات جلابي ..

ما ميز جلابي لوقت طويل , هو النسيج الاجتماعي المنسجم لسكانها . اذ لم يكن هناك تقسيمات لأهاليها, بناء على حساسيات من أي نوع , على الرّغم من بساطتهم , ولكن ما أن أصبحت الأحزاب السياسية, تهتم باستغلال جلابي ,وتقيم فيها الندوات في المواسم الانتخابية, وتزامن ذلك مع عودة جداد, من الاراضي المقدسة .. ما أن حدث كل ذلك, حتى أصبحت جلابي منطقة أخرى ,غير تلك التي عرفها سكانها المتعاقبين .. كانت كل جلابي تدعى “جلابي ودعرّبي فقط” دون تسميات اخرى .. أصبحت الأجزاء الشرقية منها, تدعى بحلة العرب , والاجزاء الشمالية بحلة القُمز , والأجزاء الجنوبية بحلة الغرّابة , والأجزاء الغربية بالجانقي .. حتى أن كل جزء من هذه الأجزاء, أصبحت له أسماء أخرى , فحلة العرب بأجزائها السبعة , لكل جزء من هذه الاجزاء اسم يخصه . فهذا الجزء لدغيم وذلك الجزء للحسانية وهذا للبرقو والمساليت والزغاوة والفلاتة..

كانت تفاصيل الساعات اليومية لجلابي, على مدى قرن من الزمان هي ذاتها لم تتغير . تتحرك على مستويين : مستوى في الشتاء وآخر في الصيف .. الفرق بينهما هو أن أهالي جلابي ,في الشتاء يختبئون في منازلهم مجرد ان تغيب الشمس . عكس الصيف أذ ينامون مع تباشير الفجر . لكن تفاصيل اوقاتهم هي ذاتها لا تتغير , فالتغيير فقط في تقديم وتأخير الزمن , وفقا للتوقيت الخاص بجلابي (يتقدم على غرينتش بثلاث ساعات ) التي كانت تستمتع بنوع من الحكم الذاتي , اذ تخشاها الجهات الرسمية (خاصة الشرطة والمباحث والأمن ) ولذلك يحرصون, عند شن واحدة من الغارات على جلابي ود عربي, أن يكونوا مدججين بالعدّة والعتاد, حتى يخاف الناس, ولا يكون ثمة ضحايا في الأرواح .

 بالطبع ما أن يحل الشتاء, حتى يتوقف أهالي جلابي عن شرب المريسة , فهم بحاجة للدفء , والمريسة ُترّطب الجسم .

وعلى هذا الأساس كانت جلابي كلها,  في الصيف منذ الساعات الأولى من الظهيرة, ترتوي بحصصها من المريسة . التي غالبا ما تكون بالنسبة لكثيرين, ليست مجرد خمر بلدي بقدر ما هي غذاء يومي .. حتى أن مدير المدرسة الريفية, عندما طرد خميس ود السرة , وطلب منه احضار ولي أمره ,جاءت مستورة غاضبة فتكلم معها المدير عن سبب طرده لابنها :

-الولد طردناه عشان بيجي المدرسة سكران بالمريسة ..

-يعني ما ياكل ولا شنو . يجي المدرسة جيعان بدون فطور ..

صرخت في وجهه , وكان أن أدرك المدير لأول مرة, أن المريسة هي غذاء رئيسي في ثقافة السرة , والكحول ما هو الا ناتج ثانوي يصاحب عملية صناعة هذه الوجبة, الغنية بالسكرّيات والبروتين والفيتامين ..

بعد وقت طويل من علاقتي بأم التيمان , كنت قد ألححت عليها بالسؤال عن سوكا حبيبها صاحب الرسائل الغرامية القديمة , التي كنت أقرأها لها كل يوم . فتنهدت بعمق وهي تتكيء على الجدار, وتمد قدميها على فخذي ,حتى يلامسان حافة السرير .. أخذت تحكي بصوت موجوع :

– كان سليمان (سوكا) إبن الجيران, الذي أحببته من دون كل فتيان الحلة . فقد نشأنا معا , وعندما أصبحنا في مرحلة المراهقة, قرر أن يتزوجني , لكن اهلنا رفضوا , وحلف الجميع ستين يمين . كانوا ينظرون لنا , كاطفال بعد .

ترك سوكا المدرسة وهرب , فغابت أخباره ثم أصبحت ,تصل بين آن وآخر , لكن كل الأخبار التي كانت تصل ,كانت متناقضة , فمن هذه الأخبار, أنه مات في أفريقيا الوسطى , بينما بعضها يؤكد أنه قتل في الصراع المسلح , في الاطراف الغربية من البلاد الكبيرة ..

ويصر بعض حاملي الأخبار, على أنهم شاهدوه في ليبيا وعلموا منه ,أنه كان في معسكر اللاجئين بتشاد , وهكذا لم أعد أعرف هل هو حي أم ميت. وكنت قد كرهت أهلي واهله وأنكفأت على ذاتي معتزلة الناس . وأخذت أفكر في الهرب للبحث عنه . الى أن حانت الفرصة وتمكنت من الهرب ..

بحثت عنه في أماكن كثيرة , استطعت الوصول اليها . وعندما فشلت في الوصول الى أماكن أخرى للبحث عنه . كان قد قيل لي أنه شوهد فيها . يئست فجئت للاستقرار في جلابي , التي أصبح أهلها أهلي وناسها ناسي . لم يعد بالامكان ان أعود الى أهلي . فهم لا محالة سيقتلونني حالما يرونني . ولذلك حرصت حتى على تغيير اسمي الحقيقي :

– ما اسمك الحقيقي ؟ .

فابتسمت ولم تجب ..

-الا تثقين في ّ؟

-بل أثق بك ..

-لماذا لا تخبرينني ؟

-الأفضل الا تعرفه , كما انه لن يفيدك بشيء , فقد سار عليّ اسم أم التيمان , والجميع لا يعرفون لي اسم سواه .

قطع حوارنا ,دخول سلمى خير الله, التي كنت قد عرفتها بأم التيمان, قبل فترة قصيرة .. فصارت كلما جاءت , لزيارة أبكر المعراقي الذي كان يكتب لها , تغشّى في طريقها أم التيمان . كانتا تجلسان لوقت طويل وحديهما . وتتهامسان .. ولا ادري ما الذي كانتا تقولانه لبعضهما .

كانت سلمى ذات جمال ملائكي موحي . وجهها بملامحه الهادئة وجسدها المشدود , لا يعكسان حقيقة أمرها أبدا , حتى أنني ظللت لوقت طويل , أظن انها لم تبلغ الثلاثين بعد . عندما أكتشفت أنها في النصف الاول من العقد الرابع ,. وأنها عاشت في غربة طويلة , فقد دفعتها الوفاة المبكرة لوالدها لهجر البلاد الكبيرة , والاغتراب للعمل . ومنذ أنقضت سنوات غربتها, وهي تحاول لّم ُركام ذكرياتها, وتشكيل ماضيها العائلي من جديد . كانت تشتاق لدفء الأُسرة والحياة الأسرّية .. تشتاق للزّواج والانجاب , وربما ذلك ما حفز على استمرار, ارتباطها العميق , بزميلة الدراسة والطفولة سارة , وابنها الصغير . اذ كانت تربط بين سلمى وسارة علاقة من ذلك النوع من العلاقات , التي تستوقف التاريخ الاجتماعي طويلا . ويلخصها في مفردة أو عبارة واحدة : أنهما تحبان بعضهما حبا كبيرا ..

كان لصوت سلمى سحر قوي يهدني كلما تسرب أعصابي , وكنت أعلم انني أشتهيها , كما كانت ام التيمان أيضا تعلم . وكنت كلما التقيتها وجلست اليها استثار , فأضطر الى الركض سريعا, حتى أصل بيت ست البنات العشمانة , فاداهمها وأصر عليها بتلبية رغبتي حتى لو لم تكن في حالة تسمح لها بذلك . وفي واحدة من هذه المرات ,بعد أن التقيت سلمى , فأطلقت شياطين الجحيم في دمي , ركضت مسرعا الى بيت أم التيمان, وفوجئت بأنها مسجونة بعد أن تم القبض عليها , في كشة مفاجئة وغير متوقعة . كنت كالمسعور فركضت الى بيت ست البنات , التي فوجئت برغبتي , اذ لم تكن بيننا علاقة من هذا النوع , أصررت عليها وأنا أبتز عاطفتها . فوافقت بعد جهد جهيد , لكن بشرط : أن تكون تلك اول وآخر مرة ,أراها فيها , وبالفعل لم أرى أم التيمان بعد ذلك أبدا .

وكنت كلما تذكرت كلامها :

-أنت تستبدل علاقتي بك في مجرد لحظة تنقضي ..

لم أعرف وقتها كيف أرد . وحملت هذا السؤال بداخلي وقتا طويلا . وكلما خطر على ذهني هذا الخاطر . أشعر بانقباض في قلبي .

رحلت أم التيمان بعد ذلك الحادث بمدة قليلة , ولم يعد احد يعرف الى أين ذهبت , وكنت أشعر أن سلمى خير الله ,تعرف المكان الذي قصدته أم التيمان , لكنها أبدا لم تخبرني .

لم اكن اجرؤ على مطارحة سلمى الغرام , فقد كانت هذه المرأة ذات قدرة غريبة, على السيطرة , حتى أنني لم أكن لاجرؤ على النظر في وجهها , دون ان اشعر بالارتباك , أدركت منذ وقت مبكر, أنني كنت ضعيفا أمامها . وأدركت أكثر شعور جداد شقيقها تجاهها , لابد أنها كانت تضعضع كيانه , وتفقده القدرة على السيطرة., على نفسه بقدرتها .,الغريبة هذه . التي لم أعلم حتى بعد كل هذا الوقت الطويل : أين يكمن مصدرها ..

حتى أن ادروب في واحدة من تجلياته النادرة., أستوقفني , بعد أن رآني امشي  بصحبتها وأودعها الي خارج جلابي ود عربي :

-البنت دي جمرّة !..

 فضحكت :

-يعني شنو؟!..

-حلوة شديد ..

-قل هذا الكلام لها هي ..

-لم تسمح لي بمجرد التحية . لا أدري ما مشكلتها معي ..

-أنت حبيت البنت دي ولا شنو يا أدروب ؟..

-انا قلت أوسطك بيناتنا..

-لا لا , حاول تعالج مشكلتك معها بعيدا عني ..

ومضيت تاركا أدروب خلفي يلوك حسرته . وما أن مشيت قليلا, حتى أستوقفني عبد الرّحمن العوير (ود التوم) ,الذي لا أدري من أي شق في الارض, أو في ُجدُر جلابي, خرج ليقف أمامي على هذا النحو المفاجيء :

-ما الذي كان أدروب يقوله لك ؟..

ُدهشت لاهتمام عبد الرحمن لمثل هذا الأمر , فعبد الرحمن عرف عنه عدم الاهتمام واللامبالاة بما يدور حوله , ولذلك كانت دهشتي كبيرة فصمت

-ماذا كنت تقول لبنت خير الله أخت جداد ؟

اصبحت دهشتي أعظم , فوجئت به يعرف اسمها كاملا وعلاقتها بجداد . , فسألته بحدة :

-وما أدراك أن ابوها اسمه خير الله وان جداد شقيقها ؟.

فلم يرد على سؤالي . ضحك ضحكته الصاخبة . وركض مبتعدا .. قبل هذه اللقاءات المتتالية , التي خلفت في نفسي آثارا لازمتني لوقت طويل . كان أدروب يحاول أن يجيبني على سؤالي اياه , عن الاسباب التي جعلته يصبح مواليا للعرافين , واحد اتباع جداد , ففوجئت أنه لم يؤمن بافكارهم( التي يعدها غريبة!) . يوما .

-اذن لماذا أنضممت لهم ؟..

-المعايش جبارة ..

-كيف يعني ؟..

-شقيقي الاصغر كان منهم . فقتل في الاطراف الجنوبية (استشهد) وجاءوا ليبلغونا بالخبر في أحتفاء شديد .. نصبوا الصيوانات (عرس الشهيد) كما زعموا . كانت الاسرة وكل الأهل حزّاني , فاستأت منهم لكن لم اكن ادري ما الذي استطيع فعله .

-عرس الشهيد ؟! . هنا في الأرض ؟؟

-جاءوا بالعربات المحملة بالارز والسكر والدقيق والخضار,( التي قالوا أن الملائكة هي التي أرسلتها لنا ) . كان عرسا لم تشهد منطقتنا او الملائكة مثله من قبل . قالوا ان اخي يجلس الآن في غرفة نوم بديعة مع الحور العين . تحدثوا عن جمال غرفة النوم والحور العين حتى حسد الناس . كل الناس . أخي . كنا مصدومين . وما أن مضت ايام ,حتى بدأت حدة الصدّمة تخف شيئا فشيئا , وبعد شهرين عينوا أبي أمينا لمخزن السكر الوحيد في المنطقة . لم أكن اعلم ان والدي يرغب في تلقينهم درسا .اذ عندما قرروا عمل الجرد السنوي لمخزن السكر كان المخزن فارغا .

-أين السكر؟

سألوه ,فكانت اجابته حاسمة :

-الملائكة كل يوم تحضر لتاخذ السكر بالعربات الكبيرة, لتقيم به أعراس للشهداء . الشهداء أصبحوا أكثر منذ استشهد ولدي .

ولم يستطيعوا أن يقولوا له شيئا , فاكتفوا بفصله عن العمل . ادركوا انه يرد عليهم زعمهم , عندما جاءوا لابلاغه باستشهاد ابنه , بان هذه اللوازم ارسلتها الملائكة .

تابعت عبد الرحمن العوير وهو ينصرف ضاحكا , ضحكته المجلجلة . حدث ذلك في ذات الوقت . الذي كان فيه جداد, مشغولا بأمر حملته المقدسة, ضد الخوّنة والمارّقين في جلابي . ولأول مرة ,أعلن جداد صراحة أن تمرد اهالي جلابي . على الصلاة سيجعلهم مرتدين وخارجين على الاسلام . وفي سياق ذلك اعلن حالة التعبئة العامة . وأصدر عددا من الفتاوى , محرما فيها التدخين وبيعه وشراؤه , وتأجير المكان لمن يبيعه , وحلق اللحية لأن في حلقها تشبها بالمشركين والمجوس , والاستماع الى الموسيقى والاغاني . فذاك امر لا شك في تحريمه تماما, مثل مشاهدة أفلام الفيديو عند مزيد الحلبي,لأن بهذه الافلام نساء كاسيات عاريات وربما عاريات تماما. وهكذا عبر لغة التعبئة العامة ,التي تستنفر العواطف ,أخذ جداد يصدر العديد من الفتاوّى التي يحرم فيها ما يعن له .

مشكلة جداد أنه ينتمي من جهة أمه الى أحدى القبائل الأفريقية, غير المسلمة. حيث نشا في ديار أبيه , في كنف الاسلام , وبزياراته المتكررة لموطن امه ,نشب داخله صراع حاد ومثل كل ابناء جيله , تحمل شهادة ميلاده( 1 يناير) . فقد تم تقدير سنه بواسطة الطبيب , وُّدون اسمه في سجل المواليد والوفيات , وهكذا استخرجت له شهادة( تسنين = تقدير العمر) بعد وقت طويل من ولادته .

عندما قرر والده( بعد وقت طويل من ولادته في ديار أمه) , أن يرحل وينتقل الى ديار ابيه(جد جداد) , حيث نشأ جداد وأخوته .

عندما قرر والده ذلك , كان يدرك أن تلك مرحلة أولى, لاستقراره مع اسرته الجديدة . فقد كان يعمل على ترتيب أوضاعههناك مؤقتا , الى ان يتمكن من ترتيب أوضاعه بصورة نهائية في المدينة الريفية التي كانت مزدهرة وقتها . وهكذا لم يلبث سوى سنوات قليلة مع, اسرته حتى انتقل بجداد وابناءه الاخرين  من ديار أبيه الى المدينة الريفية .

حيث بدأ جداد مسيرته التعليمية, داخل أسرته في المدينة الريفية.. وفي هذا المجتمع الطائفي تمت صياغة جداد خلال سنوات حياته الاولى , التي تشكلت من تاثيرات الحياة البدائية لأسرة أمه . والبدوية لاسرة والده . والتأثيرات القوية للمدينة الريفية , بمكوناتها المزيج . كمركب تصطرع داخله, تاثيرات عديدة, متنوعة ومتباينة . فكانت العربية لغة أبيه , بالنسبة له لغة اولى مثلها مثل لغة والدته , وبتدرجه في مراحل التعليم المختلفة, وتعرفه على التاريخ والجغرافيا تبلور داخله الصراع القديم بحدة , لم يستطع تفاديه . كان نزاعا بين الافكار والآراء المحلية التي شهدتها مراحل حياته , ونشأ عليها على يد والدته ووالده , واهالي المدينة الريفية , والمعرفة التي منحتها اياه المناهج المدرسية , ومن هنا حدث  له تحولا شبيها بالتحول الذي عاشه آدمو , حتى أنتهى الى ابكر .

 لكن تحول جداد كان في الاتجاه المعاكس لأبكر . كانت حياة جداد قد تخبطت كحياة آدمو , وعمتها الفوضى العارمة .

حكى لي ادروب عن حقيقة شائعة, كنت قد سمعتها منذ وقت طويل : كيف أن ثريا عندما بلغت سن المراهقة , استدرجها جداد الى بيته , قال أدروب:

-كنت أنا ذاتي اشتهيها . ولذلك اهتممت بمراقبتها في غدوها ورواحها , وتبعتها في احدى المرات لحظة خروجها من منزلها, فرأيت جداد يستوقفها في منتصف الطريق المفضي الى خارج جلابي , ولم يلبثا أن غيرا مسارهما عائدين الى جلابي . فتبعتهما حتى فوجئت بثريا تدخل مع جداد بيته .  لم تكن للبنت تجربة , ولا تعرف ما هي مقدمة عليه . ترددت كثيرا الى ان حزمت امري . فدخلت عليهما . لكن كان الوقت قد فات . فقد كان الدم يسيل على فخذيها , وهي تبكي مرعوبة . ادركت أن جداد اغتصبها .فهدأتها وغسلتها . وجداد ينظر الي مزهولا ومرتبكا . وأنا صامت لا أفتح “خشمي” معه . هذه الحادثة هي السبب في علاقتي بجداد وثريا معا ..

-قمت بابتزازه يعني ؟..

-ليس تماما ..

سألته عن علاقته السرية التي تربطه بجداد , فرفض أن يتحدث عن ذلك مطلقا . ربما ما عرفته من اجزاء متفرقة عن حياة ثريا , في تلك الفترة , هو ما شكّل موقفي من المرأة .

بدا لي ذلك اشد وضوحا, أثناء ادائي الخدمة الوطنية ,بعد التخرج من الجامعة بعدة سنوات . فالموظفات اللائي كانت مكاتبهن, تجاور مكتب الخدمة الوطنية , الذي كنت أعمل فيه , في المجلس البلدي ومقر المحافظة , للمدينة الريفية . كنت أتعمد التعرف اليهن . وأعمل على استدراجهن الى مسكني . مستغلا في ذلك احساسهن الحاد بالعنوسة . ورغبتهن في الاستقرار . لكن لم تكن هناك تجربة حقيقية, ومؤثرة بين كل هذه التجارب . خلفت في داخلي أثرا لا ينمحي . مثل تجربتي مع سعدية .

فقد كانت فتاة بسيطة في حياتها ولبسها , تعمل في لجنة الاختيار للخدمة العامة. منذ اول يوم شعرت انها أحد اهدافي التي لم انتبه لها من قبل . توثقت علاقتي بها اكثر , عندما التقيت سارة شقيقة حسن في مكتبها ذات مرة .

كانت سارة الاخت الوحيدة التي تتوسط عشرة اخوة ذكور اصغرهم حسن . وكان قد مضى وقت طويل منذ التقيت سارة آخر مرة ,. فمنذ انتقالنا للسكن في حاضرة البلاد الكبيرة . فقدت الاتصال به . سالتها عن حسن فعلمت أنه أصبح متطرفا من أتباع العرافين وجداد . فأدهشني ذلك تماما . أشعل في داخلي كثير من الأسئلة . لمعرفة سبب حدوث ذلك لحسن .

وعندما سالت حسن عن تجربته هذه بعد ذلك بوقت طويل . قبيل مغادرتي للبلاد الكبيرة . بطريقي الى الهجرة . ضحك حسن وقال لي :

-ربما كانت تلك التجربة العجيبة . هي عقاب لي على ما اقترفته من جرائم .

 ولم يزد . اذ كان حريصا على عدم الادلاء بتفاصيل , سوى عن التطورات التي اعترت جلابي , التي شهدت تحولات لا تصدق . فقد تمت اعادة تخطيطها , واعادة توطين اهاليها بشهادات بحث , تثبت ملكيتهم للأرض , التي شيدوا عليها منازلهم . وقد قامت الحكومة الوطنية التي تلت حكومة ابو لكيلك الجنجويدي , بادخال الخدمات الأساسية . فشقت الشوارع ورصفتها , وأدخلت شبكة المياه والكهرباء والغاز . حتى ان الكهرباء والغاز جعلت حسابهما , بعداد من الانواع الحديثة اطلق عليه الناس ” الجمرّة الخبيثة” وأنشات عدد من المدارس  في مراحل التعليم المختلفة . وخططت سوق “الحر” الذي كان اسمه سوق ” العصر” ,ووزعته على الاهالي الذين شيدوا عليه, دكاكين الطوب الاحمر والخرصانة المسلحة . كما افتتح عدد من البارات والكازينوهات والحدائق, بعدد من انحاء جلابي على استحياء .

كانت جلابي ود عربي وامتداداتها, قد شهدت تحولا الى النقيض . فقد استطالت عمرانيا , وظهرت طبقة جديدة من التجار , وتم الاستيلاء على الجامع من جداد . ووضع تحت الاشراف المباشر للاوقاف والشئوون الدينية . التي قامت بتجديديه وتحديثه وتوسيعه . فاصبح تحفة فنية , جذبت الى العبادة عددا كبيرا من الناس . لم يشهد له تاريخ جلابي مثيل .

تقلصت مساحة الجريمة والفقر , واصبحت جلابي تعرف الآن بمدينة “الفردوس” الراقية ذات العمارات السوامق , والعربات الفارهة . نسى أهالي جلابي . كل فترات الضّنك والبؤس الذي حكم تاريخهم المديد . أصبحت الابخرة القديمة, السبخة المشبعة بالعطن , محض تاريخ , فمدينة الفردوس ,لا تفوح منها الآن سوى رائحة “الدّلكة والكّبّريت ودّخان الطلح” والصندل والعطور الباريسية الغالية .. و انتشر” الدّش ” في كل مكان . وأصبح المزاج الفني في جلابي اكثر رقيا . فهم الآن يحفظون افلام مورغان فريمان, وديزل واشنطن وانجلينا جولي وجوليا روبرت وفورد هاريسون, وريتشارد غيرد, وويل سنايبس , الخ من الممثلين والممثلات المميزين, الذين ارتبطوا في الذهن العام لجلابي, بالرعاية الخاصة, التي ظل يقدمها جورج بوش (الإبن والاب) الذي كان قد تزوج اميركا أرملة ريغان , فهو كأسلافه, اهتم كل الاهتمام بجلابي, ما جعلها تكّن له احتراما كبيرا .

ها هي برهة اللحظة البلّورية, تتقلص في وحدتي, على شرفة خاطري .,الذي هيجته ذكريات جلابي ..

ها أنا أخرج من الأحوال المنسية , متلفتا بين المتوّن والحواشي , طاردا من ثقوب ذاكرتي, رائحة الخميرة التي حملها التاريخ المنسي لجلابي : تاريخ المكان والناس الناهض ,في الرّوث وأبخرة الخمر البلدي, ورائحة الجنس والعرق ..

كان دمي يسيل على الشارع , والبُّرهة تتقلص شيئا فشيئا, لتتجمد في لحظة واحدة , هي اللحظة التي كنتُ اقف فيها, مع الميرم كلتوم, في قلب ميدان التحرير, وهي تتلقى ذلك الهتاف :

.. وما ان لها في حسنها من شريكة ,,

نعم وقتها كنا في ميدان التحرير قبالة التمثال , ومع آخر كلمات الهاتف , بدا ميدان التحرير فارغا الا منا . وشاب بهالة ملائكية يتهادى في مشيته من بعيد , باتجاهنا من قبالة الشارع , المفضي لتمثال طلعت حرب . رأيت في طيفه عبد الرحمن ود التوم (العوير) وأدركت من ارتباكها انه حقا هو ..

نعم كانت الميرم كلتوم مرتبكة ومتنازعة , تقلب بصرها بيني وبينه . ثم حسمت أمرها فمضت تجاهه , الى ان اقتربا من بعضهما , وتخاصرت أصابعهما . ومضيا في شارع القصر العيني .

كنت واقفا امعن فيهما النظر الى أن تلاشيا في الشارع الخالي الا منهما , فرددت بصري وانا أشعر بميدان التحرير, يمتليء فجأة بالناس والضجيج يملا شارع القصر العيني , والزحام يعوق المرور في الشارع المفضي الى تمثال طلعت حرب .

كانت الحياة قد عادت الى طبيعتها, في اللحظة التي تهشمت فيها طبيعتي , فآخر ما ألتقطته عيناي . عربة نقل كبيرة , قادمة نحوي بسرعة .. ثم لم تلتقط أذناي بعد ذلك سوى صرير عجلاتها وهي تطأني ..

عندما أفقت لم أجد العربة , لم أجد ميدان التحرير . تلفت حولي كنت في قلب ساورا , فأدركت ان الحلم لا زال يلقي بي من زمكان الى آخر , فأغمضت عيني وانا أحاول مسح ما تجمد من دم , في وجهي كانت قد خلفته العربة ,التي وطاتني على جسمي ..

(القسم الثاني : المخطوطة السّرّية مُُتُن وحواشيّ)

“آري” العظيم – تذّكر أنك ستموت يوما !!

مدخل:

نعم ..لا أدري  حتى الآن . أيُّ شيءٍ هو الحقيقي , وأي شيءٍ هو الوهم .. أو, الظلال لهذا الحقيقي , او تمثلاته البعيدة .. كل ما أُدركه الآن ,هو أنني يجب الا أنام, حتى لا أحلم وأجد نفسي فعلا في مكان آخر.. عندما أصحو (مثل كل مرة ) ..

من أين يبدأ هذا الحُلُم ؟.. وأين ينتهي ؟!..

هل يبدأ من هذه اللحظة (هناك) في مملكة الوادي ..اللحظة التي دهم فيها الوباء مملكة الجبل والوادي , وقتل (آريها) العظيم؟!.. أم يبدأ من لحظة أخرى , هي تلك اللحظة التي أصبحت فيها هند ودعد محض جاريتين , في مملكة الجوار, تنفذان الرغبات الغامضة ,وتسرحان مع أحلام سلطانها ؟..

 أيّاً كانت لحظة البداية , ثمة علامات فارقة متماثلة , كحرِّيق جلابي , الذي في وجهه الآخر , هوالوباء الذي ألتهم مملكة الجبل والوادي . الوباء الذي خرج من قلب التنّوع .. تنوع الناس في جلابي وأنقساماتهم , التي لا تختلف كثيرا, عن انقسامات العشيرة المالكة , سواء في ساورا , أو جذرها البعيد , كمملكة خرجت من غموض الجبل ووحشته , و.. الكثافة . الكثافة التي جعلت الموارد تنضب , والناس تتمدد , بحثا عن وطنٍ آخر .. كل شيء يمتزج في كل شيء بما يتجاوز , طاقة الحُلُم .. كأن الجغرافيا (جغرافيا الحُلُم ) بوقائعها وأحداثها , تخرج من قلب جلابي .. أقصد من قلب التاريخ , لتُسقِّط نفسها في لحظات , تراصت الى جانب شقيقاتها من لحظات البلاد الكبيرة , لحظات جلابي ودعرّبي , التي لم تعد تعرف الى ماذا تنتمي !..

وهكذا يتحقق الوعي القديم , كظِّلٍ للراهن . يحايث هذا الماضي المعفَّر بالغبار , الراهن الذي تتجاذبه الفصول , وبوح الخمور البلدية في جلابي . بحيث لايصبح ثمة فرق بين سلمى خير الله ولنقي , أو أُم التيمّان ونبتة ,أو : ساو , صولمنج , بييه وأدروب وأبكر وجداد أو سولونقْ وسورِّنقْ وعبدّه الخال .. فلا نعد قادرين على التمييز, بين شخوص مملكة عتيقة , غابت طيّ التاريخ , وبلدة معاصرة, بناسها الذين لا يزال بعضهم أحياء, وبحياتها التي سكنتنا ,وشكّلّت داخلنا, كل هذه الهواجس والظنونْ , التي دفعت بالأحلام الى وعيِّنا , فتقاذفتنا هذه الأحلام .. هذه الرّغبة المجنونة .

هذه الرّغبة المجنونة لبولدِّين , في تدمير مملكتي شقيقيه , ذاتها رغبة أبو لكيلك الجنجويدي .. رغبته التي تدفعه ليسلك على نحو ما سلك . ذاتها الرغبة التي تحاصر حسن الآن, ليتقمصني وهو يتجوّل (يتصور نفسه حرا) في طرُّقات التاريخ .. وشعاب ممالكه البائدة , مخترقا صوت ود الخزين أو ود الباهي .. (في واقع الأمر سكنّ صوتي الذي تسلل إليه خلسة منهما ) .. خلسة ؟!..

الخلسة هي ذات السلوك , الذي نهضت فيه هذه الممالك, التي يتجوّل في أنحائها .. فقد خرجت للعلّن فجأة  كأنها تقارير حقوقية ضد حكومات مستبدّة ,كما خرجت من بعد جلابي كتقرير حي , يمشي بين الناس ..

 خرجت بعد أن وضعت قواعدها في الظلام الدّامس , الذي حجب بداياتها , وهكذا فاجأت الناس (وهكذا أنهارت) . لم يلحظها أحد , بسبب الخفاء (والخلسة) التي ضرّبتها حول نفسها !!..

السؤال هنا : هل كان آدمو عندما فعل ما فعل (يدرك خطورة الخلسة على مشروعه؟) يظن نفسه سولونق (1) الجد المؤسس , الذي هو عبارة عن ظِّل بنقا , مؤسس ساورا , التي أدهشت الأثريين , بتعدد حقّبها , والمرّاحل التي عاشتها , وتقلبت فيها بين الفناء والبعث كطائر الفينيق , اذ تفنى لاروي (السرة) والحلفاء والجوار (المدينة الرِّيفية) , وكل الإمتدادات في الناس والطبيعة , لتنهض (خلسة) كجلابي , محورا تنعكس ظلاله في تلك المرّايا البعيدة , وليكون أيضاً, صدّى لذلك الصوت ,الذي يرتّد عن فراغ جدارات كهوف الجبل و”كَراكِيرِهِ” ..

أشعر بنوع من الصداع الغرِّيب, وأنا أحاول التغلُّب على الوسنْ . ربما غفوة فحسب ,تكفي لقذّفِي الى عالم, أشد إزعاجا مما ارتدت من عوالم حتى الآن , أغالب النوم وأنا “أدعك ” جفني بشدّة .. أغالبه .. أغالبه , أصرّخ في نفسي : لا أريد أن أنام .. لا أريد رؤية هذه الاشباح .. أغالبه , ُيطِّلُ بين الصّحوِّ والنّوم طيف حسن .. صوته .. فأراه يتضخم أكثر فأكثر فيما يرى النائم (*)

 

 

لا وطن في الحنين…7

 

يتنهد حسن : أنا الآن حزين إلى درجةِ البُكاء . محاصرٌ بصوتِ ود الخزين وود الباهي , المنبعثين من جهاز التسجيل أمامي .. بعد أن وضعتهما الصدفة المحضّة في طرِّيقي , بعد وقت طويل من إمدادي ل(علي) , في غربته البدِّيعة , بكل ما توفر في يدّي عن جلابي ود عرّبي . ولم أكن أُصدق أن ما مددّته به , له بقية, تحمِل أكثر مما حملت , تلك الشذّرات المتفرِّقة .

الآن يتكشف وعيِّي أكثر فأكثر , عن طبيعة ذلك الإهتمام الذي أبداه “علي” , وهو يُلّح في السؤال عن تفاصيل لا تخطر على البال, عن جلابي ود عرّبي .. لم أكن أُقدّر وقتها هذا الإهتمام , وأتمنى الآن لو كان حيّاً.. هل هو ميت ؟!..

لأضع بين يديه هذه التسجيلات الصّوتية, التي سجلتها مع ود الخزيّين وود الباهي , بعد أن عادا لجلابي ود عرّبي , مهزومين ومكسورّين . فقد ترتب على إنقسام العرّافين , تداعيات أودّت بهما الى المحاكمة بتهمة الفساد السياسي وجرائم أخرى لا تحصى ولا تعد, لكن المحامين لم يتمكنوا من إثبات شيء يذكر منها, لذا خرجا من السجن بعد فترة وجيزة .. وما أن خرجا من السجن , بعد قضاء مدّة  عقوبتهما , حتى لم يجدا لنفسهما ملاذا,  سوى جلابي ود عرّبي , التي خرجا منها مسئولين في مؤسسة أبو لكيلك , وعادا إليها كما لحظة خروجهما منها : محض شخصين مغيبين غيابا فاجعا ,على الرغم من حضورهما التّام , مثل الشخوص العديدّين الذّين تضّجُ بهم جلابّي..

فمن أين أبدأ الحكي .. هل من ذاكرتي الخاصة أبدأ , أم من ذاكرتّي ود الخزِّين وود الباهي المحملتان  بصراعاتهما في الجغرافيا الضيِّقّة , التي يتحرك فيها أبو لكيلك الجنجويدي ..

لا أدري أين تكون نقطة البداية الصحيحة . فلطالما تصّوّرت , مثل كثيرين أن المخطوطة السّرّية , أو كتاب دالي: محض وهم من بنات خيال “علي”. ولم أتصوّر أنها حقيقية أبداً, حتى إلتقيت ودّالخزّين صدفة في لحظة من لحظات الحنين , التي زرت فيها مدينة الفردوّس . صافحني الرجل بحميمية , عندما عرّفته بنفسي وأخذّني الى ود الباهي , وهكذا أصبحنا “شُلّة أُنس”, تلتقي في المساءات , لتبث حديث الذِّكريات , في جهاز التسجيل , تحاول أن تتماسك به وتعلِّن وجودها ,واستمراريتها على قيد الحياة ,أو كأنها تؤكد قدّرتها, على أنها لا تزال قادرة على الفعل  ..

كانت حكاياهما , تستند على ما ورد  من معلومات حقيقيّة , في المخطوطّة السّرّية , التي لم يدعاني أراها أبداً , اذ نفيا حصولهما عليها . وكنتُ واثقاً أن لديهما على الأقل نسخة منها , وأن كل ما يسردانه أمام جهاز التسجيل , إنما هو مستقى منها ..

كنتُ أشعّرُ بوّدِ الخزّين ,عندما يتحدث كأنه لا يخاطبني , أو يخاطب جهاز التسجيل , نعم .. كنتُ أشعّرُ به كأنه يرى آدمو متربعا في الكُرسّي المجاور له, في قاعة إجتماعات ابو لكيلك , وكأن حديثه موجّه إليه هو وحده .. وكنتُ أرى في ذات المقعد .,أحيانا ., شخص”علي”جالسا, ورأسه منكساً كعلم القصر الجمهوري, يستمّع لتداعيات ودّ الخزّين في صمت مطبق , وكثيرا ما أختلط لدىّ الشخوص المتعاقبين بين آدمو وعلي .. حتى ظنّنت أن هذا الإرتباك والتشوّيش هو من فعل درجات الصّوت المتغيرة في حنجُّرُة ود الخزّين . اذ أن وّد الباهي عندما يتحدث يجعلني أشعُرُ بأنه لا وجود لشخص إسمه آدمو, أو علي  البتة بيننا.. فقط زجاجة النبيذ الاحمر المغشوش و كؤوس الويسكي red labale وجهاز التسجيل..

غاص ودّ الخزّين بذّاكرته , بعيدا , بعيدا. إالى تلك اللحظة التي تجلّى فيها آدمو , فاستحال الى محض ذاكرّة , مكثّفة للأرض والإنسان , والتاريخ والأشياء ..

من أعماق صوت ود الخزّين , انسحب الأهالي, خلف جند المملكة المنهك , وهم يحملون على ظهور الإبل وظهورهم ما أستطاعوه .. انسحب الأهالي من كل شبرٍ من أرض الوادي , أو موطيء قدم في كهوف الجبال, حيث خلّفوا ذكرياتهم التليدّة ..

في هذا الوادي أنشأ الأسلاف مملكتهم المجيدة , التي أستقطبت الأصدقاء والأعداء , لوقتٍ طويل . في الأرض والطبيعة أنتسجت حياة النّاس .. في رمال هذا الوادي , وعروق الجبل , توحد مصيرهم لوقت طويل , طويل ..

عاشوا غربتهم في غربة الوادي . وتآلفوا في أُلفة جبل الكبش العظيم . ظلّت حياتهم تأخذ معناها من الجبل , والجبل يأخذ قيمته من هذه الحياة المتجدِّدّة . بمغامراتهما معا .وأحلامهما التوسعية التي لم تتحقق أبدا . فبقيت كملحمة مكبوتة طّيّ الذّاكرة والنسيان . .

في هذا الوادي ولّدت عدّة أجيال . في كهوف جباله تعاصرت أجيال أخرى . وخرج كل هؤلاء واؤلئك , ليودعونهم في اللحظة الرّاهنة . وهم يغادرونه الى الأبد! ..

منذ أختلفت العشيرة المالكة على المُلك , بعد أن دهمهم الوباء الذي طحن المملكة , وأُصيب آري جراءه , حتى أنشغل أبناؤه الثلاثة , بإقتسام السلطة , فعمّ السّلب والنهب , وأنفرط عقد الأمن , لتلتهم الفوضى كل شيء!..

منذّها غادر تاريخ الوادي حياة إنسانه .. هدأت العشيرة المنهكة, وألتفت حول إنقساماتها الثلاث.

الهزّات التي أصابتهم بها الصراعات على سلطة الملك , تجلّت في إنفعالاتهم , وقراراتهم ومصائرهم .

قالت والدة الإبن الأكبر دودو :

-أنت أحق بالعرش من أخويك ..

قالت والدة الإبن الأصغر سوني :

-أدّر أنت الجيش وأترك لأخويك أمر المملكة .

وقالت والدة الإبن الأوسط بنقا :

-أسمعني جيدا . لقد أوصى لك أبيك آري (2)العظيم بعرشه . فلا تخذّله مهما يكُّن  من أمر . فلم يوص لك به عبثاً..

إنسحبوا بإنقساماتهم الثلاث , ُيَيِمّمون وجهات الشرق, والوسط والشمال . ينطّوّون عل أحزانٍ شتىّ , وذّكرياتهم .. كل ذّكرياتهم تتنآى عنهم , وتتلاشى في فراغ الذّاكرة الفسيح ..

تجمعت أقسام مملكة الجبل والوادي الثلاث , في السهل الممتد . تجمعت كجيوش تنسحب من معركة خاسرة .. تقدّم بنقا :

-تناحرنا فيما بيننا, ولم نحقق وصية آري العظيم .. لم نحقق أحلامنا , ولم ننجز شيئا , والآن لم يبق أمامنا سوى أن نفترق , ونتفرّق في هذه الأرض , ليحاوّل كلٌ منا البدءِ من جديد .

-ما مضّى , مضّى .. لم تعد ثمّة جدوى من إلقاء اللّوّم على أحد .أنا سأيمّم وجهي شّطر البحر.

أضاف سوني :

-سأمضي باتجاه الرّيح , لأُشيد مملكة أُخرى .

وشخصا بعيونهما في وجه دودو , الذّي أبتسم في خبث , دون أن ينبث ببنت شفّة . ثم أشار لرجاله والأهالي الذين خلفه , ومضي في طريق الصحراء ..

تركهما خلفه يكفكفان ذكرياتاً لن تفارقهما أبداً , ذكريات بعضها يعود الى الطفولة الباكرة ..

تنهد حسن : ” كان دودو كأبو لكيلك الجنجويدي . كلما رأى شيئا جميلا بيد أحد شقيقيه , سارع لإنتزاعه .. يضرّبهما دونما سبب واضح . يلهو معهما , عندما يرغب هو بذلك . يفسد عليهما ضحكاتهما العذّبّة عندما يشاء , فيعكِّر صفو الذّاكِّرة ,التي نشطت في اختزان التفاصيل المقيمّة والعابرة , ودفقة الإحساس لحظتها .

فشلت كل أساليب التنشئة الملكية, مع دودو المغرّم بعراك الصبية , وأغتيال الحيوانات الأليفة , دونما حاجة لذلك أو مبرر ..

عندما كبِّرَ دودو قليلاً , أخذ ينتزع أراضي الفلاحين , ويزداد جبروتاً على جبروته بمرور الوقت .

فاض كيل النّاس بدودو . فأخبروا آري , الذي قام ب” تبخيره بالشطّة” وربطه عاريا على شجرة قمبيل , أسفل الوادي . في أوجِّ البرد , وأعتقد أن ذلك سيكون درساً قاسياً .

كأن بخوّر الشطّة , وزمهرير البرد أطلقا شياطين الجحيم في دماء دودو . . إذ صار يدخل بيوت المزارعين في أطراف المملكة عُنّوّة .. يختطِّف بناتهم ويهرب بهنّ, الى الفيافي التي يعرّفُ كلُ شبرٍ منها . يجدّون في البحث عنه , يقودهم شقيقيه , وبعد بحث مضّنٍ يجدون الفتيات منهكات ومنتهكات , وملوّثات بالدّم , وعلى أجسادهن القروح النيئة , ولا أثر لدودو .. كأنه ذرّة غبار تلاشت في رمال الوادي ..

نفاه السلطان الى أرضٍ بعيدة على حدود المملكة , يحكمها أحد ملوكه الأشداء , الذي خصص لحراسته العبيد القساة والجواري الصُّم !..

توسطّت أُمه . توسطّت شقيقته الوحيدة لاروي الحبيبة . توسطّت العشِّيرّة الملكية : قاصيها ودانيها . توّسط الجميع , ولم يتراجع آري عن قراره أبداً .

كان متعجباً من هذا الإبن الغرّيب !!..

عندما غادر دودو., لم يكن مسموحاً لأحد بزيارته في منفاه , سوى شقيقته , التي يحبها كضياء عينيه . ووالدته “إياكوري”(3) الحقوّدة .. التي كانت عندما ترى ذلك البرّيق في عينيه , وهو ينظر الى شقيقته لاروي(البرّيق ذاته الذي رأته في عيني آري قبل أن يتزوجها ) تخشى عليهما إغتراف الفعل الشنيع , الذي يحرِّمه عليهما دمهما الواحد.. البريق اللعين ذاته تراه في عيني دودو وهو يحلّق حالما في وجه لاروي  وجسدها .. ذات البرِّيق تراه في عيني لاروي ,وهي تتفحص بنظراتها الحالمة , جسد دودو الفارع , مفتول العضلات !..

تحادث إياكوري دودو , فيطمئنها . تحادث لاروي , فتهديء بالها .. وحالما تخرج من منفىّ ولدها, تتجوّل مع العبيد والخصيان ,في أرجاء المنفىّ المنبسط , حتى ترتمي لاروي على أحضان دودو ..

الآن دودو يريد أن يبني مملكته الخاصّة , في هذا الشعب الذي حلّ به . ..

كان كل شيء في الجوار يبدو غريبا عليه . فشعب الجوار ليس كشعبه , الذي تفرق في السباسب والوّهاد , عاريا إلا من “الكنافس” الكتانية , التي تلّفها النساء حول الخصُور والعجيزات والفخذّين , والمآذر التي يلِّفها الرجال حول أصلابهم ..

نساء الجوار كُنّ يسدلنّ على صدورهن أغطية شفافة , من القطن , تتدلى من العنق لتصّل الخصر , تلامس كنافيس القطن الناعمة . بينما يكتفي الرّجال بلّفِّ أصلابهم , وحزم بطونهم ..

كان شعب الجوار هادئا في طباعه , ليس مثلهم هم : ساكني الكهوف والحجرات المنحوتة في الجبل .. الأكواخ التي يسكنها شعب الجوار , من القصّب وفروع الأشجار على قاعدة الحجر والطين اللّبِن , كانت هذه الأكواخ مبنية في نظام دقيق . مدهش, لم تقع عليه عينهم من قبل  !..

-انه شعب متفوِّق علينا .. هنا سأحقق أحلامي .. سأبني مجداً , لم يتصوّره آري أبداً ,

قال دودو لأفراد عشيرته , الذين ترددوا :

-لكنهم يعبدون القِّط !..

فرد عليهم بحسم :

-دينهم هو ما ترونه من نظام .

حسم آري دودو الأمر , وبدأ يُشيِّد, بمساعدة الأهالي مملكته العُظمى, بعد ان سوى امورِّه مع هذا الشعب الجديد ..

وقتها كان بنقا قد استقرّ في وادِِ فسيح, بعد مسيرة أيام طوال في درب الأربعين . وادِ جدد فيه الذكرى , والشجن والحنين لمملكة الجبل والوادي التي تركها خلفه , وبدأ مع رجاله يعملون بجد , يشيدون نواة مملكتهم الجديدة ..

-ماذا نسميها ؟..

-ساورا .. سنشِّيدها للأجيال , إرثاً ليس كمثله إرثْ .

أضاف أحد الرّجال :

-أحد الغرباء يقول أن دودو حطّ رِّحاله, على مسيرةعدة ليال ونهارمن ساورا ..

-انها مملكة الجوار التي يحلم بها .

-ماذا تعني ؟!..

-لا شيء , لننهي ما بدأناه من عمل في أقصّر وقت .

كان دودو قد تسبب في كل ما حلّ بهم , برفضه لوصية آري . إذ أوغرّ بعد موته الصدور , وأشرّع أبواب المملكة على مصاريعها للغرباء . واعتقد أن الوباء الذي تسبب في موت آري , وأخذ ينتشر إنتشار النار في الهشِّيم , سيجعلهم يتخلّون عن وصيّة آري , وينصِّبونه آري مكانه .. قال آري وهو في النزع الآخير :

-ستكون يا بنقا خلّفي , وستترأس أنت الجيوش يا سوني ..

-وأنا يا أبي ؟!..

قال دودو فقطّب آري حاجبيه :

-أنت ولدي الاكبر , لكنك لم تقُم بواجب الإبن الأكبر أبدا, تخلّيت عن بكوريتك و ظللت كالبعير الشرّود . فلا يحق لك أن ترِّث في مُلكي ..

اتسع نطاق انتشار الوباء , الذي ظلّ يحصِّد في طرِّيقه الأرواح , كما يحصِّد المزارعون قناديل العِّيش .  قال الكهنة :

-انتشار الوباء وموت آري من علامات الزّمان !!..

نشِّط دودو وعشيرة أُمه, يعبئون رجال المملكة وأهلها , مستعينين بالنساء الملكيّات , في دسائسهم ومؤامراتهم .

تفرّقت الكلمة , وعمّت الفوضى , فاجتمع الأُخوّة الثلاث بالكهنة والشيوخ , الذين أكدوا :

-لابد من تنفيذ وصيّة آري .

-لكنها خرّقت العُرّف !..

قال دودو وتبعه سوني :

-مثلما يحق لبنقا تولِّي العرش , يحق لي ذلك أيضاً.. لكنني سأكتفي بأن أكون عامله على الجيوش . إذا تنحى دودو عن المطالبة , بالحق في العرش .

ولم يفلح الكهنة والشيوخ في اقناعهم . فانقسمت المملكة الى ثلاثة أحلاف . كل إبن من الأبناء الثلاثة , تسنده أُمه وعشيرتها وبعض الأهالي ..

في الطفولة البعيدة كان دودو يحكي أحلامه التوسعية العظيمة :

-عندما أُصبح آري سأستولى على مملكة الجوار …

-لماذا تستولى عليها ؟!..

يقول سوني , فيرد دودو :

-هناك الرّجال والخصب والعمارة ..

-لكن ذلك كله لا يعني شيئا في غياب العدل . هل أنت عادل ؟!..

-لا ليس العدل هو المطلوب ..

-ماذا تعني ؟!..

-أعني أن المطلوب هو الهيمنة ..

انسحب بنقا من خواطره الكثيفة على صوت أحد الرّجال :

-وضع سوني نواة مملكته عند منحنى البحر .

-انها أرض مكتظة بالممالك الصغيرة . لن يتركوه ..

منذ أن حطّ سوني رحاله على شطِّ البحر , أدرك أن الممالك التي جاورها, لن تدعه يهنأ بهذا المكان , الذي أختاره بعناية , لإقامة مملكته الجديدة . فحرِّص على زيارتها واحدة تلو الأُخرى .. جلس الى ملوكها وأكد لهم :

-نحن إنما قوم نزحنا نبحث عن وطن , بعد أن قضى الوباء على مملكتنا .

-ستكونون تحت إمرتنا .

-أنتم أصحاب الأرض , ونحن لا نريد سوى الحياة في سلام .

كان سوني قد أدرك تماماً, أنهم لن يتركوه وشأنه . وأنه لن يستطيع إحتمالهم طويلاً . لكنه ظل يسارع الى تلبية طلباتهم المتكررّة, والمستمرّة دون توقف . واجتهد في تهدئة خواطر عشيرته , حتى لا يفلِّت زمام الأُمور , وهم في هذا الحال من الضّعف ..

-يجب أن نكمل بناء هذه المملكة اولا ً, وعندما تقوىّ شوكتنا , يمكننا أن نستعد للحرب , لتثبيت حقنا واستقلالنا عمن جاورنا , وسلطتنا عليهم إن تمكنّا من ذلك ..

استقرّت مملكة سوني ونمّت وازدّهرّت بكفاح شعبها , وتجمع جيشها ليخوض أولى الحروب التي تقرر مصيره .,بشكل نهائي وحاسم . لم يخال أحد أن هذه الحرب القاسية ستنتهي يوما .

وضعت الحرب أوزارها , بانتصار سوني على آخر مملكة., تبقت من الممالك الصغيرة حوله . كان قد ضمها اليه وعيّن على كل واحدة منها , ملكاً من أقوى عشائرها , حاكماً من قبله , وتحت سلطانه .

أصبح آري سوني مهاباً ومطاعاً .. وهكذا نهضت مملكة الحلفاء, من غياهب تاريخ مزّقته المحن والعداوات والتآمر .

قال ود الباهي :

-اذا كانت الجبال (كما قال آدمو ) قد وفرّت الملجأ الضروري, لمملكة الجبل والوادي , فإنها أيضاً قد حجبت بداياتها ..

أكد ود الخزِّين وهو يواصل ما أنقطع من حدِّيث , بعد أن قلب حسن شريط الكاسيت على الوجه الثاني ..

.. مرّت عشرات السنوات , بل المئات منها , وربما عدّة قرون (كما يزعم آدمو عندما تنتابه نزعات تطرّفه الخاصة جداً).. مرّت هذه الفترة الطويلة من ذكرى الأسلاف الكبار : سوني وبنقا و دودو .. الذين أصبحت ذكراهم أصداء متلاشيّة , لماضٍِِ عميق الغّور !..

مرّت مئات السنوات الأُخرى , لتندثر ذكراهم تماما , فلا تنبعث الا في الكشف الأثرِّي بجلابي ودعرّبي ..

هذا الكشف الذي أستقت منه المخطوطة السرّيّة , تفسيراتها لوقائع ما يجري . الجذور التاريخيّة , التي تنهض فيها هذه الوقائع والأحداث .

هذه الأحداث التي يعود نموذجها , لا في ذكرى الأسلاف الأوائل فحسب , بل في مرحلة لاحقة .. في ذكرى الكيرا (كما عرِّفها آدمو) , التي نهضت بأسرتها ,من جذور هؤلاء الأسلاف الكبار.

وأصبحت ذكرى الكيرا نفسها , كأصداء متلاشيّة لأُسرّة ملكيّة , نهضت في الغرّبة والترحّال ..

ضربت بجذورها عميقا , في أرض الوادي , وشيئا فشيئا توسعت المملكة , خلال التحركات الملكيّة , وبسطت سلطانها من الصحراء الليبية , حتى حدود النيل . يقودها الأب المؤسس لهذه المرحلة , والفاتح العظيم سولونق . قبل ذلك بوقتٍ طويل , في فجر التاريخ , كان سوني قد شيّد قصرِّه , على غرار قصوِّر أسلافه .. قصراً مهيبا , بقاعدته الواسعة , وحجراته المتداخلة في بعضها , وأبهاءه العديدة التي جلب  لها المثّالين , والبنائين من الممالك المجاورّة . شيدوها بإحساساتهم الجياشة , ونحتوا فيها النقوش التي تصّوِّر,الايام الآخيرة لمملكة الجبل والوادي , وآري في النزع الآخير , وقد إلتف حوله أبناؤه الثلاثة . نحتوا تاريخ المملكة بمحبة وود شدِّيدين , كانهم ينحتون تاريخ محبوباتهم !..

كان سوني طموحا , يتطلع لإعادة بناء مجدٍ مفقود , كضياء النجم الغارِّب . جلس الى حلفاءه , الذين أستهل أحدهم الحدِّيث :

-لقد شيّدت مملكة عظيمة , ولسوف تزداد عظمتها كلما مضت الأيام, والسنون ..

-تذّكروا دائما أنها ليست مملكة سوني وحده , فهي مملكتنا جميعا . فدونكم لما استطاع سوني فعل شيء وحده .

استحسن ملوك الحواضر كلامه , فاندفع أحدهم قائلا :

-كلنا فداء لك أيها السلطان العظيم , آري سوني .

صفق سوني بيديه ونهض قائلا :

-أعدوا مجلس الخمر والطعام ..

أسرع العبيد والخصِّيان الى القاعة المجاورة . نهض خلفه ملوك الحواضر . كانت رائحة الطعام الشّهي , ونكهة الخمر المغرّيّة تضوّعان, في فضاء القاعة السابحة في العطر البّرّي ..

تفرّق مجلس سوني , بعد أن تداول أحوال المملكة وهموم شعبها , وتوسيع تجارتها , وزيادة رحلات القوافل وتدريب الجيش ..

 وقتها في مملكة ساورا , كان بنقا قد جمع رجاله, وقسم بينهم الحواضر و(الشرتايات)(4) والمقاطعات و(الدماليج)(5) ..

تفحص رجاله مراراً وتكراراً , واحداً تلو الآخر ..

-ستكون أنت ملكاً للحراب , وأنت للسيوف , وأنت للمدى ّ التي تُرمى , وسيكون ثلاثتكم  مسئول عن حاضرتين . أُريد منكم , أن تحكموا كما كان الحال في مملكة الجبل والوادي .. مملكتنا العظيمة التي قضى عليها الوباء ..

ثم أطرّق بنقا قليلا , قبل أن يُضيف :

-وأنت ستكون ملكا للحصاد , وأنت للقوافل , والجبايات ..

-أمرك آري .. لكن ملك العبيد والخصيان ..

-أعلم ما تُريد قولّه .هو أيضا ملكا للقضاة .

-سنكون طوع أمرك آري العظيم .

-تذكروا أن الجيش مسئوليتكم جميعا , وأنكم أنتم المملكة ..

عندما أنهى دودو في مملكة ِ الجوار تشييده لقصره , شرع في احتفالات التنصّيب , مقرونة , باحتفال زواجه من شقيقته لاروي ..

استمرّت احتفالات المناسبتين السعيدتين لأيام . جعلت الناس متنازعين, بين مشاعر متناهضة بين الفرّح والحُزن , والإحساس بالخطيئة . وما أن علِم دودو بمعارضة بعض أفراد العشيرة الملكيّة , لهذا الزّواج الذي خرّق العُرف , ولم يجرؤ أحدهم على قول ذلك , مباشرة لآري دودو , حتى أختفى هؤلاء المعارضين , في ظروف غامضة , دون أن يُعثرلهم على أثر بعد ذلك أبداً..

جلس دودو وزوجته الصغيرّة الجميلة (إياباسي)(6) لاروي , في قلب المخدّع الملكي الوثير , الواسع .. قالت لاروي :

-يكفينا أن نخرُق العُرف مرةً واحدة .

-وما جدوى كل ما فعلناه ؟!..

مرّت عشرات السنوات , على ذكرى الأسلاف الكبار : سوني , بنقا ودودو . فحكم شاو من سلالة سوني مملكة الحلفاء . وحكم حفيد بنقا دورشِّيت ساورا الجميلة , ومن سلالة دودو ولاروي جاء بولدِّين ..

عندما نهض بولدِّين من مخدّعه , كانت إياكوري زوجته , لا تزال تغطُّ في نوم عميق , تمعن جسمها الممتليء تسبقه أصابعه المتشهيّة . كان جسمها يكاد يتدفق من السرِّير الوثير . سحب عليه الغطاء وخرج . ولج على الكهنة والشيوخ حجرة عملهم الواسعة :

-أنتم تعرفون أنني مغرّم بأسرار الجسد , أريدكم أن تكشفوا لي عن هذه الأسرار , لا تدعوا حيواناً دون أن تشرِّحوّه . أريد معرِّفة كل وظائف جسمه :

ومضى يجلس على (الكّكّر)(7) , بعد أن طلب العبد العملاق نمرود :

-أنت جديد في خدمتي . سأُجربك بأول مهمة . اذا نجحت لك مني كل ما تحلم به , واذا فشلت فلن تستطيع تصّور مدى بشاعة الميتة التي أُعدّها لك ..

-…   …   …

-ستمضي أنت وعجوبة الى مملكة الحلفاء .. عجوبة تعرف كل شيء ..

عندما وصل النمرود بعجوبة الى مملكة الحُلفاء , وضعا رحلهما, ريثما يُهيء لها النمرود مكاناً بقلب الحاضرّة , بين الفواشر والقصر الملكِّي ..

كبرقٍ يخلخِّل كيميائهم , فوجيء أهالي الحاضرّة , بالجمال المذهل لعجوبة . هذا الجمال الذي أنتزع عيونهم من محاجرها , وقلّب حاضرتهم رأسا على عقب . أُصيب البعض بالجذب , وغرق آخرين في الشعر والغناء , حتى ماتوا ولهاً وصبابة .. حتى أن الكهنة أرتبكوا وشعروا بإحساسات لم يسبق لهم الشعور بها ! .. كان جمال عجوبة ., شيء من ذلك النّوع العجيب من الجمال الشرِّير!..

تسآل قادة الجيش الذين قهرّهم دلالها , وداعبت ملوك الحواضر., أحلام جعلتهم في بللٍ مستمرْ . فسأل الملك عن سر هذا الاسم , الذي يتردد في الأُغنيات, والأشعاربل و متسربا أغان الحصّاد , وتجليد النحاس وعيد الجلوس على الككر , وشعائر الرجولة وذكرى الحلف المقدّس , وأُغنيات الحداد الجنائزي على مملكة الجبل والوادي , وموت آري بالوباء الغامض!عجوبة ؟ يا له من إسم ! ..

تسآل آري شاو وآثر السلامة . رفض رؤية عجوبة ,عندما رغب ملك العيون أن يأتي بها إليه .. تسآل الشرتايات والدماليج , وأخذوا يتسلّلون خفيّة, من خلف ظهور ملوك الحواضر , و(الكامني)(8) ليمتعون أبصارهم برؤيةِ عجوبة , ويمضون وقتهم الموتّور في مصِّ الشفاه اليابسة., على ضوءِ نار الحطّب , التي تتوّسط ساحات بلداتهم , وقراهم , وهم يتسامرون مع الأهالي الذين لا يُصدّقون ما يسمعون ..

-كيف لم تبق ِ بوجدان الرِّجال شيئا لآخريات ؟!..

-أنه ما يحدث لكل من يراها يا خَيّ..

أصبح مجلس عجوبة , عامراً بكبار القوم , الذين يتقربون ُزُلفى , ويتزلفون دون حياء ..

كانت النيران قد اشتعلت في قلوبهم , وهاجهم الوجد., وقضّ مضاجعهم  الإشتياق , الذي أقلق منامهم برِّيح الصّبا , التي تجيء من الحكايات البعيدة , خلف” بحر مالِحْ “..

قال النّمرود :

-لن يلبثوا أن ينقضوا عليك عجوبة , فلن يحتملوا أكثر مما أحتملوا من إغواء .. أرى ذلك في عيونهم ..

-وماذا ترى ؟ّ..

-يكفي ما أثِّرناه فيهم .. لقد وضعنا أساس الخلّل .. يجب أن نهرب , لتأتِ هند ودعد , تنجزان ما تبقى من المهمة ..

-أنسيت تهديد آري؟!..

-فعلنا ما هو أكثر من المطلوب ..

ومثلما جاء بها النّمرود فجأة .. فوجدها النّاس بينهم على حين غرّة , ودون سابق إنذار , اختفى بها فجأة , فأصبح النّاس, وكأن عجوبة لم تكُن بينهم قبل ليلة واحدة !!..

اختفت عجوبة مخلفةً وراءها الحكايّا الأُسطوريّة., والأشواق العارمة , وأقسم قادة الجيش وملوك الحواضر , بأنهم سيفترسونها دون إبطاء لو وقعت أعينّهم عليها مرة أُخرى ..

كان النّمرود العملاق الصغّير .,عبدها, الذي أهداه اياها إبن عمها الملك الشرّيف إبن الفضل العباسي , فأخذت تصطحبه معها منذ الصِّغر . يقف بعيدا يحرِّسها ورفيقاتها ,وهنّ يلعبن في الوادي المفضي , الى جبال البحر , الى أن دهمتهم وهم  في سحابة نزهتهم رِّيح عاصف .. فأسرّع النّمرود يمسك بيد عجوبة , ومضى يخبئها وشقيقتيها ورفيقاتها, في مغّارّة., أسفل تل صّخري محاصر بجرف الوادي .

إمتلأت بهم المغّارّة , التي ضاعف ظلام العاصفة من وحشتها ., لم يترك النّمرود يد عجوبة أبداً.. تسآلت وهي تسحب يدها من يده في عنف :

-أين سأجلس في هذا الضّيق ؟!..

مدّ النمرود يده يتحسس جسدها, الذي يقف فوقه , وجذبها الى حِجرِّه . وهو يقول :

-ها هنا ستجلِسين .

مانعت عجوبة قليلاً , ثم أستكانت كقطة أليفة , بعد تملمُل عنيد , أشتدّت العاصفة , وبدأت السماء ترعد , انكمشت في حجرِّه …

شيئا فشيئا نفى جسمها إحساسها بغربّة حجر النمرود عنها ..

هدأت العاصفة , وتحوّل الجوّ, الى برودة ثلجيّة صاقعة. غاصت عجوبة في أحضان النمرود ..أشتد الرّعد , فتوغل النمرود ..

كانت السماء تمطِّر والبرق يلمع والرّعد يصُّم الآذان ..

تنهد ود الخزِّين وحاول أن يُكمل , فقاطعه صوت ود الباهي :

-ما فعلته عجوبة بالناس لا ينمحي , من ذاكرّة التاريخ ..

-أيُّ تاريخ , وأيُّ ذاكرة ؟!..التاريخ الرّسمي ؟!..

خرج صوت شاو متحشرجا من أعماق حُنجرّة ود الباهي , وهو يخاطب خصِّيه الأول :

-سمعت بجارِّية بديعة , بهرّت النّاس ؟..

-إنها أمرأة ظهرّت فجأة . أشعلت النيران وأختفت .

-كيف أختفت؟..

-لا ندري .. كل ما حدث أننا اكتشفنا فجأة أنها لم تعد موجودة ..

-دون سبب ؟!.. لابد أنكم لاحقتموها جميعكم , وهي مجرّد إمرأة ووحيدة ..أخبرني ملك العيون ..

انصرف الخصِّي الأول متعجبا من أطوار شاو الغريبة , بينما دخل (كتركوا)(9) , على مجلس دورشِّيت في ساورا البديعة :

-أحد التجار جاء بجاريتين لم نرْ من هنّ ,في مثل جمالهنّ البديع من قبل !!..

 رد عليه ملك القوافل :

-أعتن بهما ثم أحضرهما بعد ذلك الى آري العظيم ..

التفت آري الى ملك الخيول :

-هل تمّ عدد سائسي الخيل ؟..

-نعم آري العظيم . وأشترينا المزيد من الجياد الاصيلة ..

-فرساننا أشداء . يستحقون جياداً كريمة . اخبر ملك القوافل بأن يأتيك بالمزيد . أُريد جيشا لا يُقهر ..

-لسنا بحاجة لمثل كل هذه الاعدادات آري .

-أنا من يُحدد ما نحتاجه وما لا نحتاجه , فلا تنس ذلك مرةً أُخرى .

أخيراً خرج (الأُورنانق)(10) عن صمته :

-يجب أن نكون أقوياء .

خيّم صمت عميق غلى قصر بولدِّين , الذي كان لحظتها جالسا على عرشه , وأمامه تلمع ثمانية عيون ببرِّيق عجيب, بين الشرّاهة و الأحلام المحلِّقة . قلّب بولدِّين عينيه متفحصاً المشاعر, التي تبوح بها العيون الثمانية المتغوِّرَّة, في الصّمت العميق الذي لَفّ المجلس . زفرّ بعمق :

-إذ تدركون تلك الحكاية . كيف تفرّق شعبنا الواحد , وأنقسم الى ثلاثة شعوب منذ عشرات السنين . لقد أورثنا الجد الأكبر دودو وخلفاءه مهمّة صعبة . مهمّة توحيد شعبنا مرةً أُخرى .

قالت ماريانا :

-أنجزّت عجوبة جزءً من المهمّة ..

-لكنها لم تشعل النّار في قلب آري شاو ..

قال عبد اللّه الجُرهمي , فأضافت ماريانا :

-أين عجوبة الآن؟!..

ردّ الجُرهمي :

-بصُحبة إبنتيها الكنداكة وسابا . إذ لم ترهما منذ وقت طويل ..

فتسآلت ماريانا بضيق :

-لماذا لا نقنّع ساورا والحلفاء بمهمّة آري ؟..

خرج آري بولدِّين عن صمته :

-لقد فاوضتهم كما فاوض أجدادي أجدادهم .. الذين يأخذون على الجَدِّ الأكبر دودو ما حلّ بهم من فرقة وشتات , ويقولون أن شعبيهما لم يعودا ذات الشعبين, الذين رحلا من مملكة الجبل والوادي . يقولان أنهما شعبان مختلفان مثلنا .. اختلطوا بالنّاس الذين وجدوهم والذين جاءوا إليهم ..

تحدث فوك الذي كان صامتا منذ جلسوا الى آري بولدِّين :

-ليس أمامنا الآن سوى الحرب .

-لا , الحرب هي المرحلة الآخيرة , فهما مملكتان قويتان .. ربما أقوى منا …

تسآلت العيون كلها , فأجاب آري بولدِّين بابتسامة خبيثة :

-أنت ماريانا. و .. فوك , ستذهبان معاً الى ساورا . ستشغلِّين أنت آري دورشِّيت , وتصرفينه عن هموم القصر والناس . وأنت فوك عليك بتغيير مزاج الناس وإهتماماتهم . هناك آخرين كُثُر  سيساعدونكم . بعضهم تعرفونهم (ربما) وبعضهم لا تعرفونهم ..

ثم ألتفت آري ناحية عبد اللّه الجُرهُمي :

-وأنت منذ الآن أيها الجرهمي, محض تاجر يسرِّي عليك اسم التاجر , أكثر من أي شيء آخر .. تتنقل بين الحواضر الثلاث بقافلتك , تنقل أخبار العيون الينا وأوامرنا اليهم ..

-أود أن ..

-أفهمك . سترحل عجوبة الى الحلفاء, ولن تعود مرةً أُخرى إلا بعد إنجاز المهمة كاملة ..

-ابنتيها صغيرتين بعد , وقد أثر غيابها فيهما .

-ستحملهما معها هذه المرّة ..

لم يستطع عبد اللّه الجرهمي النُطق ببنتِ شفة . انفضّ المجلس, وما أن ابتعد  الجرهمي حتى أوقفه صوت هند . انتحت به وهمست في أُذنه :

-انجِ بنفسك .. عجوبة ستقتلك ..

-ماذا تقولين ؟!..

-انها تخدعك .. تخونك مع العبد النّمرود .

 وحكت له الحكاية.. منذ تلك اللحظة العاصِّفة في المغارّة, التي بسفح التّل الصّخري عند جرف الوادي , حتى لحظة هربهم . وجاءت  دعد لتؤكد له الحكاية :

-أنت ابن عمنا مهماً يكُن من أمر , ولا نريد لك الموت, بسبب عاهرة أسلمت قيادها لعبد ..

-سأقتلها ..

-سيقتلك آري بولدِّين , ولن يُصدِّق إفادتك عنهما, وحتى لو صدّق  الأمر لا يهمه لذا سيقتلك  فهو يعتمِّد عليها في تحقيق حُلمُه بضّم مملكة الحلفاء وساورا .. والرأي عنّدي أن تهرب ببنتيك …

-كيف وهي لا تفارقهما ؟!..

-سنساعدك في ذلك ..

كان الجرهمي مجروحا ومخترقاً الى أقصى حد …

أخذ شاو يحكِّي عن الجد الأكبر سوني وهو يُشيد مملكته ,من عذابات الرّحيل , وأسى الغربة والفرقة والشتات , لتترابط وتتوحد وتقوى بوجه الأعداء ..

-لقد أورثنا سوني العظيم مملكة عظيمة علينا أن نحافظ عليها ..

قال شاو . ففهم الحلفاء ما يرمي اليه , فالبلبلة التي أشاعتها عجوبة في صفوفهم, كانت محور مجالسه . نظروا الى بعضهم البعض . وأطرقوا رؤوسهم . قال أحدهم :

-سيظل حلفنا خالداً أبد الّدّهر ..

قال شاو :

-إنما جمعتكم الليلة لتجديد الحلف .

فتدخل آخر :

-لدي أمر كنت أود أن اطرحه .

-…   …    …

-نحن حلفاء لساورا منذ كوّن الأجداد هذه المملكة العظيمة . وساورا يفصل بيننا وبينها مملكة الجوّار , وهي مملكةلا تقل عظمة عن ساورا .

أطرق شاو حفيد الجد الاكبر سوني قليلا ثم أجاب :

-ربما حكى لكم أجدادكم عن الجوّار . فهي المملكة التي اسسها دودو., شقيق جدّنا الأكبر .. ودودو وخلفاءه لا يتحالفون مع أحد مثلنا . فهم دائما يطمعون فيما بيد غيرّهم .

أضاف أحدهم :

-أغلق دودوأبواب العشيرة الملكيّة دون الإختلاط بشعب الجوار . وظلوا يستولدون في هذه العشيرّة المنهكة …

أكد السلطان :

-تزوّج دودو من شقيقته الوحيدة  لاروي, ومنهما تحدرّت هذه العشيرّة الملعونّة , التي ظلّت تحكم الجوّار ..

-أنهم ليسوا أهلا للثقة ..

-ويعبدون القِّط .

-رغم انغلاقهم على أنفسهم ,غلب عليهم دين الشعب, الذي وجدوه في الجوار وحكموه .. بعد أن تركوا عبادة الكبش المقدس ..(*)

 

 

لا وطن في الحنين…8

 

استقبلت ساورا يومها المعتاد بنشاط النحل وهمته . دلفت إياكوري  الى مخدعها, لتجد آري لا يزال يغط في نوم عميق . جلست تنتظره لوقت طويل, إلى أن فتح عينيه بتثاقل , فابتسمت في وجهه :

-هكذا أنت دائما ..

جذبها إلى أحضانه :

-ومن الذي جعلني هكذا ؟!..

دخل عليها كتركوا :

-هيأت لك الحمام آري ..

نهض آري وهو يقول :

-هيء إياكوري أيضا ريثما أُحضر الحمام .

فهتفت به :

-ليس الآن .. ليس الآن …

ابتعدت خطوات آري , فقالت إياكوري  تخاطب كتِركوا :

-ما هي أخبار المحظيات .. محظيات آري .. وجواريه ؟..

-أنت تعرفين كل شيء اكثر مني !..

-أجب فقط .

-أنه يقضي أكثر لياليه معك . لا تستطيع أيُّ جاريّة أن تأخذه منك ..

ابتسمت إياكوري في اطمئنان وصرفته :

(*)

حمل بولدين مولوده الصغير من إياباسي . تمعن وجهه “سيكون لك شأن عظيم , كجدّك دودو بني ..” .. وضع المولود برفق على صدر أمه, التي ابتسمت في عذّوبة, وأغمضت عينيها في دِّعة واطمئنان .

خرج بولدِّين – عبرممراً طويلاً . وقف في نهايته ودخل واحدة من الحجرات , استقبلته هند بالأحضان :

-غبت عني , حتى قلت أنك نسيتني ..

-لقد انشغلت بولادة الصغير .

-إياباسي تنسيك كل شيء .

ردّ في غضب :

-أنت تعلمين أنني لا أُحب أن يتحدث عنها أحد ..

-إنني أُحبك ..

-بل تخافين منِّي ..

حدقت هندْ في عمق عينيه , وانسحبت الى ذكرّى بعيدة .. ليلة هربت وشقيقتها دعدْ مع أُختهما  عجوبة ,وخطيبها عبد اللّه الجرهمي ..

كان الرُّعب يقود خطواتهم ., ويقفز بقلوبهم خارج أقفاصها . لم تهدأ نفوسهم إلا عندما وصلوا مملكة الجوار .. تقدّم الجرهمي من أحد النّاس ..

-دلني على قصر الملك ..

كان آري بولدِّين يجلس وحيداً .. مطرقاَ برأسه في تفكير عميق , عندما هتف بهما الحاجب :

-ادخلوا ..

(*)

بينما أجتمع فوك بماريانا , كان التاجر الجرهمي يهمس في أُذُن عجوبة :

-يجب أن نعود إلى موطنّنا .. هناك حيث الجبال .. جبال البحر الكبير ..

-كيف نعود , وأنت تعلم ما تعلم عن عشيرتنا .. سيقتلوننا ..

-مشكلتنا مع الملك وليست مع العشيرة ..

-لكنه الآمر الناهي ..

-كان ينبغي أن نبقى , ونعالج الأمر . يجب أن نعود . لقد أخطأنا بالهروب ..

-ومهمتي في بلاد الحلفاء ؟

-انسي كل شيء ..

-لا استطيع بعد كل هذا .. لا أضمن البقاء على قيد الحياة . لم يعد الأمر سهلاً , سهولة هرّبنا من ديارِّنا ..

قال الكاهن الكبير :

-لقد صنعنا هذا السائل الشفاف, من عصِّير بعض النباتات النّادِّرة ومزجناه  بسائلي القِّط والفأر ..

أخذ آري بولدِّين يتفحص الحيوان الصِّغير,المسلوّخ الممسوّخ الرأس دون أن يُعلق .

-لقد كررّنا الأمر أكثر من مرّة .. أنه لا يستمر في النّمو ..

ظل صامتا ..

-لن نألوا جهداً آري ..

لاحظت عجوبة التغييرات التي أخذت تطرأ على عبد اللّه الجرهمي , ولاتدري لها سببا .. افترقت عن النّمرود الذي أوصاها بمراقبته , ما أن وطأت أقدامها عتبة الكوخ حتى دهمها الجرهمي بالسؤال :

-أين كنت عجوبة ؟!..

-طلبني آري لأستعد للرحيل الى مملكة الحلفاء .

تفكّر قليلا:

-أُفكر في العودة الى الدِّيار وحدي واقتسام الملك مع أخي .

-سيقتلك .إنها علاقة دّم .

-العرش لا يعرِّف علاقات الدّم .

-العرش يقوّى بعلاقات الدّم .

-لم أعد أفهمك . ما الذي تخبئه عنِّي ؟!..

كان الجرهمي قد تأكد من صِّحة مزاعم هندْ ودعدْ, حول علاقة عجوبة بالنّمرود , وحاول أن يستجيب لنصيحتيهما ,. بمقاومة الأتون الذي يعتمل في دواخله .. كان قد قرّر أن يهرب ببنتيه التؤام (سابا والكنداكة) , ما أن تحين له الفرصة المناسبة ..أبعدّت عجوبة بصرِّها عنه .. قال :

-ماذا عن شقيقتيك ؟!.

-ما بهما ؟!..

-هل طاب لهما المقام هنا ؟.

-لا يهمني .. لم تعودا أُختاي اللتين أعرفهما .. حوّلهما بولدِّين إلى عاهرتين , تخصّانه وحده ..

كان الجرهمي يخطِّط للهرّب الى مكان لا يعرفه فيه أحد . انشغلت أفكاره بتؤامتيه الصغيرتين , حتى لم يتمكن من النوم , الى أن دهمته من أثرِّ الأرق والإرهاق غفوّة . وعندما صحىّ انتبه لإختفاء عجوبة .. أخبرته جاريتها أنها رحلت مع النّمرود في الفجر , الى مملكة الحلفاء , وتركت له واحدة من تؤامتيه …

كانت عجوبة قد اطمأنت على صغيرتها التؤام سابا , ألبستها أيقونة منقوشة بدقة ..لفتها جيدا بالقطن والكتان .. حملّت الكنداكة برفق ونادت جاريتها :

-اهتمي بها ..

ثم التفتت الى النّمرود :

-لنمض الآن ..

-والجرهمي ؟!.

-تركت له احدى تؤامتيه ..

-انها قسمة عادلة .

-لابد أنه سيعود الى دياره .

وابتلعت غلالة الفجر الضبابية النّمرود وعجوبة ..

كانت عجوبة لحظتها , تكرر ذات قصة هربها من ديارها., في ذلك الليل البهيم ..

عندما نمَّت عجوبة وترعرعت., وأدركت أن عشيرتها لن تتركها تتزوج من النّمرود ,. الذي تفتحت وردتها عليه ذات عاصفة وزمهرير . جاءته:

-ليس أمامنا سوى الهرب .

أطرق الفتى العملاق . وبعد صمت عميق أجاب :

-سيلحقون بنا ويقتلوننا . الرأي عندي أن أتقدّمك الى مملكة الجوار .. لن يلحظ أحد اختفائي , سأبقى وأنتظرك هناك . الجرهمي يحبك . “إملأي رأسه” ليهرب بك , وسنرى بعد ذلك في أمره ما يكون ..

كانا يتحدثان خلف أحد أعمدة البهو الكبير, في القصر الملكي , لم يلحظا هندْ ودعدْ اللتان كانتا تراقبان عجوبة , وتصطنِّتان إلى حديثها مع النّمرود

اختفى النّمرود صبيحة اليوم التالي . ولم تمض أيام معدودات حتى ملأت عجوبة رأس الجرهمي , فتعارك مع أخيه الملك الشّرِّيف .. وقتها كانت هندْ تهدِّد عجوبة . بأنها ودعدْ تعرفان كل ما خطّطت له مع عبدها النّمرود , ولن تدعاها تهرب مع الجرهمي دونهما .. وإن فعلت أو حاولت خداعهما , سيكشفان للجرهمي أمرها ..

عبأت عجوبة الجرهمي وأقنعته , بأن أخيه الشريف يتآمر لقتله , حتى يصفوّ له الجوّ فيتزوجها دونه , وأنهما يجب أن يهربا .

-لن أترك هندْ ودعدْ خلفي . لا أطمئن عليهما هنا دوني .

-لا عجوبة . لن يحدث لهما شيء .

-لا, لا أستطيع فنحن يتامى لا أحد لنا سوّى بعضّنا البعض.

وبعد جهد جهيد تمكنّت عجوبة من إقناع الجرهمي . ومضيا ُيخطِّطان إلى أن حانت الفرصة المناسبة فهربا إلى الجوار ..

كانت عجوبة في أشدّ الإشتياق للنّمرود . ُتمنِّي نفسها بصفاء الجوّ المختلس معه , هنا في الجوار .. كانت طوال مسير الهرب , الى الجوار تتأوه كلما وضعا للراحة الرحال , وتتنهد عندما تطأها الأشجان كما تطأ الأقدام  جسر عتيق  منهد : آه يا نمرود يا غرّة عينِّي .. وشغَّاف قلبي …

ما أن استقر المقام بفوك وماريانا بمملكة ساورا , حتى شرعا يُنفذّان خُطة بولدِّين ملك الجوار . استطاعت ماريانا انتزاع آري من محظياته وجواريه , وأجهدّت نفسها كثيرا لإنتزاعه من إياكورِّي .. كانت تسلُّب لبه بما تعلمته من أفانين في قصر الجوار ..

أختلَّت مواقيت آري , وأخذت اهتماماته بأحوال المملكة, وشعبها تقل شيئا فشيئا .. وقتها كانت الكندّاكة تكبر وتتكوّر . ُتجدِّد أحلام القادة بعجوبة , التي ظلّت تشعِّل مواجدهم .. بيتها ذي الرّايات الحُمر.. قبلها بوقتٍ طويل, كان التاجر عبد اللّه الجرهمي , قد أدرك أنه فقد تؤامته الكنداكة الى الأبد . فحمل سابا تؤامتها ومضى الى أن وصل طريق الملح , فقصد مالحة .

حمل الجرهمي حقده و”غبينته” , وتسلّل في ليلٍ بهيم مخلفاً وراءه هروب عجوبة , التي هربت مثلما هربت سلفها سوبا , من زوجها الصياد , ومثلما هربت بناتها اللاتي تحدّرن من صلبها من أزواجهنّ, ومثلما هربت شقيقتيها هند ٍ ودعدْ الى ساورا ..

انه الحنين الى الدّم , دّم آخر في النار والشفق., لا يقوى وجدانه على احتماله . دّم ينحدر من الجنّ الذين حبسهم سليمان في دياره .

كرّس عبداللّه حياته لسابا , التي طبعّت العزلة حياتها فوسمتها بالإنطواء والإنزواء . لاتنشرِّح إلا وحدها في الجبل , تأنس بصديقات لا يراهنّ أحد .. صديقات تراهنّ وحدها ..

وقتها كان فوك ينشط في استقطاب شباب ساورا , يطلعهم على فنون لا يعرفونها في القاعة الفسيحة , التي شيدها بعد أن أستأذن آري ..

قاعة “أتني” التي رَصّ عليها طاولات, من عروق الشجر., ودِّكك من الحجر الرَّملي وعروق الجبل ..

ألحق فوك أتنّي بسلسلة من الأكواخ ,التي جلب لها الجواري  الحسان من الجوار , ليسكن اليهن مرتادي أتنّي ..

وظلّت غرفة فوك المُلحقة بأتنّي مغلقة دون النّاس , لا يدخل فيها إلا خاصته من قادة الجيش وملوك الحواضر والملوك المحتملِّين .. يجلس إليهم ويحدِّثهم عن الأولين والآخرين , ويُهيء لهم الأكواخ لقضاء متعتهم, ويهديهم الجواري اللواتي تعجبهن, ليرحلن معهم الى حواضرهم وقصورهم

قد يأتي فوك أحياناً بشباب لارا المميزِّين ,إلى غرفته الساحرة يسقِّيهم الخمر, ويمضي بهم إلى غياهب, يخرجون بعدها منهكين, تؤلمهم مؤخراتهم أشدّ الألم ..

سأل التاجر الجرهمي الصّبي الصغِّير , الذي ظلّ يحدِّق في القافلة :

-ما أسمك؟!..

-سورِّنقْ (11)..

-هل ترغب في أن تصبح تاجراً؟!..

-لا .. أرغب في إرتياد الآفاق البعيدة ..

-عندما تكبر قليلا ستمضي معي ..

-شارفت على سن الرجولة ..

-إذن بعد أن ُتجرى لك شعائر التدريب الرّجولي ..

انتسجت في فكر التاجر الجرهمي خواطر مبهمة . فراسته تفيد بأنه سيكون لهذا الصّبي شأن في مملكة ساورا .. هذه المملكة اللعينة التي فقد بسببها زوجته , وتؤامه الكنداكة , فتيتمت وتوحدّت الصغيرّة سابا وتوحشّت في هذه الوحدة التي بلا أنيس ..

-إذن تريد أن تحكم ساورا ..

-نعم .

-الجوّار لن يتركها لك ..

-وما شأن الجوّار بساورا ؟!..

-ثأر قدِّيم , اسمع كلامي كي تنتصِّر على الجوار.

-سأسمعه .

-سأعدِّك إعداداً جيداً لن نتركه يحقق حلمه أبداً..

-ألا تأخذني معك الآن ؟!..

-لا تتعجل الأمور , لا يزال هناك وقت كاف .

ومضى سورِّنقْ إلى دالي الذي دهمه :

-لقد قررّت أن أمضي سورِّنقْ .

-إلى أين ؟!..

-فقط سأمضي ..

-وساورا ؟!..

-آري يقودها إلى الدّمار . سآتي لإنقاذِّها يوماً .. أنا لا أُريد أن أحكم  سورِّنقْ .. التعاليم هي التي يجب أن تحكم .. هناك هاتف يناديني سوِّرنقْ ..

-إذن تريد أن تمضي لتتعلم المزيد ؟!..

-أُريد أن أتأمل لأرى ما يجب أن أراه . سأمضي سائحا في البرّاري , لتكتمل أفكاري لأجل ساورا العظيمة ..

-ستجدها خراب! ..

-لكنك ستنقذها . أنت من ينقذها سورنق !.

أطرق سورِّنقْ قليلاً :

-أنت إذن تتنازل لي عن العرش ؟!..

-العرش لمن يختاره شعب ساورا .

-سيختار من العشيرة الملكية .

-أنت من العشيرة الملكية .

-من جهة  أُمي فقط . يجب أن أرحل معك .

-بل ستبقى وأن أردت سترحل وحدك , فأنا راحل وحدي .

وأفترقا …

أصبحت الكنداكة الفتاة الفارعة , ذات الجمال المجنون ,والجسد المتمرِّد سلطة قابضة , يزورها الملوك وقادة الجيش, أكثر مما يزورون سلطانهم.. محمّلين بالهدايا الثمينة والأحمّال الغالية . كانت تستقبلهم جميعاً , ثم أدّعت ضيق المكان ,بعد ان جعلتهم يدمنونها ., فأمر أحد قادة الجيش ببناء قصر بديع لها .. لا يضاهيه سوى قصر آري ..

-أُريد الزّواج من الكنداكة .

قال القائد فردّت عجوبة بمكر :

-أصبر قليلا , فهي لم تصبح إمرأة بعد ..

-لكنها بسن الزّواج !!..

-ذلك لأن جسمها فارع , لا يخدعنّك الجسد . فلجسد المرأة سطوّته ..

-سأصبِّر لشهور قليلة فحسب ..

-لا نريد أكثر منها .

أحاطت الكندّاكة قصرّها بالعبيد والخصّيان , وصارت تحدد مواعيد متباينة, لزوارها حتى لا يصطدِّمون ببعضهم البعض .. قالت عجوبة  لآري :

-قادة الجيش.. كل واحد منهم يريد الحصول على الكنداكة , وأنت الوحيد الذي يستحقها, فهي خادمتك التي تحبك., ولا تستطيع القبول بأحدهم إلا بعد معرفة ردّك ..

كانت الكندّاكة قد رمقت آري بنظرّة أورثته ألف حسرّة .

-وأنا أُريد الكنداكة ..

-لقد قلت لهم أن السّلطان يريدها (أعذرني يا مولاي ) فهددّوا بقتلها وقتلي ..

غضب السلطان وجلس متفكرا الى خواصه . جاء قائد الجيش الى الكندّاكة :

-يجب أن نتزوج الآن ..

-لكنك لم تكمل تدريب عبيدي وخصّياني ..

-بل فعلت .

-أعني الجدد ..

-في كل مرّة تأتين بالمزيد من العبيد والخصّيان . ماذا تريدين أن تفعلي بكل هؤلاء ؟!..

-أُريد أن أحميك وأحمي نفسي من السلطان, والملوك الآخرين ..

-كيف ؟! .. ما الذي يجري ؟…

-سأُخبرك في الغدِّ عند مجيئك , فعجوبة الآن مريضة ..

وبالفعل كانت عجوبة في النّزع الآخير لحظتها .. كان قد دّس  لها السُّم دون أن تستطيع الكندّاكة معرفته . قالت عجوبة بصوت واهن :

-تفرقنا عن بعضنا كندّاكة , تركنا ديارنا , وحرمنا أنفسنا من تؤامك سابا .. وكل هذا ثمن غال , فلا تسلِّمي هذه البلاد للجوّار.. ان تحقق الُمرّاد ..ولا تكونِّي لأحد الرّجال فتضيعي مثلي ..

لفظت عجوبة أنفاسها الآخيرة , وجلست الكندّاكة تبكيها , بينما جيشها الصّغير الذي كوّنته من عبيدها وخصّيانها . كان لحظتها يدهم إحدى القوافل , بعد أن قتل كل من في قصر الكندّاكة ممن شكّت فيهم أو فيهن .. قيَّد جند الكندّاكة كل رجال القافلة , ومضوا بهم إلى حيث كانت الكندّاكة تقيم..

كانت الكنداكة وقتها قد أنشغلت بأحزانها على امها , رغم مضِّي أيام وأسابيع وشهور, مرّت كلمح البصر , دون أن تئد حدة حزنها , الى ان دخلت عليها واحدة من  الجواري , فلملّمت الكندّاكة آلامها , وقالت في أسى :

-ماذا تريدين ؟!..

-لقد مضى وقت طويل على أمر القافلة , دون أن تنظري فيه .

عندما دخلت الكندّاكة الحجرات, تتفقد الأسرى., أشرع سورِّنقْ., الذي كانت السياط قد مزقت ظهرّه , عينيه على آخرهما , في دهشة واسعة, ولم يعد يشعر بالألم وهتف :

-سابا؟!!!…

التفتت إليه الكندّاكة , التي بوغتت وفي  زهول اقتربت منه:

-ماذا قلت ؟

-سابا ..

-هل تعرفها ؟

-انها زوجتي ..

-زوجتك أنت ؟!..

قالت باستنكار , ثم  أشارت الى العبيد بان يفكوا قيدِّه, ويحضروه الى مجلسها . جلست تنتظره . أدخله عبدها ميمون . كان ممزقا , نحيلاً , تغضّن جلدّّّّه, على خيوط الدّم المتجمدّة ,التي تقيّح بعضها . دفعه ميمون بقسوّة .فعاجلته :

-والآن أحكِّي لي ماذا تعرف عن سابا ؟!..

-لا شيء سوى أننِّي تزوجتها من أبيها وليّ نعمتي .

-هل تعلم من أكون ..

-لو لم أكن أعلم أنها وحيدة لقلت تؤامتها .

-هي تؤامتي بالفعل .

-لم تخبرني ؟!..

-ربما لا تذكر , والجرهمي لم يخبرها .

اخذه العبيد الى احدى الحجرات . تركوه دون قيد وأعتنوا به . أحضرت  له جاريتها  ثوبا من القطن لفَّ به صلبه وصدرَّه وألقى ما تبقى على كتفه …

مكث سورِّنقْ في ضيافة الكندّاكة أسابيعاً وأيام, حتى شُفىّ وعاد أحسن مما كان . وقتها كانت الكنداكة تبحث الأمر مع ميمون . تحدثا طويلاً وتشاورا , ثم أمرت باحضاره اليها ..

-اذن انت من ساورا الهالكة , لا محالة؟

-كيف؟

سردت عليه الكندّاكة خطة الجوار ,التي ظلّ آري بولدِّين, يعمل عليها منذ عدة سنوات . ثم ختمت قولها :

-وحدك لن تستطيع عمل شيء.

-سأحاول .

-وسأساعدك لكن بشرط.

-ما هو ؟!..

-أن نتوحد بعد ذلك في مملكة واحدة , نحكمها ثلاثتنا . وتكون انت “الكامني: سلطان الظل” . فما بيننا دّم , انت زوج تؤامتي  ووالد عيالها ..

فكر سورنق قليلا . لم يرقه عرضها , لكن لم يكن في وضع يسمح له بالرفض , فوافق :

-قبلت .

أطلقت الكنداكة سراحه وسراح  قافلته, وأعطته من عندها ثلاثة قوافل ,

-انها لأجل سابا . أحكِّي لها خبري ..

-لا محالة سأفعل .

كان سورنق قد قرّر ألا يأتي على ذِّكر الأمر لسابا . سيكتفي بمناقشته مع الجرهمي فحسب . مضت قوافله لأيام وليال وأسابيع عديدة , وعندما وصل الى مالحة كان الجرهمي , قد مات فكتم الأمر بعد نزاع يشتد ويخف في نفسه – فالكنداكة كما تقول فراسته لا يؤمن شرّها كما أنه لم يُرِّد تعديل أحلامه, بإضافة تفصيلات جديدة . وقتها كان آري شاو ومملكته, يعيشان أيامهما  الآخيرّة أذا اجتمع قادة الجيش , وتحدّث أحدهم ,الى ملك القادّة  بغضب :

-أنت ملكنا وهيبتك من هيبة المملكة .

تطاير الشرّر من عينّي القائد :

-ماذا تريد أن تقول ؟

-كل النّاس تقول ان الكنداكة تعبث بك ..

-لا أحد يجرؤ على العبث معي .

-ما قالته لك في أمر الزواج , قالته لغيرك .

-لم تخبرني العيون بشيء من هذا .

-لأنها وعدت ملك العيون أيضا ..

نهض قائد الجيش في غضب ,ومضى الى الكندّاكة, التي جاءتها جاريتها ركضا , لتجدها في أحضان ميمون .. فغرّت الجارية فاهها , لملّمت الكندّاكة نفسها بسرعة, وهي تصِّيح بالجارية في غضب :

-ما الذي جاء بك على هذا النحو ؟

-انه قائد الجيش .

همست الكندّاكة  في أُذن ميمون :

-أقتل هذه الجارِّية , حتى لا يعرف القادة , أنك لست خصِّيا , فيقتلونك ويقتلونني ..

نادى ميمون على الجارِّية , التي أدركت انها لا محالة هالكة , فالكندّاكة قلبها كأنه قُدّ من الصّلد . لا يعرف الرّحمة . والحجر يشعر وميمون لا يشعر.. إرتاعت الجارِّية :

-أُقسم أننّي لن أُخبر أحداً ..

أطبق ميمون بيديه على عنقها . تلّوّت حتى جحظت عينّاها , مع تهشُّم سلسالها الفقري , تحت وطء كفيه الغليظتين ..

عندما ذكر قائد الجيش الأمر للكنداكة , قالت له أن ذلك القائد تقدّم لخطبتها , فرفضته كما رفضت سواه , ولذلك يكِّيد لها . فغضب قائد الجيش ,وقاد عدداً من الجند لإعتقال ذلك القائد .. هاج بعض القادة , فاعتقلهم . تدخل ملوك الحواضر , والقادة المتبقين . تدخل آري وأحتشدّت الجيوش ضد بعضها ..

وقتها كانت الكندّاكة , على رأس جيشها تنتظر لتقاتل المنتصر ..

صفق آري بولدِّين بيديه وصاح بالحاجب ..

جاء على إثر ذلك الكهنة والشيوخ والعيون . وما أن جلسوا حتى وجه بولدين حديثه الى الكهنة :

-كيف تمضي الأمور ؟!..

-لا زلنا نُشرِّح القِّط , لنكتشف أسراره , فهو حارس عالم الأموات , وأسراره كثيرة ..

أضاف آخر :

-ستحمل لنا الأيام القادمات أسرارا كثيرة .

تحدث كبير الكهنة :

-عبادة القِّط تنتشر في ساورا ببطء شديد .

قال آري بولدِّين :

-أنتم لا تبذلون جهداً كافياً ..

-سنفعل  آري العظيم ..

عقّب أحدهم :

-حدثتنا النجوم عن وباءٍ كثيف ومحلٍ شديد , سيحل بساورا , في السنوات القادمات ..

قال آري بولدِّين :

-وما جدوى سيطرتنا عليها , إذا كانت ماحلة وموبؤة .

-بدأنا نعد الأمصال آري . الجفاف الذي سيضربها سيعقبه خير وفير . سنعمرها بعد أن ينقشِّع عنها الجفاف . هذا هو الرأي عندي .

-الجفاف والوباء امران لم أضعهما في الحُسبان .

-لكنهما سيفيدان في اسقاط ساورا .

أكد بولدين :

-والعيون , تفيد ايضا أن الامور في مملكةِ الحلفاء تمضي كما نشتهي . فالحرب بينهم أشتعلت , ولن تلبث الكنداكة إلا قليلا ,حتى تسيطر على الأمور كلها .

علّق أحد الكهنة :

-وهل ستعطينا لها الكنداكة لقمة سائغة ,بعد أن أجهدت نفسها فيها ؟!..

-أنها عاملة من عمالنا , ثم أنها بذلك تشتري عتق والدها الجرهمي وتؤامتها سابا .

-ربما تعرف أنهما لم يمكثا في الجوار .. فالجرهمي هرب بإبنته بليلٍ .. اختفى بها على نحوٍ غامض ..

-لو كانت تعلم بمصيرهما كما تقول , لأفادنا ميمون بذلك . لكن يبدو انها لا تزال تظن انهما ها هنا حيث تركتهما عجوبة قبل أن تغادر مع النّمرود ..

-قد لا تبالي لهما , فبريق العرش ليس دونه إغراء ..

-فلتكن إذن الحرب بيننا .

-ستلتف حولها العشائر المتحالفة .

-ستقضي الحرب على العشائر . وستقضى الكنداكة على ما يتبقى . هكذا أوصتها عجوبة ..

-لكن قد تكون عجوبة , خرجت عن الخطة الأساسية , وأضافت تفصيلات من عندها .

-وإن يكن فالحرب بيننا . وستكون لصالحنا , فالكنداكة لن تقوى على الدخول في حرب جديدة وقد خرجت من حرب للتو ..

-منذ مات النمرود بصورّة غامضة , اصبح من الصعب الوثوق فيما يرِّد من أخبار الكنداكة .

إمتلأت ساورا بالجواري الحسان , اللائي جلبهن تجار الجوار , بأرخص الأثمان . لم يخلو كوخ من أكواخ ساورا منهن . انتشرّن كما ينتشرالسُّم في الدّسم , وعجّت بهن حانة أتنّي الناهضة في قلب ساورا , يتجمعنّ فيها ليتدفقن على امتداد ساورا الجميلة .. يعدن مرة أُخرى , ويمضين بالأهالي الى عالم ظلالي لاهب , وحُلُم لا ينتهي .. يدخل الناس غلالتهن الشفافة ولا يخرجون , إلا وهم على حافة الإغماء , بالرّهق الذي كأنه رهق سنوات عديدة .. تحرّشت هندْ بالعجوز دورّة :

-ألا تريد أن تعود لصِّباك أيها الشيخ ؟!..

زجرها دورّة وهو يمسح لحيته الكثّة .

لحظتها , كانت دعدْ تتلوىّ بين أحضان حاكم الحاضرّة الشمالية , في غرفة فُوك الحُلُمية الغامضة . تشعِل أحلام الحاكم بأشواقٍ, ومواجد لم يعرفها أسلافه أبداً..

حشّد سلطان الجوّار جيشه ,بعد أن تأكد له سقوط الحواضر السِّت لساورا , وزحف ببطءٍ شديد..

زحف جيش ساورا المنهك , مثقلا بهزائمه المريرّة ..

زحف الجيشان تجاه بعضهما البعض ..

اقتربا , اقتربا .. ولم يتوقفا عن الزحف أبداً . أراد جيش الجوار أن يستريح , لتكون المعركة الفاصلة , فجر اليوم التالي .. الشرّر الذي يتطاير من عينّي آري , منعه الإستجابة , فأصدر قراره المباغت بالإلتحام .. حارب ببسالة فائقة أدهشت الجوّار .. كان يقاتل كألف رجل , ركبهم الجنّ , وشياطين الجحيم , إلى أن اخترقه سهم مسموم , فأرداه قتيلاً..

سقط آري .. سقط القتلى .. سقط الجرحى , وتفرقت بقايا الجيش في السهول الواسعة لساورا , المنهكة ..

وقتها كانت الكندّاكة قد هيمنت على مملكة الحلفاء , ودان لها الأمر , فمضت تبني مملكتها وجيشها على غرار تنظيم الجوار , الذي أخذت تستعد له في سرّيّة وصمت تامين .

جاءها ميمون فبادرته بالسؤال  :

-هل انتهت تدريبات الجند الجدد ؟!..

-صار لدينا جيشاً عظيما , منذ استلمت زمام الأمور كنداكة ..لكن يبدو أن الجوار لن يتركنا وشأننا , اذ يستعد لمعركة ..

ثم أستطرد :

-ثمة رجل وأمرأة من الجوار , يريدان لقاءِك ..

-ألا تعرفهما ؟..

-ومن لا يعرف فوك وماريانا ..

-لماذا لم تدخلهما ؟!..

-لم أرى لذلك ضرورة عاجلة , فحبستهما في إحدى الحجرات, الى حين إبلاغك بأمرهما ..

نهضت الكندّاكة يتبعها ميمون , الذي تقدمها الى إحدى الحجرات .. دخلت .. كانت ماريانا وفوك مقيدين إلى ظهري بعضيهما البعض . كانت الدماء تسيل على جسميهما وقد تغوّر حبل غليظ من عروق الأشجار في لحميهما ..

-أتيتما اذن برسالة بولدِّين اللعين . هل يتوقع بعد كل ما فعله بأُمي وأبي وشقيقتيها وتؤامتي .. بعد كل ذلك هل يتوقع أن نسلمه مُلكنا لقمة سائغة ؟!!..

-وما ذنبنا نحن .. إنما نحن رسل ؟..

-…   …   …

-نحن نكرّهه أشدّ مما تكرّهينه ,

سارع فوك بالقول . فأمعنت الكنداكة نظرها في عينيه ,ثم انتقلت الى عينّي ميمون , الذي أومأ لها هامسا :

-لقد أخبراني عن كل العيون التي يعرفونها ..

-أامسكت بهم , أم بعد ..

-وجميعهم اعترفوا .

ابتسمت الكندّاكة في رضا :

-اسمع فوك . أنا أعلم بقصتك مع ماريانا , التي أجبرها بولدِّين اللعين على فعل أشياء , لا ينبغي أن تفعلها مع سواك , كما أجبرك أنت أيضا . أنا  لن أُجبركما على شيء , وأُقدِّم لكما عرضاً لن تجدا مثله أبداً .. عرض فوق أحلامكما ..

-مُرينا ..

-أريد خبرتكما في كل شيء , ولن تندما على ذلك أبداً .. أُريد أن أعرِّف كل شاردة وواردة في الجوّار ..

-هل ستطلقين سراحنا ؟!..

-لا أعنّي ذلك بالضبط .. أعنِّي أن تدلانا على من نحن بحاجة إليهم في الجوّار . وعلى من يُشكِّلون خطراً فعلياً علينا هناك ..

كرّر ميمون على عيونه التي أجتمع بها, الأسماء التي يجب أن يتخلّصوا منها ..

-تقربوا منهم بحذر , ودسوا لهم السُّم, دون ان يساورهم الشّك . بولدِّين هو هدفكم الأول . ثم قادة جيشه , وملوك حواضره .. لا أُريد فشلاً . والذي يتمكن من قتل بولدِّين له عند الكندّاكة ما لم يحلم به يوماً وله مني كذلك عطاءٌ عظيمْ ..

مضت العيون لتنفذ مهمتها , بينما حاصر أحد الشيوخ الذين ألتف حولهم جمع من الناس, ميمون . أصرّ الشيخ الوقورعلى الدخول للكنداكة , التي كانت غارِّقة في أفكارِّها , عندما دخل عليها ميمون يبلغها طلب الشيخ :

-حوله جمع من النّاس ويصِّرُّ على رؤيتك .

-أهو من الجوّار ؟!..

-لا .. يقول أنه من كل مكان .. يقول كلاما لا أفهمه .. يقول أنه أتى برسالة المخلِّص ..

دخل شيخ وقور , التف جسمه كله بالكتان , وبقى أحد كتفيه عارياً . كان يحمل عصا معقوفة من الحرّاز , ذات شعبتين في مقبضهما .. حيا الكندّاكة , وطوّق بعينيه المرحبتين في هدؤ واطمئنان وجهها .. انتظرته الكنداكة أن يستهل حديثه , فظل صامتا . كان بعينيه لمعان غريب .. لمعان عميق يفعل فيها فعل السِّحر .. جاء صوته بعد برهةٍ من الوقت كصّدى بعيد ..

-أتيت لأُخلِّصّك بمشيئة المخلِّص , من عبادة الكبش , لتصبح مملكتك بشارّة الممالك ..

كانت خواطر الكندّاكة المعتمِّلة قد هدأت . قالت بصوتٍ آلي :

-أشرّح حديثك ..

أخبرها عن البلاد العجيبة التي جاء منها , وعن أنبياءٍ ورسُلٍ كُثُر .. عن عذاباتهم وآلامهم , والبشرى (الخبر السار) الذي جاء يحمله اليها ..

حدثها عن الكلمة .. كلمة اللّه , وحمله الذي يزيل الخطايا , وتكلم عن خطيئة العالم ..

تسآلت الكندّاكة عن العالم .. ما هو العالم ؟!.. فاتسعت إبتسامته المرحبة أكثر فأكثر , وتخللتها بالصّفح والغفرّان , الذي يتحدث عنه وسلام المدن, والبحار والأنهار والصّحارى والغابات . حدثها عن اللّه روح الكون الموجود في كل شيء في الوجود .. و بدأت الكندّاكة تفهم معنىّ العالم الواحد بناسه مختلفي الأشكال والألوان .. ” لكنه واحد ” هكذا همست لنفسها .. والشيخ يحكِّي لها عن معجزات المخلِّص , الذي حوّل ماء العرس في” قانا ” الجليل الى خمرّة جيدة, وأظهر مجده , وكيف أطعم خمسة آلاف , بسمكتين وأرغفة شعير خمس ., بعد أن عبر البحيرّة ومشى على الماء دون صرح ممرد..

كان الشيخ قد أشعل فضول الكندّاكة , فأفردت له حجرة في القصر , وأبقته ليحكِّي لها كل يوم عن الأنبياء والرُّسل وبشارّة المخلِّص . ويوماً بعد آخر , كان النّور يتسرب ليملأ وجدان الكندّاكة المعتم .. أصبح للكندّاكة هدف ,بعد كل الذي فعلته بحياتها . اذ أخذت تفكر ,في كيف تنشُّر هذه الرِّسالة ليعمّ نورها العالم ..

-أرسلي المبشرِّين ليجوبوا البلاد , بعد أن أعطيهم معرفتي ..

-وحربي مع الجوار ؟

-ربما تكون لنشر البشارّة ..

-وهل أصلح لنشرها , وانا كما تعلم ؟

كانت الكندّاكة , قد حكّت له عن والدها الجرهمي , الفتى الغّر الذي خدعته أمها, ولم يُلاحظ أبداً العلاقة السِّرِّية التي تربطها بالنّمرود .. النّمرود الذي أنطلت عليه حيلة ساذجة , واضحة وضوح الشمس دون أن يشعر بها ..

كان الجرهمي منذ طفولته., يراقب نمو عجوبة , وإثر كل يوم يتنامى حبه لها ويزيد . حتى عميّت بصِّيرِته . لم يكن يُدرِّك أنها ليست له , هي التي حوصِّرَّت بالعاصفة والبرق والرّعد , ولم تعد تنتمي لعالم الجرهمي ,المنبسِّط كصّحراء أجداده , الذين تناسلوا مع الجنّ ..

 

حكّت الكندّاكة عن قتلها الأنفس , ونهبها للأموال وأغترافها الخطايا .. مسح الشيخ رأسها وتمتم .. ثم أخذ يحكِّّي لها عن النّاس في جبل الزيتون , وقد اجتمعوا عند الفجر يتعلمون من المخلِّص , فجاءه بعضهم بإمراةٍ ضُبطت تزنِّي , يريدون إعدامها رجماً بشرِّيعةِ موسىّ . فقال لهم ” من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر” فأضطروا للإنسحاب واحداً تلو الآخر , وبقى وحده مع المرأة التي خاطبها “أنا لا أحكم عليك .إذهبي ولا تعودي تُخطئين” .. تنفست الكندّاكة الصّعداء , فهمت ما أراد الشِّيخ قوله .. كان النّور قد عمّ وجدانها ..

اجتمع آري بولدِّين , بمجلسه السُلطاني منهوباً بالقلق والتوتر . قال في غضب :

-تأخر الرُّسل كثيراً في العودّة . لم يحضر احد ليخبِرنا عن الكندّاكة ؟!..

قال قائد الجيش :

-وليست هناك أخبار عن العيون كذلك!!..

قال ملك العيون :

-اختفت العيون كلها من مملكة الحلفاء , ولم نعد نعرف لهم أثر ,

ثم أضاف باستياء:

-الأمر واضح وضوح الشّمس أن الكندّاكة ,أسرت ماريانا وفوك , فدلاها على العيون ..

أشتد غضب آري :

-كيف تجرؤ على أسر رسلنا اليها , ألم تسمع بانتصارِّنا الباهر على ساورا ؟!..

قال قائد الجيش :

-انها الحرب آري ..

فنهض آري وعيناه تقدحان بالشرّر , آمراً قائد الجيش :

-استعد للحرب اذن ..

لم تكُّف الكندّاكة عن عقد مجلسها السّلطاني لمتابعة أمور المملكة ,واستعدادات الحرب وما يدور في الجوّار .. سألت النّمرود , الذي أجاب :

-عيوننا تمضي بخطىًّ حثيثة في التنفيذ ..

-والنتيجة حتى الآن؟!..

-سُمِّمَّت كل العشيرّة  الملكية خاصة القادة وملوك الحواضر , ولم يبق سوى آري نفسه ..

-ورجالنا الذين قاموا بهذا الامر؟

-اختفوا قبل أن يظهر أثره .. ربما يصلون في أي لحظة .

-وآري ؟

-وجدوا صعوبة كبيرة في اختراق قصره , فهو لا يأكل إلا من يد إياباسِّي  زوجته ..

-ما أن يصّل رجالنا الذين أنجزوا مهامهم . أُوكِّل لهم بأمري قيادة فرُق الجيش . وأكمل معهم استعدادات الحرب .. وآتني بالأخبار أولاً بأول ..

للمرّة الأولى يشعر بولدِّين بالإلتياع وكل هذا الحزن , وهو يرى كبار قادته يموتون الواحد تلو الآخريوماً بعد يوم . بعد أن تتهرأ أجسامهم وتتفسّخ .. والعشيرّة الملكية يسقط أفرادها , ملوك حواضرها . قادة جيشها , بذات الطرِّيق ..

-إنه السُّم ..

قال آري بولدين بحزن عميق ,

نقّب الجند والعيون في أرجاء المملكة وقلبوا أعاليها سافلها . ولم يعثروا على أثرٍ يدلهم على واضعي السُّم .. لم يكن حينها قد تبقى من العشيرّة الملكية, سوى آري بولدِّين ووليّْ عهدهِ الوحيد . ضرب آري بولدِّين الجدار بقوّة :

-لابد أنها الكندّاكة . لا أحد سواها يجرؤ على مثل هذا الفعل ..

-ولماذا لا يكون الفاعل من ساورا التي قضينا عليها ؟..

-لا , انها الكندّاكة . لقد باغتتنا ..

قال أحد الحكماء وهو يضِّيف :

– قبل أن تحارب ساورا نصحناك آري , أن لا تفتح أبواب الحرب , وأخبرناك بما قالته النجوم ,

 عن علامات الأزمنة ..

أضاف آخر:

-الحرب عندما تبدأ , لا أحد يستطيع ايقافها , أو توقع ما يحدث فيها ..

تدخلت إياباسِّي :

-لم تترك لنا الكندّاكة الآن خياراً سوى الحرب .

والتفتت إلى آري :

-أم تريد أن تتراجع عن ُحلُم أجدادنا ؟!.. اذا قرّرت التراجع سأتولى الأمر بدلاً عنك ..

نظر إليها في غضب :

-آري حفيد الجد الأكبر دودو , لا يتراجع أبداً عن أمرٍ بدأه ..

التفت الى القائد الجديد للجيش :

-ليبدأ الجيش في الزحف منذ الصباح الباكر .

-الجيش بحاجة لرفع معنوياته أولاً .. الإغتيالات هزّته تماماً , خاصة أننا لم نتمكن من القبض على الذين قاموا بهذه الإغتيالات ..

-ماذا سأفعل للجيش أكثر من سجنَّي لملك العيون , الذي قصّر في أداء واجبه في حماية المملكة من المدسوسِّين , وفشلِّه في قيادة عيونه , والقبض على المدسوسِّين , ماذا أفعل للجيش أكثر من ذلك ؟!..

-لنتريث حتى ينقضِّي موسم الحصاد , ومجيء القوافل ..

-لقد أعلنت الكندّاكة الحرب ولن تتريث .

-أعلم أنها قوِّيَّة بما يكفي , لكنها ليست أقوى منا .. ويجب ألا نغامر ..

نظر اليه آري برِّيبة :

-مع من أنت ؟ معي أم مع الكندّاكة ؟!..

تراجع قائد الجيش وهو يهزُّ راسه في دهشة :

-سأُنفذ ما أمرتني به آري .

أوقفه بولدِّين قبل أن يمضِّي :

-كانت ساورا أعظم كثيراً من الحلفاء , وأنا من قضّى عليها ..الزحف صباحاً..

كرّر آري عبارته الآخيرة .

وقتها كان فوك والنّمرود., ينهيان آخر تدريبات الجيش الضخم, الذي أبقياه على أهبة الاستعداد , على حدود المملكة ..(*)

 

 

قصة لا وطن في الحنين الجزء التاسع

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.


Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
DMCA.com Protection Status
Reel-Story © 2020 | Established in 2019 Privacy Policy I Terms & Conditions I Site map I Contact