/* */
التخطي إلى شريط الأدوات

قصة لا وطن في الحنين

To report this post you need to login first.
5
(1)

 605 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

لا وطن في الحنين…

 

إذا كان تاريخ شعوب البلاد الكبيرة هو تاريخ جلابي ود عربي.. فان تاريخ جلابي ود عربي: آلاف السنين ..

مدخل:

اقتربت العربة النقل الكبيرة مني بسرعة أكثر فأكثر .. كأنني أسمعها تصرخ وهي تهاجمني :”سأدهسك .. سأدهسك يا علي .. سأدهسك ..” . كانت سرعتها تجاهي مدهشة , وأنا مسمّر على الأرض من فرط الخوف , لا أقوى على رفع قدمي , لأركض وأنجو بنفسي  , كانت أطرافي قد تثلجت , وقلبي قد توقف عن النبض , والعربة تقترب أكثر فأكثر .. وفي اللحظة التي صدمتني فيها , وأصبحت تحت عجلاتها , صحوت من نومي مفزوعا ..

تلفت حولي في الغرفة المظلمة . نهضت . أضأت النور . مضيت الى المطبخ . فتحت الثلاجة  وأخرجت زجاجة مياه معدنية . بللت حلقي الجاف , وأخذت أجول ببصري بين علب البيرة ” هانكن” و” وستيلا” والزبيبة والبراندي (خمور مصرية رديئة الصنع) , في الصالة , التي لا تزال بقايا دخان السجاير عالقة  في أرجائها كأنها دخنت للتو ..

يا لهذا الكابوس المرعب الغريب . أكاد أجن , فهذه الأحلام التي تلاحقني كلما نمت ,تجعلني لا أقوى على التمييز بينها, وبين الواقع الفعلي الذي أعيشه . ما عدت أعرف هل أنا هو أنا حقا أم أنا صدى لذكرى بعيدة , ربما تتمثل في مملكة ساورا البائدة , أو مملكة الجوار أو الحلفاء أو مملكة الجبل والوادي , أو جلابي ود عربي هذه البلدة التي عشت فيها عددا من اللحظات , التي تبدو لي الآن لا متناهية .. هل أنا صدى لذكرى تتمثل في هذه الأماكن السحيقة أو القريبة فحسب أم لي وجود فعلي , هو هذا الوجود الراهن الذي صحى من الحلم مفزوعا وأضاء النور وفتح الثلاجة وجال ببصره في أنحاء الشقة و..

بالأمس حلمت بأنني في ساورا البائدة , أتنقل كروح هائمة بين مشاعر وأحاسيس شعب الوادي لمئات السنوات .. قطعت معهم كل هذه المسيرة الطويلة , حتى لحظة المبارزة بين ملكتهم “اياباسي” : الأخت القوية كيرا وسولونق الفتى الشجاع من عامة الشعب(والذي قاد  ثورة استرداد دالي لملكه كما تزعم المخطوطة السرية)  .. كان قلبي يخفق بشدة  كلما تلقى سولونق بسيفه ضربة من ضربات سيف الكيرا ..

قبلها كنت قد حلمت أنني في جلابي ود عربي, تلك البلدة التي رأيتها آخر مرة قبل أكثر من عقد من الزمان , أجوب حواريها وزقاقاتها , متسللا حكاياها وأخبارها , وعندما صحوت وجدت الحلم قد رمى بي مرة أخرى  الى خاطر شعب الوادي !.. وهكذا بين خاطر شعب الوادي وجلابي ود عربي, ظللت أراوح محاولا الأفلات الى اللحظة الراهنة, التي أشك فيها هي الأخرى ,أن تكون تمثيلا لوجودي الحقيقي في الزمن والمكان .

حدقت من نافذة الصالة أحاول أن أخترق بنظري ضباب الفجر , الذي يحيط بالأهرامات التي تبدو بعيدة من هنا , رددت بصري أحاول الوصول الى نهاية شارع الهرّم , وحاولت مقاومة النعاس, الذي لا يزال متواطئا مع خمر البارحة, التي لا تزال تسري., في رأسي وعروقي . نمت أمام النافذة واقفا. وجدت نفسي أعود الى “مملكة ساورا”  التي كانت في هذا المكان نفسه, الذي نهضت فيه بلدة “جلابي ود عربي ” بعد عشرات المئات من السنين ( وربما آلآف) .. رأيتني جزء من ذاكرة ” سورنق ” أبن كاهن ” ساورا ” الراعي العجوز “دورة ” لم أعد أشعر بذات الرعب الذي كان يحدث معي , في البدايات , عندما أخذت هذه الاحلام تنطلق بي لتجوب بي التاريخ والأماكن , مختزلة الزمن والجغرافيا .

عندما أفقت من اغمائي وجدت نفسي في حاضرة البلاد الكبيرة , مطاردا من قبل أجهزة أمن أبو لكيلك الجنجويدي ( لا أذكر أنها أعتقلتني , لكن لا أستطيع أن أنسى أنه أغمى علي أثناء التعذيب ) وعندما أفقت من أغمائي , وجدت نفسي في المدينة الريفية (وآثار التعذيب على جسدي ووجهي) سألتني سارة شقيقة صديقي القديم حسن : – يبدو أنك تعرضت للضرب ! مع من تعاركت ؟ وأين أختفيت كل هذه الأيام ؟..

-كنت معتقلا ..

أرتفع حاجباها في دهشة . ساد الصمت بيننا لفترة , ثم خرج صوتها على نحو مباغت , مهيمنا على فضاء المكان .. هكذا دون سابق انزار أخذت تحكي لي عن جلابي ود عربي وناسها .

خرجت سارة قبل منتصف الليل . أوصلتها قريبا من منزلها . عدت الى البيت الذي نشأت فيه . كنت منهكا , وما أن أسلمت نفسي للنوم حتى وجدتني في القاهرة !! بصحبة الميرم كلتوم !! .. أكاد أجن .. !!…

لا أعرف هل هذه أحلام , أم هي واقع حقيقي أعيشه , عبر ظاهرة خارقة تختزل جسمي وتختزل الزمن والمكان , فتستعيد فىّ كل تلك العوالم المفقودة ؟!..

المفقودة ؟؟!!.. لا أدري أيها هو المفقود , والى اي عالم من هذه العوالم أنتمي حقا !..

هل أنتمي الى المدينة الريفية وجلابي في واقع الأمر , حيث تلك هي اللحظة الحاضرة لحياتي الفعلية , وما عدا ذلك هو محض أحلام , أثارتها وغذتها الوقائع والأحداث التي قرأتها في ” المخطوطة السرية ” ؟! أم ان العكس صحيح : بمعنى أنني جزء من المخطوطة السرية , كواحد من موضوعاتها التي تناولتها !!..

ربما يكون ذلك استنتاجا متسرعا , اذ يبدو لي (ليس بصورة قطعية ) أن لحظتي الحاضرة الفعلية , التي اعيشها هي في ساورا , وأنني باعتباري ” سورنق : سيد الأرض أو دالي ابن آري  ” , أحلم بأن في هذه الرقعة من الأرض ستنشأ ذات يوم بلدة أسمها “جلابي ود عربي ”  . وأن شابا اسمه علي (أي أنا ) يسكن المدينة الريفية , سيتردد عليها كثيرا , ليحل محل والده أثناء غيابه في متجره الصغير, الذي أنشأه بهذه البلدة “جلابي” , وربما يتعرض للاعتقال في حاضرة البلاد الكبيرة , فيهرب الى مصر ويسكن في الجيزة , في شارع الهرّم تحديدا . ويلتقي هناك الميرم كلتوم , التي أختفت من المدينة الريفية, عندما كان هو صبيا بعد , دون سن المراهقة..

لا أدري الآن اي شيء هو الحقيقي , وأي شيء هو الوهم .. أو الظلال لهذا الحقيقي , او تمثلاته (الحقيقي) البعيدة .. كل ما ادركه الآن هو أنني يجب الا أنام, حتى لا أحلم وأجد نفسي فعلا في مكان آخر عندما أصحو (مثل كل مرة ) ..

(*)

كانت الحياة قد عادت الى طبيعتها ,في اللحظة التي تهشمت فيها طبيعتي . بعد أن دهستني عربة النقل الكبيرة , وساوتني مع أسفلت الشارع .. ففي هذه اللحظة القصيرة , التي تفصل بين الحياة والموت , مرّ على خاطري كل ذلك العالم المنسي ل(جلابي ودعربي) : تلك “الحلة أو الحي أو المدينة الريفية العجيبة , التي انهكت المؤرخين ,بما طرحته من أسئلة عجيبة ,حول جذور سلطتها , وممارسات ابو لكيلك الجنجويدي ومن سبقوه : كيف تمظهرت السلطة في البلاد الكبيرة  .. هكذا مغايرة لكل أشكال ممارسة السلطة ,في العالم الواسع .. لابد أن مظهرها البائس , يتعلق بمصدر انتاجها , وهكذا .. كنموذج بدأوا (المؤرخون وعلماء الآثار ) بدراسة جلابي ود عربي , في بناها الاجتماعية , وحكايا ناسها , التي تكشف عن شيء من ذاكرة اسلافهم المجهولين.. وبالنتيجة  تم اكتشاف : أن كل البلاد الكبيرة , نهضت على أساس نموذج جلابي ود عربي , أو جلابي ود دينكاوي , أو جلابي ود نوباوي ..الى آخره .. لكن ظلت هذه الاستنتاجات التي توصل اليها المؤرخون وعلماء الآثار , مجرد مخطوطة لم يكتب لها النشر ككتاب لوقت طويل , وعندما تمت طباعتها حدث ما حدث!!..

حول جلابي ود عربي صدرت كثير من الدراسات والمقالات والكتب ,التي حاولت الاجابة عن تاريخ جلابي ودعربي . ولكن كل ما كتب عن جلابي ود عربي , لم يكن محققا , كما أن فرضياته أنطلقت من أسئلة غير صحيحة .. هذه المقدمات الخاطئة ترتبت عليها نتائج خاطئة , ولذلك من دون كل ما كتب , وجدت المخطوطة السرية (التي لم يقرأها أحد) حظا وافرا من الشهرة , وذلك بسبب الاجابات الصحيحة التي توصلت اليها , بطرحها للاسئلة الصحيحة , تمثل جوهر المسألة حول تاريخ جلابي ود عربي , الذي نشأت فيه فكرة السلطة , وتشكلت في أنحاء البلاد الكبيرة ..

النظام الاداري الأهلي في جلابي ود عربي , كان من الأمور اللافتة للنظر .. كان هيكلا عجيبا , فيه تراتبية مدهشة , لم يجد له أهالي البلاد الكبيرة تفسيرا , فشكل حافزا لكل الاسئلة , التي لم يتمكنوا من الاجابة عليها الا بعد الكشف الأثري, على الرغم من طرد السلطات مبكرا للبعثة الأثرية الألمانية , واعلان (جلابي ودعربي) منطقة عسكرية : ممنوع الاقتراب والتصوير !! .. بالطبع لم يعرف أحد بعد ذلك ماذا يدور داخل هذه المنطقة المغلقة , الا أن بعض الشائعات زعمت : أن بن لادن , اشترى جلابي ود عربي , لأغراض علمية:(انتاج اسلحة بيولوجية ونووّية)!!..

وكانت قصة اعلان جلابي ود عربي كمنطقة أثرية في البدء , قد بدأت بعد الحريق الكبير الذي شب في جلابي واحرقها من بدايتها الى نهايتها , وأصبح الأهالي يقيمون في العراء .. فأكتشف أحدهم عن طريق الصدفة, بعض التماثيل والأواني أثناء حفره , لنصب أعمدة خشبية( لكوخ صغير , يقيم فيه بعد حريق منزله ), فاستوقفه ذلك .. ومضى يحفر فأكتشف انه في مدخل معبد .. وهنا تدخل موظفي تنظيم القرى ومعالجة السكن الاضطراري , فاشرعوا الباب واسعا لهيئة الآثار التي اكتشفت : ان المعبد الذي اكتشفه الرجل ,هو في أطراف مدينة بائدة  وعندما توغلوا في الحفريات , بمساعدة البعثة الالمانية فوجئوا بعالم أثري مبهر : كانت المدينة الأسطورية (ساورا) ” بشحمها ولحمها” تنهض أمام الجميع من قلب التاريخ المنسي , ومن أعماق الذاكرة الشعبية لجلابي ود عربي ..

على جدران هذه المدينة البائدة , اكتشف علماء الآثار, وشوم للقبائل التي سكنت ساورا , وتاريخ الممالك القديمة المتنازعة ,كما وجدوا نوعا غريبا من الورق, فشلت كل اجهزتهم المتقدمة في التعرف على نوعه او مكوناته , مكتوب عليه بما بدا واضحا انها حروف خاصة , ليست مطروحة للعامة من شعب (ساورا) , ويتم التعامل بها فقط في دوائر الكهنة ,حتى لا تتسرب اسرار علومهم , لكن كان واضحا أن حروف اللغة: مزيج من الحروف اللاتينية القديمة وحروف لغة الفور والنوبا , وعلى هذا الاساس جرت محاولات فك اسرار هذه اللغة ..

ذهلوا مما وجدوه : تاريخ للوقائع والأحداث التي شكلت مملكة ساورا , وأدت الى انهيارها , الأمر الذي طرح تساؤلات عدة عن علاقة ذلك بجلابي والمدينة الريفية .. وهل قادت الصدفة النازحين لانشاء جلابي , أم هو الحنين الغامض لمملكة أسلافهم .. ودودو أو بولدين(الجد الأكبر) لمملكة الجوار أو الحلفاء  هل هوأبو لكيلك الجنجويدي أو  حسان جداد بعد مئات السنين ؟.. ولاروي شقيقة دودو : أليس من الممكن أن تكون هي السرّة , والحلفاء وساورا ليسا أكثر من المدينة الريفية أو جلابي؟؟!…

هذا العالم القديم بمثابة المركز الذي تنعكس على مرآته ظلال جلابي وامتداداتها , مثلما أن الممالك المعاصرة لساورا(الحلفاء والجوار والجبل والوادي) مجرد صدى للصوت الأساس الذي تمثله ساورا (جلابي الآن)..

صفوّة الحواشي:

عندما صدرت (المخطوطة السرية لجلابي ودعربي) ,التي تمتعت من دون كل مناطق البلاد الكبيرة , بنوع من الحكم الذاتي , في المراحل المختلفة, لحكومات الاستعمار المحلي الجنجويدية المتعاقبة (منذ خروج الاستعمار الانجليزي ) ..أصيبت الأجهزة الرسمية في البلاد الكبيرة( على أتساعها ) بالهلع والخوف , فداهمت المطبعة التي طبعت المخطوطة , وأستولت على كل الكميات التي وجدتها , وأعتقلت أصحاب دور النشر , التي وصلتها المخطوطة , وقامت بمصادرة كل الكميات التي تسربت الى المكتبات .

.. أخذت أقلب الشذرات التي بعث بها اليّ صديقي حسن ,والتي قال أنها مجتزأت( منتزعة في عجلة ) من أصل المخطوطة , بعد أن تمت طباعتها ككتاب (زعم حسن أنه أستطاع التسلل الى مكتبة ود الخزين , زاعما أنه في طريقه الى المطبخ ,لاحضار المزيد من الويسكي .. وصف حسن عملية الانتزاع العشوائي لعدد من الصفحات , بأسطورية لصوصية يحسده عليها أرسين لوبين ) كان من الواضح أن هذه الشذرات غير متناسقة وعشوائية , لكنها (مع ذلك) تعطي فكرة ضئيلة عن موضوعها .. وقد تمنيت مرارا أن يحضر حسن وعبده الخال اليّ هنا .. في هذه البلاد البعيدة , فقد شكيا من سؤ احوالهما في البلاد الكبيرة , حيث تركتهما هناك متخذا قراري بالهجرة , ليصلا الى نفس القرار بعد عدة سنوات كما تقول رسائلهما .. لكن يبدو أنهما بعد لم يحسما هذا الخيار المؤجل ..

لو كتب لهما الحضور , وألتقينا ربما يكون بحوزتهما, الكثير والمثير عن تداعيات الامور حول مخطوطة جلابي ود عربي وتاريخها المجيد ..

ما أستوقفني في بعض الشذرات (التي بدا من الواضح أنها ترجمت من احدى لغات البلاد الكبيرة الميتة, المزيج من عدة لغات  (كما زعم حسن , دون أن يحدد هذه اللغة او المجموعة التي تتكلمها الآن ) هو انسيابيتها في الحكي (بالطبع هذا , بعد أن قمت بترتيب الشذرات على نحو منطقي تراءى لي – لكن في واقع الأمر أشك أن ذاك هو التسلسل الصحيح ) ..

كانت أخبار طباعة المخطوطة السرية قد تسربت (كما قال حسن) في اللحظات الآخيرة , بعد أن تمكنت المطبعة والناشر السري , من طباعة عدد كبير منها .

ولكن ما أن تسرب هذا الخبر , بطريقة ظلت غير معروفة حتى الآن , تحركت الأجهزة الأمنية بضراوة للسيطرة على تسرب المخطوطة . ورغم أنها حققت نجاحا كبيرا , الا أن بعض الشائعات ,أكدت تسرب سبعة نسخ لعدد من الشخصيات التاريخية في مجالات مختلفة . فاحد هذه الشخصيات هو عالم لغوي كبير , والذي ما أن وصلته المخطوطة , حتى سافر بها وأودعها في خزينة أحد البنوك الدولية (لندن) والاخر محام اسلامي شهير  صاحب تاريخ يساري تمكن من سرقة النسخة الوحيدة التي كانت قد وصلت (دار الوثائق القومية ) في ظروف بالغة السرية , عبر سلسلة معقدة من الوسطاء .

النسخة الثالثة والرابعة والخامسة , حصل عليها ثلاثة من قادة أحزاب تاريخية ( وفقا للشائعات المكتومة التي خرجت للعلن ) أما النسختين المتبقيتين , فلا أحد يدري أين أختفتا !..أو ما هو مصيرهما ؟!..

ردة الفعل العنيفة من قبل الأجهزة الرسمية تجاه المخطوطة , قسمت الرأي العام الى اتجاهات وتيارات متباينة , عبرت عنها المنشورات والبيانات ,التي قامت بتوزيعها الاحزاب السياسية (المحظورة), والاتحادات والنقابات والروابط والجمعيات الطلابية والاقليمية والأكاديمية (المحلولة) ,ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة والموالية ..

فبينما كانت اتجاهات الرأي العام: وفقا لمؤسسات المجتمع المدني , تستنكر ما أسمته : السلوك الهمجي للأجهزة الأمنية , ومصادرتها حرية النشر

وقفت القوى السياسية المتوالية في ندواتها ,التي أقامتها تحت رعاية واشراف وزارة الداخلية , موقفا معضدا لما أتخذته الأجهزة الرسمية , من اجراءات (في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ أمتنا..) بينما القوى السياسية( المنحلة وفقا للتعبير الرسمي لحكومة أبو لكيلك),أشارت في بياناتها التي غلب عليها طابع الانشاء, والخيال الرومانسي والاحتفاء باللغة (بكرة التجمع جاي + زي غضبة الهبباي… و .. سوف نخرج للشوارع + شاهرين هتافنا + ولسوف تلقانا الشوارع ب..) : القوى السياسية هذه قالت :أنها تدين وتستنكر تزييف الحقائق . ولم يفهم أحد ممن قرأو المنشورات :هل المعني بهذا التزييف المؤرخين والآثاريين , الذين قاموا بكتابة المخطوطة , أم السلوك الذي انتهجته الدولة ؟!..

كانت الاتحادات والنقابات (خاصة نقابة المزارعين خارج التخطيط واتحاد الرعاة ) أكثر شجاعة , اذ ادانو ما أطلقوا عليه( السلوك البدوي الاجرامي غير المتحضر) لحكومة الجمهورية الأولى , وطالبوا بحرية الزراعة والرعي والتعبير والتفكير واطلاق سراح المعتقلين . وتحدث البعض في الشارع العام عن قضاء عادل ومحاكمة حقيقية , الخ ..

لكن الطلاب العلمانيين في الجامعات والمعاهد العليا , مضوا الى خطوة ابعد من ذلك , اذ أتخذوا من قضية المخطوطة السرية, شعارا للمطالبة بمراجعة عقود النفط ,مع الشركات الأجنبية , والافراج عن المعلومات الخاصة بالنفط ,والثروات في باطن الأرض وظاهرها , وأطلاق سراح تاريخ الشعب (وقد بدت للمراقبين جميعهم, مسألة”أطلاق سراح تاريخ الشعب” من أكثر المطالب غموضا ) .

أتخذ الطلاب العلمانيون من قضية المخطوطة السرية, لجلابي ود عربي . شعارا للمطالبة بالحريات والحقوق الاساسية, واتسع سقف المطالب ليشمل كل الحقوق المدنية حتى أوضاع المثليين في الدولة الجنجويدية!!…

في أوج هذه البلبلة التي أعترت البلاد الكبيرة من أقصاها الى أدناها, أتصل عدد من مراكز الأبحاث think tanks والجامعات الأمريكية والأوروبية, بذلك العالم اللغوي الكبير , وقدموا له عرضا مغريا لشراء نسخته , التي كان قد أودعها الخزينة المنيعة في لندن , وكخيار ثان عرضوا عليه شراء صورة منها , اذا تعذر بيع الأصل ..

للأسف كان البروف عالم اللغة وقتها شبه الميت سريريا , اذ تعطلت وظائفه الحيوية , وفقد القدرة على النطق . ولم تمض سوى أيام معدودة على ذلك, حتى قضى نحبه مأسوفا عليه .

ما ألم بالبروف الكبير كان مريبا , الأمر الذي جعل الخيال الشعبي , واللاشعور السياسي يلتقيان في نقطة واحدة : مؤامرة من الأجهزة الأمنية , لأغتيال كل من يملك نسخة من المخطوطة السرية لجلابي ود عربي !!..

كما أن الأوامر التي صدرت الى مكاتب المعلومات والاستخبارات, في كل أنحاء المنطقة والعالم , تلخصت في عبارة واضحة : الحصول على المخطوطة أو صورة منها بأي ثمن !!..

فشهدت منطقو جلابي ود عربي تحركات محمومة, من قبل سياح خواجات وأفارقة وعرب , ترتب على ذلك ازدهارا كبيرا في الأقتصاد الناشيء( لكن القوي) لجلابي ود عربي . وكانت حتى ذلك الحين ردود الأفعال لا تزال في توال مستمر ..

اذ تخلى بعض أئمة المساجد وعلماء اللغة وأصول الدين عن وظائفهم , واتجهوا لأول مرة في حياتهم لدراسة التاريخ , فألفوا في غضون أسابيع قليلة, العديد من الكتب لدحض الوقائع والأحداث التي حملتها المخطوطة السرية , التي لم يقرأها أحد منهم أو من سواهم , وقد سجل أحد كتبهم الموسوم ب(الجام العوام عن الكلام في شأن جلابي ودعربي ومن والاها من أقزام) مبيعات مذهلة في أفغانستان والسعودية  والعراق والبوسنة , الأمر الذي لم يجد له احد من النقاد او المراقبين تفسيرا مقبولا ..

وازاء هذا التعدي المهني على علماء التاريخ, ترك المؤرخون عملهم , وأنسحبوا في صمت مريب , لم يستطع أحد أن يفسره لصالحهم أو ضدهم

أكد بعض خبثاء المدينة(في محاولة لتبرير انسحاب المؤرخين) انه رأى أكثر من مؤرخ, لديهم استثمارات صغيرة في قلب السوق العربي , فبعضهم يعمل في دكانه الخاص ببيع “التمباك”, وآخرين اتجهوا للمرطبات والوجبات السريعة ..

وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها عن المخطوطة السرية لجلابي ود عربي (قال حسن) لم أتمكن من العثور عليها لتحقيقها ..

كل ما وصل الى علمي من صديقي حسن أو سواه ,هو مجرد حواشي وبعض الشذرات , التي سأستعرضها لاحقا , على أمل أن أتمكن يوما من تحقيقها .. فما هي طبيعة هذه الحواشي والشذرات ؟!..

أنها تبدأ بوصف  جغرافي محض لساورا المملكة القديمة , ويتضح أن  هذا الوصف الجغرافي ينطبق على جغرافية جلابي ود عربي , ما يعني أن ساورا البائدة ,هي الموقع الجغرافي ذاته  لجلابي ود عربي   ..(*)

 

 

لا وطن في الحنين…2

 

(جلابي ود عربي) , الآن ليست هي “الحّلة” التي أنشأها الأسلاف النازحين ..

“جلابي” اصبحت الىن من أحياء الدرجة الأولى , التي تتمتع بكافة الخدمات . فمنذ الحريق الكبير الذي قضى على كل شيء في جلابي ودعربي , حدثت تحولات مدهشة : اذ أعيد انشاء المدينة من جديد , وبدلا عن أولئك الفقراء البؤساء , الذين كانت تعج بهم جلابي ودعربي , حل شعب كامل من المتأنقين في “جلاليبهم” البيضاء الناصعة , وبذلاتهم الزاهية ..

أصبحت جلابي ودعربي رسميا ” مدينة الفردوس الفاضلة” ..

وهذه المدنة رفيعة المستوى , أصبحت هي الحلم عسير المنال, لرجال الأعمال والسياسة والفنون والرياضيين والمهنيين الكبار, وصفوة المجتمع بصورة عامة ..

جميعهم يحلمون بالسكنى فيها .. السكنى في الفردوس الذي كان أسمه ذات يوم (جلابي ود عربي) ..

ثمة علامات فاصلة يؤرخ بها لجلابي ود عربي مثل : النزوح الآخير , اغاثة الأب رونالد ريغان وزوجته المصونة اميركا ( التي أنقذت أهالي جلابي ودعربي من الانقراض ) .. وحريق بيت أم التيمان , الى آخره من الأحداث الكبرى , التي مثلت فواصل أو مراحل انتقالية في حياة جلابي ود عربي ..

” شخصيات حميمة تخطر على ذاكرتي الآن ” قال صديقي حسن .. فأجبت :

– ماذا تعني , ومن تقصد؟!..

-سأجيب على أحد السؤالين .. أقصد أم التيمان , التي توهمت منذ مراهقتها الباكرة , عاشقا كقبض الريح . فظلت تستدعيه من نبض الحروف , في رسائله العاطفية القديمة اليها ..

أم التيمان أختفت في ظروف غامضة , أورثتني الندم , اذ لم أستجب لرفضها اقامة علاقة معي (في ذلك اليوم العجيب ) قرنت خروجها من حياتي , بمصير رغبتي في التحقق أو التراجع .. لكن لم أتراجع , فقبلت بشرطها .. فخرجت من حياتي ,كما خرجت سلمى خير الله التي لم أنجح في هزيمة تسلطها , ونجحت بعد فشل لازمني لوقت طويل.. قبل أن أتمكن من قمعها داخلي .

أطياف عديدة لأناس عرفتهم ذات يوم في لحظات انسانية مختلفة , تتراوح بين الضعف والقوّة , يمرون على الخاطر الآن , خارجين من قلب الذاكرة : تمضي ست البنات العشمانة .. تمضي ثريا .. يمضي أدروب .. حسان جداد حسان جد .. جداد : هذا رجل عجيب وغريب , كادت أن تفتك أفكاره المتطرفة بجلابي ود عربي . فبعد مجيئه من الأراضي المقدسة (يبدو أن العرافين الذين طردوه ذات يوم أعادوه مرة أخرى ) وتعبيرا عن ولاءه وتقديره لهذه العودة أخذ يقيم الندوات في مسجد جلابي , ولا يكتفي بخطبة الجمعة .. كان يتحدث عن فرقته الناجية , ويعمم أحكام التحريم , منكلا بتاركي الصلاة :

” نكاحهم باطل , ذبيحتهم ومؤاكلتهم حرام , لا يدخلون مكة, لا ميراث لهم أحياء أم أموات , لا يغسلون ويكفنون , ولا يصلى عليهم , ولا يدفنون مع المسلمين ..(يتنحنح)عباد الله , اتقوا الله .. أستغفروا الله ان كنتم مؤمنين .. أستووا يرحمكم اللّه” ..

هذا التصعيد العاطفي شديد التركيز لمنظومة الترغيب والترهيب , التي شهدها خطاب حسان جداد , أصاب أهالي جلابي ود عربي البسطاء بالزعر والقلق والتوتر , فأصبح مزاجهم عكرا وأخلاقهم ضيقة ! ينفجرون لأي سبب , وبدون سبب .. فالرجل أعتمد في تدمير معنوياتهم ,على الكلمات ذات الوقع الرمزي الثقيل في اللا وعي الجماعي ..

وهكذا بين ليلة وضحاها , وعلى نحو مباغت ,نصّب حسان جداد نفسه خليفة لله على الأرض , ووسيطا بين النّص المقدس وأهالي جلابي ودعربي المرّوعين ..

لم يترك جداد شاردو أو واردة, تمس حياة أهالي جلابي ود عربي ,الا وألتمس لها حكما تحريميا صارما , فتدخل بصورة مباشرة في حياتهم .. تفاصيلهم الدقيقة , التي يصعب التماس ربط لها في النّص الديني العمومي جدا !!.. قائلا بأهمية أغلاق باب الفتنة , معتمدا على  لغة الخطر الدائم , المحدق بأهالي جلابي ود عربي المغلوبين على أمرهم , وبمبالغاته الهزيانية أعتقد بعض البسطاء : أن جداد هو الناطق الرسمي باسم الله , و أنما النصوص التي يستشهد بها ,قد نزلت في حقهم وحدهم , وأختصت بها جلابي ود عربي, دونا عن سائر مخلوقات اللّه واراضي كونه الواسع !!..

ولولا أن ثلاثة من أهالي جلابي ود عربي , ربضوا له ذات ليلة غاب فيها البدر , وأبرحوه ضربا , لأصاب الرجل أهالي جلابي ود عربي بالجنون

خرجت الشائعات بأن الثلاثة الذين أبرحوا حسان جداد ضربا هم : كسبان الضّاوي وجمال الحلّة و عبد الرحمن العوير .. لكن لم يكن ثمّة ما يؤكد هذه الشائعات , رغم التحريات الواسعة, التي قامت بها الشرطة ..

الا أن” العلقة ” الساخنة التي تلقاها جداد في ذلك “الكمين” من قبل المجهولين الثلاثة (أقام أهالي جلابي ود عربي فيما بعد, نصبا تذكاريا لهؤلاء الثلاثة, اسموه بنصب: الجندي المجهول) جعلته شيئا فشيئا يخفف من ترويعاته للناس , وتدخلاته في حياتهم , خاصة أن الأهالي للثأر منه حاصروه بشائعات مذهلة , جنحت بعضها للزعم, بأن جداد أغتصب ثريا بنت السّرّة في اول مراهقتها . وكادت هذه الشائعة بالتحديد تصيب جداد بالجنون !!.. فقد أسودّ وجهه  وتهدل جفناه , وكان واضحا أن الرجل لم يغمض له جفن, منذ وقت أطول من الوقت, الذي قضّاه أهل الكهف وهم نيام !..

ويبدو أن هذه الشائعة المتقنة بالتحديد , هي التي نجحت في تحجيم نفوذ جداد, الى أقصى درجة ممكنة . فقد تقلص خطاب ارعابه للأهالي البسطاء في جلابي ود عربي , وأوقف حملاته الى أن تهدأ الاحوال .. لكن يبدو ان خطابه الأرهابي تمكن من بعض النفوس ( فحتى صديقي حسن كما علمت لاحقا انضم لفترة محدودة الى العرافين جماعة جداد) التي أستطاع توليف قلوبها بسخاء مريب !!..

أخبرتني سارة بعد مضي وقت طويل, من انضمام شقيقها حسن الى العرافين , أن حسن في ذلك الوقت تحول الى كائن مزعج , اذ أخذ يحلّل ويحرم كما يعن له , فحطم التلفزيون الملّوّن الذي أقتنوه بعد جهد جهيد وأحرق الملاءات الجديدة لأنها ملوّنة , وألحق بها الصّور الفوتغرافية , بدعوى أن كل ذلك حرام . الأمر الذي دفع والدته (حاجة بخيتة) الى طرده من البيت . وبعد مضي بعض الوقت أدرك حسن خطأه , فوّسط سارة لدى أمه, وأخوانه فسمحوا له بالاقامة الجبرية , ريثما يتأكدون أن اللّه رد له صوابه .. تذلل حسن وطلب السماح فسامحته أمه ” قلب الوالد شفوق!”.. عاد حسن لكن لم يعد لديهم تلفزيون او ملاءات ملونّة !!..

في ذلك اليوم الذي جاء فيه حسن طالبا السماح , فرح أشقاؤه وأحتفوا به باقامة بارتي party صغير, دعوا له الجيران والأحباب الذين كانوا يتسآلون :

– ما المناسبة ؟!..

-لقد عاد حسن ..

كانت فرحة الحي بعودة حسن لا تقابلها فرحة , احتفى به الجميع حتى أن خلاّنه من شلّة عبده الخال ,عزموه على كأس من عرقي الجوافة البكر , فشرب حسن في ذلك اليوم, كما لم يشرب من قبل , وغني ” سامحني” حتى الصّباح ..

كان عبده الخال أكثر افراد الشلّة سعادة , فهو صديق طفولة حسن وصباه وزميل دراسته , وشريك مغامراته العجيبة .. كما أنه من أكثر الذين تضرروا من تلك التحولات ” الجدادية” التي أعترت حياة حسن (قال له مازحا وهو يمد له كأس عرق الجوافة الثالث:

-البيباري الجداد بيوديهو الكوشة,

فضحك حسن دون أن يعلق ) اذ لم يعد يأكل معه في صحن واحد , بدعوى أن مؤاكلته حرام !!.. الأمر الذي أضطر عبدة الخال الى طرده في نهاية الامر, وتحذيره من زيارته مرة أخرى ..

الحاشية الثانية :

المجتزأ الثاني من المخطوطة السرية :

بسم اللّه الرحمن الرحيم – ربنا آتنا في الدنيا حسنة , تباركت ربنا خالق النّور ومبدأ الوجود أرزقنا سوق لقياك والصعود الى جناب كبرياك , وأجعل ذواتنا من الطاهرات الكاملات , فالفارقات العابدات . اليك أنك ولي الأبد وصاحب الطول العظيم . أما بعد هذا هو خبر ما جرى في جلابي ود نوبة , منذ نشأتها الاولى , الى أن أخذها السيل , ورّوعت أهاليها القرنتية . أعلم أن …(ممزق) ..

ما قالته الميرم كلتوم لسلمى خير اللّه , عندما جاءتها لتفتح لها الكتاب , لم يختلف كثيرا عما قاله لها أبكر المعراقي بعد ذلك بوقت طويل . قالت لها الميرم :” : (ستخرجين من عتمتك الى اشراق , يملؤك بالنور . فلا ترين سوى دربا اخضر , وجدر تسلقتها نباتات الخريف, وبين بين نهرين من اللبن والخمر , على ضفافيهما تنهض أشجار المانجو , التى تغرد بين تلافيفها الطيور الملونه , وتجلس تحتها الطواويس والغزلان ..

ستخرجين من عتمتك الى بوح ندى , يخاطبك الناس بالشعر , فتتكلمين بلغة العصافير , وتدركين أول الانبياء(دالي)وتخرجين من كتابه كما خرج علي .. تحكى له عن طيّ الزمن , والمسافات , والوجوه المغبرة , وعكرة خلفتها وراءك . فيبادلك الحكمة , ويبتسم ثم يسجد وتنتظرينه وتنتظرينه , لكنه لا يرفع عن السجود, اذ يغادر الي الاشراق..)

خرجت سلمى خير الله  من الغرفة المعتمة , دون ان تعيرالصّبي الصغير , المتكىء على مواربة الباب , التفاته . مضت فى الدرب الملتوى , تتجنب المستنقعات والبرك الصغيرة , فى الزقاق المظلم . وتخشى ان تهاجمها كلاب الحي على حين غرة  ..

وهى تخلع ثيابها حائلة اللون , لترتدى قميص نومها الداكن الخشن  (وقتها كانت سلمى تخطط للأغتراب بعد أن  خلفّت وفاة والدها المبكرة أوضاع بالغة السؤ)  .. عندما دخلت   سألتها أمها بلامبالاة :

– أين تأخرت كل هذا الوقت ؟!..

فأجابت باقتضاب وهى تستلقى على سريرها :

– أخذتنى سارّة الى العرّافة ..

كانت صديقتها الوحيدة سارّة  , قد ألحت عليها , بالذهاب معها الى الميرم كلتوم  العرّافة , ذات المهارات المتعددة __ ( فهى تخط الودع , تقرا الكّف , تضرب الرّمل وتفتح الكتاب .. بعد أن تضع أعواد البخور , على المباخر العديدة المنتشرة فى الغرفة الضيقة , الصغيرة , بضؤها الكابى , الموّحى .. ليتصاعد الدّخان السحرى , محيلا الرؤية الى ضبابية , متقشعة . مسربا الخدّر , والاحساس بالوجع اللذيذ . الخفى . فى كل شىء ..حتى قطع الأثاث العتيقّة ..

كانت سارّة  دهشة للسؤال الذى يطرحه حال سلمى  , فهجسّت بالاجابة عن هذا السؤال . باحضارها الى الميرم كلتوم , ولية الله الصالحة  , التى ولدت مختونه(كما أشاع عنها عبد الرّحمن العوير عند رحيله الى جلابي) , وعزفت عن طلب الرّجال( كما يحكي التاريخ القرّيب لجلابي ود عرّبي والمدينة الريفية ).. , ماء شبابها  يتجدد كل يوم(كأنه لا يغيض ) فهي نضرّة لا يغشاها غضّن ,أو يخطّ عليها شيب .. وعندما حدثت سارّة الميرم كلتّوم عن سلمى خير الله  . تبسمت الميرم  عن اسنانها النّاصعة , المكتملة , ولم تنبث ببنت شفة …)__ فى البدء رفضت سلمى  الذهاب , ثم لانّت . كأن قوة خفية نهضت فجأة , لتدفعها دفعا .. وعندما خرجت من غرفة الميرّم  , كانت سارّة  قد أختفت من الصالة , حيث تركتها قبل أن تدخل على الميرّم  , التى مضت بها فى دروب ذلك العالم البرزخى , تدفعها دفعا لقطع وهاده وسباسبه , الى أن توقفت عند شجرة ( اللأ لوب) فى المنتهى .. فتركت سلمى  تسير وحدها , كطيف سابح فى بحر من النور الكّلي ..

لم تبحث خديجة عن مريم , وغادرت بيت الميرّم فى عجلة , وهى تتعثر فى قطع الأثاث بطريقها . دون أن تشعر بها . الى أن لفحها تيار هواء بارد , فادركت أنها بمنتصف الزّقاق المفضّي الى الشارع الرئيسي ..

كانت سلمى منذ طفولتها كغزالة نافرّة . فعندما تبدأ الفتيات فى لعبة ( الحجلّة أو عريس وعروسة , الخ ..) تقصى نفسها ك ( وزينه ) على ضفاف بحيرة شاسعة . لا تريد التوغل .. تتركهم يمرحون وحدهم . وتراقبهم وهى تنشد :

( الزّارعينا فى كبد البوصة .. نّي , نّي .. مونجيض +

الطير كلّي البرسوسه…

الزّارعينا فى كبد الغابة .. نّي , نّي .. مونجيض +

الطير كلّي الورّتابه .. )

وظلت هذه الأنشودة , تعزّية وحدتها . منذ ذلك الوقت . وكانت حين ترغب فى فصل نفسها عن العالم الذي أخذ يتهشم حولها بعد أن فضحهم حسّان شقيقها الكبير في الحي ونكّس رؤوسهم  , تتوغل متسحبه الى داخلها وتدخل فى حالة لا شعورية , وتبدأ فى ترديد أنشودتها المحببة , بصوت عميق , ملؤه الأسى واللّوعه . كأن طقسا بكامله , تؤديه جوقه من الرّهبان .. الى أن يخترق صوت سارّة كالمعتاد , فى كل مرّة عالمها الطقسي :

( الناس عرسو .. انا فى النميم يا يابّا … )

هكذا تشرخ سارّة عالمها فى كل مرة , فلا تملك سوّى أن تنظر اليها بمحبة , وتمسح حبات العرّق من وجهها , وتبتسم دون تعليق ..

تقول لها سارّة :

-جاني عريس.

-مبروك ..

-وأنت ؟..

-مالي أنا ؟!..

-يجب أن تتزوجي ..

-الا ترين كيف هو الحال في أسرتي , سأغترب ..

سنوات غربتها تمضى بخطى وئيدة , كتسحب الشمس شيئا فشيئا , قبل أن تغيب . وطفل سارة  الذى أرسلت لها صورته – فى السنة الأولى لولادته – يكبر . يصير صبيا , وسيما . تطل شقاوة أمه من عينيه . تبتسم سلمى  عند هذا الخاطر , وتدخل آخر الصّور -التى أرسلتها لها سارّة قبل شهر , للصّبي أليف الملامح , صّبوح الوجه – فى اطار مذّهب حذاء التسريحة ..

فى غربتها المترّفه تنفتح حياتها على بوح قديم , ظنّت أنها خلّفته وراءها .. بوح يطل برأسه من رّحم الماضي , بين آونة وأخرى .. يخزّ رغباتها الغامضة (التى ليست لديها فكرة واضحة عنها , فقط محض رغبة فى التلظى والتشظى ).. تخرج منها, الى صلوات سرّية طويلة , تختمها بتلك الأنشودة التى تحبها , دون أن يخترق صّوت سارّة  عالمها الطقوسى ويشرّخه …

تتفجر كوامن شجنها لوجه غامض , تعرفه ولا تعرفه . يجيء بملامحه المبهمة , من خلف ضبّاب المغيب , لحظة ما قبل الفجر الغامضة …

يصبح كيانها كله مشدودا كوتر كمان , عميق الجرّح والآهة , أسيان كنّدى فجر شاحب .. يخرج ابن سارّة من الصّورة , يعزف حتى تكّل يداه من العزف المنفرد , فيتوقف عن العزف , وتخرج سارّة , من سطور الخطاب .. تشد الوتر ( وجدان سلمى ) وتعزف نغما مألوفا , عن الشجن والترقب , فتهتف فيها بكل التحفز العميق :

-( انه هو ) !..

فتتوقف عن العزف .. تستند الى ساق النّخل , كالمنهارة . تدخل فيه .. تتلاشى !!.. وعبثا يطول انتظارها لخروج سارّة  .. (التي كانت قد أحتضنت ابنها , وغابت فى سطور الخطاب …

تعيد سلمى  الصّورة الى التسريحة , تلوكها الهواجس والظنون , فتحترّق بنيران الاسئلة , الى ان يأخذها النّوم , وتمضي بها الأحلام الى عالم مضيء .. تتلّفت حولها لترى مصدر الضؤ , وعبثا تبحث .. فاضاته من اللا مكان : لا شرق . لا غرب , لا شمال أو جنوب ..تتسلق حائطا أخضر . يبدو لها ناعما . وتسبح بعده فى نهر الخمر . تتشرب مسامها بالخدّر . وتتسع رؤاها ورؤيتها . , فتدرك الضّفة الاخرى منهكة .. وهى بين الصّحو والنّوم , تحط على كتفها يمامة , وتقترب غزالة , لتجلس اليها فى حنو . تحكي لها عن الذى وجدته ملقى على شاطىء البحر , وحيدا , ينضّح بالعذاب . فسقته من ثديها..

-كان ينضّح بالعذاب ! ..

تؤكد , فتقول اليمامة :

-العذاب غسول الصالحين ..

وتحلّق , تحلّق .. لتجد سلمى  نفسها بين منزلتين …

لطالما حلمت فى تلك النهارات البعيدة , بوجهه غجري الملامح . يأخذها من قلب حلقة ( الذّكر ) , ويمضى بها فى مسارات غائظة بالتوجس , مشحونّه بالمغامرة , بين احتمال موت جدير بحياتيهما , وحياة لا تدركها تلك الهواجس والظنّون , التى عانتها فى أسى والتياع , بانتظاره المضن !!!…

كطاقة بعث – كانت حياتها – تخرج من قلب دهاليز التاريخ وازقته وحواريه , فى مدنه المدفونه . وعندما ألتقت (علي) تصورته في البداية هو .. لكنها ما أن توغلّت في عالمه وأكتشفت علاقاته المعقّدة بأم التيمان وست البنات العشمانة وثريا وكل الحكّايا التي عرفتها عنه (ولم تلمّح له ابدا بأنها عرفتها ) .. أصيبت بانقباض خفّي.

لطالما حاولت التخلّص من علاقتها غير المسماة به, وكثيرا ما كانت تعزّي نفسها بمحاولة ايجاد المزيد من الاجابات لرفضها له . فتقول ” على كل حال علي يصغرني كثيرا ” .. ظلّت تقاوّم سطوته عليها, حتى اختفى من حياتها تماما, بعد أداءه الخدمة الوطنية ..

طاقة تتفجر هكذا , كبركان . تجتاح حممه كل شىء . لتدفعها دفعا لارتياد عوالم لا تدركها . فقط تحسها . وتكاد تتلمسها . بانأملها التى ترى ما لا يرى !!!.. ..

حاولت أن تغلق قلبها دونه , لكنه ينفتح على شبح وجهه , غامض الملامح . وجهه المحزون , بخزلان حوارييه , وخيانة حسن الصديق القريب(مع ثريا) .

وجهه المندفع من عالم سرمدي , بعيد , بعيد . لا تدركه الأبصار . .. فتهتز سلمى كنخلة , فى مهب الرّيح , يحاصرها “التساب” .فى غمرة الادراك لوجودها غير المدرك .. وتمضي فى رحاب عالم تصّله ولا تصّله . واذ تصّلّه لا تجده . وهو فيها . وهى فيه . يتماهيان . فلا يصبحان واحدا . بل صفرا . مركزا للواحد . . وواحدا على هامش الصفر .. ( تتوحد ) فيه , ليتلاشيا , معا . ولا يعود لهما وجود : ( صفر ) .. وخز شفيف وشقّي , يجبرها على طرد هذا الخاطر , وخز يتكون كدمل . يتحفز للانفتاح على نافذة مترّبة . بتعاقب الفصول . ..

لثمة خفية تنزعها من مكانها , تتلّفت حولها , وتستكين . خدّر , بلسم يهديء صّبوتها .. عذّابها الجرّح .. فتترقب وجهه أكثر , وجهه الغامض يلوّح من “شفق” المغيب , فجأة , كما صعد فجأة , تاركا صالبيه : حيارى , وهم مروعين مما شبه لهم , فى ذلك الفجر الذى ينذر بالمخاوف – .. يمضي بها , يقلق أحلامها , ويعزف على الكمان , أغنية الانتظار – للتى طال انتظارها.. الجرّح العذّاب – لمخّلصها من عذّابات الوصول (العذّاب .. العذّاب , غسول الصّالحين ..) .. تضج بأنين الشجن , وتأوهاته , ألم الغربه , القاحلة وأحتراقاتها .. هذا الموت الذي يدّنو منها , ليقودها الى ( الفناء ) , مبددا تصّوراتها ..

ذاك الوّجه الغامض , الذى يتبدى عن أوتار الكمان , وتلافيف الشجن عصي البّوح .. يقلق وحدتها .. تتشظى به , فيمضي أكثر لوعه وألتياع , ويمضي ولا يجيء .. يغيب فى سرمديته …

وتحت وطء الانتظار تغوص , فى أرخبيل شائك . يدفعها الشوق . تعبره ملأى بالجرّوح المتقيحة , تتمدد تحت نبات( اليقطين ) .. تتشكّل معهما ( هوّية واحدة ) : – محض نّور .. فيطّل وجه المدينة الريفية, وجلابي ود عربي خارجة لتوها من قلب التاريخ .. تطّل الوجوه التي عرفتها ولم تعرفها أبدا , يطّل وجه أم التيمان ذلك اليوم, وقد قررت أن تغادر جلابي ود عربي الى الأبد .. دون أن تفصح عن السبب “كرهت هذا المكان” .. يطل وجه (علي – آري – سورنق – دالي) وذلك الشعور بالذنب في عينيه, كلما جاءت سيرة أم التيمان(أو لنقي , أو سابا سليلة الجنيات ) بينهما عرضا ..

اطل وجه الميرم  , كانت منتصبة . تتقدم تجاه سلمى ببطء , تعبر اليها من مكان بلا ملامح , حيث تقف فى الغياب .. تبدل وجه العرافة , حل محله وجه ابن سارّة شابا فتيا , متلفعا ببردة الكتّان , الناصعة ذاتها .. تقدم منها فاتحا ذراعيه .. لحظتها كانت احلامها ( هى سارة) قد غلب عليها الغموض و الألق ..

كان قد أقترب منها .. أستحالا الى لا شيء . تبددا فى الضؤ , الذي يغمر أسقف البيوت الواطئة , الشجر , أوكار الطّيور , جحور القوارض , حظائر الحيوانات الأليفة , ووجوه المارّة .. عابري السبيل …

تتلاشى ذكرياتها القديمة , لتتشكّل اللاذكريات . يتلاشى الحنين الى الحنين . ذكريات الطفولة , شارع البيت , اشجار الحوش الكبير , قهوة منتصف النهار , الطرّيق الى محطة المواصلات وعاصمة بلادها الملبدة بالحذّر .. حنينها لأسرتها , لعالمها ذاك .. النّاس والأشياء .. يتلاشى كل شيء .. يتشكّل فقط وجه الحبيب , فى بردته الكتّان , الناصعه . يقترب شيئا فشيئا الى سطح عالم الحنين المنهار .. ليحل مركزا لوجودها وكيانها وحسّها .. يلعبان اللعبة ذاتها : يكر فتفر . تفر فيكر .. ويدهمها ليلا ليخطف منامها , ويقطف ورّدة جرّحها , ليغذي الحنين من بوح تلك اللحظات الغامضة , التى ربما عاشاها أو لم يعيشاها معا أو عاشتها سلمى لوحدها !.. فقط تشعر سلمى بسارة  , تتقمصها , وابنها يحتضنها حتى تئن ضلوع سلمى .ويغلبها التمزّق والارهاق , فتغرّق فى النّوم …

أحلامهما ( هى وسارّة ) غلّب عليها الغموض والتوجع , المستمد من أعماق غربتهما , ركاميهما , البلى الذي حاصرهما , وكل التخثر الذي حاولتا تمزيق أغشيته , للافلات من تبدد الزّمن والمكان , والشروع فى الحلّم …

تكلم معها (علي) كثيرا عن سارة :

-يجب أن تتكلمي معها , فقد أصبحت سيرتها على كل لسان .. الشباب يستغلون كونها مطلقة..

-لا أستطيع …

-لماذا.. أنت صديقتها ؟!..

-وأنت كذلك ..

-غير ممكن. وأنت تعلمين ذلك جيدا ..

-هل تشتهيها مثلهم ؟.

-انها بالنسبة لي : أخت .. أخت صديقي حسن .

فتهز رأسها وتزّم شفتيها , تنهي الحوار دون أن يلوح في عينيها أنها اقتنعت بشيء من كلامه ..

عندما عاد شقيقها حسّان من الأراضي المقدسة ,عمل على تغيير موقع الجامع في جلابي ود عربي وبناه بتصميم مختلف دون مئذنة أو قبة . في هذا الوقت كانت ثمة ظاهرة لم تألفها جلابي ود عربي من قبل قد بدأت بالبروز , هي ظاهرة ” الرباطيّة” (الذين يقطعون الطريق على النّاس) ليلا في الخلاء الواسع الذي يفصل بين جلابي ود عرّبي والمدينة الريفية , فيجردون هؤلاء (المارّة من والى جلابي) تحت تهديد السلاح الأبيض أو النّاري من نقودهم القليلة !!..وهكذا أصبح الخروج او الدخول الى جلابي ليلا من الأمور التي تحتاج للتسلّح بالشجاعة والهراوات الغليظة, أو الاسلحة البيضاء أو النارية ..

ولأن جلابي ود عربي لم تدخلها شبكة المواسير بعد (لأنها خارج التخطيط) كان الناس يلجأون لشراء المياه من عربات الكارو البرّميل , وبعد أن تمكن حسّان جداد من حفر بئر داخل صّحن المسجد , حدث انفراج في أزمة المياه الى حد معقول .. فاحيانا لا تزور عربات الكارو البرميل “حلّة” جلابي ود عربي , لأعطال تصيب البوابير التي تعمل بالجاز عند الشاطيء لضّخ مياه النيل في براميل الكارو , فيلجأ أهالي جلابي ود عربي في مثل هذه الحالات الى بئر المسجد , محتملين التوترات التي يصيبهم بها جداد ,في سبيل ” باغة” أو “جردل” من مياه البئر (وتعبيرا عن رفض ست البنات العشمانّة لابتزازات حسّان جداد لهم في مثل هذه الحالات, كانت قدأوقفت هي وجاراتها, ثلاث عربات  من الكارّو البرّميل  وقالت لأصحابها, أن امام المسجد يقول لهم أن يفرغوا المياه في بيوت زوجاته (ست البنات وجاراتها) وعندما ذهب أصحاب الكارو الى جداد,يتقاضونه ثمن المياه كان الرجل دهشا . فنفى لهم أنه أمر بشيء من هذا القبيل , وأنكرت ست البنات وجاراتها:

-نحن لم نفعل ذلك .. ربما تكون تعني نساء آخريات ..

وفي الحقيقة أن أصحاب عربات الكارّو, لم يركزوا في الوّجوه ,ولم يستطيعوا لذلك الاصّرار على مطالبة ست البنات وجاراتها(فأهالي جلابي كلهم يتشابهون) وربما يكونون قد أفرغوا مياههم في بيوت أخرى .. ولادراك جداد أن  ثمة اشاعات قادمة ينذّر بها الجو ( فقد تكوّنت للرّجل خبرة كافية بأهل جلابي )أضطر أن يدفع ثمن المياه لأصحاب الكارّو البرّميل , قاطعا الطّريق على أي محاولة لنسج حكايات وروايات من هذا الحدث العرضي . الذي أدرك منذ البداية أنه ” من عمايل ست البنات”) ..

حاول أهالي جلاّبي ود عرّبي عن طريق العون الذاتي , أن يحفروا لأنفسهم بئرا أو بئرين , وبعد اختبارهم لعدة مواقع, اكتشفوا أن الموقع الوحيد, الذي يحتوي على أحتياطي جوفي , هو ذلك الذي نقل اليه حسّان جداد الجامع , فأنطلقت الشائعات أن : جداد كان يعرف سلفا أن المكان الوحيد, الذي به احتياطي جوفي هو هذا الموقع , الذّي شيّد عليه المسجد ..ولذلك نقل المسجد الى هذا الموقع عن عمد دون استشارة أحد !..

في هذه الفترة كانت حكومة ابو لكيلك الجنجويدي , قد أصدرت فرمانا بأن تدفع المساجد فواتير المياه والكهرباء وعوائد الأرض الى آخره من نظام المكوّس و الجبايات  والرّيع (الذي أشتهرت به حكومة الجنجويدي) أسوة بكل العقارات في البلاد الكبيرة . .

أصاب هذا الفرمان عددا مقدرا من مواطني البلاد الكبيرة( وجداد شخصيا) بصدمة كبيرة .ولكن جلابي لم تأبه للأمر كثيرا , فجلابي ود عربي لم تدخلها المياه او الكهرباء الحكومية , لحظة صدور هذا الفرمان , كما أنها خارج التخطيط, بالتالي ليست عليها عوائد على الأرض .. كما ان أعمال مواطنيها خارج دائرة المظلة الاقتصادية . زبدة القول أن جلابي كأنها ليست جزء من جغرافيا وتاريخ البلاد الكبيرة .

ومع ذلك العلمانيون( بالتحديد) في جلاّبي ودعرّبي (كنوع من التضامن الانساني) مع أحياء المدينة الريفية داخل التخطيط تصدوا لما حمله هذا الفرمان , بالكتابة على الصّحف الحائطية, التي كانو يعلقونها في دكاكين وكناتين جلابي ود عربي , وأكدوا أن المساجد التي يرتادها عامة الشعب (ما أطلقوا عليه السواد الأعظم ) , يجب على الحكومة رعايتها .. لكن تلك التي تتبع للعرّافين أو أي من الجماعات الدينية , يجب أن تدفع الفواتير والضرائب (ينبغي أن تتحمل الفئات الناجية تبعاتها المالية كاملة ) ولا ينبغي أن يتحمل السوّاد الأعظم (الذي لن ينجو وسيمضي الى الجحيم قدما ) من عرقه عبء دفع الفواتير عنها .. فيخسر ماله بعد أن خسر آخرته (كما يزعم العرافين= من ليس معنا في حزّب الله فهو مع حزّب الشيطان) ..

أعتبر عدد من المراقبين المتنّورين أن خطاب العلمانيين في جلابي ,يعتبر فتحا مميزا في مجال الفتاوى التي تعني بالتراث وقضايا العصر . وعندما علم علمانيي جلابي بهذا التقرّيظ أعجبهم كثيرا رغم انه كان غامضا بالنسبة اليهم وغير مفهوم ..

وجد خطاب العلمانيين في جلابي قبولا منقطع النظير, في المدينة الريفية والأحياء المجاورّة . بل تطور الأمر الى أن نقلته” رويترز” وعنها نقلته وكالة الانباء الفرنسية و” صوت كولونيا ” والاذاعة السويسرية , وعدد من وكالات الانباء الدولية الأخرى .. وتعاطفت معه ردود فعل عالمية مقدرة , فقد تحركت على اثر ما أذاعته رويترز, منظمة الدفاع عن حقوق الحيوان الصحراوي, وجمعية الجاحظية الاقليمية , ورابطة ابن المقفع الدولية , واصدقاء الجراد , والعفو الدولية , والأزمات الدولية وحقوق الانسان وكهرباء بلا حدود , والرابطة العالمية للسكن العشوائي .. وقد أوردت اذاعة” سوا سوا” الموجهة في سياق نشرتها  حديثا مفخما ومفخخا , يعبر عن وجهات نظر لم تسمع بها جلابي, التي ليس لديها ناطق رسمي لديه كل هذه القدرة على التحليل , وكانت سوا سوا تستهل تحليلاتها الاخبارية عن ردود الفعل, حول وجهة نظر علماني جلابي ود عربي ب :” وقد قال العلمانيون في جلابي ود عربي ..” وفي واقع الامر ان علمانيي جلابي ود عربي (ان وجدوا) فهم ليسوا علمانيين بالمعنى الذي تحدثت عنه هذه الاذاعات , فهم أناس بسطاء من الممكن ان يقض مضجعهم أي خطاب عاطفي , والحكمة تأتيهم” طيف طايف” مع تهاوّيم “البنقو والحشيش” , أو تجليات “عرقي البلح البكر” .. هذا هو كل ما في الأمر ببساطة ..

وقتها كان أبكر المعراقي (الذي كان أسمه ذات يوم آدمو ) قد وفد حديثا الى جلابي ود عرّبي من مكان ما (كان حريصا على التخلص من شخصيته الحقيقية مستكينا للعزلة) ..

حياة أبكر المعراقي في شخصيته التي تخلص منها (شخصية آدمو القائد الثوري) قبل أن يلجأ الى جلابي ود عربي منتحلا شخصية أبكر المعراقي .. كانت غريبة لغير المقربين منه , وغامضة , في آن !. تنهض في قدرته على تسريب تلك المشاعر المتناقضة للاخرين : التوبة , القدر , الثورة, التراجيديا , القلق , الشغف و الموت .

وكلما أقتربت منه اكثر , أكتشفت أن هذه المشاعر المتناقضة , هي الاختصار لمعنى الحب والقضية ( الوطن ) عند آدمو !..

لطالما حاول ادمو السيطّرة على أبو لكيلك الجنجويدى , مدفوعا بهذه المشاعر المتناقضة . ولم يجن سوى المقاومة , التى كادت ان تودي بحياته , لأكثر من مرة . لولا نفوذه وتراجعه عن الاستمرار , فى محاولة التاثير على أبو لكيلك …

كان آدمو رجلا استثنائيا , لا تنقصه الشجاعه ويدرك أن أصعب شيء لمن كان مثله , الابتعاد عن الشّر , وظل أبو لكيلك هو التجسيد الحي لما يطلق عليه , آدمو ( شرا ) ..

حبيبته حليمة” الوّرتابة ” تكرر مرارا , بخفوت :

-نظراتك تخيفني لكأنها تثقبني , من اين جئت بهذه العيون ؟ !..

وكعادته عند تلقف يدها , لا يعلم ما هو أفضل شيء ممكن قوله لها الآن !..

لا يزال آدمو رغم مرور سنوات طويلة , يتذكر فى قيلولته المتكاسلة , كل ما مر بحياته . من مرارات واسى , والتياع . كأن كل شىء حدث البارحة فقط … وبين كل ذكرى وذكرى , يتوقف ليحاسب نفسه ( لو كنت صمت واغلقت فمي لما جرى الذى جرى , ولما تورطت في شخصية أبكر المعراقي . هذه الشخصية الكريهة الى نفسي..)

يتأوه آدمو فى وحدته , متكئا على بقايا من ذكريات, تشظت فى هجير السنوات العجاف ..

كثيرا ما يرى الحيرّة , تأكل عيني حليمة الواسعتين .. حيرّتها منذ أول لقاء لهما فى سني حياتهما الباكرة . حين أخترقا عالميهما , غائبين فى غلالة برزّخية تقاطع فيها الألم مع القسوّة والنيران التلظي , معلنان مواجدهما الوليدة للوادي . وأشجار القمبيل . وشجر القنا , و …

منذها بقدر ما اقتربا من بعضهما اذدادت المسافة بينهما اتساعا ..فقد أدرك آدمو أنها لا تنتمى الى عالمه .. ذلك الحس الاسطورى , الذى يهيمن عليه ويتغلغل فى روحه وجسده ! ..

ولكن ظل مخلصا لها .. وظلت وفية له .. كانت سعيدة بسيطرته عليها , وكان يفهم دخيلتها ..

ظل آدمو لسنوات طويلة يشعر بالحاجة للحب , فى كل ما هو حوله .لا يحتمل كلّس الحياة . يعانى آلامه وحده , دون ان تصدر عنه آهة واحدة ..

منذ ميلاده , ولدى دخوله الخلوى أخذ يفكر فى كوّن اللّغة .. اللّغة التى يحفظ بها سوّر الكتاب المقدس , ولغة قبيلته المختلفة عنها .. وفى هذين الكوّنين أخذ يتحرك, لاستكناه هذا السّر الذي يبدأ من هنا وهناك بين تلافيف الآيات , ومتوّن الأحاديث . وحواشي سيرّة النّبي العربي .. كان سؤالا جارحا يتغلغل داخله, لينفتق عن ضباب يفضي الى ضباب آخر !..

قدر خفى ذلك الذى قاد آدمو الى المدرسة الابتدائية , دونا عن أقرانه , فى القرية الصغيرة الرابضة على ضفّة الوادي . حذاء دغل القمبيل ..

وبين مرحلة واخرى كانت هويته تتمزّق لتلتئم وتلتئم لتتمزّق . هويته التى صاغها أبواه . وأهل قريته . بأسحارهم , وطقوسهم وطبيعة الوادى الناهض أسفل الجبّل .. كانت لغته الأم تبتعد , لتحل العربية , التى ألتهمها ذكاءه الحاد محيطا أسرارها , وأطماعها وهيمنتها على لغته الأم ..

تعرف آدمو على التاريخ الانسانى وهو يودع اخر مراحله الدراسية ..أدرك صراع الانسان فى محاولاته الدائمة للسيطرة على قوى الطبيعة .. ولم يستطع تفادي رؤية تاريخ قريته يتحول الى اشلاء بين معان تاريخ اوروبا , والعالم وبلاده الكبيرة , التى يشقها النيل كفلقتين لنّواة نصّفها متغضّن , كالعرجوّن القديم ..

المعارف المتناقضة والمتصادمة فتحت وعي آدمو , على أسئلته الحارقة .. تناهشته الأسئلة ففتح كيانه على مصراعيه , متوغلا فى عزلة عميقة , لم يخرّج منها الا وهو حاملا السلاح ضد أبو لكيلك الجنجويدى ..

قبل سنوات طويلة من اتخاذ آدمو لقرار الثورة المسلحة , دهمت حليمة غربته ووحدته القاسية ..

على شفة الوادى جلست , دون أن تستاذنه .. التفت اليها ووجهها يلتف بوجهه .. كان صفير الرّيح يتخلل الوادي الوادع , فغابت فى مسام الريح .. تبعها آدمو , مكتفيا بأن يجذبها الى مركز الريح , غارقين فى أنينها ولوعتها وهى تحتك “بقش القطاطى وصريف الحيشان” , المزروبة بعيدان الدّخن ..

كان آدمو يدرك أن حليمة تعلقت به منذ الصغر , لأنه المحسوس أمامها . تنظر لقصتهما معا , كقصة حب حالمة , وهما يتسللان خلسة من (خلوة الفكى ابراهيم شطة) , الى الدّغل فى ضفة الوادى , أو الغابة حيث( صندل الردوم , والدروت , اعلا قوز السمسم) ..

كان هدوء حليمة , يضفي على جنوحه , طابع المغامرة التى يحب , وبشعائرهما المقدسة , عند لقاءاتهما تنفتح بوابات السحر , ونوافذ الشجن الريفي, كأنشودات أثرية لم تكتشف ..غموض آدمو هو ما يدفع بقلق حليمه الى أقصى الحدود : عندما يغيب دون رسائل , عندما يعود دون ترقب .. تتمنى ألايسافر مرة اخرى أبدا .. هكذا ظلت حليمة تعاني توجداتها منذ سنوات دراسته الأولى فى المدينه, حتى لحظة دخوله في تلك العزلة البديعة التي خرج منها ثائرا يحمل السلاح , معلنا تمرده على أبو لكيلك الجنجويدي .. كثيرا ما كان حرص حليمة على لفت أنظار الآخرين يقلقه , ويفجر داخله كل كوامن التوتر الأزلي , لروحه الملتفة فى “دمور” أبيض يحاصره فى أحلامه النادرة !.. جمال حليمة , جاذبيتها وسحرها الذى يشبه تلك الاحساسات المتسرّبة من بوح آلهة المعابد الغابرة .. كل شيء يخص حليمة يدفعه اليها دفعا , وتتسع المسافة بينهما أيضا فى الآن نفسه ؟!..

بعد محاورات عديده,ووعد ومواعيد فاشلة ,في اطار من السّرية المتسربلة بسلسلة معقدة من الاتصالات والوسطاء. بعد كل هذه المحاولات نجح آدمو في لقاء مندوب (اليانكي)..

تحدّث آدمو عن آلام شعبه وأمجاد أسلافه وجهودهم الدبلوماسية ,قبل هيمنة (الجنجويد)علي البلاد الكبيره .. تحدّث عن البعد الانساني لقضيته وواجب الأسره الدولية . وكان مندوب (اليانكي) يبتسم في خبث ودهاء والكلمات الآخيرة لرئيسه لا تزال ترن في فضاء أذنه :

-تذكر أنك يانكي..

في تلك الظهيرة الغائظة التي ألتقي فيها آدمو اليانكي,كان مشحونا بانفعالات الأرض حليمه.. ومشاهد الرّفاق الذين سقطوا في غارات الجنجويد ,علي القرى والحلاّل…جاءت صورة أمه العجوز(خاطرّة) وهي تحترّق داخل قطيتها ,المحاصرة بالجنجويد,جاءته صورة أبيه (لأول مرة يراه يبكي ).. كان مقطّب الجبين,يتكلم بصمت,وفي عينيه تمتزج مشاعر شتى..

أدرك آدمو أن الجنجويدي أبو لكيلك أختطف حليمة للضغط عليه…التاع ,هاجّت دواخله .. كانت ذكريات الذين لطالما أحبهم بعمق, وترسخ وفاؤه لهم في وجدانه,تداهمه كألف عقرب تتصارع في زجاجة مغلقة؟!…

أنفض اجتماع آدمو باليانكي ,فتوجه الي أتباعه وحواريه.. ضغط علي مشاعره الذاتيه. تغلب علي ألمه والتياعه .. خطب فيهم عن حالهم ومآلهم,حتي سالت من عيونهم دموع الدّم,تبلل أرض المعسكر,المخفي بعناية,في قلب الجبال .ومضي آدمو ينظم صفوفه معلنا حربه الضاريه على الجنجويد وجيش ابو لكيلك الجنجويدي…ومع أشتداد المعارك,والهزائم المتوالية لجيش أبو لكيلك,انتشر الفزع ,في أوساط العالمين ببواطن الأمور,من صفوة سنار الجديدة             

بينما كانت العامة,تمضي بايقاعها ذاته ,لا تعرف شيئا عما يجري في الحدود البعيدة ,فأجهزة اعلام أبو لكيلك ,عتمّت علي غارات الجنجويد, وهزائم جيش أبو لكبلك ,وأكثرت من بث تلك الأغنيات ,التي تكرر(الجرّيف واللوبيا,التومات,زولي هوي,شقيش قولي مرّوح وأنت يا الابيض ضميرك) ولم تنس بث أغنيات( الجبجبه؟!).. دون أن تشير بين فواصلها للقتل الجماعي والأغتصاب وحرّق القرى,حيث غارات الجنجويد لم تبق ولم تزر..

كان الجميع يتساءلون كيف لآدمو الذي طالما شدا,بثوابت أبو لكيلك العجيبة,وتغنى بأمجاده,كآخر خلفاء النبي العراف ,ذو البدلة البيجية ,عالم القانون واللّغات ,وفتاوى النّكّاح الشرعي ,وحيض النساء النفساوات ..

كيف لآدمو هذا ,أن يشق عصا الطاعه علي سيده المهيب الركن,ويعلن الثورة علي سعادته,بكل هذا الجنون؟!..

وبالطبع سقط هذا السؤال في قصف الأنتينوف والهيليكوبترات والمدفعية الثقيلة,على الفلاحين والبسطاء ,الذين كانوا ينظرون لآدمو(المنقذ ,المخلص الذي سيملأ أرضهم عدلا ,بعد ان ملئت جورا ) بعيون ملؤها الأسى والالتياع ..

قال عباس ود الخزين:

-لا بد من القضاء علي قطاع الطرق,وزعيمهم آدمو ,المارق المرتد..

كان ود الخزّين لحظتها يؤكد.علي صدق النزّوع النفسي لأبولكيلك في شهوة القتل,وعشق الدّم والاستباحه.. ففي اليوم الذي سبق اليوم الذي أستولي فيه أبولكيلك علي السلطة ,في سنار الجديدة. كان قد أفتتح انقلابه علي الأمراء العنّج,بقتل عشرة من الفلاحين,وثلاث غنمايات وحمارّين ليتأكد من كفاءة بندقيته , فشدّ كبير العرّافين على كتفه بوّد , مستحسنا فعلته …

من دون كل المقربين منه , كانت علاقة أبو لكيلك بآدمو , مميزة ( من دون كل علاقاته بالعرافين الذين يملأون قصره ) على الرغم من احساسه الدائم , بأن التفاهم مع آدمو , من الأمور التي تصعب عليه , الا أنه وجد نفسه منجذبا اليه على الدوام .. ربما لأن آدمو لم يكن , يكترث للتفسيرات العقلانية , لسلوك أبو لكيلك , هذه التفسيرات التي , لوطرحها لوجد أبو لكيلك , حرجا شديدا فى تبرير وجوده واستمراريته …

أشد ما كان يزعج أبو لكيلك . هو خوفه الدائم , من شيء غامض لا يدري كنهه بالضبط . هذا الخوف الذي يطارده منذ الطفولة الباكرة , جعله لا يستطيع , احتمال العلاقات المستقرة بالآخرين , ووقف خلف تعذيبه فى الصّغر , للزواحف والعصافير , والتسلّي (عندما بلغ مرحلة الشباب) بقتل الكلاب والفئران والقطط ..

سبب أبو لكيلك , بسلوكه العدواني مع اقرانه لأسرته , توترا وقلقا عظيمين , وازعاجا لا حد له .

كان أبو لكيلك , على الرّغم من الخوف العظيم الذي يسكنه , يشعر بانه عظيم ونبيل , ولا احد يدري كيف تكوّن فى دخيلته مثل هذا الشعور الزائف .

ظلت علاقة أبو لكيلك بكل من حوله عاصفة , لا تفتأ بين كل آن وآخر , تقتلع أمامها كل ما هو جميل , يربط بينه والآخرين ..أخضع أبو لكيلك كل من حوله (الوحيد الذي لم يتمكن من اخضاعه , هو آدمو ) كثيرا ما كان يشعر , أن علاقته بآدمو أشبه باختبار القوة .. كان الهتاف باسم أبو لكيلك , والتصفيق له من أحب الأغنيات التي يشتهي سماعها فى كل لحظة .. لا يذكر أبو لكيلك فى حياته العامرة بالمعارك , أنه أحب فتاة قط .

كل الفتيات اللائي ربطته بهن علاقة عابرة , أسقطهن من حياته , بمجرد انتهاء رغبته فى الاستمرار , جميعهن كنّ جميلات , خاضعات . يتباهى بهنّ أمام أصدقائه , بفخر واعزّاز .. ولطالما حلم بنوع من الحب الاسطوري , كذاك الذي في ألف ليلة وليلة .ولا زال ينتظر مثل هذا الحب الكبير, على الرّغم من أنه يملأ وقت فراغه بالزّواج من الأرامل (زوجات قادته الذين أسقط طائراتهم في أحراش البلاد الكبيرة ) الغرّيب أن أبو لكيلك ليس هو رئيس البلاد فهو( مجرد) القائم بأعمال القصر , لكنّه من هذا الموقع أصبح عمليا الرّجل الأول في البلاد الكبيرة , فكل الأموال والأجهزة الحساسة مفاتيحها في يدّه .. ويبدو أنه عندما تآمر مع العرّافين ضد جداد كان ذلك لخشيتهم أن يمضي جداد في الأتجاه ذاته الذي سبقه اليه آدمو.

العلاقة بين أبو لكيلك وكبير العرّافين ظلّت غامضة حتى لحظة دخول اليانكي, فى مؤخرة طلائع مليشيات آدمو , فكبير العرّافين شخص من ذلك النّوع الذي تنسج حوله الحكايات التى يصعب تصديقها , فالى جانب أنه كائن فطر على التكاثر اللا جنسي( كما يطيب لوّد الخزّين التعبير ) كان مولعا بالابتسامات الشبقة التى يمنحها لأتباعه وحواريه بسخاء ..

فكبير العرّافين ظل طوال عمره فى حالة حب دائم , كعاشق ولهان , ومغرم بفتيات سنار . وما يشعنّه من عالم بهيج ..

عاشق لتلك الترّانيم التى يسمعها فى اللّيل فتملؤه حبورا , وتجعله يسير آلآف الفراسخ في طريق لم يمض فيه أحد من قبل . يتبع تلك الهواتف المضيئة (كما يزعم)التي تقوده من ظلمات الى اضاءة خافتة , فشعور بالخدر اللّذيذ .. حيث يشعر بالتحرر الكامل , كان يدرك أنه حصل على الحرّية بعد أن دفع ثمنها من عزلته لعشرات السنوات ..

على الرّغم من النجاح الباهر الذي حققته ثورة آدمو المسلحة , الا أن أبو لكيلك أستطاع تطويقها فيما بعد بطريقة ما (بتنفيذ مؤامرة داخلية ضد آدمو – اذ انقلب عليه بعض قادة ثورته , فوجد نفسه مضطرا للهرب ) أصبح آدمو بين مطرقة الثورة التي صنعها وسندان أبو لكيلك الجنجويدي , فلم يعد يثق بأحد أبدا , الى أن أنتقل الى الحياة الآخرة بطريقة غامضة ..

قالت التّاية زوجة أبو لكيلك لجارتها محاسن زوجة وزير الدفاع خلف الله الجنجويدي :

-أبو لكيلك مسكين وغلبّان , ما قادر يتفكك من سيطرة الزّول ده عليهو .. يقولو شمال يمشى شمال يقولو يمين يمشي يمين !؟.

سالت محاسن بتردد:

-دحين يعني ما عندو شخصية ؟!.

فرمقتها التاية بنظرة غاضبة , جعلتها تتراجع وتضيف :

-برّي يا أختى راجلك منّو الزّيو ..هيبة وسلطان  ..

وعندما أبتسمت التاية , هدأت اضطرابات محاسن وانفعالاتها التي كادت تشرخ الجدار . ووجدتها فرصة مناسبة , لتسر للتايه :

-كل ما يشاع عن انقسام العرّافين , ومناوأة أحد القسمين لأبو لكيلك محض اختراع لزّر الرّماد فى العيون , فكّل ما حدّث ويحدّث , هو من بنات أفكار كبير العرّافين , لغرّض لا يعلمه الا هو , بسرّه الباتع وأبو لكيلك شخصيا !..

فابتسمت التاية فى رضا , وهمست محاسن فى سرها : ( سجّم خشّم أمو ) !!…

وقتها كانت سنار , قد أفاقت من بوّح غفوتها الغامضة على تأوهات أبو لكيلك الجنجويدي التى أهتز لها القصر المتآكل , وفى الوّقت نفسه كان آدمو لا يزال يستعيد فى خاطره ذكريّات الصّبا والطفولة .

أفاق أبو لكيلك من الكابوس , الذي رأى فيه نفسه مخنوقا , ينظر الى رأسه وهو يتدلى من السقف . تحيط به أنشوطة طرّفها ثابت فى السقف . فتأوه تلك الآهات العميقة التى سمعها كل من في القصر من حاشية وأتباع .

من أعمق أعماق بوتقة سنار , تلفت أبو لكيلك في فرّاغ الغرّفة ذاتها . التي خرجت منها أخطر القرارات , لأكثر من عقد من الزمان, تلك القرارات التي قذفت بشعبه الى حالة من اليأس والبؤس الفرّيد , والقلّق والتّوتر العظيمين , وغيرّت من مصيره , باتجاه آخرأكثر غموضا , من آهاته الملتاعه .

عندما تولى أبو لكيلك زمام الأمور فى سنار الجديدة , كان مدفوعا من العرّافين , الذين أوهموه بأنه رجل ذو شأن عظيم فقدّر ثم قدّر , ورأى أن من الحكمة أن يفعل بشعبه كل ما يشير به العرّافين . وعندما حدّثه عبد الجوّاد ود الباهي, نقلا عن أحد العارفين بأسرار العرّافين , الذين أحكموا الحصّار حول أبو لكيلك , لم يصدّق عبد الجوّاد بل وأنتهره , فخرج الآخير غاضبا , ومضى أبو لكيلك الى كبير العرّافين يسرّب اليه شكوك ود الباهي ولم تمض سوى أيام قليلة , حتى مات ود الباهي او( قتل) وتكرًّرت حالات الموت فى ظرّوف غامضة , لكل من تشكّك فى عرّافين أبو لكيلك . وأصبحت منذَّها مقولات العرّافين من ثوابت أبو لكيلك التي يصرَّ عليها فى خطاباته الجماهيرية أكثر من العرَّافين أنفسهم , حتى شاع فى سنار الجديدة القوَّل فى سخرّية ( التركي ولا المتورّك ) كناية عن المأزق الوجودي لأبو لكيلك فى تبني أمور غريبة نيابة عن أصحاب هذه الأمور .

ظهر ذلك اليوّم ,الذي أفاق فيه أبولكيلك محاصرا بكوابيس اليقظة التي أخترقت أحلام سنار ,استعاد في ذاكرته عمليات السحق والتنكيل التي قام بها ضد الجمعيات السرّيه (التي كانت علنيه قبل توليه الحكم ,انقلابا علبها) حتي لم يبق لهم صدي.

كانت تقارير مخبريه مؤخرا,تؤكد أن زعماء الجمعيات السرية الهاربون ,شمتانون في أبو لكيلك وليس لديهم استعداد في اقاله عثرته ,وتطييب خاطره في محنته الكبري ..

ظهر ذلك اليوم هتف أبولكيلك (بعد اطلاعه علي آخر التقارير) بحاشيته التي كانت تتساءل باحساس ملؤه الزّعر والخوف والترقب….

سميّ ابولكيلك وصليّ ,وأستهل بثوابته المعتادة ,التي طالما حوّلت حنين أهل سنار الي أسي,وذكرّيات أسلافهم بكل الحكايّا القديمة الي حرب ضارية ,انتزعها أبولكيلك من قلب التأريخ ليزرعها في حاضر حاضرّة البلاد الكبيرة. فأستحالت تلك الثوابت الي كوابيس ,أقلقت مضاجع عمال “القصّب- الكتكو,والفحامّة” والفلاحين البسطاء في أقاصي البلاد ودوانيها, وأؤلئك الذين يعيشون على جنّي الثمار, ومطارده الأرانب ب “السفاريك”…

كان كل من في القصر, يتصبب عرّقا ,عندما ختّم أبولكيلك خطابه :

-من أراد العودة فليغتسل ,بماء البحر ومن أراد السلطة, فليحمل السلاح لقتالنا ..

عباس السنجك همس لود القرّاي :

-أبولكيلك ما ناوي يجيبها الّبر!!..

فهز الاخير رأسه

وصمت مطرقا بعيداً عن وجه آدمو ,الذي غضّنته الأوجاع التي صنّعها أبولكبلك وجنجويده في قومه …

كان آدمو قد أضمّر لحظتها في نفسه شيئا ,لم تكشّف عنه سوى وقائع الأحداث فيما بعد .اذ هرب في سرّيه تامه ,وبعد هروبه انتشرت البيانات والمنشورات السوداء, التي تحكي عن فساد عقل أبولكيلك, وجنونه و الفساد في حاشيته وأتباعه .

ورغم أن هذه المنشورات لم تحمل توقيعاً محدداً ,الا أن أصابع الاتهام في أجهزة أبولكيلك الاستخباريه أشارت كلّها لآدمو ..

وتناقلت حاضرّة البلاد الكبيرة, في سرّيه تامّه أحد البيانات ,التي لم يكتب عليها ولا حرف واحد ,فاماطة اللثّام عن علاقة كبير العرّافين الحميّمه باليانكي, وربائبهم من جوار البلاد الكبيرة ,الطامعين فيها ,لم تكن بالأمر الذي يحتاج الي بيان !…

لحظتها كان مفكري الدولة الجنجويدية, ومثقفوها ومبدعوها, قد أكملوا كتابة ملحمتهم الغامضّة, التي لم تحمل سوي عبارة واحدة, علي مدي عشرة ألف صفحة هي:(يالمصيرك تنجرح بالسلاح..) ولم يتبرّع أيّ من النقّاد المزعومين ,لشرح المحتوي المعرفي والدلالي للفظ(السلاح) التي وردت في الملحمة العظيمة لأهل الحاضرة ,رغم تساؤلاتهم المريرة..

ولأن أبولكيلك لا يهجسّه سؤال,اكتفي باستحسان الملحمّه, مداريا جهله بعيون الشّعر الحاضري العنيف ,لكنّه لم يتوانى في أن يعرض بعصاه, ويرقص.ما دفع أحد الخبثاء في الصفوف الأماميه أن يهمس:

-جّب,جّب..جّب…

وقال آخر:

-حتودينا في ستين داهية ..

وتصدى جبر الدار ود تور شين للمسأله فلاّك لسانه وهمهّم ودمدّم ,ولم يفهم أحد الحاضرين شيء سوي كلمه (جنجويد)!!…

لحظتها كانت قبيلة الجنجويد( التي ينتمي اليهاأبو لكيلك) قد غادرت مضارّبها الي مكان غير معلوم ,وأرسلت زعمائها الى قصر أبو لكيلك ,ذي القبة الحمراء ,عند مقرن النيلين في قلب الحاضرة..

كانوا يناقشون خططهم لحمايه القبيلة, وحمايه أبولكيلك من أيّ هجوم محتمل,ويخطّطون لاستكمال خطّط العرّافين بحرق مزيد من القري و” الحلالات والفرقان” واغتصاب أكبر عدد من الفتيات دون سنّ العشرّين وقتل كل الرّجال والأطفال والشيوخ دون استثناء….

وعندما جلس أبولكيلك اليهم أكد علي خططّهم ….

كان أبولكيلك منذ طفولته الباكرة, كائنا متوحداً يعشق العزلة,ويجنح الى العنف, ولديه نزوع فطري قوي للاقتياد, وذاكره ذات قدرة فذّه علي حفظ تعليمات العرّافين وتنفيذها(فى صالوناته الخاصة )اثر نجاح آدمو , فى تصعيد وقائع السّحل الذي تمّ لقومه وتحرّيك هذه الوقائع المأساوية للضمير العالمي , أفاد أبو لكيلك أنه فعل ما فعل ليس استجابة فقط لأوامر العرّافين , بل لحبه للبيئة , فهو الذي دفعه لاعمال الابادة الجماعية , واستجابة لاجهزة اعلامه , أن هؤلاء السود البدائيون , يهددّون الحياة البرّية بالصّيد , وينّهكّون الأرض بزراعة “التمبّاك والبنقّو” . كما أن الاغتصاب من وسائل تحسّين النّوع الفعالة لدمجهم فى بوتقة الحاضرّة .

ظلّ الهدّف الحقيقي لأبو لكيلك غامضاً . حتى عن أفكاره الشخصَية المضمرَة , وفي لحظات تجلّيه الخاص , عندما تتسرَب اليه حكايات الاغتصّاب ,والقتل الجماعي وحرّق القرى . كان دائما يتسائل فى سريرّته ( لماذا فعل ما فعل , باطلاق جنجويده لاشاعة كل هذا البؤس الذي يهدّد الحاضرة ذاتها الآن )…

كان أبو لكيلك ينتج أفكاره بطريقة عجيبة . ينفّث ذلك النّوع من الدّخان الذي يتصاعد فى قاع دماغه , متموجاً في دوائر حلزونية. ومن قلب هذه الدوائر, تتشكل أفكار التي سرعان ما يتلقفها الجنجويد فيزرّعون الرّعب فى تلك القرّى النائية للفلاحين والصيادين البسطاء فى أقصى التاريخ المنسي للبلاد الكبيرة ..

قال ود عطّا الله الذى حارب جدّه الكبير مع الامام المهدى ,ومات من الجوع والعطّش في سجن الخليفة :

-أبو لكيلك يعانى من من ضغوط عظيمة من اليانكى, الذين هدّدوه بالويل والثبور وعظائم الأمور , وجعلوه يرتجف فزعا ويهتف بالتاية : “دثرينى .. زملينى .. ” ..

حاولت اذاعة أبو لكيلك أن تلّطف من الشقاء والضجر, الذي أعترى حياة أبو لكيلك فأعلنت عن بيان هام , استمعوا اليه في اهتمام , فشملهم زعر وخوف مقيمين ..

كان اليانكى يتدفقون من كل فج .. فكر محمد احمد ود السّرة :

-لابد ان ابو لكيلك الان فى محنه عظيمة ..

ولحظة تلى وزير دفاع أبو لكيلك خلف الله الجنجويدى  (الذى ينحدر والده من صّلب أحد الأتراك فى جيش الدفتردار) بيان التصدى لليانكي. كان أبو لكيلك شخصياً , يجتمع بسفير اليانكي . مؤكداً على فروض الولاء والطاعة (منذ استيلاؤه على السلطة من قبضة الامراء الجنجويد الذين سبقوه الى حكم البلاد الكبيرة )..

كان ود السرّة مثل أبو لكيلك لا يعلم أن الآخير بتنفيذه لما يشير به كبير العرّافين , انما ينفذ خطّة اليانكي المزدّوجة لاحتلال البلاد الكبيرة , وعندما أحتج أبو لكيلك فى ذلك الاجتماع بخنوع , قمعه سفير اليانكي بقسوة :

-نحن لم نقل  لك أرتكّب الفظائع..

كان أبو لكيلك قد أسقط فى يده , وتلّفت حوله في غرفة الاجتماع مسيطرا عليه , احساس بالهروب الآن قبل أيّ وقت آخر …

الحاشية الثالثة :(مجتزأ رقم 3):

….(ممزق) أعلموا أخواني أن كثرة أقتراحكم في تحرّير بوتقة جلابي ود عربي أوهنت عزّمي في الامتناع وأزالت حيلي الا الاضراب عن الاسعاف , ولولا حق لزم وكلمة سبقت , وأمر ورد من محل يفضي عصيانه الى تنازع النّاس وخروجها على السلطة , لما كان لي داعية الاقدام على اظهاره , فان فيه من الصعوبة ما تعلمون وما زلتم معشر صحبي تلثّمون مني أن أكتب لكم كتابا أذكر فيه ما حصل في جلابي ود فونقرو (فور) منذ دهمتها موجة النزوح الثالثة , الى عهد جلابي  ود الدينكا ..(ممزق)..(*)

 

 

لا وطن في الحنين…3

 

كانت سارّة شقيقة حسن منذ وجدتني مع سعدية في مكتبها ب(لجنة الاختيار العامة للخدمة المدنية) وعلمت أنني متواجد بالمدينة منذ مدّة لقضاء خدمتي الوطنية , التي كنت قد أجلتها خلال السنوات الماضية ,وأنني أسكن وحدي في منزل الأسرة , التي كانت قد أنتقلت الى حاضرة البلاد الكبيرة .. بعد أن قمنا بتأجير المنزل (الذي أخليته الآن من المؤجرين للصيانة بعد أن قاموا بتخريبه تماماً).. منذ أن علمت سارة ذلك حتى أخذت تزورني في المساءات , لتحكي لي عن وقائع السنوات التي غبتها عن جلابي ود عربي والمدينة الريفية ..

في البداية تصوّرت أنه ليس لديها معلومات ذات قيمة , ولكن ذلك لم يكن صحيحاً , فأخذت ما أن تحضر لزيارتي حتى أقرب منها جهاز التسجيل , وأتركها تتداعى حول أمور أعرفها (لكن أفاجأ بأن لهذه الأمور من زاوية نظرها علاقات غير مرئية, لم أكن لأدركها لولا سارّة  بالزاوية التي ترى منها الأمور..) .. جمع بيني وبين سارّة نوع من الوّد الغامض , فرغم أنها كانت تكبرني بعدّة سنوات , الا أنني كنت أشعر بها أكثر قربا  مني ,مقارنة بشقيقها صديقي حسن , الذي كان بعمري ويصغرها قليلا ..

لذلك لم أكن أخبيء عنها بعض الأمور, التي ربما تثير بعض الأسئلة .. فمنذ ألتقينا للمرة الأولى عند صديقتها سعدّية (أخبرتها بأنني أميل لسعدّية) .. شعرت بها ترعى علاقتي بها , وأخبرتني سعدّية بعد ذلك بوقت طويل (بعد أن اصبحت سعدية ترتاد منزلي دون خوف,وليس كما في الأيام الاوائل لعلاقتنا , ما كان يضطرّها لرفقة سارة الى منزلي , وأصبح ارتيادها بعد ذلك لوحدها  اعتياداَ وادماناَ) أخبرتني أن سارّة هي من أقنعتها باقامة علاقة معي …

كانت تلك أحدى أكثر الفترات مشقة, في حياتي المليئة بالوقائع والأحداث , فقد كنت وقتها مهموماً بشئوون الأسرة (اذ لم تترتب أمورها بصورة جيدة منذ أنتقلت الى حاضرّة البلاد الكبيرة ) , اذ أضطررنا للأنتقال مثل آلآف الأسرمن الطبقة الوسطى , في أنحاء البلاد الكبيرة , بسبب الأنهيارات المتتالية للحياة بعيدا عن الحاضرّة (التي تركزت فيها كل الخدمات) وفي ذات هذا الوقت, الذي كنت أعالج فيه هموم الأسرة , كنت منشغلاَ بالعمل السري ضد نظام أبو لكيلك الجنجويدي كناشط حقوقي .

بعد مضي كل هذه السنوات ها أنا أجلس الآن وحدي في هذه البلاد البعيدة الغريبة ,أسائل نفسي في كثير من الأحيان (متى تعود الى البلاد الكبيرة يا علي ؟!) يدّوي سؤالي في فراغ المكان دون أن يعود الصّدى راجعاً , فأتيقن بالصّبر على الغربة ..هاجرت رغما عني , حيث كانت كل الخيارات سيئة وأفضل الأسوأ هو مغادرة البلاد الكبيرة ..

لا يزال خاطري يستعيد حلّة جلابي ود عربي بناسها وحياتها , فتقفز الميرّم كلتوم التي وجدتها بهذه البلاد , فحفزّت في داخلي كل ذلك العالم المنسي للمدينة الرّيفية وجلابي ود عربي ..

كنت واقفاً أمعن فيهما النظر , الى أن تلاشيا في الشارع الخالي الا منهما . فردّدت بصري ,وأنا أشعر بميدان التحرير يمتليء فجأة بالنّاس , ويهيمّن الضجيج على شارع القصّر العينّي . والزّحام يعيق حركة المرور , في الشارع المفضي إلى طلّعت حرب .

كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها , في اللحظة التي تهشمت فيها طبيعتي , بعد أن دهستني عربة النقل الكبيرة وساوتني مع الأسفلت .. و حتى الآن لا أدري , هل ما حدث أمامي حقيقي , ام هو وهم تخيلته .. هل الميرّم كلتّوم ,  التي عرفتها في طفولتي , هي ذاتها  الشيخّة كلتّوم التي أختفت أمام عيني قبل قليل ؟؟ هل هي ذاتها , التي غيرّت حياتي , عندما دخلتها فجأة في ذلك المساء , عند مدخل ضرّيح السيدة زينب ؟!.. هل هي ذاتها هذه التي غيرت حياتي مرة أخرى , لحظة رأت عبد الرّحمن(العوير) ود التوم , فاقتربت منه , ومدت أناملها تخاصر أصابعه ,ومضيا معاً , ليتلاشيا في شارع القصّر العينّي ؟!..

كانت الشيخّة كلتّوم منذ عرفتها , تكتفي عن سؤالي بالنظر إلى بؤبؤ عينّي , تعبره إلى جوفي , فتدرك حقائقي وتلوّح لي بها ..

فكنت أرى نفسي في رقائقها , التي تعبر بي تلك المسافة الكامنة, في عجزّ اللغة وقصورها , عن ترجمة نفسي بهذه الدّقة المتناهية, التي تلوح في ايماءات الشيخّة واشاراتها , التي تفكّك ما أستغلق داخلي , وتبوح برموز باطني , المفعم بالتلويحات , فأرى نفسي كالشمس : ساطعة  (وحياتي تنساب فيها من الميلاد إلى المنتهى , عند شجرة اللألوب , التي خيمّت عندها الميرّم , تناجي ود التّوم و غرابها الأشهب , وأنا اقترب منهما حاملا قلبي على كفي .. تنساب حياتي هكذا بايجاز ورحابة , محاطة بمكاشفات الوصول , المنزّهة عن مزالق اللغة , و سباسبها ووهادها ومضايقها الوعرة !! ) اذن هكذا , كان ما بيننا من أمرمن المبتدأ إلى المنتهى !!..

أول مرّة جلست فيها اليها , غابت عني كأنها ترتحل في عالم لا نهائي . لا يمت إلى هذه الدّار بصلة .. كانت هائمة . مغترّبة في الزّمن والمكان . لاشيء منها سوى ثوبها الصّوف المطرّز بالريش وألياف الشجّر .. لا أدري ان كان هذا الثوب يخفي داخله الشيخّة كلتّوم , أم يخفي شخصاً آخر !!..

كنت قد ألتقيت الشيخّة قبل أيام عند ضرّيح السيدّة زينب , وأستقبلتني قبل قليل في دارها , وبعد لا تزال التساؤلات تتفاعل داخلي . ترى هل هي الميرّم ذاتها : تلك الدّرويشة , التي كنا نجلس اليها , في الطفولة , بعد أن نعبث مع الغرّاب الأشهب في شجرّتها” اللألوب”, والذي كانت ترعاه .. كنا نسألها ما يعنّ لنا من أسئلة , فتبتسم وتحكي لنا عن طّي المكان والزّمان , و”المسيد” و”حيرّان” (الشيخ كوكّاب العنقّرة) .. هل هي الميرّم كلتّوم ذاتها , أم يخفي هذا الثّوب , الذي أجلس اليه الآن شخصاً آخر , لم تسبق لي معرفته ..

كنت مرتبكا , وخائفا .. وحائراً , ربما .. وربما مذهولاً ومسحوراً . وذاكرتي تحاول أن تستعيد , تلك الحكّايات المتناقضّة عنها , في تلك الطفولة البعيدة ..

حلّت الميرّم كلتّوم على حينا فجأة (قالت سارّة) , وأتخذت من تقاطع الشوارع, في قلب الحي مكاناً لكوخ صغير , استحال بمرور الوقت الي بيت كبير . غامض بسوره الطينّي , الذي تنبعث منه رائحة الزّعفران .لا ندري متى شيدّته .. فجأة رأينا الكوخ الناهض في قلب ميدان التقاطع!!! .. ولم تمض فترة وجيزّة حتى أختفى الكوخ بين سلسلة من الغرّف المسوّرّة بجدران الزّعفران ..

كانت الميرّم ذات جمال ملائكي, وعينين اجتماعيتين , ووداعة وسمت شبابها الذي   تجاوز سن العشرين بقليل (وقتها ) وقد أضفى عليها ثوبها المزيج من اللّيف والصّوف والّريش  (وبشرتها القمحية المشربة بغبار السفر المستمر , الذي لم يستطع اخفاء يناعتها, كزّهرة  بريّة مرّت عليها عاصفة دون أن تذروها أو تكسرها ).. كل ذلك أضفى عليها غموضاً وسحراً غريبين !!!..

هذا الغموض والسحر هو ما أثار الاسئلة, التي حملتها اليها لجنّة الحي , فردّت عليها بهدؤ ولطف :

-أنا الميرّم كلتّوم بنت دورشيت السلطان – ولكنني أيضا لبنى وليلى وبثينة , فلم يكنّ سواي يوما  ..

أستهجن اعضاء لجنة الحي اجابتها لكنهم عملوا (مع ذلك )على أن يتقبّل الحي وجودها .. تذمر الناس في البدء . ثم خفتت أصواتهم شيئا فشيئا , ثم تقبلوا الأمر على مضض, فصّار وجود الميرّم امراً واقعاً في الحي . خاصة أن أحد أعضاء اللجنّة من (أهل الحل والعقد) قد عرض عليها الزواج  (على نحو غير معلن ) فرفضت وعرض عليها آخر أن يفرد لها غرفة في داره ( سراً ) فرفضت ذلك أيضاً .. وآخيراً تعاطف معها كل أعضاء اللجنّة, بدفع من الرجلين اللذّين قدما عروضهما السّرّية  للزّواج والمساكنّة (هذه العروض  التي لم تخرج إلى العلن الا بعد اختفاء الميرّم ) على نحو غامض !!..

تعاطف أعضاء اللجنة معها وعملوا على دعمها , فأدخلوا بعض التحسينات على كوخها , وأشتروا لها ثيابا لم تلبسها مطلقاً , واتاحوا لها حمامات بيوتهم ..

وهكذا أصبحت الميرّم كلتّوم جزءً من النسيج الاجتماعي للحي , ومعلماً بارزاً فيه بشجرّتها “اللألوب” وغرابها الأشهب, الذي لا يفارق الشجرة أبداً (كانت شجرّة “اللألوب” هذه قبل أن تنصّب “الميرّم” كوخها تحتها: يابسة وجافة منذ وقت طويل , وبمجيء الميرّم أخضرت الشجرّة وجاء هذا الغرّاب بلونه الأشهب , فأعتبر بعض عقلاء الحي المتبحرّين في العلم , أن تلك كرّامة ولية صالحة ) صارّت الميرّم اذن جزء من الذّاكرة العامة للحي , الذي بدّت كأنها ولدت فيه ..

أخذت الميرّم” تخّط الودع” للصّبيان والصّبايا, الذّين يزورون كوّخها . وتبيع “النّبق” و”القنّقليس” و “الدّوم” للأطفال الذّين يتجمعون في العصّارى حولها , خارج الكوّخ , فتحكي لهم كل الحكايّا التي حكّتها لهم من قبل , مراراً وتكراراً دون أن تكّل أو تمل ..

فجأة بدأت الحكايّات حول الميرّم تنطلق , لا أدري : هل تزامن انطلاق هذه الحكايّات بعد حلوّلها المفاجيء بقليل , أم بعد ذلك بوقت ليس بالقصّير , اذ رّوج الرّجال (خاصة أولئك الذّين في لجنّة الحي )أن الميرّم نزحت من أرض بلادها ,بعد أن ضربها الجفاف والتصّحر      (وبسبب الحرب الأهلية أيضاً) فعندما مات أهلها بسؤ التغذّية لم تجد بداً من مغادرة ديارها الخطرّة , فضربت في الأرض, حتى أستقر بها المقام في هذا الحي..

-لماذا لم تسكن في جلاّبي ود عرّبي , وفضّلت عليها المدينّة الرّيفية ؟!..

-الاجابة على هذا السؤال تحل عدداً كبيراً من الألغاز .. لكن للأسف لن يستطيع أحد سوى الميرم الأجابة على ذلك .

الى آخر الحكايّات من هذا القبيل  والتي تم اعتمادها رسميا كحكايّا صادرة من السلطة العليا للحي ..

لكن كانت هناك حكايّات أخرى فاعلة ومؤثرة , رغم أنها لا تعبر عن وجهة النظر الرّسمية للحّي , هي حكايّات النّسوة اللائي أخذن يؤكدن أن الميرّم حلّت بالحي كلعنّة , فهي هارّبة من القتل , بعد أن أحبت احد حيرّان الشيخ (كوكّاب العنّقرة) , في بلدتها التي في نواحي “كردفال” , وقرر أخوتها ثأراً لشرفهم قتلها (لكنها هربت ) بعد أن قاموا بقتل “الحوّار” ..

وحكّت نساء آخريات , أن “الميرّم” ليست من نواحي كردفان , بل من الغرب الأقصى في دارفور .. حيث النساء متحررات , يمكنّهن السفر إلى أى مكان, وفي أى وقت دون “محرّم” , وأنها جاءت إلى هنا لتخطف أحد “أولاد البحر” من زوجته , فقد رأته في أحدى رحلات عمله ,كسائق  لعربة نقل بضائع , فأحبته وأحبها , وبعد سفره قرّرت اللّحاق به , وبحثت عنه طويلاً , إلى أن حلّت بهذا الحي, لأعتقادها أنه يسكن فيه , وأن بصرّها سيقع عليه لا محالة , وهكذا نهضت قصص النّسوة في الحي, عن الميرّم على أساس أنها , تبحث عن رجل ما , فأخضعن أزواجهن وأولادهن لتفتيش يومي ومراقبة صارمة ..

ولذلك عندما أقترب الشاب الغّض, والغامض المنكفيء على نفسه والمتوحد: عبد الرّحمن ود التوّم من حياة (الميرّم كلتّوم) , وأصبح لا يفارق مجلسها ,مع الصّبية الذّين يصغرّونه كثيراً . ثارت حفيظة الصّبايا, وشاعت شائعة بين النّسوة في الحي :أن الميرّم وود التّوم قد وقعا في المحظّور !!..

ثم بدأت النّسوة يحاصرّن  الميرّم بأطفالهن , فيوعزنّ للأطفال, بأن يهشموا قيلولاتها, برمي شجرة “اللألوب” والغرّاب بالحجارة , وألا يجلسوا اليها , ورّميها هي ذاتها بالحصى الصغيرّة .. وكنت أراقب كل ذلك بصمت , دون أن أقوى على فعل شيء . كنت مشدوداً اليها , لكنني لم أقوى على فعل شيء !!..إلى ان أختفت الميرّم فجأة كما ظهرت فجأة , وتعددت الحكايّات والرّوايات حول اختفائها المفاجيء ..

لكن كل الرّوايات أجمعت بين متناقضاتها, أنها فجر أختفائها كانت تحمل “صّرّة”  كبيرة , منسوجة من الرّيش الأشهب على ظهرها .. وظلّلت بعد ذلك لوقت طويل أتسآل عن مصيرها , إلى أن  غادرت البلاد وألتقيتها فجأة في هذه البلاد ,عند مدخل ضرّيح السيدة زينب الذي كنت أتردد عليه بانتظام , كل جمعة لأكثر من عامين ونصف , وأخذت أتساءل: (هل هي الميرم كلتوم ذاتها , أم شبهت لي فاستمرأت هي الأمر ؟!).. وكأنها أدركت تساؤلي , فخرج من الثّوب الذّي كنت أجلس اليه صوت(الامام عبد القادر الجيلاني) رقيقاً مفعماً بعذّوبة الموسيقى :

سـقاني  حبيبي من شراب ذوي المجد

وأجـلسني قربه في قاب قوسين سيدي

حـضرت مع الاقطاب في حضرة اللقا          فـأسـكـرني  حقا فغبت على وجدي

على منبر التخصيص في حضرة المجد

فـغـبت به عنهم وشاهدته وحدي

ثم تنهدت بعمق وزفرت ثم ألتفتت اليّ :

– عذراً يا علي ..

-لا داع للاعتذار يا شيختي .

لم أتوقف من زيارّة الضرّيح, الا منذ تلك الأمسية, التي ألتقيتها فيها عند المدخل , وأنا في طريقي إلى الخروج .. تعرفنا إلى بعضنا واستعدنا بعض الذّكريات البعيدة , وركبنا معا الاتوبيس ذاته إلى “العتبة” حيث أفترقنا, على وعد أن أزورها في شقتها , التي ما أن أستقبلتني فيها , حتى دخلت في تلك الحالة من الغياب ..

ومنذ ذلك اللقاء الأول عند الضرّيح , أصبحت الشيخّة كلتّوم صديقتي الوحيدة , في هذه البلاد الغريبة ..

كنا قد تقاربنا, كأننا أصدقاء منذ وقت بعيد , جمعتنا ذّكريات منصرمة , وبقايا أطياف حميمة ..

ارتدنا سوح شاسعة , تعرّفنا خلالها على أدقّ حقائق أنفسنا .. تلك الحقائق التي لا تبين ,الا في الارتحال والغوص بعيداً في منابع النّور ..

هكذا سرنا معاً بأقدام الصدق , والتجرّد عن الاكوّان الظاهرّة, وتلك الذّكريّات المحزّنة : وهي تنسحب إلى داخل كوخها, لتنجو من الحصىّ, التي يرميها عليها الصّبية , أو تسّد أذنيها, حتى لا تسمع الضجيج في شجرّة “اللألوب”, عندما تضرب الحجارة فروعها ..

طارّت بي الشيخّة كلتّوم, بأجنحة المحبة ,مخترقة سماوات الأحوال والمقامات , ولم تحطّ رحالها أبدا , حتى هتف بها الجيلاني :

وتـظـهـر لـلعشاق في كل مظهر

فـفـي  مـرة لـبنى وأخرى بثينة

ولـسـن سـواها لا ولا كن غيرها            مـن الـلبس في أشكال حسن بديعة

وآونـة تـدعـى بـعـزة عـزت

وما أن لها في حسنها من شريكة

ما وطد علاقتي بالشيخّة كلتّوم هو تلك العفّة, والرّقة .التي تسّم حياتها.. وكلامها في الجد والمزاح , وتلك الأحوال التي ترتادها , فتغيب عني , لكني أراها في خاطري : أين تمضي   فتدهشني تلك المشاهدات, وذاك الحضور الذي تغيب فيه . كنت أدرك أن رّوحها وقلبها ,يتوقان إلى تلبية نداء الشوق , والتنعم بالوصال , وما أن تنتفض وتسترد ذاتها الغائبة,  متصبّبة بالعرّق والغبّار والّطين, وتجدني لا ازال قربّها ,حتى تفترّ شفتيها عن ابتسامة هادئة وتقول :

-أوصيك يا علي بالسخاء والرضا – الصبر والاشارة – الغربة ولبس الصوف – السياحة والفقر  ..

فأضحك وانا ارد عليها :

-يا شيختي , لا أملك سوى قلبي , وهذه الثياب , ولا أظنني أرضى . فقد تركت بلدي لأمر , وأصبحت في شأن آخر , وأظنني صبور على هذا الابتلاء . ولا أظن ثمّة غربة أكثر من البعد عن الأهل والأوطان , ولا من هو أكثر غربة منّي, في الذّات والأرض . وما عاد الصّوف يصلّح لحياة هذا الزمان , الذي زهد فينا .. ومع ذلك , تطبع أكلي ومشرّبي وكسوتي خشونة الفقر .. يا شيختي , الوصايا لمن يستطيع انفاذها , اذا أنطبق الحال والمقال ..

فتضحك :

-يا علي القلب اذا صفا , تجلّت عليه سطعات الأنوار الشهودّية , حتى يصبح مجالاً للوسع النّوراني , فكيف تقول أن الزّمان زهد فينا ؟!.. والزّمان لا يزهد !!..

فأبتسم وأشعر أن عروّق قلبي تنتفض , وتمضي بعيداً , تخترق الطبقات والحجّب لتنزرّع في اللانهاية , فتستردني :

–  يا له من قلب !!..

سألتها عن الحوّار الذي أحبت, وتلك الحكّايّا التي تناقلها الحي عنها , فتنهدت :

– كان ذا وجه صبوح وابتسامة , كلما ضاقت اتسع نورها !.. الوحيد الذي لم يكن يخشانّي , ويحضّر الّطعام اليّ , تحت شجرة اللألوب , ولا ينهض الا بعد وقت طويل .. كان فتىًّ صالحاً مليئاً بالاشراق ولا يعرّف ذلك , لكن القوّة التي شدّته اليّ ,هي ذّاتها القوّة التي شدّتني اليه , كطرّفين يلتقيان , ليخلفان وراءهما عذّوبة الماء السلسبيل .. تلك كانت أول الحكّايّات وآخرها , فليس في حياتي حكاية سوّاها  .. حكّايّتي وعبد الرّحمن ود التّوم , وكل ما عدّاها من حكّايّا باطل و محض أكاذيب من نسج خيال الحيّ .

كنت أتآنس به ويتآنس بي تلويحاً وتلميحاً , فالصّبي (ود التوم ) تغلّب على مراهقته بصلاحه ونقاء قلبه , وذاك هو الاشرّاق .. لكن أهل حيّك ضربوا علينا الحصّار , دونما سبب يبرر ذلك ..طردني سكان حيك  , بعد أن قتلوا غرّابي الذي أعتنيت به وجاورته , طردوني بعد أن أحرقوا شجرّة “اللألوب”  .. فافترقنا ولم نلتق بعد ذلك ابداً . لكنّني كنت أعلم أنه سيموت كمداً كما ستموت أنت , وكما سأمضي واياه, إلى شجرّة اللألوب في المنتهى , لنقيم في كوخنا تحتها , نلّهو مع غرّابنا الأشهب الوديع .. تركت الحي دون ضغينة حتى لا أقتل كاللألوبة والغرّاب , ولم يتبق لي سوى ذكرّيات الأيام الخوالي . يا علي أنبل الذكريات , تلك التي تخلو من الضغينّة …

الحاشية الرابعة :(مجتزأ رقم 7) ..

..(ممزق) .. رأينا ونحن بدار قلا في شهر الطير ..(ممزق) السلطان الغالب على ذلك الزمان (ممزق).. يحاصر جلابي  .. كا .. فرأيت كأنه نصب عليها المنجنيق ورماها بالأحجار فقتل زعيم القوم ,فأولت الحجارة آراءه السديدة , وعزائمه التي يرميهم بها , وأنه مقيما سلطنة عليها , وقد تحقق له ذلك في عيد القط , وكان بين الرؤيا وال… (ممزق) .. فكتب له الحق .. من المدينة الريفية … أذكرن ذلك ..(ممزق) …

(*)

الآن, في بوح الاحتضار .. في الخطّ الواهن الذي يفصل الحياة من الموت .. من أعلا برهات هذه اللّحظة البلّورية ,أطل وحدي ,على احدى شرّفات خاطري المتسع ,لأراقب أحوال العالم المنسي ل”جلابي ود عربي” وأتساءل : هل هذا الذي أراه حقيقيّ أم محض وهم , يستغل ثقوب ذاكرتي ليعبئها بعجينة عفنة يتشكل منها تاريخ حلة جلابي ود عربي : ناسها .. كلابها .. دروبها .. حبيبتي ثريا , التي لم أحب كما أحببتها (حمل الىّ حسن أخبار ثريّا : أصيبت بالسّل وماتت من جراءَه , قبل أن يهرَُب خميس الى مكان غير معلوّم , فبقيت السًُّرّة والدتهما تلوك حسرّتها , على فقد البنت والولد في آن واحد !) ..

لا زلت أرى معالم جلابي ود عربي , حيث ينهض الدُّكان الصّغير لأبي في قلبها , محاصرا برائحتها المزّيج من أبخرة الخمر البلدي ورائحة الجنس والعرّق ..

منذ بدايات القرن التاسع عشر ومجتمع جلابي ود عربي يشهد حركة انتماء تشد أطرافه المتباينة التي جمعت أشتاتا في بوتقة الكينونة الهلامية التي أقيمت بالنزوح والغزو الأجنبي والأستعمار المحلي في الحاضرة .. ومع ذلك التباين كانت تبرز قوى , تجذب تلك الأطراف بعيداَ عن بعضها دون أسباب واضحة , الأمر الذي شغل بال المؤرخين طويلا , للبحث عن جذور هذه الظاهرة في حلة (جلابي ود عربي) , التي تشكّلت على غرارها كل “حلالات وفرقان ” وبلدات البلاد الكبيرة , بحاضرتها ومدنها الرّيفية .. أثمرت جهود هؤلاء المؤرخين “المخطوطة السرية ” التي توصلوا من خلالها لتفسير مبدئي , لأول مرة  حول هذه الظاهرة .

يقول محمد سعيد القدال , كما أشار سابقا في الأنتماء والاغتراب : ( أن أدونيس كتب مقتبسا كانط :” أن العصفور الذي يضرّب الهواء بجناحيه لكي يطّير , يتصور أنه لو لم يكن هناك هواء , لكان طيرانه أسهل , والحقيقة أنه لو لم يكن هناك هواء , لما أستطاع أن يطير – وعلق محمود أمين العالم , على هذا قائلا : لأ سبيل للتقدّم والقطيعة الجدّلية الحقيقية , الا من خلال الذّاكرة التراثية , فلكي نطير أبعد من الهواء , ولكي نتجاوزه , لا نستطيع ذلك الا من خلال الهواء وبفضل الهواء وعلى الرغم من هذا الهواء ..) ..

قبل قليل (ثوان فحسب )أتصلت عبر هاتفي المحمول , بصديقي القدّيم حسن في الدّيار البعيدة . سألته عن “حلة جلابي ود عرّبي” ,فأكد لي أنها لم تعد كما تركتها . ففي السنوات “القادمات” التي لم تأت بعد شهدت جلاّبي ود عرّبي , نهضة عمرانية مدّهشة , اذ أعيد بناءها على نحو عصرّي حديث ومنسجم , فتراصّت الأبراج والعمارات باتساق , ونهضت الجسور والطرق والكباري والمستشفيات والمدارس والجامعات , والساحات الخضراء والملوّنة بالورود والحدائق , التي كما في ألف ليلة وليلة وبدائع الزّهور ..

وصار كل الّناس ناعمين كأبن حزّم في ألفتهم وايلافهم .. فقد تحقق آخيرا في جلابي ود عربي ما حلمت به وما لم تحلم به يوما ! ..

تمّ تشييده في السنوات القادمات , بعد أن زارها موظفي تنظيم القرّى ومعالجة السكن الاضطرّاري , وأجروا البحوث تلو البحوث بعيد زوال حكومة الجنجويد بقليل..

قطعت الأتصال بحسن دون تمهيد ,لتستعيدني بعض الوقائع التي عشتها في جلابي ود عربي , عندما كنت أمضي اليها بعد الدوام المدرسي , بصحبة حسن وخميس لأبقى في دُّكان أبي حتى يتمكن من قضاء مشاويره . وكالعادة لا يلبث حسن أن يمّل , فيمضي الى منزله في مدينتنا الرّيفية , فأظل وحدي في الدُّكان أبيع للناس الى أن يحضُر أبي بعد أنقضاء النهار .

كنتُ مغرماً بأكتشاف هذا العالم الغريب عنّي . عالم جلابي ود عرّبي النّاهض في العلاقات الثنائية المتوالدة والمتشابكة بصورّة معقدّة .. لا تبين فيه الثنائية التي طبعته بوضوح لتداخلها في شبكّة من العلاقات الوّهمية , التي ظلّت غامضة بالنسبة لي , ومستغلقة على فهمي لوقت طويل, قبل أن أبدأ في الاهتمام بحواشي المخطّوطة السرّية , محاوّلاً استقراء ما خلفها من عالم مخفّي بعناية دون متن .. فقط فقط حواسي توحي (كلما حللت رموزها ) بمزيد من التفاصيل الغامضة !!..

فعلاقة مثل علاقة السّرّة بكرتون , أو علاقته هو بها : كانت من العلاقات التي وقفتُ عندّها حائراَ لوقت طويل . لم يستطع أحد أن يفك طلاّسم هذه العلاّقة , التي لا تخلو من حميمّية ووّد , أو يعرّف كيف ومتى ولماذا , نشأت مثل هذه العلاّقة الملتبسّة !.. كما لم يجرؤ أحد على سؤالهما عن طبيعة هذه العلاّقة غير المسماة !.. لكن ما أستقر في نفوس أهالي جلاّبي ود عربّي , أنها علاقة مساكنّة فحسب , دون أيّ تأويل جارح , وليس لأي أحد منهم علمٌ بالكيفية التي توصلوا بها لهذه القناعة . ومع ذلك كانوا يلمحوّن في جلساتهم الخاصة لأشياء مريبة !.. وكنت كثيرا ما أتساءل : كيف رضى خميس وثريّا بتقبل مساكنّة كرتون لهم ؟ وهو الغرّيب عنهم !..

اللحظة الوحيدة التي أدرك فيها أهالي جلابي ود عربي حاجتهم الماسة لمقابر , بذات قدر حاجتهم لمعرفة الطّقوس التي تجرى للموتى , كانت هي تلك اللحظة التي ماتت فيها ثريّا .. ولذلك عندما أكتشفوا موت حسّان جدّاد وأدروب حرّقا , بسبب الحرّيق الذي لم يبق منهما سوى العظام المشويّة , التي ألتصقت عليها بقايا اللحم المتفسّخ , ولم يستطع أيٌّ من المتحرّين , الذين ظلوا يتوافدون لأيام عديدّة على حلّة جلاّبي ود عرّبي التوصل للأسباب الحقيقية التي أدت الى الحرّيق , الذي شبّ في كل أطراف الحلّة وقلبها في وقت واحد!  ولم يترُك شيئا دون أن يلتهمه. لذلك عندما أكتشفوا موت جدّاد وأدروب حرّقا , كانت لديه فكرة واضحة عن “إكرام الميت”!…

بسبب ذلك الحريق تحولت حلّّة جلاّبي ود عرّبي بكاملها الى رّماد تذروه الرّياح !…

قبل هذه اللحظة بوقت طويل , كان الفشل مصّير كل من حاول أن يفّك طلاّسم علاقة السُرّة بكرتون , و”السُرّة بنت عرجّون ” وقتها كانت إمرأة أربعينية , لا تخلو من ذلك النّوع من الجمال السّائد , الذّي لا يلفت الإنتباه , لا يَعرّف لها أحد أهلاً أو أقارب , وكانت هي ذاتها ,تصّر دائما على أنها “مقطوعة من شجرة ” .. ولا أحد يَعرّف لأبنيها أبٌ من بين رجال جلابي العديدين ..

بدا للجميع منذ أول يوم حلّت به بينهم , كالهاربة من شيء يطاردها , فهي زائغة العينين على الدّوام , وتنتفض باستمرار , ومع ذلك أتسمت حياتها بطابع الكتمان والتحفظ , حتى أن حسّان جدّاد لم يستطع أن يحصل منها على إجابة واضحة , على عرض الزواج الذي تقدم به اليها , ُقبيل هجرّته الى اللّه (كما ذكر) زاعماً أن عرضه لصّونها وصّون أبنتها ورّعاية ابنها .. فهما يحتاجان لأب في هذه السّن الخطرّة , وهي تحتاج لزّوج “على سنة اللّه ورسوله” !!..

يئس “جدّاد”بعد محاورات ومداورات , فصرّف النظر وهو يشعر بالهزيمة تضعضع كيانه ..

لم تكن للسُّرّة أىُّ صديقات في حلّة جلابي ود عربي أو خارجها , بإستثناء تلك العلاقة اليتيمّة ,التي ربطتها بسّت البنّات العشمانّة ,التي رغم تجاوزها سن الأربعين , إلا أن أول ما َلفت النظر فيها , هو بشرّتها الصّافية , التي تشبه مزيجا مصفىَّ من لَوّن القمح والبُّن نصف المحترّق !..

كانت ذات جمال “جنّي” , دفع حسّان جداد للإنزّهال التّام , فأخذ يطارّدها لأكثر من عامين , وعندما أمتنعت عليه تقدّم من السُرّة صديقتها ..

كنتُ بعد نهاية كل يوم دراسي أركب دراجتي الفليبس رادفاً حسن وخميس . نعرّج علىّ حلة جلابي ود عربي , وبعد أن يتركني والدي في الدُّكان ويمضي . يتجرّد خاطري منّي وينهض جوارّي , فأتكيءُ عليه وأتأمل أحوال العالم المنسي لحلّة جلابي ود عربي .. وحسن ينظرُ الىّ صامتاً , دون أن تنفرج شفتيه عن كلمة واحدة ..

كنتُ أشعر بهذا العالم غريباً , يحاصرني بظلاله محاولاً توليفي كجرّو صغير . وأذكُرُ وقتها فيما اذكُرُ : الحزن العميق في عينّي السُّرّة وهي تجاهد ( دائما ) إخفاء جُرّح غامض يتمظهر في هذا الحُزن .. ربما لأنني فاجأتُها مع والدي في الغرّفة الخلفية التي يقع مدخلها من جهة الباب السّرّي للدّكان . كانت رجليها مرفوعتان لأعلا . أعلا من أقصى ُشُرفات خواطري . وكان أبي يربضُ عليها كأبي الهول , وكنتُ لا أدري في أيُّ نقطة من المسافة التي بدَت شاسعة وقريبة في آن !..

لكن ما أُدرّكه تماما أن ذلك المشهد أصبح السّر الصّغير لثلاثتنا !..

في ذلك اليوم الذي أحترّق فيه بيتُ أُم التيمّان, التي كانت قد أستيقظت في الفجر , فاشعلت نار” الدُّوكة” تمهيداً للبدء في صناعة المرّيسة , وهي ُتمنّي نفسها بأن تتمكّن اليوم من تطبيق وصفة مزّيد الحلبيّ , التي أشار لها بها .. كانت تحادث نفسها وكلُها أمل في أن تمكنها هذه الوصفة من تحسين سمعتها في سوق” المرايس” , الأمر الذي سيجعل دربها سالكاً لسرقة زبائن السُّرّة , الذين كانت تطلقُ عليهم “الزباين الهايلايف”..

عندما أستيقظت أُم التيمان كانت الدّيكة لا تزال بعد تعزّف سيمفونية الفجر , تشاركها كلاب الحلةالضّفادع التي تنقُّ في خيران جلابي , كجوقة استثنائية , فمن مفارقات هذه الحّلة (في نظر سكان المدينة الرّيفية )أن كلابها هي التي تقوم بالإعلان عن الفجر . فالدّيكة تصحو متأخرة بسبب تناولها مخلفات صناعة الخمر البلدي “المشك والبلح” . وصحو الكلاب باكراً كثيراً ما ُيثير حفيظة الدّيكة التي تتأخر في النّوم فتعبرُ عن احتجاجاتها بعد ذلك بالصياح , بعد أن تكونُ الشمس (عمليا ) قد أشرقت !..

هذا التفسير العلمي البارع , تبرّع به حسّان جداد , بإعتباره المثقف الجهبوز في حلّة جلابي ود عربي ..اذ كان هذا الرّجل كثيراً ما يتحدث عن معرّفته العميقة والواسعة بعلوم الأولين والآخرين , ويذكر أسماء لكتب (يقول عبدُّه الخَال على لسان حسن أنه بحث عن العناوين التي ذكرها له نقلاً عن جداد , كثيراً ولم يجد كتاباً واحداً يحملُ هذه الاسماء !!)..

أشعلت السُّرّة النّار , والسماء بعد لا تزال تنتثر على صفحاتها , حُبيبات الأُرز المضيئة , الآخذة في التلاشي , مفسحةً لضؤ الفجر المتسلل على استحياء . لحظتها كان نباحُ الكلاب في الشوارع , يقطعُ ما تبقى من الصّمت , كسكين صدئة تقطعّ قماش عتيق , وما أن حاولت الشّمسُ أن تطلُ , حتى سمعت أُم التيمّان خطواً خارج دارها وهُتاف :

– أم التيمّان ..أم التيمّان أنا عبد الرّحمن ود التوّم ..

فركضت نحوه في غضب , تنفضُ فيه ما تبقىّ من ُنعاسها المخمور , حتى صحىّ نصف سُكان الحلّة على سماع شتائمها المقذّعة وصراخها المسعوّر .. ونشيج عبد الرّحمن العوير الذي كان يتلقى على ظهره في إنكفاء الضربات القاسية من “مفراكتها ” الغليظة, التي تستعملها لتحرّيك” المرّيسة” في ” بُرمة ” الفخار الكبيرة .. ولم تتوقف عن ضرب عبد الرّحمن الذي أضطر في النهاية أن يخر كجمل منحور …

عند هذا الحد تجمع أهل الحي بينه وبينها , وأخذ عبد الرّحمن شيئا فشيئا يتمالك نفسه , فنظر إليها بغيظ مكتّوم , ودون أن ينبث ببنت شفة , رَفع يديه الى السماء ومضى ..

كانت عادةُ التجوال في شوارع الحلّة واحدة من العادات المزعجة لعبد الرّحمن العوير . فهو ما أن يبدأ الفجر في البزوغ , حتى يمضي هاتفاً بأسماء أصحاب البيوت التي يمرُ بها . هكذا  أعتادَ عليه النّاس وألفوه منذ ترك المدينة الرّيفية وحلّ بينهم ..

كنتُ بعد أن أُسلّم والدي الدُّكان , أعرج خفيةً منه الى دار أُم التيمّان . تدخلني غرفتها التي لم تسمح لأحد سواي بدخولها , وُتخرجُ كالعادة” شنطتها” السوداء العتيقة من أحد أرفف دولابها حائلُ اللوّن . فتفرغ أحشاء الشنطة وتمد لي الرسائل القديمة(التي تحرصُ عليها) لأقرأها لها :

-حبيبتي تيمة ..

.. وعندما أُنهي الرسالة ,التي بالكاد تكشفُ تعابيرها المرتبكة ,عن أحاسيس ومشاعر كاتبها , وأصل الى توقيعه “سوكا” .. تمسح أُم التيمان دمعةً يتيمةً , تنحدر من عينها اليسرى ,فأقرأُ لها رسالة أخرى , فتنحدر دمعة أخرى من عينها اليمنى .. هكذا تنحدرُ الدّمعات من عيون أُم التيمان بالتناوب .. كل رسالة بدمعة . فأسألها عن (سوكا) كاتب هذه الرسائل , فتهزُ رأسها, وتمضي لتحضر لي كورة “الكانجي مورو أو العسلية” .. أشربُ على عجل وأمضي متخفياً خشية أن يلمحنّي أحد , فيخبر أبي الذي لن يتورّع من إحالة حياتي الى شقاء وضجر !..

من الشخصيات المنسية التي كانت تسقط باستمرار عن الذاكرة الرسمية للحلة : شخصية أبكر وأدروب وريّاك , ورغم أن جميع الأهالي يتذّكرون أنهم عندما سكنوا جلابي ود عربي وأستقر بهم المقام فيها , وجدوا أدروب وأبكر وريّاك ,جزء من المعالم الرئيسية لحلة جلابي ود عربي , يتذّكرون كل شيء وينسون هذه المعالم الثلاثة البارزة والمنسية في آن !!..

كل سكان الحلّة لا أحد منهم  يتذكر أنه سكن قبلهم أو سبقهم الى السكنّى … ربما أن نسيانهم جاء من سكنهم على مبعدّة من بيوت الحلّة المتلاصقة , اذ يحيط ببيوت  أبكر وريّاك وأدروب الفضاء من كل جانب .

حلّة جلابي ود عربي ليست كبقية الحلالات والفرقان التي في أطراف البلدات والمدن . فهي حلّة نهضت فجأة على مبعدة من النيل , أثر موجات النزوح الكبيرة , التي تسبب فيها الجفاف والتصحر الذي ضرب أنحاء واسعة , من الأطرّاف الغربية للبلاد الكبيرة ..

وعلى الرغم من أن الحلة أسمها جلابي ود عربي , إلا أن الأصول الأثنية لسُّكانها كانت أما أفريقية خالصة أو هجينّة , ومع ذلك كان سُكانها يصرّون على هذا الاسم :”جلابي ود عربي”..

ولم يقف هذا الإسم دون تقسيم جلابي ود عربي الى حلالات صغيرّة داخلها , مثل” فرّيق الشايقية” ,” الجلابّة المساليت “,” حلة العرب” , “حي الدينكا الجلابة “,”حلة الفور” ,” فرّيق النّوبّة” …

هذا المكان الذي نهضت فيه جلابي , كان أهالي المدينة الرّيفية , التي تعتبر حلة جلابي ود عربي واحدة من ضواحيها (يزرّعون الذّرة الرفيعة والدُّخن كنشاط ثانوي بعد دوام عملهم , وما أن نهضت هذه الحلة ,حتى لم يعد لديهم خيار سوى التوغل بعيدا عنها لأنشاء حواشات جديدة من الأراضي البور , التي لم تمتد اليها أيادي سكان حلّة جلابي . يزرّعون فيها ما يعينهم على حياتهم القاسية . فقد كانوا يمارسون الزراعة بعد دوام اعمالهم . خاصة أن الأراضي التي أحتلها النازحين وأقاموا فيها حلتهم , لم تكن مملوكة لأحد ,فهي مملوكة للحكومة منذ العهد الاستعماري الأول , وبتعاقب حكومات الإستعمار المحلي , وصولاً لحكومة أبو لكيلك الجنجويدي .

لذلك لم يكن ثمة جدوى من محاولة سكان المدينة الريفية إجلاء أهالي جلابي ود عربي , فاكتفوا بوضع اليد على الأراضي البور , وبدأوا يعملون عليها كحواشات زراعية بديلة لحواشاتهم , التي استولى عليها النازحون فجأة , وأقاموا عليها حلتهم “جلابي ود عربي” .

كانت الدهشة تهيمن عليهم , اذ ظلو يتساءلون لوقت طويل عن التوقيت الذي بدأت تنشأ فيه هذه الحلّة بالضبط دون أن يلحظها أحد !!..

كما ظلوا يعبرون عن مخاوفهم باستمرار , عن خطورة هذا الوضع الذي لا يملكون شيئا لتغييره .

العجيب في الامر أن موظفي السكن العشوائي , الذين أرسلتهم المحلية , عندما جاءوا وسألوا عن ” جلابي ودعربي” لم يستطع أحد أن يدلهم عليه , وأتضح أن ذاكرة السكان لا تحتوي على هذا الاسم إطلاقا ضمن قوائمها , التي تؤرخ بها لأشجار نسب أهالي الحلة , التي ينتهي بعضها عند الفضل ابن العباس .

على الرغم من أن عددا من المؤرخين أكدوا أن الفضل كان عاقرا !!..الأمر الذي استغله بعض الخبثاء , الذين أخذوا يتساءلون : اذن كيف ينتسب اليه أهالي جلابي ؟!..وهذا السؤال الذي لم يتبرع أحد بالاجابة عليه , أزعج “لا” أحفاد الفضل بن العباس وحدهم , بل ازعج كثيرون من مثقفي الدولة الجنجويدية , فسارعوا لإقامة الندوات السجالية التي استمرت لسنوات تحت نفس الشعار :”دليل الناس في معرفة نسب أحفاد الفضل بن العباس” , وهذا الشعار انبثقت عنه عدة  شعارات جانبية للتأكيد على أهمية الموضوع , مثل ” الرقص والطرب في سيرة جلابي ود عرب ” و” مسك الختام في معرفة حكام جلابي ود عربي من  خليفة و أمير وإمام ” الي آخره من هذه الشعارات ,التي شغلت بال الكثيرين في جلابي نفسها بعد أن رّوعت الآمنين خارجها  وأدهشتهم أيما دهشة , فجلابي كانت تتصور ذاتها على نحو مختلف تماما, عندما حاصرها مثقفو الدولة الجنجويدية بهذه الندوات, وكتموا على أنفاس وعيها الجنينّي !!..

ويبدو أن الموضوع كان جادا أكثر مما قدر الجوار الاقليمي لجلابي , فقد أستمرت هذه الندوات لسنين عددا , ولم تتمكن بعد كل ذلك من دحض ذلك السؤال المريب الذي كان قد ألقى به  أحد الحشاشين في جلابي , في واحدة من لحظات التجلي النادرة , بعد أن خدره “البنقو” ونقله الى البرزخ فأخذ ينظر  من هذه المنطقة السامية الى جلابي, التي بدت كنقطة صغيرة , رمى فوقها بهذا السؤال فتلاشت في فراغ الكون .. لم يعد الحشاش يرى جلابي فقد أختفت في تلك اللحظة من تجلياته النادرة من الجغرافيا والتاريخ ..ولم تطفوّ على السطح مرة اخرى الا بعد أن تدخل أبولكيلك مدليا بدلوه كآخر العبابسة , في تصرّيح رسمي تناقلته لندن والجزيرة بأن اسرائيل عبر عملائها في جلابي و المنطقة , تتدخل في الشئون الداخلية للبلاد الكبيرة عبر جلابي , بهدف خلق أزمة وطنية تمكنها من السيطرة على منابع النيل , وإقحام أنفها في موضوع النفط, الذي ظلت عقود البلاد الكبيرة مع الشركات الاجنبية لأستخراجه وتكريره  وتصديره غامضة . لا يعرف عنها أحد شيئا كأكثر الاسرار قدسية في أروقة قصر أبو لكيلك !..)..

عندما اكتشف موظفو السكن العشوائي ,أن أهالي جلابي , ليست لديهم إجابة على ما طرحوه من أسئلة مباشرة , بادروا بطرح سؤال آخر أكثر بديهية :

– اذن لماذا أطلقتم على بلدتكم هذا لاسم ؟!..

وهنا انبرى كل الأهالي للرد بصوت واحد , جهوري , أرتجت له أطراف المدينة الريفية :

– لم نطلقه , ولا نعرف من الذي أطلقه !!..

فازدادت حيرة الموظفين الذين كانوا يعلمون مما درسوه في وثائق وعلاقات الارض في البلاد الكبيرة أن جلابي ود عربي مرت بتحولات عديدة عبر التاريخ , فقد سكنتها القبائل الغربية في مرحلة من مراحل تاريخها , وعمدت وقتها الى تكوين مؤسسسة منظمة للرّق و الاسترقاق , فقد كانت جلابي في ذلك العهد مركزا لجلب الرقيق , وأنطلاقا منها كقاعدة كانت حملات جلب الرقيق تنطلق في مجاهيل البلاد الكبيرة ..

وعندما تلاشى نفوذ المجموعات الغربية , وأصبحت السلطة في جلابي بيد المجموعات الجنوبية تغير أسم جلابي من جلابي ود غربي الى جلابي ود جنوبي .. اذ استمرت ثلاث من المجموعات الجنوبية في تأكيد وترسيخ مؤسسة الرّق , وقامت بحملات مبدعة اذ أدخلت تحسينات كبيرة على نظام المؤسسة الموروث .. لكن لتناقضاتها الذاتية كمجموعات تسترق بعضها ( ذات التناقضات التي أودت بسلطان المجموعات الغربية ) سرعان ماتهشّم نفوذها تحت ضربات معاول المجموعات الشرقية , التي لم تستفد من دروس الماضي ( بعد أن غيرت الاسم الى جلابي الشرقاوي) ومضت في ذات الطريق الذي أسقط نفوذ سابقيها . ما أتاح الفرصة لأن تكون هذه المجموعة, لقمة سائغة تحت ضغط المجموعات ,التي هزمت في المراحل السابقة التي مرّت بها جلابي , ومن ثم كان الطريق ممهدا لاستيلاء الجلابة العرب على جلابي , ومنذ هذه اللحظة أصبح أسمها جلابي ود عربي .

وأستمر هذا الاسم على الرغم من زوال ثقافة الجلابة, وأنهيار مؤسسة الرق تحت ضغوطات العالم , والصحوة المفاجئة لضمير الآباء المؤسسين, لمرحلة ما بعد الاسترقاق وجلب الرقيق في جلابي , كما أن المساحة الجغرافية لجلابي الحقيقية ,التي كانت تشمل المدينة الريفية. تقلصت وتقلصت الى أن تحولت لاراض بور قام سكان المدينة الريفية باحيائها بالزراعة , الى أن برزت بشكل مفاجيء جلابي مرة أخرى للوجود ..

التاريخ الأقدم لجلابي ( وفقا لبعض الاجتهادات الأثرية والتاريخية ) يفيد بأن جلابي مقر لممالك جلابية عريقة منذ عصر ما قبل الديانات التوحيدية الثلاث , لكن هذا التاريخ ظل مجهولا فالكشوفات الاثرية, التي أفادت بأن جلابي والمدينة الريفية هما موقعا مملكة ساورا التي ظلت أسباب نشؤها في هذا المكان وعوامل انهيارها غامضة الى حد كبير , لم تقنع أهالي جلابي بأنهم أحفاد لأسلاف ضربوا بجذورهم في هذا المكان ..

اذ كان أهالي جلابي بصورة عامة, يشعرون أن حياتهم هشة. وأنهم يقيمون على قشرة بيضة, سرعان ما تتهشم ويتهشمون معها, ولا يدري أحد: كيف تكون هذا الشعور داخلهم !!..

هزّ الموظفين رؤوسهم , واقترحوا على أهالي جلابي ود عربي اسم (الفردوس) كبديل . فهزّ الأهالي رؤوسهم دون تعليق.. وهكذا أصبح لحلّة النازحين أسمان : اسم رسمي مدّون في السجلات “الفردوس” واسم أشتهرت به الحلّة “جلابي ود عربي” .. وهذا الاسم الآخير كانت التنظيمات السياسية الطائفية تستغله أيما أستغلال في الانتخابات , اذ يسرح السياسيون “المساطيل” والمخمورين بخيالهم , فيتحدثون عن أمجاد مزعومة “للجد” المؤسس جلابي , الأمر الذي يجعل أشجان عدد كبير من الأهالي ومشاعرهم “الوطنية” تهتاج , فيصوتون للمرشحين الأماجد , وهم يهتفون “لا نصادق غير  ..” ” لا نبايع الا ..”- “الجلابي ود عربي تقف من خلفكم وتشد من أزركم ” – ” الجلابي ودعربي ُتحي الثّورَة ” – ” الجلابي ود عربي جاهزة لحماية العقيدة والوطن ” – ” الجلابي ود عربي تدعم ضرب السد العالي بصواريخ كروز “- ” الجلابي ود عربي تتحدى اميركا وتحذرها للمرة الآخيرة ” – الجلابي ود عربي تتبنى مذبحة أم الحمام وعملية  أغتيال امبراطور وادي النيل الفاشلة ” .. هذه الهتافات هي في الأصل عبارة عن الشعارات المكتوبة “بالتفتة” على القماش المخرّم , والتي علقها السياسيون في أنحاء جلابي على جدارات البيوت وأبواب الدكاكين والكناتين والبقالات الصغيرة .. وهتاف أهالي جلابي بها في لحظات “الإهتياج الوطنّي” هو إستثناء ينقضي بانقضاء حالة الإهتياج العابرة , ففي واقع الأمر أن هذه الشعارات كانت تستفز الكثيرين من أهالي جلابي  ود عربي , الذين يعتقدون أن الجد المؤسس “جلابي” ما هو الا جد وهمي خرج من بنات الأفكار الجنجويدية !..

واذا كان موجود فعلا ًجد بهذا الاسم ,فهو غير جدير بأن تفتخر به بلدة جلابي ود عربي العظيمة .. وأن أي قول خلاف ذلك هو استفزاز مع سبق الاصرار والترصد للذين لا تربطهم به صلة نسب أو شجرة قرابة , وأن توظيف السياسيون لحدوتة جلابي ود عربي ماهو إلا تكريس للتواطؤ ضد القيّم النبيلة التي أساء اليها الجد جلابي المغضوب عليه ..آمين ..

وهكذا يثير السياسيون الذين يفدون أيام الانتخابات , المشاعر القمقمية الحبيسة- لأهالي جلابي ود عربي( وذكريات الغزو والسلب والنهب والفتوحات التي جادت بها العبقرية البدوية الصحراوية .. وكأن ستين ألف شيطان في داخل كل شخص من الأهالي أنطلقوا لتعانق قبة السماء هتافاتهم التي يرتج لها السمّاك والثريا (وكوكب المريخ أيضا) ..

كأن أهل جلابي ود عربي , لم تكن هذه الهبات الغضنفرية جزء من حياتهم العامرة بكل ما هو عجيب وغريب ! فما أن ينتهي موسم الانتخابات ومع نفاد المصارّيف والسكر والزيت والذّرة , التي أشترى بها السياسيون أصوات الناس , ينسى أهالي جلابي كل شيء خاصة تهديداتهم لامريكا , التي دفعت وزارة خارجيتها لأن تضع جلابي ود عربي ضمن المناطق الراعية للارهاب والتطرف !!..

لا يعتبر أهالي جلابي أن هذا أمر خطير , فلا أحد منهم مهموم بعلاقة جلابي باميركا .. أو علاقة أميركا بالعالم الذي جزء منه جلابي الموقرّة ..

وهكذا تعود الحياة في جلابي بعد الانتخابات لإيقاعها الراكد المألوف , محفوفة بالآمال العراض التي رسمها السياسيون في أذهان الناس قبل أن يرحلوا (فأهل جلابي ود عربي كأسلافهم الغابرين لا يتعلمون من دروس الماضي – يصدقون السياسيين ويظلون حبيسين لهذه الاحلام التي تبدت عنها وعود الانتخابات التي بذلها السياسييون في لحظات الحماسة المنبرية ,أمام مكبرات الصوت , حتى أن أحدهم وعد أنه لو فاز سيصطحب كل أهالي جلابي فوجا إثر فوج في رحلة سياحية للفضاء الخارجي , حتى يطلعوا على إنجازات واحدة من سلالات أسلافهم الغابرين الذين هبطوا من السماء !.. وصدقه أهل جلابي رغم ادراك بعضهم أن السياسيين أصلا يبذلون الوعود لأنهم لا يرغبون في انفاذها , فلو قاموا بانفاذها لن يجدوا أحدا يصوت لهم , فالناس وقتها سيعون أن هؤلاء السياسيين ليست لديهم برامج , وكل ما لديهم هو أضغاث أوهام في السلطة والتسلط , والتي عندما تمنح لهم – السلطة – لا يعرفون ماذا يفعلون بها سوى ارسال الجرافات للبلدات والاحياء العشوائية خارج التخطيط لهدمها دون تقديم معالجات لأصحاب هذه البيوت المهدومة أو بدائل ) ..

المفارقة أن جلابي لا تزال خارج التخطيط, كما أن السواد الأعظم من سكانها ليست لديهم شهادات ميلاد أو جنسية!!بالتالي قانونيا ليس لديهم الحق في التصويت لعدم وجود أو اكتمال أوراقهم التي تثبت شخصياتهم , كما أنه والأمر كذلك ليس من حق المناطق خارج التخطيط, أن تتمتع بالخدمات الأساسية الا بعد تخطيطها , ومع كل ذلك يعتقد أهالي جلابي ود عربي – أصالة عن أنفسهم ونيابة عن كل شعوب البلاد الكبيرة التي تشبههم – أنهم مواطنون مواطنة كاملة  (على الرغم من أن جلابي ود عرّبي تنقصها الخدمات الأساسية !!) وهذا الأمر عندما ُيثار يلتبس على أذهانهم ويرّبك أفكارهم , اذ لا يستطيعون حل المعادلة الصعبة التي تقول بنهوض المواطنة في الخدمات (كما قال أحد موظفي تنظيم القرّى ومعالجة السكن الاضطراري أثناء تدخينه البنّقو في بيت مزّيد الحلبي) .

حلة جلابي ود عرّبي رغم حداثة نشأتها, في هذه المرحلة من تاريخها المتقطع كجزر معزولة , ظلّت كالزئبق تتمدد كل يوم, حتى ألتهمت اجزاء واسعة من المدينة الريفية ..

لم يكن أحد من سكانها من جيل المؤسسين , فالجميع كانوا يؤكدون ,أنهم جاءوا ووجدوها مليئة بالناس , كما أنها لم تشهد أى حالة وفاة تقتضي وجود مقابر لوقت طويل  من الزّمن.. والأغرّب من ذلك  أن كل سكانها بين سنّ المراهقة والخمسين . ولاحظ موظفو السّكن العشوائي أيام حملات الهدّم (فأهالي جلابي محيرّين كلما جاءت الجرافات وهدمت جلابي , ُيفاجأ المجلّس البلدي أن الأهالي شيدوا جلابي من جديد , فجلابي تجرّبة سكنية فريدة , لاتيأس مثل الأحياء العشوائية الأُخرى , رغم فقدها لأرواح عديدة في أيام الهدّم المتكرّرة , كأن روح شجاعة هي التي تحرك كل الأهالي وتوحدهم , وكل الأرواح التي فقدتها جلابي , قتلت مقابلها عدداً من عساكر الجيش والشرطة ,الذّين كانوا يأتون مع حملات الهدّم , الأمر الذي أفضى في النهاية الى يأس المجلس البلدي ,فبعد 15 محاولة هدم لجلابي صرف  نظره تماما فيما أسماه ب”مسألة جلابي ود عرّبي المعقدّة ” وأقترح رئيس المجلس أن يطلق عليها اسم “الفردوس” وتترك وشأنها كأيّ منطقة حُكم ذّاتي) ..

ما لاحظه موظفو السكن العشوائي, أيام حملات الهدم التي كانوا يستعينون فيها بالجيش والشرطة (وخلّف ذلك بالطبع, ضحايا بعدّد شعر الرأس من الجانبين )هو غياب الأطفال والمسنين , فهزّوا رؤوسهم ومضوا , ولم يعودوا بعد ذلك أبدا . لكنهم كتبوا تقارير صارمة , لم يتسرّب منها سوى عبارة واحدة ” هذه البلدة ,يجب ألا تشملها خدّمات الرّعاية الإجتماعية ” ,مع أن برنامج الرّعاية المذكور ,لا وجود له سوى على المستوى النظري (ومع ذلك حتى نظرياً حُرمت منه جلابي ود عربي)!!..

أدهشت هذه العبارّة ,التي سرّبها بعض الموظفين ,الذين يرتادون جلابي طلبا للمخدرات أو الخمر أو الجنس , ليدخنّوا أو يحتسوا أو يقيمو علاقات جنسية (كل هذه الخدّمات مجانا ) , بعد أن يقدموا وعود عظيمّة , لأصحاب الشأن في هذه الأمور( بأنهم سيستخرجون لهم عقود ملكية للأرض ” كل فرد منكم لازم يحصل على قطعة أرض في جلابي .. دي منطقة عندها مستقبل , كما أنه هناك كلام تحت تحت أنها منطقة نفط .. ولو ما فيها ذاتو, قطعة الأرض بتنفعكم انشاء الله تبيعوها للأمم المتحدة, تعيد فيها توطين اللاجئين البوسنيين , أو تعمل فيها مزارع دواجن ..حرّة..” )..

وهكذا يطلق الموظفون العنان لأحلام أهالي جلابي , الذين يبدأ الواحد منهم يتصّور  شكلّه  في العقال والقطرّة والجلباب الأبيض ,المصنوع خصيصا في الصّين لأهالي جلابي الأثرياء .. وتمضي به الأحلام, فيتخيل نفسه وهو سائح في بلاد العالم الواسعة ,يحمل عملة جلابي التي ُتجندّل في طريقها كل أوراق النقد البترولية والصناعية , ولا تتوقف أحلامه إلا بعد أن يرى نفسه قد أكتفى من ترحال السياحة, وملذات الدنيا وغادر الفندق عائدا الى جلابي الحبيبة ,حيث تحط به طائرته الخاصة في مطارها الدولي ”  ..

عندما يطيب للموظفين تكرار (..أو تعمل فيها مزارع دواجن ..” تضحك “فدّاديات ” جلابي , اذ يخطر على بالهن لحظتها “حسّان جداد” ..

ظل سؤال الرّعاية الاجتماعية الذي سربه الموظفون , يشغّل بال جلابي , الى أن تمكن منها ذلك الحريق العجيب (فالمطافي لم تتدخل, إلا بعد أن أتى الحريق عملياً على كل شيء ) المرّيب ,الذي أشارت بعض الشائعات الموثوقة, أنه تكنيك جديد من جماعة أبو لكيلك في المجلس البلدي, لمحاربة السكن العشوائي !..

لم تكن أُم التيمّان, هي القصة الوحيدة في حياتي بجلابي ود عربي . فهناك قصة أخرى مع ست البنات العشمّانّة , في تلك السنوات الباكرة من مراهقتي ..

كانت ست البنات العشمانّة, بين آن وآخر تصّطادني ,وأنا أترنح من ال”كانجي مورو” أو  أل “عسلية ” .. أتسلل خفيّة, منفلتاً بحذّر ,من بيت أم التيمان , فتحملُّني العشمانّة حملاً على دخول بيتها .

في البدء كنتُ أمانع , ولا أوافق إلا بعد إلحاحها الشدّيد . بعد ذلك أصبح بيت ست البنّات محطتي التالية لبيت أُم التيمّان . ولم تكن تدع أحداً يراني , إذ ُتدخلّني الى دارها ,من باب خلفي مموّه , ألج عبرّه الى غرفتها الخصوصيّة ..

كانت تغسل لّي وجهي , وتمسح علىّ رأسي وُتقبلُّني بجنون , وقبل أن تدعني أنصرف تعطّيني أوراق اللّيمون أو التُوم لأضعها في فمي , وأمضغها كي ُتزيل رائحة “الكانجي” أو ” العسّلية” من أنفاسي .

عدد من صغار التُجار ,في المدينة الرّيفية, أغلقوا محلاتهم وأنتقلوا إلى جلابي .. كان أبي أحد هؤلاء التجار , الذين لا أدري سبب إنتقالهم , ولكن بالنسبة لأبي, فربما كان الحنين لبيئته القرّوية , التي لم تعرّف الكُهرباء ومواسير المياه .. تلك البيئة الغامضّة بعوالمها السّحرية , في أقصى الغرب .. ربما ذلك هو ما جعله ينتقل بدُّكانه الصّغير إلى جلابي ود عرّبي , فهي  ُتمثل الّظل للقرية التي جاء منها ..

في البداية كانت الحرب بين أبكر والشيخ “جداد” غير معلنّة , ولكن ما أن سافر حسّان جداد, الى الأراضي المقدّسة وعاد , بعد أن بقى فيها لأكثر من عامين , حتى أبرز أنيابه لأبكر ..

اذ أخذ يتحدث عن الدّجل والشعوذّة ,ولم يلبث أن أخذ في خطبة الجمعة , يخصص محاور, وفصول كاملة عن ذلك ضاربا بأبكر المثل .. ورغم ذلك كان أبكر صامتا صمتا مريبا , لا ينبث ببنت شفة ..

أنطلقت بعض الشائعات تعليقاً على حملة حسان جداد ضد أبكر, زاعمة أنه يحسد أبكر على النساء الجميلات , اللواتي يأتين من المدينة الرّيفية خصيصاً ,كي يزيل عنهن “العوارض” , أو يعالجهن من “الطب”  أو العين , الخ ..

وذهب البعض الآخر الى أن واحدة من اللآئي يأتين, الى أبكر المعراقي ,هي في الواقع سلمى خير اللّه التي تسكن المدينة الرّيفية  الأخت غير الشقيقة لجداد , وانما تأتي لأبكر بغرض أن يكتب لها “للمحبة والزواج”, أو يجدد لها ما كتبه سابقا , وجنح خيال البعض أن ثمة علاقة جنسية بينها وبين أبكر , وهى الدافع الأساس لحملة جداد الشعواء ..

بينما اصر آخرون أن جداد رجل صالح ويرفض البدع , وهنا أضطر البعض إلى تذكيرهم بالعلاقة المريبة التي تربط جداد وأدروب , والتي لا يمكن أن تكون من علامات الصّلاح ..

وهكذا تعددت الروايات والحكايّات حول المسألة, واضعة نصب عينيها (هذه الحكايّات والروايات) عوامل وعناصر وأسس وخيارات وأحتمالات عدة, تقف خلف الحملة الانتقامية التي قادها جداد ضد أبكر, منذ مجيئه من الأراضي المقدسة, ولولا تهديدات البعض لجداد ,لتطورت الى بسوس أخرى !!..

ولكن , بعد أن داهمت قوات الشرطة العسكرية والأمن الايجابي وجهاز الأمن العام , في الساعات الاولى من فجر أحد الأيام منزل أبكر المعراقي وحاصرته , وأخرجته مقيدا بالسلب الغليظ الذي لا تعقل به الا البعير , ونصبت له عمودا من خشب الصنوبر الذى كانت الحكومة  الجنجويدية قد أستوردته  من لبنان خصيصا للاعدامات والشنق , ونصبت هذا العمود في قلب أكبر ميادين جلابي بعد نادى المنادي في الناس بالمايكروفونات , اصطف العساكر ورموه بالرصاص بعد هذه المداهمة السريعة والمباغتة التي لم تدع لأبكر مجالا للهرب .

بالاعدام الفوري  لابكر اصيبت جلابي ود عربي, برعب لم تستطع التخلص منه الا بعد شهور عديدة , حتى أنها في الشهور الأولى, لم تجرؤ على معرفة السبب , خلف ما فعلته أجهزة الأمن بأبكر , بهذه الطريقة العلنية البشعة ..

رغم أن الحكاية كانت واضحة وضوح الشمس , كما أن الأجهزة الأمنية لم تحرص على إخفائها , اذ أعلنت في بيان رسمي أن أبكر ليس أبكر فأسمه الحقيقي هو آدمو .. ذلك المتمرد المسلح المسئول عن التمرد الذي حدث قبل فترة, في الأطراف الغربية للبلاد الكبيرة (وبعد أحتواء الحكومة للتمرد, بتآمر عدد من قادة المجموعة المتمردة, ومجموعات أثنية منافسة للمجموعة التي ينتمي اليها أبكر, وأنقسام مجموعة أبكر نفسها بسبب عدد من الاختراقات الناجزّة من قبل الحكومة الجنجويدية لمجموعات الإنقسام ) لهذه الأسباب وأسباب أخرى أستطاعت حكومة أبو لكيلك القضاء على التمرد ..

وكان أبكر قد هرب منذ وقت مبكر ,عندما لم يعد يثق بأحد من المجموعات المنقسمة , ولم يتم العثور عليه رغم البحث المكثف الذي أجرته أجهزة أمن أبو لكيلك .. فقد أختبأ أبكرمتنكرا في شخصية معرّاقي , في جلابي التي لا يمكن أن تخطر على بال الأجهزة الأمنية, كمكان يصلح لأختباء أىّ شخص , لطبيعة الحياة العلنية لأهالي جلابي من جهة , ولكونهم بلا أسرار تذكر من جهة أخرى ..

ويبدو أن إختباء أبكر , وتنكره تغطية لشخصيته الحقيقية , كان مؤقتا ريثما يتمكن من(أعادة بناء تنظيمه المسلح وترتيب أوضاع رجاله, و ترتيب أوضاع ثورته المجهضة لإشعال نيران تمرده من جديد ..

هذه الرواية الرّسمية أقنعت الاهالي . في البدء . لكن , بعد أن أطمأن الموظفين الذين يرتادون جلابي الى زوال الخطر عنها , وأن الأوضاع في جلابي قد عادت الى طبيعتها (كما أكدت اذاعة لندن بذاتها وصفاتها ذلك ) , بعد أن تأكد الموظفون بما لايدع مجالا للشك لديهم(بعد أستماعهم لعدد من الفضائيات أيضا) عادوا يرتادون جلابي مرة أخرى يمارسون المثاقفة التحليلية للحدث , أثناء علاقاتهم الجنسية او أثناء قعدات الخمر أو الحشيش ..

وهكذا خرجت الى العلن في فضاءات جلابي ود عربي, تحليلات تختلف تماما عما قالته الحكومة الجنجويدية رسميا في بيانها الشهير (وبدأ الحديث عن إنتهاك حقوق الانسان والحق في محاكمة عادلة , الخ.. مما يسميه أبو لكيلك ب : خزعبلات العولّمة ) ..

عندما غادر الأثر المرّوع أهالي جلابي , علموا من بعض المتنورّين (علمانيين جلابي ود عربي) أن بعض القوى السياسية أصدرت بيانات ,ُتعضد من معنويات أهالي جلابي (في هذه المحنة التاريخية التي يمرون بها – كما جاء في أحدى الصحف السرّية التي تطبع على أوراق الرونيو بآلة الخشب البدائية , المسماة “كرجاكة”, والتي هي احدى الانجازات العبقرية للنضال السرّي تحت الأرض ضد نظام أبو لكيلك )..

من أكثر التحليلات التي أستوقفت أهالي جلابي , ذلك التحليل الذي ألتقطه مزيد الحلبي من أحد الموظفين في السكة الحديد بأن : أبكر الذي أعدمته قوات الأمن ليس هو آدمو ولا يحزنون , وانما هو كبش فداء لإحباط “جماهير شعبنا” , وقطع الطريق على أنتفاضتها الشاملة والمحمّية بالسلاح . فهذا الاعدام هو بمثابة القضاء على أمل الحركة الجماهيرية, في هبتها الثورّية القومية والأممية(حتى هذه اللحظة لم ُيشاهد ذلك الموظف في جلابي ود عربي مرة أخرى على الاطلاق, كما أن أسرته لا تعرف مكانه , وزملاؤه في العمل غيروا وظائفهم , فاغترب بعضهم الى الخليج ومصر , وقدّم بعضهم  طلبا لاجازة طويلة الأمد بدون مرتب , وأستقال البعض الآخر بدعوى أنه وجد فرصة عمل أفضل (مع أن شهود عيان يؤكدون أن هؤلاء بالذات, أغلقوا على أنفسهم أبواب بيوتهم, وليست هناك عروض أفضل قدمت لهم, أو أي شيء من هذا القبيل ) .. هذا الموقف من الموظفين أسعد مسئولين سكة حديد أبو لكيلك , فهذه المؤسسة أصلا تم تدميرها بصورة منظمة , بسبب أن نقابتها شكلت مصدر إزعاج لكل الحكومات الجنجويدية, منذ جعفر الجنجويدي الثاني مرورا بصديق الجنجويدي الرابع عشر وصولا لأبو لكيلك الخامس , وبتقديم الموظفين لإستقالات, حملوا عبئا كبيراً عن المسئولين, الذين كانوا عملياً  قد باعوا السكة الحديد لجمهورية “مالفي” في أقصى الجنوب الآسيوي , باعتبار هذه المؤسسة (السكة الحديد مثلها مثل المشاريع الزراعية : خاسرة) !!.. وهكذا لم يعد – ببيع السكة الحديد – أى مؤسسة قطاع عام , فقد كانت هى آخر مؤسسات القطاع العام, التي تبقت من حملات البيع المسعور ,لمؤسسات البلاد الكبيرة , وكان الموظفون يدركون قبل تقديم إستقالاتهم (التي يؤكد البعض أنهم أجبروا عليها) يدركون أن السماسرة الذين أطلقهم أبو لكيلك في أصقاع الأرض الأربعة, لم يجدوا مستثمرا مغريا بعد , إلى أن لاح في الأفق ذلك المستثمر الآسيوي ..

لكن الشائعة الجديرة بالاهتمام الشعبي في جلابي ود عربي , تلك التي أنتجها الاهالي أنفسهم, والتي تفيد أن جداد وظف علاقاته النافذّة للقضاء على أبكر , الأمر الذي جعل أهالي جلابي ود عربي يخافون جداد كثيرا (وندم البعض بالفعل على كلام ربما يكون قاله لجداد في وجهه ذات مرة , وأنتابت بعض رّهاف القلوب, ممن أساءوا لجداد الهلاوس في أحلامهم , اذ يأتيهم جداد في شكل ديناصور, أو تنين أو كائن فضائي غريب ليشتت أحلامهم, بعد أن يكتم على أنفاسهم أو يخنقهم أو يبتلعهم, فيرون أنفسهم في أمعاءه الغليظة , التي تعتصرهم .. يموتون ببطء ببطء ببطء شديد ) .. وهكذا أمتنع هؤلاء عن الإساءة لجداد , والذين كانوا أكثر شجاعة خففوا حملاتهم ضده!!..

التخوفات التي أبدتها المدينة الرّيفية عند نشأة جلابي ود عربي , أتضح أنها كانت تخوفات في محلها . فقد صدقت هواجسهم وظنونهم , فبعض نساء الموظفين والعمال كنّ يتركنّ بيوتهنّ ما أن يغادر أزواجهن الى العمل, ويجئن الى جلابي ود عربي ليمارسن نزواتهن  . ولا يعدن الى بيوتهن الا عندما تقترب مواعيد عودة الأزواج المنهكين ..

كذلك أصبح الطلاب يتسللون من مدارسهم , ليقضوا بقية يومهم الدراسي في جلابي ..

كان من أبرز معالم جلابي ود عربي كرتون وأدروب وجداد وأبكر وجمال الحلة ورياك وعبد الرحمن ود التوم (العوير) وكسبان الضّاوي .. اذ يشتركون جميعهم في أحوالهم الغريبة , كما دونتها الذاكرة الشعبية لجلابي ..

هذه الأحوال التي أصبحت مألوفة , اذ لم تعد بمرور الوقت تثير إهتمام أحد . على الرُّغم من أن ذاكرة جلابي نفسها , نهضت في هذه الأحوال .

لكن ما ظل ثابتا وراسخا , أنه ما أن ُينطق اسم جلابي ود عربي , حتى يتبادر الى الذهن كرتون وأبكر وجمال والعوير والضّاوي .. فكرتون (وكرتون هذه ليست جزء من أسمه الحقيقي الذي لم يفصح عنه لأحد أبدا ) كان يأتي مهندما , ومتأنقا الى جلابي صبيحة كل جمعة . فيدخل بيت السّرّة ست المريسة , ويبقى ليشرب حتى تتلاشى سحابة النهار , فيخرج مشعشعا ومترنحا , ليمضي باتجاه المدينة الريفية , متعثر الخطى , ومتمتما بكلمات لا يسمعها أحد سواه !.. ولا يبين  مرة أخرى الا صبيحة الجمعة التالية , وهكذا ).. أعتاد الناس عليه : يأتي ليشرب الخمر البلدي , وينصرف بهدؤ دون أن يسأل أحد أو يسأله أحد !!.. حتى أنه عندما سكن مع السّرّة في بيتها , لم يبد هذا الأمر غريبا , أو مثيرا للتساؤل (بعض الشائعات أكدت أن جداد ذاته بشحمه ولحمه لم يهتم لهذا الأمر ليدرجه ضمن حملاته الوعظية  في ترويع الآمنين من آهالي جلابي) رغم تبجحاته السابقة, عن إهتمامه لأمر السّرّة وابنيها , ورغم غاراته الدينية الجهادية المنتظمة !!..

ما كان يثير التساؤل حقا هو : أين كان كرتون يسكن  في المدينة الريفية , وكيف كانت حياته بالضبط , ولماذا ترك بيته ليساكن السرة ست المريسة ؟!..

.. الآن ومن أعلا بُرهات هذه اللحظة , البلّورية . وفي لحظة أحتضار , حيث جسدي مُلقى بين الحياة والموت , تجيء كل هذه العوالم , ماثلة أمامي . حيث يتكثّف الزّمن حتى ليصبح دهرا ..

ها أنا أجلس على ُشرفة الخاطر , لأسمع صوت حسن ممتزجا في صوت شقيقته سارة  . صوتا واحدا متوحدا  قادماعبر الزّمان والمكان , مختزلا المسافات وقوانين الضؤ والكيمياء والفراغ الواسع الذي يفصلنا , يحدثني عن جلابي ود عربي التي لم تعد كما هي ذاتها تلك البلدة التي ينتهكها زوار الفجر وجرارات المجلس البلدي وحملات الانضباط والنظام العام , والمباحث الجنائية .

فقد تغير الحال في مدينة الفردوس (جلابي ود عربي سابقا) ..

أحاول تجميع الوقائع والاحداث, وترتيبها في ذاكرتي لانشائها من جديد ..(جلابي) كما عرفتها : بلدة كل شيء فيها يُنبيء دائما, أن ثمة كارثة ستحدث بعد قليل !!..فكل شيء معد للأنفجار !!..

فجداد لم يكتف بإعلان الحرب على أبكر فحسب , اذ سرعان ما شملت حملته الأنتقامية رياك دون أن يدري أحد سببا مقنعا لذلك . فجداد دون سابق إنذار أخذ يُحرض الأهالي على مقاطعة رياك (زاعما أنه “رياك”وثني مسيحي كافر ) آمرا عباد الله المؤمنين في جلابي بالابتعاد عنه وعزله , كالمرض المعد , مستهديا بالحديث ” انما المسلمين ——- تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ” فكان البعض يهز رأسه موافقا , وربما تأخذه الحماسة فيهتف “وأقتلوهم أينما ثقفتموهم ” فيرد عليه آخر ” وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ——-” , وبالطبع يتدخل علمانيوجلابي همسا ضد هؤلاء “الهتيفة ” يريدون أن ينالوا حظوة عند جداد ” ويتجرأ بعضهم فيرفع صوته معارضا :” أنت تريد أشعال الفتنة الدينية – الدين لله والوطن للجميع ” بينما لا يأبه آخرون اذ ينصرفون بهدؤ , ما أن يبدا جداد إستهلال حملته .. وهؤلاء الذين لا يأبهون على وجه الخصوص , هم أول من لاحظ التبدلات التي أعترت شخصية كرتون التي أعتادوها .

اذ لم يعد كرتون يغادر جلابي الا مرّة أو مرتين في الشهر , حاملا كل الكراتين وباغات الزيت الفارغة التي يشتريها من الدكاكين والكناتين في جلابي , يربط كل ذلك على حمّار السّرّة , ثم يمضي بها الى المدينة الريفية .. يغيب الى أن تنقضي سحابة النهار فيأتي بدونها .

كان الأهالي في جلابي يتساءلون :” اين يمضي بكل هذه الكراتين و”الباغات ” الفارغة ؟!” ..

فكان جداد يرد عليهم :

– ربما تكون فيها مصلحة .

-قطع الرقاب ولا قطع الأرزاق .

ورد جداد عادة يكون متوقعا , خاصة في هذه الحالة , نظرا لمحاولاته الدؤوبة في تجنيد كرتون الى صفه , بعد أن نجح في تجنيد أدروب , الذي كان قد ارتبط به في علاقة مريبة , أثارت الأسئلة حتى في الأوساط العليا للعرافين , وفقا للشائعات التي ملأت جلابي ود عربي ..

يعتقد البعض أعتقادا جازما أن جداد , أنضم الى العرافين , نظرا لدوره الكبير في إعتقال وإعدام أبكر المعرّاقي , وأن العرّافين ,هم الذين مولوا مشروعه الخاص بالاتجار في الدجاج والبيض , وأنه يحاول تجنيد كرتون لهذه المجموعة العجيبة , التي تعرف كل شيء , فما أوتته من العلم ليس بقليل . كما أن جداد حاول من قبل تجنيد رياك ففشل , الا أن نجاحه في تجنيد أدروب دفعه الى مواصلة الجهاد لتجنيد المزيد من العرافين ..

أحوال العالم المنسي لجلابي ود عربي مليئة بالثغرات والثقوب (طبيعة الذاكرة المنتهكة لجلابي ذاتها) إذ تسم ذاكرتي في هذه اللحظة الفاصلة بين عالمين بالانهاك , فتسقط منها الذكريات عشوائية , متداخلة , غير مكتملة .. تتكوّم الأحوال : حالا فحال , أمامي ككتلة من القلق الكُلّي والأحاسيس والشجن . فيكون التساؤل كالهلاك : هل كان لهذه البلدة وجود أصلا ؟ أم هي تشكلت من دوار خمر البارحة , التي لاتزال أبخرتها تفوح من أنفاسي !..

لم يطلق أهالي ود عربي على حسّان اسم جداد للسخرية منه . فالتسمية جاءت للرجل من تجارته في الدجاج والبيض . إذ لم يترك بيضة واحدة أو دجاجة “حايمة” في شوارع جلابي أو المدينة الرّيفية , إلا وأستهدفها بالشراء من أصحابها , وشملّت إهتماماته بالطيور حتى فراخ الحمام , وعندما توسعت مداركه , ضم الى تجارته الأرانب والبط وديك الرّوم ودجاج” الفولان” , لكن لم يسر عليه سوى اسم : جداد “دجاج” ..

في الأيام الأولى لتجارته , عندما وفد الى جلابي حديثا , كان يبذل مجهودا جبارا في سبيل جمع أكبر قدر ممكن من الفراخ والبيض والفراريج .. يمشي على قدميه مسافات طويلة ويطرق كل الأبواب , في كل احياء جلابي والمدينة الريفية مترامية الأطراف ليسألهم ان كان لديهم شيء منها للبيع .

ويوما بعد آخر أصبح أشهر من المحافظ , كل المدينة تعرفه . فلم يعد بحاجة للبحث عن الطيور أو البيض . فكل شيء أصبح يأتيه في مكانه . فلا أحد لديه بيض أو أيّ نوع من أنواع الطيور الجلابية أو العجمية يرغب في بيعه الا وأتى به الى جداد , قاطعا المسافات من المدينة الريفية الى جلابي(هذا اذا لم يكن من أهالي جلابي ) . الذي ابتداء من هذه اللحظة أصبح أسمه حسّان جداد (بدلا عن حسان فقط – لوحظ أنه كان يفخر بلقبه الجديد”جداد” الى حد الإنتماء , فعندما تقول له “جداد” يبتسم بسعادة غامرة كأنك تناديه ب”حضرتك” أو “جنابك ” أو ” سيادتك” ) ويبدو أن عمل الرجل في الطيور جعله من أصحاب الأحلام المحلقة في سماوات ليس للآخرين الأجنحة الكافية ليطالوها ..

فالرجل طرح مشروع  سلسلة من االمجمعات الاستهلاكية اطلق عليه :” الأمن الغذائي” . تزامن اطلاق هذا المشروع الأخطبوطي , الذي شمل ضواحي وبلدات المدينة الريفية , تزامن مع تأجير جداد لمحل في قلب السوق الكبير للمدينة الريفية ..

وهكذا أتسعت تجارته وأصبح من أهم الموردين للبقالات الكبيرة , وأصبح محله في السوق الكبير للمدينة الريفية , مركزا لمجمعاته الاستهلاكية , التي شملت مشاريع فرعية مثل “مطاعم جداد للوجبات السريعة” “جداد للعرديب والمرطبات التراثية””جداد للخضر والفاكهة ” “جداد للخردوات ” “جداد للترحيلات عبر المدن” , ” جداد للصناعات الدوائية – تخفيضات خاصة للكلوتات الطبية والكوتكس والكوندمس, ولفيترا للذين لديهم مآخذ على  الفياجرا بسبب تحفظاتهم على الاعلان التلفزيوني المبتذل للفياجرا الذي يعرض  فيه  أحد الأشخاص وهو يغرس مسمارا سميكا في جدار صلب دون أن ينثني هذا المسمار , الذي يبدو من الواضح أنه سقى بماء الفياجرا , و تسهيلا لخدمة الزبائن  ابتدر جداد بند  خدمات توصيل مجانية” ,  “تاكسي جداد التعاوني” “جداد للتبغ والعماري الأصلي “..

وتأكيدا على جديته التجارية شنّ جداد على الجمهور حملة اعلانية تلفزيونية , عرضا لمنتجاته الطبية على وجه الخصوص , ولاحظ بعض المراقبين , مدى استفادة جداد من اعلانات الفياجرا والليفيترا..

 لم يترك جداد شيئا يتم استهلاكه يوميا, لم يضعه ضمن مشروع مجمعاته الاستهلاكية .  ورغم هذا اليسر الذي جاءه من وسع , لم يرحل جداد من سكنه القديم , فالرجل مشهود له بالوفاء للتراث !!..

شهد مسكن جداد الفارّه دونا عن كل مساكن جلابي ود عربي , توقف العربات الأمريكية واليابانية الفارهة أمامه بالساعات الطوال .. كان زواره يأتون في هذه العربات من مختلف أنحاء المدينة الريفية والبلاد الكبيرة , خاصة حاضرتها .. كانوا رجالا أنثويي الملامح (بل حتى طبيعة الصوت عندما يتكلمون وطريقة المشي” المتفدعة” عندما يترجلون عن عرباتهم الفاخرة) متأنقين في ثيابهم الزّاهية وأجسامهم اللامعة ,” النديانة” , التي أزعجت أدروب فسأل أحدهم :

– وجهك مالو ناير كدي ؟!.

فرد عليه :

– من أثر الركوع ..

فقطع أدروب الحركة , كأن أحد الأمطار الغزيرة” صّبت” عليه لحظتها !!..

في هذا الوقت كان جداد قد نقل  الجامع من موقعه القديم  وأكمل بناء الجامع الجديد  في موقع آخر, أثبتت الأحداث فيما بعد أنه أختاره بعناية منقطعة النظير, ونصّب نفسه إماما عليه (ومأموما كذلك أغلب الأحيان !!) اذ لم يعد أحد يرتاد الجامع , الذي أصبح اسمه جامع جداد بدلا عن “مسجد جلابي ود عربي العتيق” .

في لحظة سابقة لهذه اللحظة (هي اللحظة التي سافر فيها جداد للأراضي المقدسة ) وفي غيبته انطلقت كثير من الشائعات حول أعماله المريبة . لكن الشائعة التي أنطلقت من مجالس النساء كانت مختلفة عن الشائعات الأخرى ,عن علاقاته وأعماله . مفاد الشائعة أن جداد يرتبط بعلاقة مثلية مع أدروب .. بالطبع وصلت هذه الشائعة الى مسامع الرجال , فأعادت الى أذهانهم شائعة سمعوها في الأيام الأولى التي جاء فيها جداد وأستقر في جلابي ..

مفاد تلك الشائعة أن جداد منذ نعومة أظفاره وهو جزء من كيان العرافين , متشرب بأفكارهم , ولذلك أرتقى داخل صفوفهم , وظل يرتقي الى أن اكتشفوا بالوثائق والاثباتات ,أنه نهب مبالغا ضخمة دون أن يعثروا لها على أثر , فواجهوه وطردوه من كيان العرّافين , ولم يظهر جداد سوى الفقر والحاجة , ولم تبد عليه علامات الثراء أبدا , وضرب في أنحاء البلاد المختلفة , الى أن طاب له المقام في جلابي  وبدأ يظهر عليه الثراء تدريجيا .

بعض الأهالي وقتها كان لديهم رأي مختلف , وهو أن ما تم من قبل العرافين تجاه جداد هو مؤامرة لاقصائه بسبب مثلّيته , بينما مضى آخرون للزعم أنها مؤامرة مثل كل المؤامرات( ” فالسياسة مؤسسة أحقاد منظمة”) من هذا النّوع التي تحدث في مثل هذه الجماعات بسبب الصراع على النفوذ والسلطة والثروة .

والبعض الآخر من “أهل التقية ” في جلابي , هزّ رأسه ولم يعلق بسوى “أستغفر اللّه العظيم من كل ذنب عظيم – أحفظنا يا رّب ” . ما دفع بعض الخبثاء للضحك وهم يتحسسون مؤخراتهم في اطمئنان . وعندما تهامست النساء بالشائعة , أطلت الشائعة القديمة برأسها مرة أخرى في أذهان الأهالي , الذين سارعوا بابتلاعها مثلما أبتلعوا ما سبقها من شائعات , دون أن يحاولوا الجهر , خشية أن يرسلهم الرّجل وراء الشمس .فالرجل أيّاً كان الأمر يبدو أن العرافين أعادوه الى صفوفهم , وقاموا بتمويله وأصبح صاحب نفوذ كبير , فثروته لم يجنها من الدجاج فحسب , وما الدجاج الا ستار يحجب به مصدر ثروته الحقيقي . وُيخفي به أنشطته غير المرئية (لوحظ أن جداد منذ اطلق مشروع مجمعاته لم يعد يتحدث عن ُحرمة السجاير أو عذاب تارّك الصّلاة على الإطلاق !!) .. كان إيمانهم لا حدود له, بأن لجداد علاقات متشعبة, مع العرافين والطائفيين وما الى ذلك من شاكلة (وقتها كان العرافين قد انقسموا الى قسمين قسم ضد أبو لكيلك والآخر معه) ..

ولم يتنفس الأهالي عمليا , وأخذوا يضايقون جداد علنا في بعض الأحيان الا بعد انقسام العرافين , الذي أدركوا بعده بوقت ليس قصيرا , أن له تأثيراً كبيرًا على نفوذ وسلطان جداد .

التغييرات المهنية التي حدثت في حياة جداد , جعلت تجار” الكناتين” في جلابي يحسدونه سرا , بينما يجهرون “ما شاء اللّه , اللّهم زد وبارك ” .. هذا كان في البداية , اذ لم يقووا على كتمان ما في صدورهم ,فأخذوا يجاهرون بهذا الحسد , الأمر الذي كان يستدعى دائما تدخل جمال الحلّة  ليس لأنه من الذين أخذوا يتقربون لجداد , بل لأنه عرف بالمباشرة اللاذعة والتلقائية المرّة , التي لا تتلفت للكلام ..

الأمر الذي جعل الناس يختلفون حوله , فمنهم من ينظر اليه كمجذوب و”بركة” حتى أن هؤلاء نسجوا حوله كثير من الأساطير . ومنهم من ينظرون اليه , كمحتال يصعب الوثوق به .. ولولا علاقته الوطيدة بعبد الرحمن العوير وكسبان الضّاوي , اللذين يجمعان كلاهما بانه “راجل بركة” لما تركوه يضايقهم , ولردوا له الصّاع صاعين . فهم يخافون لعنة عبد الرّحمن ود التّوم التي رأوها بينة في بيت أم التيمان , عندما تعاركت معه . ولم تمض سوى دقائق قليلة , حتى أشتعلت النار في بيتها , فجاءت وركعت تحت قدميه تطلب السماح ولم تنهض الا بعد ان قال لها

أنا مسامح . قومي. اذهبي يا أمة اللّه.. – 

 كما أن كسبان الضّاوي على سخريته المرّيرة, التي توغر الصدّور , كان عملاقاً , ولذلك لا يجدون مناصاً من كظم غيظهم !!..

الحاشية الآخيرة  ( مجتزأ صورة  وثيقة غير مقرؤة الخط ):(*)

 

 

لا وطن في الحنين…4

 

هل تحزن ثريا لو كانت لا تزال على قيد الحياة ؟ .. هل تحزن في آخرتها الغامضة ,إذا عبر بها هذا الكلام ؟ ..أو حملته لها سحابات الغيوم الآن , بعد أن تعبر بوجهي اليها ؟!..هل سيغضبها في آخرتها اذا نقله لها ملائكتها الكروبيين .. أو عبرت به , مرهقة من وعثاء التخاطر ؟؟!!..

ثريا المراهقة داكنّة البشرة , التي عبرت على حياتي, في لحظة فاترة فتور ماء الآبار . فبقيت مستمرة كأغرب لحظة حاسمة في حياة انتقالية بين الصّبا والمراهقة ! .. من أين جاءت بهذا السّحر الجبلي , الذي وسمها بحيويّة الطقوس البدائية ..

في ثريا كانت تلتقي جبال النوبة , بغابات الإستواء , في قلبي الناهض في النيل , ليشكل الملتقى شرياناً, يتخلل كل نواحي جلابي ود عربي .. فيسمع همس القّش تحتك به الرّيح , ويتحسّس الدُّخان المتسلل البيوت المهتزّة .. كيف نفذت هذه الصّبية اليانعة الى قلبي فتوحدت به .. مبتعدة عن هذا الظمأ , مختبئة في أحد كهوفه . كهف مثل كهوف أسلافها الذين أدركهم الحب , فطاردوا الغزالات في رحلات الصيد , ولم يعودوا أبدا .. تتركني الآن تتخاطفني الطّير ووحوش الفلاة .. فلاة جلابي ود عربي ..

ما أدركه الآن تماما : أنني أعتلي هذه البُرّهة الشاهقة , لأنظر من فوقها , الى ذلك العالم التّحتي , السّرّي , أنقب فيه ببصري وأحاول أن أشُم تلك الروائح الزنخة البعيدة , التي وسمت بعطنها أزقة وُجدُر جلابي ود عربي .. تتخلل البيوت القش والطين اللّبن والدّروب الضيقة المتسخة بالرّوث وبقايا أكياس الورق والبلاستيك , والعُلب الفارغة ..

أحاول ملامسة هذه الروائح الآن . من هذا العلو الشاهق , لأكشف ما أختبأ خلفها , من أقنعة للناس والمكان وكلاب السكّك التي لا تهدأ..

كانت ثريا في مثل عمري ..أهتم أبي لأمر شقيقها خميس الذي يكبرها قليلا , فألحقه بالمدرسة . فكنا ثلاثتنا : أنا وهو وحسن – بعد إنقضاء اليوم الدراسي, ” نترادف” على دراجتي الفليبس الى أن نصل الى جلابي . وقتها كانت ثمة شائعة قد إنطلقت , مفادها : أن المجهود الجبار الذي بذله والدي , كيما يتم قبول خميس في المدرسة الريفية , جاء من اهتمامه ( أبي ) (بالسرة والدت)ه(خميس) ,وليس حبا في عمل الخير ( كما ظل يزعم ) وهو يقوم بتسويق نفسه كرجل صالح !!..

لا أدري لماذا تم نبش هذا الأمر في هذا التوقيت بالذات , على الرُّغم من مضي عدة سنوات منذ أدخل أبي خميس المدرسة !!..

لم يكن أبي  يمانع علاقتي بخميس (هو الذي يمانع أن تكون لي أيُّ علاقة بأي شخص من شخوص جلابي ) أكد لي صديقي حسن (وقتها ) :

-والدك على علاقة بأم خميس .. هذا مؤكد..

فضحكت ولم آبه للأمر . وربما لهذا السبب الذي زعمه حسن . تسامح معي والدي عندما جاء الى الدّكان على نحو مفاجيء وضبط ثريا تحاول اغرائي ..

رآها تحسر فستانها القصير البالي عن فخذيها , وتعري صدرّها , بعد أن أنصرفت مأخوذة . توقعته يضربني (كنت زائغ العينين  ومرتبك .. لكنه لم يفعل )  اذ أكتفى بتحذيري وتخويفي ..

كانت ثريا تقتنص الأوقات , التي يكون فيها أبي غائبا والدكان خال من الزبائن , فتقف في مدخله وتكشف لي عن فخذيها وصدرها الذي أكتمل نمو ثمرتيه للتو !!..

فتشعل في داخلي حمم وحرق , تجعلني خائر القوى , لا أقوى على الوقوف . كأن شياطين الجحيم تلهو في عروقي , وهي تطلق ضحكاتها الفاجرة , التي تتوحد مع ضحكة ثريا , فيشكلان معا ضحكة واحدة, متحدة ومتوحدة مع الفراغ العريض لفضاءات جلابي ودعربي ..

في الأوقات التي يزدحم فيها الدكان بالزبائن , وتلامس أذني أحاديثهم عن ثريا . كنت أشرع  أذني على وسعهما , حتى تكادان تتشربان بغيبة الزبائن لثريا .. فأهالي جلابي : الغيبة والنميمة , لا تطيب لهم ,إلا عند ما يتصادفون أمام الدكان لشراء غرض من أغراضهم .

ومثلت هذه الغيبة والنميمة مصدرا أساسيا من مصادر معرفتي بأحوال جلابي , ومصدرا يكاد يكون معتمدا من قبلي حول ثريا والأمور والموحيّة , التي لا تخلو من اغراء خفي .. أو الداعرة العاهرة “الفاجرة الصغيرة” كما عَرَفَتهَا نميمة الزبائن وأغتياباتهم . ربما شكّل الزبائن في داخلي ثريا كاغراء محض .. اغراء فاتن ومفتون بالفجور .. ولذلك حاولت بدوري ,إغراءها على إقامة علاقة معي , لتطلعني على معارفها الواسعة , التي شدّتني اليها أحاديث الزيائن .. تلك المعارف الغامضة عن ذلك العالم السّري , الذي لا أعرف عنه شيئا !!..

كنت أرغب في خوض التجربة لأفهم معنى الحرّقان الذي أحس به يتخللني مفصلا , مفصلا , فيجعل صلبي وسلسلتي الفقرية , راعشتين كالمصابتين دون سائر الجسد بالحمى “الراجعة” !!..

لكن ثريا لم تتح لي هذه المعايشة أبدا , فظلت كمدينة مفتوحة لكل الغزاة  دوني ..

كانت تكتفي بتعرية فخذيها أو صدرها, أو تعريتهما معا وتمضي ,مخلفة وراءها تلك الضحكة العجيبة , لتحاصرني بدوامات أصداءها , التي لا تزال ترّن في طبلة أذني حتى الآن . رغم انقضاء كل هذه السنوات ..

لا أدري لماذا كانت ثريا تعاملني بهذه الطريقة . تصرفاتها كلها كانت تقول برغبتها فيّ!!.. لكنها في الواقع لم ُتقم معي أي علاقة , مثل تلك التي تقيمها مع شباب ورجال المدينة الريفية .. كأنها تقصد استثنائي عن عمد , على الرغم من أن الشائعات, التي تم اطلاقها حولي في جلابي , أكدت أنها على علاقة بي !!…

وحرص الزباين على التلميح لي بذلك (أحيانا عندما يستاءون, من أسلوب تعاملي معهم في البيع ) أو التصريح مباشرة (عندما أرفض أن أسمح لأحدهم أن يستدين مني , تنفيذا لقرارات أبي الصارمة “الدين ممنوع والزّعل مرفوع”) .. كانوا يخاطبونني بوقاحة :

-لو كانت ثريا لكنت دينتها ..

.. أو يلمحون:

-ثريا ما شايفنها اليومين دي .. مشت المدينة تسترزق ولا شنو ؟!..

.. فأكظم غيظي ولا أنبث ببنت شفة .

كنت مشودا الى ثريا بقوة خفية , خارقة لا أملك ازاءها شيئا . فلم أكن أقوى على التحكم في نفسي كلما رأيتها , إذ تتهشم كل القرارات, التي أكون قد أصدرتها سابقا , لتحكم تصرفي لحظة مجيئها .

لم أكن أمنع عنها شيئا تطلبه من الدكان , وكلما زاد امتناعها عني , كلما أصدرت مزيدا من الفرّمانات والصكوك بحق نفسي , وكلما زاد هشيم القرارات والصكوك تحت قدمي ثريا !!..

اذ كانت رغبتي فيها تشتد . حتى أن السبب الأساسي لتسللي لبيت أم التيمان , كان بسبب هذه الرغبة القوية , في استجابة ثريا .كان قبولها لي يعني الكثير , ففكرت في الانتماء الى عالمها , علّه يكون مدخلا لهذا القبول .وتمهيدا لاستجابتها التي كنت أضع الكثير من الخطط في سبيلها. فبسبب ثريا أصبحت مغرما بالتاريخ(قرأت سيرة ابو ليلي المهلهل,قيس ,كثير..الخ) اذ شعرت ان ما بيننا يشبه الحرب بجولاتها وصولاتها .. معاركها العديدة ,لذلك خرجت من دائرة التاريخ المدرسي وسّير العشاق وأخذت اقرأ المذكرات التي كتبها قادة أو معارف لهؤلاء القادة فقرأت: نابليون ,صلاح نصر,جيفارا,هتلر,مذكرات بابكر بدري ,خواطر حسن عابدين وارائه,مذكرات يوسف ميخائيل ,كفاح جيل احمد خير,ملامح مجتمع حسن نجيلة,مذكرات خضر حمد,مذكرات عبد الرحمن المهدي,ذكريات ومواقف أمين التوم, مذّكرات جوزيف لاقو ,من يجرؤ علي كلام بول فندلي,لعبة أمم مايلز كوبلاند…الخ الخ.

رغم صغر سني كنت كالفأر أقرض المعلومات أفهم بعضها وبعضها لا أفهمه ,أحاول إعداد نفسي لأم المعارك(المعركة الحاسمة) أضع الخُطة تلو الاخري وفي كل مرة أحذف منها تفصيلات وأضيف أخري ,فتسقط الخطة لحظة مجيء ثريا(واصبح مرة اخري بلا خطة ) حتي يئست وشعرت ان كل الذين قرأت لهم قد خدعوني ,خدعة لا يمكن اتسامح معها .فكرهت التاريخ وقراءة التاريخ .وكان ان سمعت احدهم ينطق بكلمة تاريخ امامي, أشعر بنوع من الغثيان, والحاجة للإستفراغ .. لماذا كانت كل خططي تنهار تحت قدمي ثريا ؟ ظل هذا السؤال يحدق بي ويستبد لوقت طويل .

أول مرة أدخل فيها بيت أم التيمان ,. كنت غاضبا , فقد رأيت ثريا قبلها بلحظات , تخرج وهي تجرجر ردفيها المثيرين, من بيت أدروب , بتعب لا تخطئه العين . كانت تتلمس بين آن وآخر أسفل مؤخرتها .. كانها تتلمس جرحا , وكان الشارع خاليا . الا منا الأثنين , حيث لم تكن تراني , في نهايته عند أحدى الزوايا . مكثت أراقبها الى أن غابت في الدرب المفضي الى بيتهم . شعرت لحظتها بنوع من الغضب . الذي لم آلفه من قبل , يجتاحني . فقصدت بيت أم التيمان , التي حاولت اخفاء دهشتها فلم تفلح , فسألتني بعد صمت طويل :

-في شنو ؟!..

-عاوز أشرب ..

أمعنت النظر في وجهي طويلا وهي ترمي مزيد الحلبي (الذي كان يجلس وقتها وهو يخرج يده من “جردل” المريسة , الذي شارف على الانتهاء) بنظرة تحذير حاسمة ..

-ما الذي تريد أن تشربه ؟!

-عرقي ..

-أنا لا اعمل العرقي , وأنت صغير على العرقي .

-مريسة ..

فضحكت:

-المريسة لا تشرب الا في عز النهار .

فأشرت الى مزيد الحلبي, الذي كان قد أتى على كل ما تبقى في “جردل” المريسة الذي أمامه .. فقالت بسرعة :

-كانت هذه آخر مريسة , لكن لدي” كانجي مورو” مخصوصة وهي شراب الطلبة ..

أخذت أتلمظ طعم السمسم والسكر في “الكانجي” وشعرت بخدر لذيذ يسري في عروقي , وأخذت كل التغضنات التي أعترت وجهي تنبسط .. ملامحي تبدأ في الارتخاء .. كانت حدة الألم الذي خلفته ثريا قد بدأت تخف .. ذلك الاحساس الذي دفعني لدخول بيت أم التيمان وشرب الكانجي . ربما ما يشابهه هو ما دفع رياك الى أن يدلي لي بآخر أعترافاته , عندما التقيته في زيارته الآخيرة بهذا البلد , على رأس وفد رسمي رفيع المستوى من وفود حركة الجمهورية الثانية .. ألتقيته مصادفة في غاليري الأوبرا , في جناح النحت والتشكيل الأفريقي . كان واقفا مع أحد التشكيليين التشاديين , الذي كان يحدثه عن احدى اللوحات التي وقفا أمامها .

وضعت يدي على كتفه ,أخبرته أنني أتابع التطورات التي تحدث في البلاد الكبيرة , وجلابي ود عربي .. على نحو خاص . وذكرته بنفسي . فأحتضنني وأخبرني ,أن حركتهم ستشكل مع حكومة الجنجويدي حكومة وطنية للمرة الأولى في تاريخ البلاد الكبيرة منذ أعلان الجمهورية الأولى في 1956 .. اعتذر للفنان التشكيلي ومضى بصحبتي , الى مقهى وادي النيل المطل على التحرير . ما أن جلسنا حتى جاء صديقي الشاعر المصري شعبان ناعوت المعتاد على المجيء الى هنا , في الأمسيات , عرفتهما ببعضهما البعض . تبادلنا قليلا من حديث الذكريات , اعتذر شعبان ومضى .

جاءني صوت رياك عميقا لكنه حيوي ودافيء . كان ليس كمن يجلس في مقهى عام . مطل على أحد شوارع القاهرة الضاجة بالناس والفوضى . والزحام . كان كمن يجلس في بيته عند أطراف حلة جلابي ود عربي . قال رياك :

 – ” لم أفد الى جلابي ود عربي وأضع عليها رحالي , في سياق التغيير لمكان كرهته . لم يكن الغرض تجديد المكان وحياتي المرهقة . فجلابي ود عربي البائسة , لم تكن مكانا , أمثل لتجديد الحياة والناس , لكنها كانت مكانا مناسبا لي للاختباء , من عيون الأمن الايجابي والاستخبارات . وزوار الفجر الى آخره من أجهزة الجمهورية الأولى المتربصة .( لذلك تخلصت مثلما فعل أبكر ) من شخصيتي الحقيقية ,كأحد القادة المكلفين بتوحيد الفصائل العسكرية, والقوى المدنية التي أنقسمت عن حركة وجيش الجمهورية الثانية .. تخلصت من شخصية القائد لاكو لادو, وأنتحلت شخصية أخرى هي شخصية رياك .. الشخص النكرة , بوجهه النحيل وثيابه المتسخة الرّثة , ووجهه الذي يبدو عليه الخمول . رياك الذي لا يشعر بوجوده أحد , ولا يخلّف عبوره أمام الناس أى أثر .. لا يشعرون به , ولا يتذكرونه الا لماما .. وأخترت لنفسي مكانا قصيا في الاطراف النائية من جلابي ود عربي . بعيدا عن بيوتها المتلاصقة , كأنها تخشى جرافات المجلس البلدي . التي تهددها بالزوال في أى لحظة . في هذا المكان شيدت بيتي الفقير . من القش والقنا والحطب وزربته بالشوك ,.. شيدت قطيتي (ضهر التور) وجعلت لها بابا متينا . فمن هذه القطية كنت أنطلق في تحركاتي السرّية , تقمصت شخصية رياك , لوقت طويل دون أن يتمكن أحد من اكتشاف حقيقتي . أو ينتبه الى أنني لا زلت موجودا , بقطيتي أم غادرتها الى مكان ما . حتى عندما كنت أغيب لأيام وأسابيع , لم يكن أحد يشعر بغيابي , الى أن حلّ حسّان جداد بالحلة , وتنامت سلطته على نحو غريب . فمنذ اللحظة الاولى شعرت ان كان ثمة خطر يتهددني , فسيكون من هذا الرجل , الملتحي .

كان جداد يتعمد خلق علاقة معي بأي ثمن , ويحرص على إلقاء السلام علىّ وايقافي لتجاذب أطراف الحديث , كلما رآني .. وكنت أسمع صوته أحيانا يناديني من خارج قطيتي , التي أحرص على اغلاقها عليّ . ولا أرد عليه فييأس الرجل ويمضي معتقدا ,أنني غير موجود , أو معتقدا أنني موجود ولا أرغب في ادخاله . ربما كان الرجل , يرغب في توليف قلبي الى دينه . وربما يكون له هدف آخر . وفي كل الأحوال كنت , حذرا . تجاهه.

لم يكن يسكن جواري أحد . الى أن فوجئت ذات يوم بأدروب , ينقل قطيته من الطرف الآخر من جلابي ود عربي الى جواري . ولمعرفتي المسبقة بكل شبكة العلاقات داخل جلابي , أدركت ان خلف هذا الأمر ما خلفه , فأدروب من القلائل المقربين الى جداد . وهكذا تصورت أن جداد دفعه الى تغيير مكان سكنه لمراقبتي , والا لما ترك أدروب كل الفضاءات الواسعة في جلابي ,ليزاحمني بالجوار . لم يزعجني الأمر كثيرا , فقد علمتني تجربة الصراع المسلح , أن العدو الذي أمام عينيك وتعرفه ,خير لك من عدو مجهول لا تعرفه .

فكرت كثيرا في التخطيط لأمر, يشعل غرابة أطوار هذه الحلة, الى أقصى مدياتها ضد حسّان جداد .

وكنت قادرا على ذلك . فقد كنت أعرف عنه الكثير . ابتداء من طرد والده له من البيت , بسبب مثليته مع المراهقين , ما دفعه لترك المدينة الريفية , وهو لا يزال شابا بعد , الى الوسط حيث أنقطعت أخباره , ثم الأطراف الغربية للبلاد الكبيرة , التي أصبحت أخباره فيها مجهولة تماما . وعودته مرة أخرى للظهور على نحو مفاجيء , في حلّة جلابي ودعربي . بعد سنوات طويلة من أزمته مع والده . الذي كان قد توفي مخلفا وراءه أسرة , مفككة مكوّنة من ست بنات , فالولد الوحيد حسّان كان بصلة معفنّة , على الرغم من استئصالها , ما تبقى منها عفّن بقية البصل !! الأمرالذي حاولت ازاءه  شقيقته سلمى أن تنجو بنفسها, فأغتربت . علمت كل ذلك من مكتب معلوماتنا, الذي أضاف أن حسان جداد, كان أحد العناصر الثانوية  في الحركة العسكرية بغرب البلاد . والتي تم تدميرها تدميرا تاما بسبب وشايته .

فكرت كثيرا في مجابهة شيخ جداد (كنت أفلت من مراقبته لي  بسهولة ) لكنني تراجعت لإدراكي , أن المواجهة ستتطور, وقد تصل الى حد تصعب السيطرة عليه , فتؤدي الى الكشف عن حقيقة هوّيتي , خاصة أنني كنت مشغولا بأمور أكثر أهمية , فقد أنقسمت حركتنا الى ما يزيد عن الثلاثين فصيلا عسكريا ., وما يربو على الخمسة فصائل مدنية , وأصبح طلابها في الجامعات متنازعين الولاء , ما جعل نشاطهم وفعاليتهم تتضائل .

 كنت مشغولا بهذه الانقسامات التي سببتها أختراقات حكومة الجنجويدي ونزعات البعض المحدودة , بسبب ضيق الأفق والرغبة في الزعامة , والتي ترتب عليها أن نجحت حكومة الجمهورية الأولى في التوقيع على أتفاقات مع عدد من الفصائل , بمعزل عن الحركة الأساسية وجيشها . أطلقت عليها أتفاقات “سلام من الداخل ” وكوّنت من هؤلاء وأولئك المنقسمين الذين وقعوا معها على اتفاق مجلسا تنسيقيا . ورمت اليهم بعض فتات السلطة التي ما لبثت أن انتزعتها منهم . وكان دورنا الذي كلفنا به شاقا ومعقدا , فقد كنا نرغب في إعادة هؤلاء الى صفوفنا وتوحيد جهودنا , وفي ذات الوقت كنا نخشى أن يكرروا فعلتهم , على نحو ما اذا نجحنا وأعدناهم الى الصفوف مرة أخرى . وكنت مهموما ” بلملمة ” ما تبقى من أطرافنا .

في هذا التوقيت بالذات (من الهموم الكبيرة) أعلن حسان جداد حملته الانتقامية ضدي , فقد تسرّبت اليه معلومات خاطئة (لا أدري من أين جاء بها – ربما تكون من بنات تجلياته في لحظة من لحظات الارتعاش المثلي النادرة ).. مفاد ما جادت به بنات أفكاره أنني بصدد التمهيد لجماعات التبشير المسيحي , حتى يتمكنوا من “تنصير” أهالي جلابي ود عربي !! وهو أمر بدا لي غريبا , ففي واقع الأمر لست من المهمومين بشئون العقائد والديانات , فبطبيعتي كعلماني , أتصوّر أن تلك هموم رجال الدين .

كان بامكاني القيام بهجمة مرتدة , وفضح التاريخ السري لجداد , والذي بعضه موثق بالمكاتبات والصّور التي لا أدري كيف حصل عليها مكتب معلوماتنا . والتي أستوقفني فيها , ما بدا واضحا من ارتباط لجداد بجماعات دينية وطائفية مختلفة ومتناقضة . واذا تم ترتيب هذه المعلومات في السياق الصحيح , نستطيع أن نستنتج أن جداد عنصر اختراق للقوى الدينية المختلفة , التي لا اتفاق بينها حول الاسلام الا على أركانه الخمسة !! باستثناء ذلك يختلفون في كل شيء !!..

تأملت الصّور التي ألتقطت له في أوضاع حرجة , مع أمثاله وهم عراة , وأكتشفت في أوضاع الممارسة التي بدا واضحا أنه انتقاها بعناية , امتلاكه حسا فانتازويا وميلا للتجديد والأبداع .. ورغم رغبتي في احراق هذه الصّور , الا أن هذا الحس الفانتازوي الجمالي , استوقفني وجعلني أدرك أكثر جوهر المشروع ” الحضاري” الذي طرحه العرافين !!..ركنت في نهاية الأمر الى اعادتها كلها (الصور والمكاتبات )الى مكتب المعلومات مع توصية للاحتفاظ بها , وارسال نسخ منها الى المعارض الفنية الدولية, التي تهتم بهذا النوع من الخلق والابداع , في حملاتها الدعائية , المضادة لسياسات الجمهورية الاولى ..

بالطبع لم أستخدم أي معلومة مما اعرف ضد جداد . لادراكي بأن هذه انما معركة جانبية يمكن تأجيلها (كما تصورت وقتها أن أي معلومة من هذه المعلومات , قد تقود الى مصدرها الأساسي – أنا) وآخر ما كنت أفكر فيه هو معركة تكشفني !!..فذاك ما لم أكن بحاجة اليه على الاطلاق .

تلاشى صوت رياك في الفراغ , وأنا أسترد ذاكرتي لأعبر بها الى حيث لا أدري , فقد تداخلت الحقائق مع الأوهام والأحلام والإنتقالات المتكررة من مكان الى آخر بمجرد أن اسلم نفسي لسلطان النّوم  , فبت لا أعرف بالضبط هؤلاء الذين يقفزون الى ذاكرتي ليلهون فيها ويمارسون حياتهم , ويدلون باعترافاتهم  ويحكون عن جرائرهم الصغيرة وجرائمهم الكبيرة . هكذا دون أن يطرقوا باب الذاكرة أو يستأذنوا ..

يقفز كرتون . تقفز السرة . وأقف أنا بينهما أحدق في هذا السقط من الأفكار المتراكمة على عتبات الذاكرة . وهي تتشكل لحما ودما , يصرخ ويبكي ويضحك ويأسى ويلتاع .. وبين بين أحاول تفهم هذه الخواطر الجياشة , فأقول لكرتون :

-ما الذي رمى بك الى جلابي ود عربي؟! ..

فيحدق في قلب عيني , يقلب بصره داخل الجفن فأشعر بحرقان في المقل ,ألمسها , أنتزع رموشا دخلت خفية , أبعد الرموش المتساقطة , وأمسح العين المحمرّة , فيتنهد كرتون ثم يأتي صوته عميقا كالليل البهيم :

-ربما تدهش , اذا أخبرتك أنني فعلا لم تربطني بالسرّة علاقة كالتي تصّورها البعض , حتى والدك …

واقع الأمر كنت كعابر سبيل , أو ضيف (موجود ولست موجود)  بمعنى لست جزء من حياتها الخاصة كما أشيع .. ربما لا تصدق أن كفي لم تلامس كفها سوى مرات معدودات , وحتى في هذه المرات لم تكن ثمة رغبة أو شعور بالخصوصية .. كانت مرات خالية الا من الأحاسيس العامة التي يصافح بها أي شخص , شخص آخر يلتقيه في مكان عام ..” كل ما بيني وبين السرة , عادي تماما وعاما , بدأ لحظة جئتها ذات ظهيرة حارقة , وسألتها السكنى معها . فنظرت اليّ مليا , وهزّت رأسها دون تردد .. هكذا تم ّ الأمر . وافقت في صمت فنشأ كل ما بيننا في الصمت , وافقت دون قيد أو شرط . كما أنني كنت سأسحب سؤالي لها اذا أشترطت على أي نوع من الشروط , أو أبدت رغبة ما على سبيل الضغط عليّ..

ربما لا تصدق أن ما أقوله لك الآن هو بالضبط ما كان بيننا , لكن يجب أن تصدق , لأن تلك هي الحقيقة الوحيدة في الحياة الزائفة للسرة بنت عرجون , التي حتى يوم غادرت جلابي ود عربي , لم أرى غرفة نومها ولم تنتابني أي من الرغبات الحميمة تجاهها ..

كان بامكاني بناء بيت لي في أي من الفضاءات الواسعة لجلابي , مثل الآخرين .. أسكن فيه وحدي دون قلق ثريا وخميس , دون الرغبات المدفونة والمعلنة للسرة بنت عرجون ., دون أن أضطر لرؤيتها أو رؤية ابنتها في أي من المواقف المحرجة العديدة التي رأيتهما عليها , مع آخرين من رواد بيتها ..

كان بامكاني أن أمضي للسكنّى وحدي . لكنني لم أفعل . فقد خشيت الوحدة طيلة حياتي. تلك هي مشكلتي التي جعلتني أهجر بيتنا الكبير في المدينة الريفية , وأهجر أشقائي وشقيقاتي ..

– ما الذي تعرفه عن الوحدة ؟!.. ربما لا تزال صغيرا على هذا الشعور ..

-لقد قرأت كثيرا من الكتب .

-همم

-أعرف دور الشعور بالوحدة في تأسيس التنظيمات وحدوث الانقلابات وقيام الثورات .. أن تضع نفسك في قلب الحدث( لتهزم الوحدة)  ينبغي  ان تجد لنفسك دورا وسط الناس ذاك هو النقيض للوحدة , ما تفضي اليه الوحدة

ابتسم كرتون ابتسامة بلهاء :

-ربما فسرت ما قرأته خطأ ..

– همم  …

– الوحدة قاتلة , تعوق تطور الانسان . تعوقه من أن يفعل أي شيء . كيف تستطيع أن تخرج الحياة من العزلة ؟؟!!.. مستحيل !!.. “..

ربما كانت وجهة نظر  كرتون صحيحة . لكن وجهة نظري ليست خطأ . ففكرة الكون خرجت  نتيجة الاحساس بالعزلة والوحدة والفراغ .. هذه الأقانيم التي تدفع الى التأمل فالتجلي.

قطع كرتون همس خواطري , فنظرت اليه في تردد ..

-الشعور بالوحدة قاس ومعذب , كنقحان الصديد في الجرح القديم , قد تصل الى درجة استعذاب أكلانه , وتلك هي النهاية لحياتك ..كانسان يحب الناس والحياة ويرغب في أن يحبه هؤلاء الناس وهذه الحياة . فكل ما يريده هو أن يكون جزء منهما.. وينال التقدير والاحترام. ربما تفكر أن وجود الانسان بين أشقائه لا يستقيم وشعوره بالوحدة , وهو أمر غير صحيح . فقد كنت موجودا بينهم ومع ذلك ظلت أشعر بوحدة كاملة ..

ينهضون في الصباح . يعد  كل واحد منهم الشاي لنفسه .. يشربه أثناء أستعداده للمغادرة الى العمل . نادرا ما يجتمعون حول مائدة واحدة . فكل من يشعر بالجوع يمضي لاعداد الطعام لنفسه . وفي الأوقات النادرة التي يجتمعون فيها يركزون الحديث على مثالب بعضهم البعض . يضخمون هذه المثالب , فيتحول الأمر كالعادة الى معركة كلامية ,ربما تفلت أحيانا لتدخل فيها الأيدي .. تفرغ الأخوات عذابات أنوثتهن المؤرشفة في متحف العنوسة . ويفرغ الاخوان أحباطاتهم وفشلهم في أقامة حياة أسرية تخصهم .. بصوت متوحد كانوا يكرهون بعضهم , يتبادلون هذه الكراهية . يحملون فشلهم لبعضهم البعض .. هل كانت حياتي مع السرة على علاتها هكذا .. وجدت في السرة التسامح الذي أفتقدته , فسامحتها بقدر ما سامحتني , هي الغريبة عني .. بينما فشل أخوتي في التسامح مع بعضهم .. فمن أختار ؟؟!!.. “..

-لقد أخترت ..

-ربما ..

.. في نهاية كل شهر يأخذ كل منا نصيبه الشهري من الإرث الجاري ( إيجارات عقارات) هذه هي الحياة التي كنت أعيشها لسنوات عديدة . حاولت أن أجد أسرة في العمل , شغلت نفسي بالعمل . جرّبت كل المهن الحرفية , حتى اصبحت خبيرا في الحدادة والسمكرّة ,والتبريد والتكييف والميكانيكا والبوهية , وكل ما يتصل بالعربات .. لكنني لم أجد نفسي في أي شيء من كل هذا . الى أن وجدت السرة ووجدت فيها ما ظللت أفتقده .. منذ أول يوم دخلت فيه بيتها , وقابلتني بدفء وترحاب آسرين .. شعرت باهتمامها بي .. بمحبتها وقدرتها على الغفران , ورغبتها هي نفسها في الغفران (كانت تأتي لتبكي على صدري إثر كل خطيئة) .. فكانت رغبتي في أن أمضي ما تبقى من حياتي في هذا الصفح . هذا الدفء : السرة .. تزداد..

خلعت بصري من صوت كرتون , لأزرع ذاكرتي في ذاكرته , لأرى السرة بنت عرجون الأربعينية الجميلة , التي لم تنتجح السنوات والإنجاب في هدم قامتها الممشوقة ..

تتماهى ذاكرتي في ذاكرة كرتون , أسأل عنه السرة , فتحدثني عن متاهته وطيبة قلبه , والحنان الذي يملأ جوانحه ليفيض , ويغطي كل فضاءات جلابي , التي تصبح لحظتها بلدة وديعة حاضرة هنا , غائبة هناك .. بين الضلالة والهدى .. يغطيها كرتون بقلبه الوارف المخضر .. يغطي شوارعها العطنة وأزقتها الضيقة وكلابها التي أخذت من طبع أهاليها .. كلابها التي لا تهدأ أو ” تنهد” .. وناسها ” العُزّاز” في نظر أنفسهم .. وحيواتها السرّية التي تنهض في العلن , ومغامراتها مع عربات “الكشّة” ورجال المباحث ومجرمي المدن النائية , الذين ما أن يحلون بجلابي , حتى يشعر الجميع باقتراب كارثة ..

تخبرني السرة :

-كرتون ذهب الى السوق الكبير . ليحضر لي بعض أغراض الشغل . لا أدري من دونه كيف كنت سأعمل ,أو أعيش ..

-ستعيشين كما كنت تعيشين دوما..

-هممم..

كنت واثقا أنها من دونه كانت  حياتها ستستمر , لن تنتهي بها السبل لمجرد كونه ليس موجودا وليس جزء من حياتها ..

حدثتني عن مساعداته لها ووقوفه الى جانبها في سراءها وضراءها . وخاصة عندما تتعرض لكشة أو تسجن لأيام ..

الغريب في كرتون : كأنه يمتلك قرون استشعار , فدائما تحدث مداهمة النظام العام لبيت السّرة في غيابه . لم يحدث أن تم القبض عليه أو سجن !! .. وكان هذا الأمر بالنسبة لأهالي جلابي بمثابة الكرامة من كرامات كرتون ..

تتنهد السرة :

-أنه أكثر من والد لخميس وثريا ..

كانت السرة في غرارة نفسها تحب كرتون , مثلما كان يحبها في قرارة نفسه , ذلك النّوع الغريب من الحب نادر الوجود .. فالأمر ليس مجرد دفء او كرم فياض , وقدرة مدهشة على العطف والحنان , كما كانا يعتقدان , بسبب تهيب السرة الدائم منه ( هذا التهيب الذي جعلها لا تجرؤ على مصارحته , وجعله لا يستطيع التصريح بهذا الحب ) السرة على عكس كرتون , كانتت لديها قدرة فذة على ادراك طبيعة مشاعرها تجاهه, منذ أول يوم دخل فيه بيتها , لكنها أدركت لسبب ما , أنها لا تستطيع الحصول عليه ( حبها له هو ما دفعها لرفض عرض حسان جداد ,كما كان يطيب لها أن تزعم لأم التيمان وست البنات , لكن في أعماقها كانت تدرك أن جداد يريد الزواج منها , حتى يتمكن من اقامة علاقة آمنة مع ثريا . هكذا شعرت من نظراته .التي كانت تأكل جسد ابنتها أكلا . ومع أنها كانت لا تمانع إقامة ثريا لعلاقات , إلا أنها ما كانت لترتاح لهذه العلاقة بالتحديد . ولذلك عندما يخطر على ذهنها هذا الخاطر , تزعر في دخيلتها وتهمس :

-سجم خشمي . البنت وأمها !؟!..

 كرتون نفسه ربما لأسباب اضافية أخرى , خفية ذات صلة بالوضع الاجتماعي لأسرته , وعناصر نشأته البعيدة .. ربما .. كان يدرك مثلما أدركت السرة , أنهما أصبحا بالنسبة لبعضهما كحبيبين أو زوجين , كالأمنيات ,التي ربما لا تتحقق حتى في الحياة الآخرة . كما أن السرة بحكم تجاربها السابقة أستطاعت التكيف مع هذا الوضع . فهي ليست بكرا , ككرتون الذي لم يحدث أن أقام علاقة مع امرأة قط , في أي مرحلة من مراحل حياته !! .. والسرة في واقع الأمر لم تحط رحالها في جلابي لأنها هاربة لأمر ما . فكل ما في الأمر أنها مرت بحياة قاسية وتجارب صعبة . اذ نهضت حياتها في اليتم بمراراته , وأحزانه وأساه فقد فقدت والديها في سن مبكرة , دون المراهقة , فأضطرت للعمل كخادمة في البيوت . حيث تخدم وتأوي , وأحيانا تجد نفسها مشردّة , لا تعرف الى اين تأوي . وما أن بلغت سن المراهقة حتى مضت الى المدينة المجاورة , وأنتقلت من ممارسة الجنس مع مخدميها الى ممارسته على نحو احترافي . فعرفت تلك البيوت الواطئة في أطراف المدن , ومضت تعمل بلا هوادة , الى أن أصابها داء الترحال , فأخذت لا تقوى على المكوث في مكان واحد لوقت طويل .

المكان الوحيد الذي أستقرت فيه لفترة طويلة هو جلابي . حيث أنجبت أبنيها خميس وثريا , ففارقتها ثريا مبكرا بسبب الاصابة بالسل .

كانت علاقة السرة بست البنات العشمانة من العلاقات المميزة والمريبة في آن , فالرباط العميق الذي جمع بينهما , يسم العلاقة بالتميز . لكن الشائعات التي أنطلقت لتوصيف هذا الرباط , كانت تبعث على الإرتياب والدهشة . فقد عرف عن ست البنات العشمانة دونا عن كل نساء جلابي , ومنذ وقت مبكر أنها سحاقية , حتى أن بعض الخبثاء كانوا يصيحون خلفها , عندما يرونها في الشارع :

-الضكريّة .. الضكريّة ..

فكانت تلتفت اليهم وهي تطلق سيلا من الشتائم والسباب المقذع . والى أن غادرت السرّة دنيا ست البنات , الى آخرتها الغامضة , تسبقها ابنتها ثريا بقليل . لم يعرف أحد سر علاقتهما المميزة أبدا ..

في ذلك اليوم الذي فاجأت فيه ابي مع السرة , أدركت تماما حقيقة ما أكده حسن . فقد كنت حقا كالأعمى , الجميع يعرفون علاقة أبي بالسرة , الا أنا , فقد كنت وقتها مأخوذا برصد وترصد علاقة كرتون بها ..

في ذلك اليوم أصبت بما يشبه الصدمة , التي لا أدري : ” لماذا؟!” .. فقد كنت شخصيا أتمنى ابنتها , فما المشكلة عندما تمنى أبي الأم ؟؟!!.. هذا ما كان يشكل محورا للنزاع في داخلي لوقت طويل .. في محاولة لايجاد تفسير لما شعرت به من صدمة لحظتها ..

عندما قصدت منزل أم التيمان بعد رؤيتي لثريا تخرج من بيت أدروب وهي تتحسس أسفل مؤخرتها , شعرت بشعور مماثل لذات ذلك الشعور بالصدمة , وأنا أرى أبي باركا كجمل مهتاج  على أمها المستلقية !!.. وجدت عند أم التيمان مزيد الحلبي (الحداد) نظر اليّ وكأنه يهم بقول شيء , لكن نظرات أم التيمان الحاسمة أسكتته .

ومنذ أول لحظة نشأت بيني وأم التيمان علاقة ناعمة, ليس لها اسم واضح ,أو محدد ..

علاقة لطيفة تختلف عن تلك العلاقة التي نشأت بعد ذلك بيني وست البنات .. تلك العلاقة المباغتة الملتهبة , الغارقة في الدموع والشجن , الذي جعلني أتعرف على عوالم لم تخطر لي على بال من قبل , واستدعت اليّ عوالم من الزمن القادم في حياتي , فظللت مدينا لها بالتأمل والتفكير لوقت طويل .

كانت ست البنات العشمانة من أجمل نساء الأرض , وأكثرهن مودّة وحميمية وعذوبة ودفء (وكنت صفر التجارب ) فبدأت الخطو معها من لحظة الصفر . ولم تخيب ظني في التعرف على هذا العالم الموسوّس , المجنون . فشملتني برعاية خاصة ( عرفت منها كيف أقبل أنثى وأعانقها و .. وأستمتع – أفعل تلك الأشياء التي لا تقال ..) عبأتني بالمتعة والحميمية الفائقة والدفء , وعلمتني من أسرار النساء الكثير . وقبل كل ذلك جعلتني أكتشف كيف أجنّ بها !!.. عندما أدركت ما كان ينقصني من معرفة من ست البنات , أخرجت لساني لكل كتب التاريخ التي قرأتها , وبعد أول تجربة في الليلة ذاتها , مضيت أجمع كل كتب التاريخ والمذكرات من أنحاء بيتنا المختلفة , كوّمتها أمام الباب الخارجي (أمام الباب تحديدا – ينبغي الا يدخل التاريخ بيتنا ) أشعلت فيها النار , وأنتظرتها الى أن تحولت الى رماد , فبُلت عليها  بولا غزيراً.. وشعرت بأن عبئا كبيرا كان يثقل على كاهلي قد إانزاح .. فشعرت بغبطة وحبور لا يحلان الا على رجل سعيد …

صارت ست البنات العشمانة محور عالمي , أفكر فيها في كل لحظة .. أفكر فيها وأنا أذاكر , أو انجز الواجب المدرسي , معالجا الأمور الكريهة الى نفسي مثل النحو والصرف والرياضيات والكيمياء والفيزياء , الى آخر هذه الاشياء العجيبة ..

كانت أم التيمان تجيئني على اهداب هاء السكت , متكئة على كسر همزة إن , فتتكسر كل الأساطير التي تعيد بناء نفسها داخلي قبل كل لقاء .. تخرج اليّ  باستداراتها من نظرية الدائرة , فلا أرى نفسى الا خطا مستقيما يسقط على نقطة الاصل .. من نظرية لامي تجيء , من الكوانتم , كيمياء الحلول , تنعش كل عناصر الكوّن الخاملة داخلي , فأحلق معها , فوق قوانين الجاذبية , فوق طبيعة البشر , فوق كل شيء : ككوّن قائم بذاته بقوانينه الخاصة , التي لم يتوصل اليها العلماء ولن يتوصلوا أبدا .. أم التيمان .. أم التيمان .. هذه امرأة التعرف اليها يمّلك معرفة واسعة بالشأن الأزلي لقصة الكون : الذكر / الأنثى – الجنس .. الأمر الذي يهجس كل العلوم , دون أن تنفك هواجسها أثر كل أكتشاف لسر جديد من أسراره , التي(للمفارقة  معلنة) تضرب بجذورها في قلب التاريخ والطبيعة ..

علمتني أم التيمان أن الاستمتاع بالحياة , يعتمد على قدرتنا على أنتهاك القوانين (الى أي مدى نستطيع فعل ذلك دون أن نشعر بالخوّف ) فقد كانت امرأة من طراز خاص : امرأة لا تخاف . كانت تعتقد أن المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية مستعصية ,هم وحدهم الذين يشعرّون بالخوف ( آه يا علي ربما بسبب شجاعتي أعاني ندرة الأحلام ) وحدهم الذين لا يجرؤن على أنتهاك القوانين , عكس الذين يدركون جوهر الحياة فينفذون رغباتهم دون أن يترددوا محاصرين في ُحلم الرغبة في تحقيق هذه الأحلام ..

ووفقا لأفكارها عن الحياة , كنت مصنفا تلقائيا , ضمن المصابين بامراض نفسية وأخلاقية مستعصية .. اذ لم أكن ميالا لانتهاك القوانين , كما أنني دائم الخوف من أن يتم أكتشاف علاقتي بها (بأن يتسرب أمر علاقتي بها الى أبي أو أي من افراد أسرتي) ولا أظنني في ذلك الوقت خرقت قانونا , سوى بعلاقتي معها (حسبما أذكر في هذه اللحظة فقط) ..

طريقة تفكير ست البنات العشمانة كانت تعجبني , وربما أسهمت هذه الطريقة في تعلقي بها لوقت طويل . كنت أغضب اذا تحدث عنها أحد بصورة غير لائقة , لكن لا أجرؤ على التعبير عن هذا الغضب . وأكثر ما كان يغضبني الإصرار على كونها سحاقية (فأنا أعرفها أكثر من أي شخص آخر) مع أنني لا أستطيع الجزم , نظرا لغرابة اطوارها , وتقلبات أحوالها ..

أهالي جلابي ود عربي رغم حياتهم المديدة في هذه البلدة . ثمة أمور ليست لديهم معرفة كافية بها . فمثلا : كنت أعرف أن سلمى خير اللّه هي الشقيقة الصغرى لحسان جداد (وليست مجرد قريبته التي تسكن المدينة الريفية ) لكن لا أحد يعرف هذه المعلومة سواي (اذ سربتها لي في لحظة ضعف أنثوي سلمى ذاتها بشحمها ولحمها ) ربما بقصد ايذاءها لشقيقها جداد (لكنها حرصت مع ذلك أن يبقى الأمر خاصاً, كسر بيننا فلا يعرفه أحد غيري) .. كان ذلك وأنا في طريقي الى الدكان قادما من البيت , عندما رأيتها تقف في قلب الشارع المفضي الى الدكان مع جداد . كانا يتشاجران . وما أن أقتربت منهما حتى ران عليهما صمت أحرجني وأربكني , ثم مضى جداد لا يلوي على شيء . اقتربت مني ومضينا معا باتجاه دكان أبي . لم أسألها . كانت تبكي وتتحدث من خلال نشيجها :

– لا تخبر أحد بما رأيت.

-أؤكد لك أنني لن أخبر أحدا ..

-هممم..

-لم أرى أو أسمع شيئا ..

هيمنت بدموعها على وجهي :

– جربيني ..

-أنه أخي .. شقيقي ..

-من ؟!

-حسان خير الله . لا أريد فضحه أو أذيته.

-اذن لماذا تحضرين الى هنا ؟!..

فصمتت ولم ألح عليها . كنا قد وصلنا الى  أعتاب الدكان ..

حاشية غير مكتملة : وثيقة 10(*)

 

 

قصة لا وطن في الحنين الجزء الخامس

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 1

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.


Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x
DMCA.com Protection Status
Reel-Story © 2020 | Established in 2019 Privacy Policy I Terms & Conditions I Site map I Contact