236 اجمالى المشاهدات,  1 اليوم

مع أنّ عايدة أختي كانت تكبرُني بأربع سنوات، فقد كنتُ أوعى منها وأنضج بحيث كنتُ أعيدُها دائمًا إلى صوابها. وهي كانت تكنّ لي إحترامًا كبيرًا وتسمعُ منّي، على الأقل في مُعظم الأحيان.

مشكلة عايدة كانت أنّها تحبّ، وبكثرة، كلّ ما هو ممنوع، أي الشبّان والسّهر وشرب الكحول، في وقت وُلِدنا وكبرنا في بيت بعيد كل البعد عن تلك الأمور، إذ كان والدانا في مهنة التدريس ووضعا لنا أسسًا واضحة وصارمة.

 

كانت عايدة كلّ ما لدَيَّ، وبقيتُ أحبُّها بالرّغم مِن كلّ الذي فعلَته لاحقًا، لأنّ شيئًا في داخلي كان يجدُ دائمًا لها الأعذار. على كلّ الأحوال، كانت هي مِن الأشخاص الذين لا يُمكنكَ الغضب منهم.

كبرنا وصرنا مراهقات وكنتُ “حجّة غياب” عايدة، التي كلّما أرادَت الإلتقاء بشاب، كانت تدّعي أنّها معي في مكان ما. مِن جهّتي، كنتُ أذهب إلى المجّمع التجاريّ، وأمكثُ هناك لوحدي لساعات بانتظار عودة أختي مِن موعدها. عندها كنّا نجلس وتحكي لي ما حصَلَ معها، وأنا أنصحُها وأحاولُ تهدئة روعها قدر المستطاع.

لكن حين يلعبُ الإنسان بالنّار، لا بدّ له أن يحرق أصابعه، وما كنتُ أخشاه حصل: حملَت عايدة مِن شاب كانت تواعده سرًّا. كنتُ أولى مَن علِمَ بالأمر، وشعرتُ بغضب ممزوج بالأسف والحيرة، فالأمر كان بمثابة قنبلة ستهزّ أسرتنا إلى أقصى حدّ وإلى الأبد. والغريب في الأمر، هو أنّ عايدة لم تكن تعي تمامًا جدّيّة وخطورة الأمر، واكتفَت بالقول: “لماذا كلّ هذا الغضب يا أختي؟ سأتزوّج مِن صديقي وينتهي الأمر!”. أمّا أنا فكنتُ أعلم أنّ ذلك الشاب لن يتحمّل مسؤوليّاته، وإلا لَما كان يرى أختي سرًّا. إضافة إلى ذلك، كان لا يزال صغيرًا على الزواج. وما كنتُ أتوقّعُه حصل: رفَضَ ذلك الشاب تحمّل مسؤوليّاته لا بل سافَرَ بعيدًا بمساعدة أهله.

عندها بدأَت عايدة تستوعبُ خطورة وضعها، ولو بعض الشيء، فهي بقيَت تبسّط الأمور وكأنّ الجنين كان سيختفي مِن تلقاء نفسه.

خطَرَ طبعًا الإجهاض ببالنا، فذلك كان خلاص أختي الوحيد، بالرّغم مِن كونه أمرًا غير قانونيّ أو مقبول دينيًّا. لكنّنا لَم نجد مَن يُسعفنا بسبب قلّة خبرتنا ومعارفنا. لِذا، لم يبقَ أمام عايدة سوى إخبار أبوَينا بالمصيبة التي جلَبَتها لنفسها ولنا جميعًا.

كانت ردّة الفعل قويّة جدًّا، فبدأَت أمّي بالبكاء والولولة وأبي أخَذَ يردّد: “ماذا فعلتُ لأستحقّ ذلك؟!؟”. وانتظَرنا أن مرَّت العاصفة. فكان والدانا، كما ذكرتُ سابقًا، مدرّسَين، أي أنّهما كانا مثقّفَين وعاقلَين ويستعمِلان المنطق بالتحليل. لِذا حاولا إيجاد الحل المناسب للمحافظة على شرَف ابنتهما، وإنقاذ المولود مِن وسمة العار ولقب اللقيط الذي ينتظرُه. ولم يكن هناك مِن طريقة سوى تزويجها مِن رجل سيقبل بحالتها طوعًا أو بواسطة رشوة ماليّة.

لحسن حظّها، كانت عايدة جميلة جدًّا، الأمر الذي أقنَعَ أحد زملاء أبي بالزواج منها، مع الوعد بأنّه سيقبض مبلغًا شهريًّا مِن أهلي. كان على العريس تطليق أختي بعد أن تلِد طفلها، مِن دون أن يضطرّ لدفع نفقة لها أو للمولود.

سُرَّت عايدة كثيرًا، إلا أنّها لم تحسب حساب لعبها دور الزوجة، أي أنّ عليها القيام بواجباتها الزوجيّة عن حقّ مع ذلك الرجل الذي يكبرُها بحوالي الثلاثين سنة. وعندما أدركَت ما ينتظرُها، كان قد فاتَ الأوان واضطّرَّت المسكينة لتحمّل إنسان قبيح وغليظ.

 

وبعد تسعة أشهر، أبصَرَ فادي النّور وكنتُ أسعد خالة بالدّنيا! أمّا بما خصّ عايدة، فاستقبلَت مولودها بشعور ممزوج بالخوف والفتور. لَم تكن أبدًا مستعدّة للعب دور الأمّ، فهي لم تقرّر أن تحبل أو تتزوّج، وكان فادي بمثابة عصًا في عجلة أحلامها المستقبليّة. كانت تخطّط للسفر فور حصولها على الطلاق، لكن مِن دون أخذ ابنها معها. كانت تريد البدء مِن جديد، ولم أكن أعلم أيّة بداية ستكون وإن كانت أختي قد تعلّمَت شيئًا مِن الذي حصَلَ لها.

حاوَلَ زوج أختي رفض تطليقها، إلا أنّه فكّر مليًّا بالموضوع، ورأى أنّه ليس مستعدًّا لتربية ولد رجل آخر والصّرف عليه، فأعطاها حرّيتها.

وبعد أشهر قليلة، سافَرَت عايدة إلى أقارب لنا في الولايات المتحّدة، تاركة وراءها فادي الذي لم تهتمّ به ولو يومًا لأنّها لم تعتبره إبنها بل غلطة مِن المفروض محوها بسرعة.

الحقيقة أنّني فرِحتُ كثيرًا لرحيل أختي، فكان كَيلي قد طفَحَ منها ومِن طَيشها، وكنتُ قد تعلّقتُ كثيرًا بفادي الذي اعتبرتُه منذ البداية إبنًا لي. وهو الآخر صار لا يهدأ إلا حين آخذُه بين ذراعَيّ ولا يأكل إلا مِن يدي. وسرعان ما وُلِدَت بيننا علاقة قويّة لِدرجة أنّني لم أعد قادرة على تخيّل حياتي مِن دونه.

مِن جهتها، صارَت لعايدة حياة جديدة في الولايات المتّحدة، فوجدَت عملاً وانتقلَت إلى شقّة صغيرة للعَيش بعيدًا عن أقاربنا الذين كانوا، حسب قولها، يُضيّقون الخناق عليها، أي أنّها لم تكن قادرة على إطلاق العنان لِطيشها. وبعد أشهر قليلة، تعرّفَت أختي على أناس مثلها، وصارَت تقضي وقتها في الملاهي الليليّة وبدأَت تتعاطى المخدّرات. هي لم تقل لي شيئًا عن تعاطيها الممنوعات، لكنّني استنتجتُ ذلك مِن معرفتي الوثيقة بها ومِن دلائل كثيرة.

أسفتُ على عايدة التي لم تكن تدري كم هي محظوظة بحصولها على فرصة أخرى، وصبَبتُ اهتمامي على صغيرها الذي صار يُناديني “ماما”.

مرَّت السنوات وتعوّدنا على العَيش مِن دون عايدة، إذ كان غيابها قد أراحَنا جميعًا، فلَم يكن أيّ منّا يأتي على ذكرها إلا نادرًا، واعتبرَنا فعلاً أنّ فادي هو إبني.

وحين تعرّفتُ إلى خليل، وضعتُه فورًا في الأجواء التي نعيشُها، وأفهمتُه أنّ مَن يُريدُني عليه أن يقبل بفادي أو عليه نسياني. لِذا، عندما تزوّجتُ، إنتقَلَ إبن أختي معي إلى بيتي الجديد، وعاملَه خليل أفضل معاملة بعد أن أقسَم لي أنّه لن يُفرّق يومًا بينه وبين الأولاد الذين سنُرزق بهم. لكنّ حدثًا غير متوقّع جاء يقلب حياتي: عادَت عايدة مِن الولايات المتحّدة مطالبة بابنها.

 

ركضتُ كالمجنونة إلى بيت أهلي لأجد أختي بانتظاري. لَم أصطحِب معي فادي، فلَم أكن أعلم ما ستكون حالة عايدة.

وجدتُ أختي بحالة ممتازة بعد أن خضعَت لبرنامج تطهير مِن المخدّرات. ومع أنّني فرحتُ لها، علِمتُ أنّني قد أخسرُ فادي.

جزء منّي لم يُصدّق هذا التغيّر، فكما ذكرتُ، لا أحد كان يعرفُها مثلي، وكنتُ متأكّدة مِن أنّها، حتى لو أصبحَت نظيفة مِن الممنوعات، لن تكون قد تخلّت عن نمط حياتها، على الأقل عن حبّها المُفرط للرجال. لِذا، رفضتُ تسليمها فادي قبل أن تثبت لي وللجميع أنّها صارَت أهلاً لتكون أمًّا بكلّ ما للكلمة مِن معنى. وافقَت عايدة بعد أن حاولَت إرغامي على إرجاع إبنها مُهدّدة باللجوء إلى القضاء.

صارَت أختي تأتي إلى بيتي مرّة بالأسبوع لترى إبنها، ومِن ثمّ مرّتَين وثلاث مرّات، حتى بدأ فادي يعتبرُها على الأقل فردًا مِن العائلة. لَم أكفّ عن مراقبتها، وأعترفُ أنّني لم أجد شيئًا مريبًا بتصرّفاتها عكس ما تأمّلتُ. لكن كيف كنتُ سأعيشُ مِن دون ذلك الولد الذي سكَنَ قلبي منذ ولادته وربمّا قبل ذلك؟

وجاءَ الوقت لتأخذ عايدة إبنها منّي وبكيتُ كثيرًا. لكنّها كانت ستبقى عند أهلي، الأمر الذي يُسهَّلَ عليّ الأمور. واساني زوجي ووعدَني بأنّنا سننجب أولادًا كثر، لكنّه لم يفهَم ما كان يعني لي فادي.

لكن بعد أقلّ مِن شهر على أخذ عايدة إبنها، إختفَت فجأة. حاولنا إيجادها بشتّى الطرق واتصلنا حتى بالشرطة، إلا أنّنا لم نجدها في أيّ مكان. واعتبَرناها ميتّة إلى حين بعثَت لنا رسالة مِن الولايات المتحدّة تقول فيها إنّها لم تستطع العَيش في البلد أو تربية إبنها. وبعد أيّام، وصلَتني ورقة مِن الكاتب بالعدل مفادها أنّ أختي تعطيني حقّ الوصاية على إبنها.

عندها فقط إرتاحَ قلبي واستطعتُ إكمال حياتي.

أنجبتُ إبنًا وبنتًا ولّم أفرّق يومًا بينهما وبين فادي، وكذلك فعَلَ زوجي لأنّه كان يُحبّني ويُحبّ كلّ مَن أحبّ.

وحين أصبَحَ فادي في الثامنة عشرة، بدأ يُبدي رغبة بالبحث عن أمّه. وافقتُ طبعًا على طلبه، إذ كان مِن حقّه التعرّف إليها والتكلّم معها. فبالرّغم مِن أنّه كبِرَ معي، لَم يكن إبني الحقيقيّ. كنتُ أخشى طبعًا ردّة فعلها إن وجدها، فماذا لو طردَته أو قسَت عليه، وماذا لو رآها بحالة صعبة بفعل المخدّرات والحياة المُنحلة؟

لكنّ فادي لم يجد أمّه لا مِن خلال محامٍ أو بواسطة تحرٍّ خاص أو حتى عندما ذهَبَ بنفسه إلى ولاية مِن الولايات المتّحدة حيث قيل له إنّها موجدة. قد تكون عايدة ماتَت أو ذهبَت إلى بلد آخر، لكن في حال كانت لا تزال على قيد الحياة، لا بدّ لها أن تظهر يومًا بعد أن يستفيق ربّما شعورها بالأمومة.

 

حاورتها بولا جهشان