Connect with us

قصص متنوعة

رواية العنيد الجزء الاول الحلقة الرابعه – لشيماء محمد #4

Published

on

5
(2)

وقت القراءة المقدر: 11 دقيقة (دقائق)

رواية العنيد الجزء الاول الحلقة الرابعه – لشيماء محمد #4

الحلقه الرابعه 4
احاسيس كتيره محروم منها وهو قاعد كده اتفاجئ بحد جنبه فرفع راسه وشافها واقفه وبتبصله وللحظه تخيل انه متهيأله وانها مش موجوده بس اتكلمت وعرف انها حقيقه واقفه قدامه …
ليلي: ممكن اعرف انت عملت كده ليه؟؟
ادهم رجع لورا وسند ضهره علي الكنبه وبيتفرج عليها
ادهم: افندم؟؟؟ ابوكي بعتك تقنعيني؟
ليلي: لا طبعا ركبني تاكسي علشان اروح شغلي وهو ركب ومشي بس انا رجعتلك علشان افهم انت عملت كده ليه؟؟
ادهم: مزاجي كده عندك مانع؟؟
ليلي: عندي مليون مانع لان ده مش بالمزاج
ادهم.: فعلا مش بالمزاج… مش بمزاجكم تقولولي ابعد عنه ولما الدلوع بتاعكم يزعل تيجوا تقولولي رجعه تاني… عندك حق مش بالمزاج فعلا
ليلي: انت بتضيع مستقبل اخويا ودلوقتي بتدمر ابويا انت ايه ما بتحسش؟؟
ادهم: للاسف ما بحسش ما عنديش قلب اصلا ولا بهتم بالمشاعر والكلام ده كله اللي بتتكلمي عنه
ليلي: طالما ما بتحسش يبقي تسمعني وبس… انت هترجع مصطفي شغله وفريقه فاهم ولا مش فاهم؟؟؟
ادهم ضحك: والا ايه؟؟؟
ليلي: انا مش بهزر
ادهم: انتي بتهددي فعايز اعرف بتهدديني بايه؟
ليلي: ترجع مصطفي شغله… بابا مش هيستحمل انه يكون السبب في ان ابنه يخسر مستقبله ويضيع… ومصطفي بيحمل بابا مسؤليه اللي حصل… هيروح فيها انت فاهم؟ انت لازم ترجع مصطفي شغله لازم
ادهم: بتهددي تاني والا ايه؟ لو مرجعتوش هتعملي ايه؟
ليلي مش عارفه تقوله ايه بس متغاظه من بروده
ليلي: هقتلك…. ايوه هقتلك واهو يبقي سبب ان مصطفي مش معاك لانك ميت
ادهم: اممممم هتقتليني!؟؟؟ تصدقي شوقتيني للموت؟؟؟ بقي اخطر اجهزه مخابرات في العالم حاولو يقتلوني وما عرفوش ومجرمين وقتالين قتله وفي الاخر اموت علي ايدك انتي!!!! يمكن مش بيقولو يجعل سره في اضعف خلقه!!! اوك انا موافق اقتليني يالا
بعد ما كان اتعدل رجع لورا تاني وقعد باسترخاء علي كنبته ورفع رجليه علي التربيزه وايديه تحت راسه وباصصلها
ادهم: مستنيه ايه يالا واوعدك مش هقاومك نهائي…
ليلي: ارجوك يا ادهم عيلتي هتتدمر اخويا وابويا الاتنين!! لو جرالهم حاجه ماما كمان هتروح فيها ارجوك
ادهم: لا لا ما تقلبيش دراما كنتي ماشيه حلو في الاول وبعدين ما قولتلك ما ليش في كلام المشاعر… بصي الحياه خد وهات عندك ايه تديهولي في مقابل اني ارجع اخوكي مكانه
بصلها من فوق لتحت وفهمها بنظراته عايز ايه وهيا فهمته
ليلي: ده نجوم السما اقربلك مني… ده حتي في خيالك مش ممكن انت فاهم؟؟؟ تطلع ايه انت علشان تبصلي كده ولا تطلع مين انت؟؟ انت راجل في نظري ما تسواش تلاته تعريفه؟؟؟ انت مش راجل اصلا؟ انت لو الكون كله فضي ومفضلش غيرك انت برضه لأ فاهم ولا مش فاهم؟؟؟
ادهم: انتي مش ملاحظه انك المفروض بتترجيني ولا نسيتي ان حياه عيلتك في ايدي
ليلي: طالما انت ندل وواطي وما بتحسش يبقي ما ينفعش معاك الذوق
ادهم: وانتي برضه ما ينفعش معاكي الذوق… اطلعي.. بره…. بيتي
ليلي: مش هطلع غير لما تتصل بمصطفي وتقوله انك رجعته
ادهم: انا مش عارف مصدر الثقه اللي بتتكلمي بيه ده معتمد علي ايه؟؟؟ مش هتصل ومش هرجعه
ليلي: ادهم
ادهم: افندم
ليلي: اتصل بمصطفي والا
ادهم: والا ايه اتفضلي!! هتقتليني؟؟؟ يالا مستنيه ايه؟؟؟ اسهلهالك لحظه
خلع حزام مسدسه ورماه قدامها علي التربيزه ورجع لوضعه تاني
ادهم: متعمر وجاهز يدوب ترفعي صمام الامان
ليلي من غيظها منه فعلا طلعت مسدسه ووجهته ناحيته
ليلي: والله اقتلك بجد لمجرد اني امسح الابتسامه دي من علي وشك الثقيل ده
ادهم ابتسامته اتحولت لضحك وضحك عالي كمان قام وسابها ودخل اوضه نومه وهو بيضحك دخل وقفل بابه وراه وسابها هيا في الصاله وهيا هتجنن مش عارفه تعمل ايه؟
ادهم دخل وبدأ يقلع هدومه… قلع شوزه ورماه وقلع قميصه وفك حزام بنطلونه ويدوب هيقلع بنطلونه الباب اتفتح ودخلت
من غير ما يبصلها
ادهم: غيرتي رأيك وجايه؟؟؟
ادهم لقي مسدسه علي دماغه
ليلي: لا ده ابعد من احلامك… بس هقتلك
ادهم: علي فكره التهديد الكتير بيفقد قيمته ودي اول حاجه بنعلمها للعيال انه ما يهددش الا اذا كان مش ناوي يعمل حاجه لكن لو ناوي ينفذ علي طول من غير تهديد
ليلي: بصلي هنا
ادهم بصلها: انسي انتي في مقابل اخوكي يا تقبلي يا تطلعي بره
ليلي: ما قولتلك انا ابعد من نجوم السما
ادهم: ابعد ازاي وانتي بيني وبينك كام سنتيمتر ولا دي دعوه منك بس مش عايزه تقوليها صريحه وانا مش واخد بالي؟؟ بتثيرني؟ دي طريقتك؟؟ الاول تترجي وبعدها تتنرفزي وبعدها تهددي وبعدها تليني تاني وبعدها تهددي تاني وتقوليلي اني مش راجل!! عايزاني اثبت رجولتي زي ما قولتيلي خايف من خياطه الجرح علشان اقولك مش خايف واثبتلك!!! دلوقتي انا مش راجل علشان اثبتلك….. ده قصدك؟؟؟ سوري ما فهمتكيش
قرب منها وهيا بترجع لوري: انا في ايدي المسدس هقتلك ما تقربش
ادهم طبعا متجاهلها تماما وبيقرب مره واحده مسكها من ايدها وحدف مسدسه بعيد عنها
ليلي: اوعي تلمس شعره واحده مني؟
ادهم: ومين قالك اني هلمس شعره؟؟؟ انا هلمسك كلك
شدها من ايدها جامد عليه حاولت تقاومه بس مفيش وجه مقارنه بين قوتها وقوته
مسك بلوزتها وبسهوله جدا شقها نصين وهيا صوتت
شالها ورماها علي السرير وهو فوقها مكتفها تماما
ماسك ايديها وكأنهم كلبشات من حديد ومش مديها اي فرصه تتحرك
ادهم: هاه عجبك كده؟
ليلي: ابعد عني اياك تلمسني اياك؟؟؟ مش علي اخر الزمن انت تكون اول واحد يلمسني ابعد
ادهم: علي فكره كلامك بيجنني اكتر واسلوبك ده مش نافع… فكره اني اول واحد المسك لذيذه وما تخافيش اوعدك هبقي رقيق معاكي وبعدين دي هتكون تجربه جديده ليا.. وليكي الشرف انك اول واحده المسها هنا في بيتي… تصدقي انك اول بنت تدخل البيت ده..
بيكلمها وبيقرب منها وبيلمسها في خدها ورقبتها بوشه وشفايفه
ليلي: ابعد عني يا ادهم
ادهم: ادهم ادهم ادهم وكأنني صاحبك او حبيبك او ايه؟ بتهددي بايه تاني؟؟ انتي تحت رحمتي فاهمه؟ اديتك فرصه واتنين وتلاته وقولتلك اخرجي وانتي فضيلتي اعملك ايه؟
ليلي: تبعد عني
ادهم: انا جوايا وحش نايم وبحاول ديما اسيطر عليه بس للاسف مش ديما بقدر ولما بيطلع ما بيفرقش وما بيشفش وانتي صحيتي الوحش ده فصعب ينام تاني؟
ليلي: ارجوك سيبني خلاص فهمتك خلاص هنتيني وكسرتني وكسرت غروري وكبريائي كفايه استوعبت درسك كويس سيبني بقي
ادهم: مقولتلك ما بحبش الدراما الاول كنتي احسن بحب روح التحدي فيكي يالا طلعيها وبلاش عياط ودموع
ليلي: الدنيا مش سايبه
ادهم: انتي في اوضه نومي في شقتي… البواب تحت شافك طالعه بمزاجك يعني جيتي هنا بمزاجك مش غصب عنك… العبي غيرها
ليلي: عارف بابا سألته انت طلبت منه قهوه ليه عارف قالي ايه؟ علشان تبقي عشره ونبقي اكلنا وشربنا مع بعض وانت تتحرج منه…. هتخون ثقته دي فيك؟؟ مصطفي شايفك مثله الاعلي وانك اسطوره هتخونه هو كمان؟؟؟ انت ظابط مش خاين… انت مش خاين
كلمه خاين بترن في ودن ادهم…. خاين…. خاين…. اكتر حاجه بيكرهها في الدنيا هيا الخيانه وهو فيه كل الصفات السيئه الا الخيانه عمره ما خان ابدا ابدا وعمره ما كان خاين ابدا
قام مره واحده من فوقها وسابها وخرج بلكونته وطلع سيجاره يشربها
ولعها بايدين بتترعش وفضل يطلع غضبه وغيظه فيها ويهدي اعصابه وافكاره المجنونه وسامع صوت عياطها ومش عارف ليه هيتجنن عايز يكسر اي حاجه؟ عايز يطلع ياخدها في حضنه ويطبطب عليها؟؟؟ عايز يقتلها ويخلص من مشاعره المتناقضه دي؟؟؟
رمي سجارته ودخلها
ادهم: ممكن اعرف بتعملي ايه لسه هنا؟؟؟ امسكك تقوليلي سيبني واسيبك تفضلي وبعدين؟
ليلي وقفت وبصتله كانت ماسكه هدومها وسابتها
ليلي: همشي ازاي بهدومي كده
بلوزتها مشقوقه نصين وهدومها الداخليه باينه
ادهم: دولابي كله قدامك خدي اللي يعجبك
عطاها ضهره وطلع سيجاره تانيه وولعها
ليلي بصت حواليها كان فيه كنبه صغيره جنب السرير وعليها تيشرت اسود
قلعت بلوزتها ولبست تيشرته وطلعت ادهم لاحظها
ادهم: استني ( وقفت من غير ما تبصله؟) التيشرت ده ملبوس مش نظيف
ليلي: مش مهم
مديتوش فرصه يتكلم وجريت… فضل في البلكونه لحد ما لمحها نزلت وجريت في الشارع مش بتقف نهائي
فضل واقف مكانه يبص لمكان ما اختفت فيه وكل جراحه اتفتحت تاني وكل ذكرياته اللي بيحاول يدفنها طلعت تاني وبتمدله لسانها وبتتحداه انه عمره ما هينساها ابدا
دخل وفضل يشرب ويشرب ويشرب لحد ما وقع من كتر الشرب
ليلي راحت لشغلها مهزوزه ضعيفه مستغبيه نفسها
كانت فاكره ايه؟ انها اول ما تقوله يرجع اخوها هيسمع كلامها؟؟؟ كانت فاكره انها ليها خاطر عنده!؟؟ علي رايه هو ايه مصدر ثقتها؟؟؟ كانت بتعتمد علي ايه؟
كانت مجنونه كده ليه؟ وفي لحظه جنون كانت هتخسر كل حاجه… هو مش زيها…. هو ما بقالوش سنين بيسمع اسمها وبيحلم بيها وبشكلها… هو مش معجب بيها وبشخصيتها وبيتمني يقابلها او يشوفها… هو مش زيها،… هو شخصيه مختلفه عن احلامها وتخيلاتها… لازم تفوق من جنونها ده وعالم احلامها اللي عايشه فيه؟؟؟
اخدت نفس طويل فشمت ريحته وافتكرت انها لابسه هدومه… فيها ريحته مش بس برفانه لا ريحته هو… ريحة رجولته مخلوطه ببرفانه… ريحه عشقتها وزودت جنونها اكتر واكتر…..
ادهم فاق من نومه كانت الدنيا ليل…. قام تليفونه بيرن بازعاج فمسكه ورد
ادهم: الو
اكرم بصوت عالي: انت فين هاه؟ اخيرا اتكرمت ورديت؟؟؟
ادهم: وطي صوتك
اكرم: كنت بتشرب بالليل بس دلوقتي ليل ونهار ولا ايه؟ قوم وتعال المدير عايزك اتحرك
ادهم قفل السكه وقام اخد شاور يفوق نفسه شويه وخرج يلبس هدومه
وهو بيلبس وطي يلبس شوزه لمح حاجه في الارض مد ايده وجابها ولقاها بلوزه ليلي اللي قطعهالها
مسك وبتلقائيه شم ريحتها وغمض عنيه افتكر لما شدها عليه ووقعت بين ايديه…. افتكر وهو فوقها وبيلمس رقبتها وخدها
افتكر ريحتها ونعومتها وتخيل لو كان ده بمزاجها مش غصب عنها وابتسم
ومره واحده فاق ورماها من ايده: فوق لنفسك ايه؟ هتحن؟؟ هتتجنن وتحب؟؟ مستعد تجرب؟؟؟ مستعد للحب؟؟؟
وكانت الاجابه واضحه وصريحه :لأ مش مستعد
نزل شغله وشاف مديره اللي كلفه بمهمه جديده وطلب منه انه يكلف تلامذته بيها وهو يراقبهم ويشوف هيعملوا ايه؟
راح مكتبه وجمع تلامذته
ادهم: واحد فيكم يتصل بمصطفي ويطلب منه يجي بسرعه علشان وراكم مهمه جديده… ربع ساعه ويكون هنا وتيجوا كلكم مع بعض اتحركوا
فعلا اتصلوا بمصطفي اللي مكنش مصدق نفسه ونزل يجري علي شغله وماردش علي امه اللي بتكلمه ولا ابوه بس جري
وصل شغله واتجمعوا كلهم في مكتب ادهم
ادهم بصله واكتشف مدي الشبه بينه وبين ليلي بس ليلي علي اجمل بكتير
فاق من تخيلاته علي اصواتهم وحماسهم واستعدادهم
ادهم رمي قدامهم ملف
ادهم: ده ملف فيه كل المعلومات المتوفره عن عصابه الاسلحه… بيستوردا اسلحه وبيوزعوها في الشوارع والعصابات ووصلنا ان في صفقه كبيره هتم…. امتي!؟؟ فين؟؟ مين مسؤل عنها؟؟؟ الله اعلم… وظيفتكم انتو بقي تجاوبوني علي الاسئله دي… قدامكم 72 ساعه حد اقصي3
اتفضلوا وروني شطارتكم
خرجوا كلهم بس مصطفي فضل
ادهم: افندم
مصطفي: انا متشكر جدا انا مش عارف اشكرك ازاي اصلا انا
قاطعه ادهم: انا رجعتك لانك ظابط كويس ولانك مالكش ذنب في اللي حصل بس لو اللي حصل ده اتكرر تاني مش هكتفي بطردك من عندي بس لأ انت هتطرد من مجال المخابرات نهائي؟؟؟ الظابط اللي ابوه بيخاف عليه بالشكل ده يبقي مالوش مكان بينا… احنا هنا بنواجه الموت في كل لحظه ده تعرفه لاهلك والا اتفضل من هنا؟؟؟ ودلوقتي روح لزمايلك ووريني شطارتك
مصطفي خرج واول حد فكر يكلمه هو تؤامه وبلغها برجوعه لشغله وفرحته وفضل يتكلم ويتكلم وهيا في ملكوت تاني… ملكوت اسمه ادهم محمود احمد عبدالله…
اشتغلوا في مهمتهم وادهم معاهم طول الوقت بس متفرج لكن دماغه شغاله وبيطلع خيوط القضيه وبيجمع واحد وواحد وتقريبا ملامح القضيه كلها بقت في ايديه

رواية العنيد الجزء الاول الحلقة الخامسه- لشيماء محمد #5

 1,087 اجمالى المشاهدات,  3 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 5 / 5. عدد الأصوات: 2

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

Continue Reading
Advertisement
2 تعليقان

2 Comments

  1. ياريت تشكرونا على المجهود فى نقل وكتابه الروايه لحضراتكم

    Reel-Story Note

  2. Pingback: رواية العنيد الجزء الاول الحلقة الثالثة- لشيماء محمد #3 - Reel-Story - رييل ستورى

  3. NEGM ISMAIL

    أغسطس 4, 2021 at 3:27 م

    شكرا على الروايه الجميله

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

The maximum upload file size: 128 ميغابايت. You can upload: image, audio, video, document, text, other. Links to YouTube, Facebook, Twitter and other services inserted in the comment text will be automatically embedded. Drop file here

قصص متنوعة

ثلاثة شباب سياح انقطعت بهم طريق في احدى القرى المهجورة

Published

on

By

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 12 دقيقة (دقائق)

يحكى ان ثلاثة شباب سياح انقطعت بهم طريق في احدى القرى المهجورة وحالما حل الليل وهموا بالدخول تلك القرية وهم بسؤالهم رجل عجوز عن من يكونون وما الهدف من زيارتهم لما امبروه عن حالهم رق لحالهم واخدهم لبيته واخبر زوجته بان تعد لهم طعام العشاء ونظرا لفقرهم اعدت لهم كساء وبعض خبز الشعير ساخن اخدوا ياكلون ويشربون حساء بعد انهاءهم لوجبة عشاء استغرب احد شباب لحال القرية لما لا يوجد بها احد غيرك انت وزوجتك قام العجوز بفرك لحيته وقال هل يجوز يا بني البكاء على اطلال وهل احباء يعمرون لوقت طويل يا بني هاته قرية كانت لها سمعة طيبة بين القرى غير ان مرض الذي كان متفشي ولقلة موارد وندرة مياه وغلاء اسعار وقلة ماشية اجبرت اهلها على رحيل هل تودون ان اخدكم في جولة فيها وافق شبان ثلاثة واخدوايتجولون بالقرية وتوقف العجوز عند احد ابواب وقال وهل يوجد سبب غيرك يا لعين واكمل طريقة وساله احد شبان عن سبب قوله لتلك عبارة . قال لي عندكم نصيحة من ذهب حالما يحل صباح عودوا للبيوتكم فهاته قرية ليست لكم فيها اية مصلحة خاصة ذلك الباب ولا انصحكم باقتراب منه او دخول ..بعد قضاء تلك ليلة عند ذاك العجوز هم شباب بحمل اغراضهم ورحيل ودعوا عجوز وزوجته واثناء رحيلهم توقف احد شباب عند ذلك باب استغرب شابين اخرين عن وقوفه وعدم استمراره بالمشي اخبرهم بكون انه لم يرتح بتاتا لكلام ذلك عجوز ربما يخفي شيءا في ذلك باب هل يخبء ذهبا او كنزا نفيسا خاصة ان سكان هاته قرية رحلوا فمن مؤكد ان هناك شيءا له قيمة وراء هذا الباب بعد دخولهم في نقاش حاد بينهم لعدة دقاءق قرروا من باب فضول فتح باب ومعرفة اسراره وماذا يخفي خلفه بعد دفعة اولى وثانية وثالثة فتح الباب وجدوا فقط اوراق وبعد كتابات الغريبة وغبار يملىء مكان بعد ان اتضحت لهم رؤية وجدوا قبوا مغلوق باحكام وعليه ختم وشمع احمر اكل عليه دهر وشرب ونقوش فتيقنوا ان اللعين الذي قصد به العجوز هو ساحر كان يسكن هذا البيت قاموا بازالة ختم وشمع الذي على القبو وبعد فتحه وجدوا درجا يقود للاسفل بعد ذلك بمجرد نزولهم على درج غلق القبو بشكل مفاجىء وبعد محاولة ياءسة لفتحه لم تكن هنالك جدوى سوى اكمال وشق طريق نحو الاسفل الذي يبدو كانه عالم اخر مظلم ومخيف ولم يعرفوا ماهية اسراره

بعدما اغلق باب القبو على سياح ثلاث لم تجد محاولتهم فاشلة في فتحه اية جدوى قاموا بنزول من درج ليقودهم طريق نحو الاسفل واثناء نزولهم صار بينهم خلاف ونقاش حاد بادر احد سياح بلكم الاخر واخر يشتم اخر حتى هدات نفوسهم لكن كل واحد يحمل مسؤولية للاخر وفجاة سمعوا ضوضاء صادرة عن جموع من الناس قادمة من الاسفل تريثوا قليلا وتملكهم رعب اذا ما كانوا هؤلاء اشخاص ودودون ام لا هل سيقدمون لهم يد مساعدة ام لا بعد مرور وقت قرروا اكمال طريق وجدوا باب لما فتخوه وجدوا سوقا كبيرا فيه باعة ومشترون تملكهم فرح وراحوا عند احد باعة لكنه فاجاهم بصراخ وتكلم عاليا : اقتربوا هنالك غرباء هنالك غرباء اقتربوا لم تمر سوى دقاءق حتى حام حولهم العديد من اشخاص ذوي اجساد غريبة وضخمة امسكهم الحراس ضخام بنية واقتادوهم لزعيمهم عند احد بيوت فجاة سمعوا صوتا مالوفا خلف ذلك بيت يقول :ادخل الفضوليين
لما دخلوا فوجاو بكونه العجوز الذي استقبلهم في القرية وحذرهم من دخول
قاءلا : يبدوا بانكم لم ستمتعوا لكلامي وغدرتم بي واطلعتم على عالمنا لكن لم استغرب هاته طبيعتكم ايها فضوليين وجشعين يتملككم ندم عند وقوع بمشاكل
قاطعه شباب بكونهم ندموا ولن يعيدوا الكرة وسيبقى سر عالمهم في قلوبهم لا على السنتهم
قام عجوز بفرك لحيته اذا طالما ندمتنم وبدات على ملامحكم اخطاءكم التي لاتغتفر ساساعدكم هاته مرة فقط خلف بيتي هذا يوجد طريق وستجدوون ثلاث اختبارات ان وفقتم ستجدون باب خروج وان فشلتم لن اضمن لكم ما سيحصل لكم هيا اسرعوا الوقت من ذهب
قام شباب ثلاثة بركض في طريق حتى وجدوا انفسهم في الخلاء وملامح شمس بدات بالغروب وفجاة وجدووا فتاة صغيرة تبكي تقدموا نحوها وسالوها عن سبب بكاءها قالت :
ابي رجل غني لديه من اموال لسد حاجيات المدينة باكملها لديه عقارات وشركات وسيارات وعندما وافته منية قمنا بالتقسيم ثروته اخدت انا واختي شقيقتين نصيبنا واخد عمي نصيبه وانا واختي نعيش في كنف جدي
تفاجا شباب لكن حالك جيد لما البكاء
قالت : لكن اخي لم يرث شيءا
قاطعها احد شباب : لما
قالت : لا اعلم
قال: وهل كانت علاقة اباك باخيك جيدة ام سيءة لدرجة منعه من ميراث
قالث : كانت جيدة ووطيدة فقد كان اخي يد ابي يمنى وكان يساعده في تجارته ويسير املاكه عند مرضه اعذرني لن ازيد كلمة فحالتي سيءة
فرح احد شباب قاءلا فعلا اخاك لايستحق قرشا من املاك ابيك … اذا لما لم يظفر اخاها بشيء ؟

بعدما روت صغيرة قصتها التي تتمحور حول كونهم عاءلة غنية واباها رجع ثري ورثت طفلة واختبها شقيقتين وعمهما غير ان اخوها لم يرث شيءا بالرغم من انه لم تكن اية عداوة بينه وبين ابيها قاطعها احد شباب قاءلا: من بديهي ان لايرث اخوك لانه لم يكن اخوك شقيقا لك لانه وبكل سهولة كان اخوك من جهة امك فقط وعندما قلتي بان جدك لازال على قيد حياة فهو اولى بالميراث من اخيك وعمك كذلك يا صغيرة تعجبت فتاة صغيرة وقامت بالتصفيق 👏👏 مبروك عليكم اجتزتم ايها مذنبون اختبار اول بالنجاح مزال امامكم اختباران ركزوا جيدا على مضمون احجية رافقتكم سلامة مروا من هذا طريق مختصر،سلك شباب ثلاث طريق مختصر فجاة وجدوا طفلا صغيرا في عمر رابعة يلهوا يحمل في يده مقصا ساله شباب عن من يكون اخبرهم بكون اختبار قادم اقترب وقام بمرافقتهم في مشوارهم فجاة سمعوا شجارا بين امراتين تتشاجران .
امراة 1:من تضنين نفسك ايتها ساقطة حتى تقولي هذا كلام
امراة 2: لو كنتي امراة صالحة لما تركك زوجك
ودخلتا في شجار حاد حتى تدخل شباب في تفرقة بينهما فجاة
امراة 1: هذا ابني اين كنت
امراة 2:بل ابني يا لعينة
شباب توقفا ايها صغير من امك بين كلتا امراتين تملك خوف صغير وراح خلف شباب ولم ينطق بكلمة وكلتا امراتين تناديانه فطن احد شباب للامر وقال: اذا ياصغير ولا واحدة من هتان سيدتان امك فمثل سنك غالبا اطفال يميلون لامهاتهم بدون شعور اذا هل نعتبر انفسنا تجاوزنا اختبار ثاني قاطعته كلتا سيدتان : كلا عليك ان تفك قضيتنا نحن نتشاجر على نفس زوج وهو رجل جزار لكن لا ياكل اللحم ولا يقتل ضحيته ما مهنة زوجنا
واكملتا شجارهما لم يعر شباب اي اهتمام لهما جزار ولا يقتل ضحيته ولا ياكل لحمها يعني انه يملك ادوات جزار لمح احد شباب طفل صغير قاءلا : وجدتها وجدتها زوجكما طبيب جراح يقوم باجراء عمليات باستعمال ادوات جراحة ولا ياكل لحمها لكون الغرض من جراحة محاولة علاج مريض وليس قتله لمحت ذلك من صغير يحمل مقصا فغالبا هذا طفل ابن زوجكم لكن من زوجة ثالثة
نظرتا كلتا سيدتان بحقد تجاوزتم امتحان بنجاح يا ريثكم متوا ايها رجال خاءنون سحقا لكم
اكمل شباب طريق فرحين بتجاوزهم لهذا الاختبار فجاة دخلوا الى ارض قد تم حرثها لكن لم تعطي ثمارها بعد فجاة جاء كلب ينبح على شباب ليس بغرض عضهم او تخويفهم لكن ليدلهم على احد بيوت صغيرة مقابلة للحقل لما دخلوا وجدوا العجوز الذي التقوه سابقا وصاحب اختبارات قال لهم اذا حللتم هذا اللغز هنيءا لكم ستغادرون هذا العالم اما اذا خسرتم فستصيرون طعاما للوحوش
شباب ثلاثة نحن مستعدون
العجوز اذا على بركة الله اشتهت نفسي من هذا الحقل ثمرة معينة تاخد من ذهب اصفره ومن دم احمره وقبتها خضراء تبتسم عند حلول ربيع اجلبوها لي لم توجه شباب ثلاث وجدوا الحقل قد اعطى ثماره وهناك عدد لايحصى من الخضار والفواكه ماهي ياترى هاته ثمرة ..

اذا وصل شبان ثلاث للحقل واجتيازهم لكلنا اختبارين بالنجاح طلب منه العجوز في اختبار اخير ان ياتوه بثمرة من الحقل تاخد من ذهب اصفره ومن دم احمره وتبتسم خلال ربيع بلون اخضر .
تفاجا شبان ثلاث ماهذا ايها عجوز اختبارك سيدمر حيانتا ان لم ناتيك بهاته ثمرة وخاصة ان احجيتك صعبة
ابتسم عجوز قاءلا انظروا الى نافذة تفاجاوا لما راو ان الحقل اصبح مثمرا بفواكه والخضر هنا بكيخ وهناك تفاح هناك بطاكس وهناك بصل وهناك برتقال وعنب في ارجاء خوخ ومشمش وغيرهم من الخضر وفواكه كان الحقل جنة مصغرة
اخبروه شباب عن عجزهم هل من تلميح ايها عجوز لم نستطع ان نفهم ماهية اللغز حتى
فرك عجوز لحيته كالعادة قاءلا اذا انتم كثمرتي لاهي منهم ولا من اولءك احتارت المسكينة لكن افضلها قبل نضجها فزوجتي تلومني ان اكلتها كما هي اذهبوا لن ازيدكم كلمة واحدة
احتار شباب لما خرجوا تفاجاؤوا بالبطيخ يناديهم انا هي فاكهة مقصودة فكما ترون سطحي اخضر لبي احمر اغصاني تميل للصفرة وانا مقربة للبيت هذا يعني مقصودة اقطفوني و قدموني للعجوز قبل نفاذ صبره
قاطعه رمان اياكم هذا خبيث يود ان يوقعكم في الفخ فكما ترون انا ثمرة مقصودة حمراء من داخل اتدلى من شجرة خضراء لوني خارجي يميل للصفار وكما ترون راءحة شجري تملء مكان خدوني لن تندمو سمعوا قهقهقة لاتكرثوا لهم ايها شبان اياكم واياكم العجوز لم يرحمكم كما ترون فانا بطاطس من لا يستعملوني فانا موجودة في كل بيت وضرورية فاليوم وشروط كلها تتوفر في
زاد الوضع عن حده تشاجرت خضار وفواكه بينهم كل واحد يبدي رايه ويعزز حججه بكونه هو المطلوب زادت حيرة شباب ثلاث حتى قرر احدهم ذهاب للعجوز لكن شابين اثنين امسكاه قبل ان يذهب قاموا بضربه وعاتبوه لكونه هو صاحب الفكرة التي اوقعت بهم في هذا العالم وبكونه متسرع داءما وبان العجوز لن يرحمهم ان لم ياتوه بثمرة معينة
خاطبهم باكيا انا اسف حقا سامحوني هيا لي نفك احجية
فجاة جاء غراب ووقف على فزاعة صارخا ما الخطب ايتها ثمار اتودون انا اكلك متى اثمرتي وبعضكم لم يحل وقت نضجه بعد .بعدها ساد صمت ورجعت كلا خضار فواكه لحالتها طبيعية تفاجا شباب وعادوا لفك احجيتهم معتمدين على كلام العجوز فجا توقف احد شباب فرحا حللت نصف لغز اسمعوا هلموا هلموا حام حولهم كلا شابين ماهو قال: قال عجوز فاكهة تاخد من اصفره صفاره يعني انها لم تنضج بعد وبانها تتخد لون صفار قبل نضجها حمراء لون عند نضجها ولون اخضر مقصود بها راس تلك ثمرة هذا يعني ان ثمرتنا لونها احمر فرح شباب بفك نصف لغز احجية وقانوا بضم شاب بقوة واستبشروا خيرا لكن حزنوا في نفس وقت لكون نصف ثمار موجودة ذات لون احمر لكن لم تلبث دقاءق حتى اخبرهم احد شباب عن فكه للكلام غراب قاءلا بان ثمرتنا مقصودة قد حان وقت قطفها يعني ان ثمرة مقصودة تنبت في فصل معين لكن فءة من ثمار تتوفر فيها هاته صفات فجاة جاءهم كلب صغير يلوح بذيله فهم منه شبان ثلاث ان وقت قد درك وان عجوز يود ان ياتيه بثمرة معينة بعد مرورو عدة دقاءق تكلم شبان ثلاث في ان واحد حللتها حللت اللغز
صرخ شباب ثلاث ايها العجوز نحن قادمون حللنا اللغز الثمرة مقصودة كانت طماطم وقف بجانبهم العجوز لما اخترتم طمطام من دون باقي ثمار
قال شاب اول : كما قلت سابقا قبل نضجها صفراء وحمراء عند نضج وقبة التي تعتليها خضراء
قال شاب ثاني : مقصود من كلامك ان ثمرتنا في حيرة ان بعض اخصاءيين صنفوا طماطم من فواكه لكونها تاخد مجرى فواكه تاكل من دون طبخ وبعض يعدها من خضار لكونها تستعمل ايضا في الاكل سواء مطبوخة ام لا
شاب ثالث كلام غراب اوحى لي بان فواكه وخضار جلها لم يحن وقته فكما نعلم ثمار موسمية جلهم لم يحن وقت نضجهم
اذا ما قولك ايها العجوز
خاطبهم العجوز وقام بفرك لحيته ووضع يده على كتف احد شباب اذا لما تجاوزتم اختبار اول صغيرة تبكي لكون اخيها لم يرث هدف منه توطيد علاقة اخوة بينكم
واختبارثاني حول سيدتان لتان تتشجاران وطفل هدف منه التحام وعدم تفرقة ففي جماعة قوة وتفرقة ضعف
اما ثالث فمقصود منه جمع افكار وترتيبها في حياتكم خاصة وعدم تسرع وضجيج خضر وفواكه هو كلام ناس ضعوه جانبا ولا تكترثوا له
نجحتم في الاختبار هنيءا لكم الرجل بكلمته نجحتم ولم تدعوا لي سوى وفاء بوعدي لكم هذا باب قبو اخرجوا سالمين غانمين لكن نصيحتي لكم قبل الرحيل لا تعيدوا الكرة وتدعوا الفضول ومحاولة كشف ما وراء ستار لانه سؤدي بكم الى ما لاتحمد عقباه وداعا رافقتكم سلامة
فرح شباب فتحوا باب وودعوا عجوز وداعا اخيرا وراحوا في حال سبيلهم

 

 2,934 اجمالى المشاهدات,  112 اليوم

Advertisement

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

Advertisement

As you found this post useful…

Follow us on social media!

Continue Reading

قصص متنوعة

قصة لا وطن في الحنين الجزء التاسع

Published

on

By

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 111 دقيقة (دقائق)

لا وطن في الحنين…9

 

.. من قلب الفناء الذي يتوسّط المدِّينة المقدّسة : ساورا جاء الصّوت عميقاً مبحوحاً ومتحشرجاً :

-الى ساورا جاء الغزاة ..

عندما أقترب الغزاة من ساورا, تفقد بييه الفتيات الملكيات , وسأل :

-أين شبونة ؟!..

فأجبن بصوتٍ واحد :

-لا ندري ..

قاد بييه الفتيان الملكيِّين الأربعة الى خارج أسوار ساورا ..

(*)

عندما هجم الغزاة على ساورا , كانت شبونّة مع صولمنج في الكّهف .. خلف الدّغل , عند الجرف الصّخري .. عشّهما الذي لطالما ألتقيا فيه .. فكّ صولمنج عن شبونّة غلالتها .. كان وقع حوافر الغزاة لكأنه يشعل فيهما مواجداً لا تنتهي ..

كانت الشّمس تجرجر أزيالها في الأفق البعيد, وثمة ضوءْ شاحب ُيلقِّي بظلاله على الكّهف الذي أختبأت فيه نيردِّيس وساوْ , الذي ابتعد عن جسدها مرتاعا, وهو يتبيّن في الخطىّ القادمة  شبح نبتة :

-عليك اللعنة نبتة . أخفتينا! ..

قالا في صوت واحد , فضحكت نبتة في صهيل ملتاع ردّد صداه الكّهف ..

-نبتة , ألم أقل أن دورك صباح الغد ؟..

-لم أستطع الإنتظار ورأيت أن نفعل ذلك جميعاً , كما يفعل آري مع نساءه ..

تسآلت نيردِّيس التي عقدت زراعيها على صدرها:

-كيف ؟!..

-لا تكوني غبية .. أنت تعرفين كل شيء . ألم تعلمينِّي أنت ما علمتك إياه ماريانا , جارية آري..

طوقهم صمت عميق. قطعته نبتة وهي تنتقل بالحوّار :

-ألم تسمعا بنبؤة دالي بفناء ساورا ..

-انه يهزِّل . ساورا جنَّة الحياة ..

قالت نيردِّيس العاريّة تماماً , وهي تجلس على حجر ساوْ , فأسرعت نبتة تجذبها وتقول :

-أليس لديك صبر؟ .

-ألم تجدي لكوَّي ّرجلا بعد ؟!..

-إنها لا ترغب في رجل سوى بييّه !..

-لكن بييّه يحب لنقي!..

-هي مثلما لا تريد رجلاً سوى سورِّنقْ .. فلتنتظرا إذن إلى أن يصيب  الجفاف غياهبها .

ضحكت نبتة بخلاعة , كفتيات أتنّي البيضاوات :

-رأيتهما مراراً في الدُّغل مع قرود الطَّلح .

-ماذا تعنين ؟!..

-أعني ما أقول .. الغرباء جعلوا الناس يكتشفون أشياء مذهلة , نحن اليوم لسن كأسلاف آري ..أجدادنا..

-النّاس الآن في ساورا يعيشون حياتهم كما يريدون , حتى الأغراب يأتون الى ساورا ينفضون وعثاء الطّرِّيق والمنفىّ ..

-ولذلك دورة لا يفتأ يخيف الناس بفناء ساورا ..

 كان دورّة الراعي العجوز والد سورنق , قد تخلى عن الكهانة , وامتهن رّعي الجاموس والأغنام .. ولا يفتأ يردد لكل من يصادفه في طريق العودة الى ساورا :

-تحالف المجرمين مع شعب ساورا , سيفنيها ..لم تعد ساورا هي ذاتها التي نعرفها .. لا محالة لعنة لا تبقي ولاتذّر ستحل بنا ..

قلبت شريط الكاسيت وأنا أوقف ود الباهي (بإشارة من يدي ) ريثما أدخل شريطاً جديداً . زفرت بعمق وأنا أرى مؤخرة المدينة الشاسعة , التي كانتها جلابي ود عرّبي يوماً وهي تتمدّد على شريط النِّيل ..

 الفردوس الآن تغتسل كسابا الفارعة ,من ذكريات آخر لياليها البهيجة مع سورنق .. تقف سابا أعلا الّتل ترقبه  وهو يمضّي بعيداً . يتضاءل شيئاً فشيئاً , حتى يستحيل إلى نقطة صغيرّة في أُفق رحيب . نقطة في صحراء لا متناهية., ويذوِّي . يتلاشى ليكون الغياب., في الفضاء اللامتناهي , حيث ساورا تخرج من أعماق ود الباهي, تنضّو عنها ذكريات يوم آخر في الفجيعة, وترقب قادماً من بَوح أحزانها . يجدد أفراحها ويشرِّعها للقادمين., من غياهب سحيقة لأزمانٍ قادماتْ .. ليخطوّن مدينتهم الجديدة , وليحيا سورِّنقْ في الذّكريات . ذكريات لنقِّي الحبيبة , الصّبية الصّغيرّة  التي تكبر يوماً بعد آخر , وتتفتح كالطبيعة , في الخرائف المثمرّة , عن أفواف الزّهر و الثّمر الحلو , وربما تتفتح كالطبيعة , عن الاعاصِّير والزوابع الأنثوية الخالدة في قصص العشاق ..

-أين اختفيت الأيام الماضية سورِّنقْ ؟!..

-اعتزلت مع أبي العجوز دورّة .. يقول أنه يجب أن ابتعد عنك ..

-لماذا ؟!..

-أنت تراهقين , وأنا أصبحت شاباً ..

-ألهذا السبب فقط ؟

أحتوت ببصرِّها البرِّيق الغامض الذي يشِّعُ من عينيه ..

-أنت تخيفني سورنق!..

-إهدأي لنقِّي .

-لم أعد أفهمك .

-سأرحل , وعندما أعود سأكون آري مهاباً . سأبني لساورا سوراً ضخماً , عالٍ من الحجر !.. وأضعُ الحرّاس على أبوابه , وأكتب على جدرانه أسرار الكبش المقدّس . سينِّير مجد الكبش ساورا في ليالِ الشتاء الطويلة . ويدفئها .. وسيأتيها الغرباء الذين يهربون الآن منها . نعم سيعودون فتحميهم مرةً أخرى, من جور الأهل والأوطان .. ستظل ساورا مفتوحة, ولن تغلق أبوابها أبدا إلا في الليل , فالليل لا يأتي عليها .. سأحمل إليها كنوز الممالك الاخرى ,وامجادها ولن تمضي بغير شريعة الكبش ..

-لا أفهمك سورِّنقْ !..

كان سورِّنقْ يبدو غريباً على لنقِّي , غريباً على أقرانه الذين لم يعد يجالسهم , مكتفياً بصحبة دالي إبن آري شقيق لنقِّي . والإعتزال معه لأوقات طويلة , في محراب الكبش , أسفل المنحدّر الصّخري خلف الهضبة , التي يدفن في سفحها الأطفال ..

الفتيان الملكيين كانوا يهابون سورِّنقْ , الذي كان يبزَّهم في الرّكض ,والصراع وتسلق الأشجار كالقرد , منذ الطفولة الباكرة , كانوا لا يتجرأون على إزعاجه أبداً , بمؤامراتهم الصغيرة التي يحيكونها ضد بعضهم البعض ..

الفتيات الملكيات في أُنوثتهن الطِّفلة, كنّ يتعمدن اللهو معه دونهم جميعاً, ويبتعد عنهن ليلهو مع لنقِّي وحدها . يغرن منها , ويبدين كراهيتهن له دون تحفظ , ومع ذلك ظل سورِّنقْ فارس أحلامهن منذ الصِّغر , كلما كبرن يرّين جواده الأبيض ينأى ويبتعد .. قالت نيردِّيس :

-سورِّنق لا يشبهنا , فهو ليس إلا إبن راعي خرّاف .

 رمتها لنقِّي بنظرّة حادة :

-لا تنسي أن أُمه من العشيرة الملكية ..

-انه لا يحب النّاس . يرى نفسه أفضل منا و من الفتيان الملكِّيين . ثم أن تكون أمه شقيقة آري إياباسي, مثل ام كوّي وشبونة , فذلك لا يكفي . فسورِّنقْ من أب ليس من  دّم آري على عكسنا.. ولا تنسى أن آري القادم هو شقيقنا (دالي) , وليس إبن الرّاعي العجوز دورّة ..

صمتت نيردِّيس فجأة., كأنها تتذّكر شيئا , ولم تعلِّق لنقي .. تغيّر عمق عينَّي نيردِّيس , وهي تحاول أن تجوس في أعماق عيني لنقِّي :

-اسمعي لنقِّي . بييه يقول أنك  تتهربين منه !..

تدخلت نبتة على نحوٍ مباغت :

-اسمعي أنت نيردِّيس . لنقِّي تحب سورِّنقْ وتكرّه بييه , أي جزء من هذه العبارّة غير مفهوم ؟!..

أضافت كوِّي:

-لماذا لا تتركينها وشأنها , دائما تلاحقينها ببييه؟!! ..

ابتسمت نيردِّيس في خبث :

-يبدو أنكنّ وقعتن في غرام بييه فجأة !.

تدخلت شبونّة التي ظلّت صامتة طول الوقت :

-نيردِّيس , لقد ظللت لفترة طويلة تتدخلين في شئوننا , كلنا لن نسمح لك بعد الآن بمثل هذا التدخل ..

قالت في حدّة فنهضت نيردِّيس غاضبة :

-ستلجأن الىّ كالعادة , عندما تقعنّ في المشاكل , تذكرن ذلك جيداً ..

ضحكت شبونّة بسخرِّية :

-مشاكل أكبر من لو أخبرت دالي بما تفعلينه مع ماريانا ؟.

التفتت في حدّة :

-لكنكن تفعلن ذلك معي !..

-سننكر جميعا كل شيء , ووحدِّك ستقعين في المشاكل , ألم تعلمينا أنت كل شيء ؟!..

أطل التساؤل من عيني لنقِّي :

-ما الذي تفعلنه مع جارية آري ؟

تراجعت نبتة :

-لا شيء . فقط نريد إيقافها عند حدِّها .

وألتقت نظراتهن في صمت وتواطؤ . فتجربتهن مع ثرثرّة لنقِّي بإحساسها الدائم بالخوّف منذ الطفولة الباكرّة , علمهن أن يخفين عنها اسرارهن , التي كانت تعلم بعضها بطريقتها الخاصة , ولا تجعلهن يشعرن بانها تعلم , كانت ترغب في ألا تكون جزءً من عالمهن فاكتفت بالعلاقة الحميمة التي تربطها بكوِّي ..

كان الضجيج في بهوِّ العرش قد بدأ يتعالى , فصمتن ثم بدأن يتفرّقن , في حجرات القصر الكبير , بعيدا عن بهوِّ العرش , الذي أزدحم برجال المملكة , الذين بدوا منشغلين , أكثر من أي وقتٍ مضى .. التفوا في مجلسهم حول آري , الجالس على “ككرِّه ” بمهابة . وقد بدأت على وجهه علائم التفكير العميق . ران الصّمت لفترة ليست قصيرّة , وتلاشى الضجيج شيئا فشيئا .. جاء صوت آري حاسما وهو يقلِّب بصره في حاشيته , موجها حديثه الى حاكم الحاضرة الجنوبية الغربية من مملكة ساورا المقدّسة :

-ستأخذ معك أبناء العائلة المقدّسة , هذه المرّة ليتدربون .,على فنون القتال تحت إشراف “الأورنانق” بحاضرتك ..

-سيشرف عليهم حكام المقاطعات آري , فقد جئت بالأورنانق الى هنا ..

-اذن على الاورنانق أن يتصِّل بالحاضرة الشمالية , ليرسل كل شبان حاضرته اليه .

إستأذن كبير خدّم القصر فسمح له آري :

-ماذا هناك ؟.

-حاكم الحاضرة الشمالية يستأذِن ويعتذر عن التأخير ..

-ليأت ..

ابتدر قائد القوافل الحديث :

-نحن على أعتاب سنوات جدب , وأرى إذا سمح آري أن يأمر بأن تتولى “إياكوري” , تخزين الطعام والإشراف على إنتاج الحواكير ..

-لقد أوكلنا هذه المهمة للقضاة , ورُّماة المدى وحاملي السيوف , ستشرِّف عليهم إياكوري .

قال ملك حاملي السيوف :

-أخبرني ملك سائسي الخيل بما تحدثتم به آري .في أن الجوار يعبيء جنده؟ .

-لم تردنا أخبار جديدة أُخرى . ربما تكون وجهة جُند الجوار., مملكتنا المقدسة , ولذلك أرسلنا الى حلفاءنا وطلبنا منهم المجيء الى ساورا , وأرى أن يهتم حكام المقاطعات , بإجراء الإحتياطات اللازمة , للدِّفاع عن ساورا ,إذا كانت نيّة الجوار مهاجمتها .

ومضى آري يرتب مع مجلسه الحاشد شئوون مواجهة الجدب , والحرب المحتملة وعندما أنهى حديثه صفق فيهم بيديه :

-عليكم موافاتي بكل ما يطرأ ..

ترك آري الأمر لرجاله ومضى مطمئناً, الى أحضان محبوبته ماريانا , مكتفياً بتلقي الأخبار عن طريق “كتركوا ” الخصِّي المسئول, عن ماريانا الجارِّية المفضلة لديه .

كان “كتركوا” يصرف الحكام والقادة, دون أن يدعهم يلتقون آري , الذي كان قد أنزل هموم المملكة عن عاتقه , ووضعها على ظهر رجاله , وتفرّغ لمحظياته وجواريه . وبعد مرور وقت طويل .. طويل جدا جاء سورنق الى ساورا الخراب …

-آخيرا وصلنا ..

أشار سورنق بيده من على صهوة الجواد , فتوقف الركب خلفه . توقفوا جميعا يحدقون في الوادي المترامي الأطراف , بعيونهم المتسعة . شعروا جميعا لحظتها بحنين وشجن بعيد .,يشدهم الى هذه الأرض . نزلوا من صهوات جيادهم , وتفرقوا حول مجاري المياه , يغسلون وجوههم من وعثاء السفر الطويل …

طوقوا بأبصارهم الوادي , الذي بدا شاسعا , كأنه يمتد في اللانهاية , ليلتقي بحافة السماء متناهية البعد ..

على إمتدادات الوادي , بدت أكمات متفرقات هنا وهناك , مدّغِلة وساحرة!! ..

أشار سورنق لبييه فتوغل الآخير في الأكمات , يتبعه خمسة من الجند الأشداء ..

هواء الوادي البارد , لطّف نفوسهم العليلة برهق الجفاف ,وإنهاك الوباء الغامض . خراب ساورا والترحال المضن لأسابيع وأيام طويلة . هواء الوادي المنبسط , ينعش الوجوه المرهقة , التي أضناها فراق الأحبة والغياب الذي خالوه لأيام الشجن الوديع …

قلّب سورنق بصره في الوادي , رغم ترحاله في طرق عديدة , منذ هرب في تلك القافلة . هو الخبير بالقوز في شبه الصحراء عبر مالحة قريباً من جبل الميدوب . حيث الطرِّيق العرِّيق لتجارة الملح . لم يجد أبدا في حله وترحاله مثل هذا الوادي !..

طوّق سورنق الوادي ببصرِّه المنهك , وكان قد أتخذ قراره, وخُطّط العمران ترتسم في عقله المكدود . الذي بدأ يستفيق وتتجدد حيويته هناك, على أمتداد هذا الجبل, الذي يبدو كما لو أنه الكبش الإلهي المقدس , بظِّلِّه الملقى على السهل , كأنه فروة تظلِّل الوادي من الهجير . وبقمته المشرعة: ذروتين تبدوان ككفي العجوز دورّة , لحظة التضرع بالدعاء الحار . كأن دورّة هو الذي يجلس على  إمتداد هذه القاعدة , مرتديا عباءة رسولية مهيبة , يدعو لساورا الجديدة بالمجد .. قطع عليه الكاهن دورّة, الذي كان قد تخلى عن الرعي, وعاد لممارسة الكهانة مرة أُخرى , تأملاته :

-ظلت الطبيعة هنا تمنح أجدادنا هويتهم . خصبهم.. خصب الكبش المقدس . هنا أستقر الكبش وأسلاف دالي في وقت سحيق ..

تنهد سورنق بعمق :

-وهنا سيشيد البناءون قصر آري , على هذا التّل., الذي تحتضنه أقدام الكبش .ستكون مدافن آري والى يسارها, سينحت ساو من عروق الحجر خصي الكبش , رموز الخصوبة ويقين تجدد الحياة ..

هزّ الشيخ دورّة رأسه في رضا وأنسحب , كانت حوافر جواد بييه لحظتها تقترب ,تدخل في خطط سورنق وخواطره , تتدخل في حبل أفكاره :

-انها مليئة بالحيوانات المتوحشة .

قال بييه , ففرك سورنق بيديه :

-ليس ثمة أكثر توحشا من النّاس سنستأنس منها ما نستطيع , ونطرد الباقي ..

وواصل حديثه :

-هنا سيشيد سورنق مملكة أخرى , بدلاً عن ساورا المهجورة . هنا سنبدأ من جديد., لتتواصل مسيرة الأجداد .. هيا ليبدأ الجميع في تعميرهذه الأرض . وأنت أيها القائد بييه , اذهب الى المملكة المهجورة وآتِ بالباقين ..

-الآن ؟!..

-نعم الآن . اذهب …

وأنطلق بييه يتبعه عدد من الجنود في رحلة طويلة شاقة . رحلة إلى ساورا ..

كانت ساورا المدينة المقدسة قد بدأت تعاني الجدب , ثم ما لبثت أن أنهارت تماماً, بعد أن دهمها الغزاة وخربوها .. قتلوا آري وأستحيوا النساء, ودمروا المعابد., ونهبوا قطعان الجاموس., التي تبقت من الجفاف .. قضوا على كل ما تبقى من مجد ساورا ومضوا ..

منذ ترك كتركوا الإهتمام بإياكوري منذ وقت طويل , إستجابةً لأمر آري , بأن يعطي جل إهتمامه لماريانا . لم تعد إياكوري تهتم بالحصول على العطر البّرِّي .. كانت محاصرة بذكرى تلك اللمسات البديعة , لأنامل كتركوا الخصي وهو ينقل أنامله المدربة, على تضاريس جسدها ..المتحفز , ويدلِّكها بأعشاب البّرِّية النديانة . وينتف الزغب شعرةً فشعرة , هكذا كان يهيئها ويعدها لآري كل مساء ..

حتى لحظة انتحارها عندما دهم الغزاة ساورا واستباحوها , كانت لا تزال تشعر بتلك اللمسات , وذلك الدفء الذي يخلخل كيانها , ويجعلها تهتز, كرِّيشة في مهب الرِّيح , بين الوعي واللاوعي , وفي النزع الآخير أحست بتلك الحالة من التوهج, التي يعقبها أنطفاء وخدّر , وخوّر عقب التنهدات اللاهثة والتأوهات الخابية .. فارقت إياكوري الحياة وهي راضية عن نفسها  !..  نعم على الرغم من وجه ماريانا .. فقط وجه ماريانا ., الذي ظل يحدق فيها من موقع بين عالمين , يلاحقها بنظرات آخر الوجوه البغيضة الى نفسها ..

قبل أن تنهار ساورا بقليل نشط حفارو القبور , وصانعوا الأثاث الجنائزي , وبعد ان خرّب الغزاة ساورا . هرب من تبقى من الغرباء, الذين هجروها هربا من الجدب وخوفا من الحرب , هربوا لا يلوون على شيء في سباسب الصحراء ووهادها ..

كان شعب ساورا يتناقص بالحسرّة والجوع ,والوباء الغامض يحصِّد الأرواح سريعا,سريعا , دون رحمة . كأن ما حدث لمملكة الجبل والوادي القديمة, يتكرر مرةً أُخرى في ساورا ..

الوباء الغامض أضطر الغزاة الى المغادرة سريعا , وأضطر الغرباء للجؤ الى الجوار . وعندما جاء سورنق لم يجد سوى بقايا ساورا وأحزانها, التي تدفع الشيوخ للتفكير الحازم, في إنقاذ ما تبقى من شعب ساورا ..

فأرسل سورنق الرُّسُل ليستكشفون الأراضي البعيدة ..

لا يزال دورّة يذكر تلك الأيام البعيدة , وساورا قد بدأت تنهار, تحدث وقتها مع دالي طويلاً , ونصح آري فأختفى دالي وتلاشى كفص الملح, وأنشغل آري بنساءه العديدات .. في تلك الأيام  لم يكن خاطر دورّة منشغلا سوى بأحوال المملكة ,التي كان يرى ضياعها رؤية العين , فحكام الحواضر والقادة, لم يعد احدهم مهتما بإبلاغ آري بما يجد من أمور , وانصرفوا مثله الى ملذاتهم ..

كانت الحياة في المملكة تتعطل , وآري لا يهتم .أرسلت إياكوري زوجة آري في طلبه , فلبى مسرعا , ليخبرها بما وصل إليه في شأن تعليم الفتيان الملكيين ( والفتيات الملكيات), الذين كانت تخطط لإنتزاع القصر من هيمنة, الجواري والمحظيات والخصيان بواسطتهم , لتعود ساورا الى سابق عهدها , مملكة للمجد . قالت إياكوري :

-كيف يمضي إعداد الفتيات والفتيان ؟!..

-شارّف على الإنتهاء .

-أحوال القصر تسؤ دورّة ..

-بل أحوال المملكة كلها ..

-أين تركت الفتيات الملكيات ؟!..

-في سومنق.

-يبدو أن نيرديس خرجت من هناك دون أن تراها . فقد جاءت الى هنا قبل قليل .

-انها متمردة .

نادت إياكوري على نيرديس المراهقة ,ذات الجسد المتحفز . أتت نيرديس مطأطأة الرأس . نظر دورّة في عينيها ..أعماق عينيها بحنق .ابتلعت ريقها, وهي تتذكر تلك اللحظة ,التي سبقت مفاجأته لها :هي وبييه في حجرة فوك الملحقة بالحانة .. قبلها بأيام كانت قد جاءته تركض في فزع والدّم يسيل على فخذيها , كان وقتها يجلس وحده في سومنق .

-لا تجزعي يا عزيزتي .إهدأي .لقد أصبحت إمرأة . كل النساء يحدث لهن ذلك .ستمر أيام قليلة . وتعودين كما كنت .. إذهبي الآن الى إياكوري ..

قبلها , لم يكن دورّة منتبها للتكورات ,التي بدأت تظهر في أجساد الفتيات الملكيات . وجسد نيرديس بصفة خلصة …

 تنهد دورّة بعمق وقلقه يتنامى  فالرسل الذين أرسلوا, لإستكشاف المناطق المجاورة , لم يعد منهم احد حتى الآن . والأحوال تزداد سؤاً . كان الرسل قد غابوا لأيام وشهور عديدة , خالها الناس سنوات ودهور . طال الغياب وزحف اليأس , يقنط بالنفوس المنهكة , وعندما رأى الناس أول القادمين من الكشاف , استبشروا خيراً . ركضوا بنفاد صبر لسماع الأخبار الجيدة, التي يمنون انفسهم بها ..

توالى الكشاف واحدا تلو الآخر , يحكون عن محصلة رحلاتهم المرهقة , وفي كل مرة يشعر سورنق والناس بالخذلان . لكن ظل الشيخ دورّة يهديء النفوس القانطة , يبعث فيها الأمل من جديد , بحكمته النافذّة , ويصِّرُ على الحكي عن أرض موعودة .. أرض الأجداد التي لم تصورها حكايات الرسل , الى أن جاء بييه بعد مضي وقت طويل , وأخذ يصِّف أرضا بعيدة , خالية إلا من وحوش البرِّيّة والأدغال ,تجري فيها المياه العذّبة , وتنتصِّب الصخور في صورّة الكبش . أرضا كأرضهم تماما قبل أن تصيبها لعنة الغرباء , الوافدون من خلف البحار العظيمة , فتجف وديانها وتصاب بالمحل , ويدهمها الوباء الغامض , ويتسلط عليها الغزو الساحق لمملكة الجوار …

لتتحوّل في لمح البصر , الى قبور متنامية , وبيوت مهجورة , وهياكل تمشي على قدمين !..

بينما أنشغل الرّاعي العجوز دورّة , بإعداد الفتيات الملكيات , الخمس . لممارسة السلطة المباشرّة على القصر , بعد أن أنهى إعداد الفتيان الملكيين الأربعة , لطرد نفوذ المحظيات والجواري , اللائي سلبن عقل آري , فصار يتخبط ولا يفعل شيئا إزاء الخراب الذي بدأ يحل بالمملكة . أخذ يراقب الفتيان الأربعة , منسحبا من إنشغاله بالفتيات الخمس شيئا فشيئا , فنبهته نيرديس :

-أبا دورّة .. نريد أن نمضي لنرتاح ..

التفت اليها في هدؤ :

-كيف ترتاح من أختيرت بعناية لتكون زوجة إلهية , وممثلة للسلطة بين كهنة الكبش وآري ؟!..

وقتها كان آري قد جمع نساؤه , وأجلس إياكوري إلى جواره . كان مهدوداً ومنهاراً . لأول مرّة يشعر بالخذلان كما يشعر به الآن , وتحدث في حزن عميق :

-حكام الحواضرأصبحوا يتجرأون علىّ .لا يهتمون بأنني آري سليل الكبش المقدّس ..

تنهدت إياكوري في عمق :

-لقد جلبت ذلك لنفسك آري . إهمالك لأمور المملكة ,جعلهم يتجرأون عليك . لقد فقدت هيبتك.

التفت اليها بحدّة :

-آري لا يفقد هيبته أبداً ..

قالت بهدؤ :

-الجوار يعد جيشاً , بينما القواد لم يفعلوا شيئا .,مما أمرتهم به .. القواد والحكام منشغلين بمحظياتهم وجواريهم., اللائي هن أهم من تنفيذ أوامر آري !!!!..

قالت ذلك وهي ترمي ماريانا بنظرّة متأففة .. ردّ عليها :

-سأعزلهم ..

-لست في ظروف تسمح لك بذلك . الوقت غير مناسب . ثم أنك يجب أن تجد دالي أولاً . وبمساعدة الفتيان الملكيين , يمكنك استرداد هيبتك .. هيبة ساورا .. لكن قبل كل ذلك يجب أن تعود الأمور الى نصابها . هنا في هذا القصر ..

نظر آري الى إيا كوري في ألم ثم ألتفت الى ماريانا . نهض فتبعته وهي ترمي إياكوري بنظرّة شامتة ..

غاب الرّاعي العجوز دورّة مرّة أخرى ,حيث الفتيان الملكيين , فتذكر سورنق : إبنه الوحيد , الذي أختفى ذات صباح بعيد ..

نشأ سورنق محباً للعزلة والإنطواء , ميالاً للتأمل والأحلام الكبيرة , لم يكن ترك أبوه للكهانة والعودّة للرّعي في ذلك الوقت يروقه . لشدِّ ما أنف عن الرّعي , وحلم بإرتياد الآفاق البعيدة . ظلت أحلامه تكبر معه يوما بعد آخر .. أحلامه بعبور الصحراء الشاسعة , ورؤية ما تخفيه خلفها من عوالم جديدة , والوصول الى ذلك البحر البعيد, الذي يفصل بين عالمين : عالم السافنا والمستنقعات والصحراء , وعالم آخر مجهول! ..

وذات صباح شاحب أختفى سورنق, مثلما أختفى دالي من قبل .

أختفى سورنق مباشرّة بعد أن أُجريت له طقوس الرجولة. هرب مع إحدى القوافل الماضية من ساورا الى طريق الملح , منتهزا فرصة أن عرض عليه قائدها الجرهمي اصطحابه , وتعليمه التجارة وفنون الحياة ..

كان التاجر عبد اللّه الجرهمي رغم محظياته وجواريه العديدات , لم ينجب سوى تلكما التؤامتين من عجوبة, التي أختفت من حياته منذ وقت طويل , تاركةً له سابا, التي نشأت في كنفه نشأة غريبة , إذ كانت ميالة للوحدة ,والتوحد منذ طفولتها الباكرة .. تمضي خلف جبل الميدوب فتحضِّر إليها الجنيات ثمار غريبة تأكلها بسعادة غامرة , فتشعر بنفسها قوِّية وخفيفة ونشيكة كطاقة ما . تلهو معهن وتعود في المساء الى مهجعها دون أن تكلم أحد . قال العرّاف لأبيها :

-إبنتك مأخوذّة بجنيات الجبل . روح جدتها التي حبسها سليمان الحكيم في( سواجن)(13)  وأنقذها ذلك الصّياد وتزوجها .. هذه الرّوح ترافقها الآن ..

كانت سابا متوحشة , وشرِّسة . تقاتل كرّجل , عندما يقترب منها أحدهم أو يتحرَّش بها . كانت كالحُلُم المستحيل , لأقرانها المبهورِّين بجمالها الساحر .. ذلك النّوع من الجمال الفريد الذي لا علاقة له بالبشر ..

وعندما رأى التاجر ذلك البرِّيق في عينَّي سورنق .. تلك الرّغبة العميقة في المجهول , والتي لا تخطئها العين المدرّبة . ذلك الشيء اللامع, الذي كان يُقلق الرّاعي العجوز , كلما رأى أقران سورنق ,فتأكله الحسرّة وتتجددّ في أعماقه الأحزان ..

كان بييه , ساو , صولمنج وكوري أقران سورنق يكبرون أمام عينيه يوماً بعد آخر . يتخطّون مراهقتهم ويهيجون عليه الذّكرى, التي لا تفارقه أبداً . ذكرى ذلك اللمعان القلِّق , في عينَّي سورّنق , الحبيب الغائب ..

عندما يرى ساو وهو يصنع من عروق الحجر  تماثيلاً دقيقة لشبونة , يتنهد :

-سورّنق أفضل منه..

ويتعلق بصرّه بصولمنج بقسماته الهادئة, في عزلته المحببة المهيبة , يتعبد في محراب الكبش , ويقدِّم القرابين للطبيعة ..

-لو كان سورنق موجودا لدخل يتعّبّد للآلهة ..

ويتامل كوري المغرّم بصنع الطبول الصّغيرّة, ويتذّكر كيف يُحضِّرَّها في المهرجانات , ويُنصِّبها على مبعدّة من ضاربي الطبول , ثم يقرّع بإيقاع وديع يخلخل القلب , ويرعِّش السِّلسِّلَّة الفقرِّيَّة ..

-لو كان سورّنق موجوداً لترفع عن ذلك ..

وعندما يصرّع بييه أقرانه في لهوِّهِّم البريء , يتأوه الرّاعي العجوز في ألم ..

-آه سورّنق , أنت أقوى منه .. أين أنت يا بني .. بعينيك شيء يسحبك بعيدا وعميقاً ..

.. ومنذ إختفاء سورّنق., في ذلك الصباح البعيد, أخذ الآباء يشددّون الرقابة على أبناءهم , أن يتخطّفهم التجار والغرباء , فيصبحون مثل الرّاعي العجوز دورّة , يلوكون الحسرّة و الأسى  والأسف ..

الوحيدون الذين كانوا يعلمون كدورّة , أن سورّنق لم يختطف :هم أقرانه الفتيان الملكيين .. كانوا عندما يجتمعون بعيداً عن القصر , بين الأكواخ , أو قريباً من حقول الذُّرة والفول والسمسِّم أو في جناين الموالح .. يتذكرون سورنق إبن معلمهم الرّاعي العجوز , الكاهن دورّة .. لم يحدث أبداً أن نسوه , رغم مضي سنوات عديدّة منذ أختفى بغموض(فمثله لا ينسى)  في ذلك الصباح الشاحب الذي فقدت فيه الشمس , بهاؤها !..

-أراد سورّنق أن يحقق أحلامه , أن يجوب الآفاق ويتعلم أكثر .. ويعرف ..

قال ساو , فعلّق بييه , كأنه يطرد طيف سورّنق الذي يشِّل تفكيرّه :

-لقد اختارك آري مثالاً ملكيا ساو.

-…  …  …

علّق كوري بخبث :

-لكنه لم يعد ينحت سوى الفتاة شبونة !..

قاطعه بييه في حزم :

-إحذّر كورِّي ولا تنسى أنها فتاة ملكية ..

وعقّب صولمنج في هدؤ :

-والفتيات الملكيات مقدسات , لا يتزوجن . وإن تزوجن ليس لأزواجهن سلطة عليهن .. هكذا علمنا الكاهن العجوز دورّة ..

-تقصِّد الرّاعي العجوز ..

قال ساو ووجه يتعكر ثم أضاف :

-أنتم تتحدثون كثيرا كأنني لا أعرِّفُ عنكم شيئا . أنت يا كورِّيّ تختلي بنبتة كثيرا , ولقد رأيتك أنت كذلك يا صولمنج برفقة نيرديس, و رغم ان القصر يعدك روحيا لتكون كاهنا ملكيا .. هل تصدِّقون الكاهن صولمنج يحب فتاة ملكية , وأنت ايها المصارع بييه , هل أتحدّث عن فتاتك ؟!..

تعكر وجه بييه :

-ماذا تعني بحق الكبش ؟

-أليست لك علاقة غامضة بنيرديس , وفي ذات الوقت تلاحق شقيقتها لنقي .. شقيقة دالي!؟!..

ردّ ساخرا:

-لا , لم يحدث ذلك . لقد أخطأت , فالتي تلاحقني هي كوِّي .

-أنا لم أتحدّث عن التي تلاحقك . بل عمن تلاحقها أنت ..

قاطعه بييه :

-أنت ترميني بما ليس فيّ . أنت تكذِّب , لأنك تحسدني, لأنني أصرعك دائماً , الوحيد ..

قاطعه :

-وكذلك أنت الوحيد الذي له علاقة غامضة مع عامل حانة أتنّي ..

كان بييه الوحيد بين شبان ساورا الذي يُسمح له بدخول حانة أتنّي .

عندما دخل أول مرّة أهتم به الغريب الأبيض فوك , أكثر من أي شخص آخر , وسقاه الخمر بسخاء غريب . فظل بييه منذها يتردد على الحانة, واصبح وفوك كالأصدِّقاء القُدامى , رغم فارِّق السِّن ولغة فوك المتعثرّة ..

أخذّه فوك ذات مرّة الى غرفته الملحقة بأتني .أتى الخمر المعتق , شرِّبا كثيرا حتى غابا عن الوّعي ..

عند الفجر أفاق بييه ووجد نفسه عارياً , وأحس بألم في “مخروقته” . نظر حوله . كان فوك ايضا عارياً . إرتدى إزاره بعجلة., وهجم على فوك يضرِّبه حتى أدماه . ظل فوك صامتا يبتسم في سخرِّية , وكأنه لا يشعر بألم الضربات , التي أستمر بييه يوجهها إليه كيفما أتفق ..

-ما الذي فعلته بي ؟.

-لم أفعل بك شيئا . إنها الخمر , هذا النّوع …

استرد بييه خواطره وهو يمسك بآخر كلمات صولمنج ..

-.. وكلنا يعلم منذ طفولتنا الباكرة , أن لنقي تحب سورّنق . ألا تذكرون كيف كانت تغضب حينما لا تجده معنا . فتركض بعيدا إلى ما وراء الحقول , حيث مراعي الجزو . تبحث بين الجاموس والأبقار عن سورّنق إلى أن تجده . كنا نجلس مع بعضنا البعض , ونلهو إلا سورّنق ولنقي . دائما يبتعدان عنا . يتهامسان و يضحكان في رنين ينتزع العشب من فم الجاموس و يجعل الأبقار تنسى أجترارها وخوارها!..

تمدّد آري عاريا في مخدعه . حاولت ماريانا ,أن تنسيه همومه وأحزانه . لم يأتيه أحد بأخبار دالي , وأحوال ساورا تسؤ كل يوم , أكثر من اليوم الذي سبق . وهو مشوّش لا يدري ماذا يفعل.

-إنس يا حبيبي كل همومك , فانت معي . الآن معي . مع حبيبتك ماريانا .. إنس كل شيء ولا تتذكر شيئاً سواي ..

كانت كلماتها تهدئه . ترتخي أعصابه , ويشعر بصّفحٍ وغفران , فيبتسِّم .. فتداعبه ماريانا , وهي تتمتِّم بين لحظة وأخرى :

-ستبقى قوياً آري .. ستبقى لأجلي ..

الأيام تمضي ببطء ,في غياب سورّنق., والبهاء الذي يشِّع من حواضر المملكة السِّت , يخبو شيئا فشيئا , وذلك البرِّيق الساحر لساورا يتضاءل , ومع ذلك تضاف الى قصر آري مبانٍ حجرية جديدة , فالأسرة الملكية تكبر , وقد آن الآوان لإعطاء الفتيات الملكيات ,والفتيان الملكيين حجرات خاصة بهم , بجواريها وعبيدها .. حجرات منفصلة وبعيدة عن حجرات أمهاتهم ..

الأمطار غيرّت مواعيدها منذ عدّة مواسم , وبدأت علامات الجدب تتضح شيئا فشيئا . خشى الناس الخطر الذي يتهدد حقول الذُّرة والفول والسمسم .. النباتات البرِّية الوحشية بعضها لم ينبت في السنوات الآخيرة ,والقوافل التي تجيء الى ساورا مرتين في العام قلّت كثيرا .. وصارت مثل الأمطار تأتي في غير مواعيدها ..

عنما تهطل الأمطار الشحيحة تصيب الأرض والناس, بشيء من الخصب. تتوالد الماشية ,لكن ليس كثيرا كما مضى ..تنمو الذُّرة , لكن ليست شاهقة كما كانت .. يجدد الناس إزاراتهم الصّوف والجلد بالكتاّان ,لكن ليس القطن والغلالات الناعمة الذي أصبح ذكريات تنتمي إلى ماضي ساورا الزاهر ..

الذين يرتادون حانة أتنّي الكبيرة في قلب ساورا ,عددهم يقِّل .. لقد ولى زمن الخصب الوفير الذي يريح البال وتتنامى معه الأحلام الكبيرة !..

في ذلك الصباح البعيد غامرت نيرديس بدخول مخدع آري , بعد أن تأكدت من خروجه الى غرفة الككر . كانت متلهفة لمعرفة : لماذا تريدها الجارية الفارعة البيضاء ماريانا .التي منذ وطأت قدميها أرض ساورا ,حتى لم تعد الاشياء هي الأشياء , اذ أحدثت وفوك فرقاً كبيراً في كل شيء..

كان كل من في القصر قد انقسموا الى قسمين في موقفهم من ماريانا : قسم أعجب بها كثيرا(الرجال) وقسم يشعر تجاهها بحقد عظيم (النساء) .. لكن كل القسمين كان يتحدث عن سطوتها على آري للدرجة التي جعلته لا يقرب جواريه ومحظياته ونساءه .عزف عن الجميع وولع بها وحدها . منذها أشتعلت النيران, في قلب إيا كورِّيّ .,التي أخذت تحاول وسعها استرداد مكانتها ,في قلب آري دون أن تصيب شيئا من النجاح ..

وقفت نيرديس الى جانب الباب بتلصص , ولم تشعر بوقع خطى ماريانا, إلا وهي تقف أمامها وتضع يدها على كتفيها :

-أدخلي لا تخافي فلن يراك أحد . خشيت ألا تحضري . طلبت من كتركوا الا يطلبك إليّ إلا إذا رآك وحدك..

-إياكورِّي لن ترضى عني , لو علمت أنك طلبتني ..

-لن تعرف أنك جئت إليّ. كما ترين أنا هنا وحدي , أريدك أن تكوني صديقتي ..

-…    …    …

-لا أحد يحضر إلى هنا, إيا كوري حاصرتني وحرضّت نساء آري ..

-آري  هو الذي منع الفتيات الملكيات, من دخول خدا  الجزء من القصر . لماذا طلبتني ؟!..

-لأتعرف إليك . لقد أصبحت في سن إمراة صغيرة , تؤهلك لمعرفة الكثير .

كانت نيرديس قد أصبحت أنثى مكتملة منذ أيام قليلة فقط .. حديث دورة الراعي العجوز اليها ,وحديث أمها أشعلا في رأسها أفكاراً غامضة , فأوقد في نفسها فضولاً خابياً, منذ وقت طويل

-لماذا لا تجلسين ؟!..

كانت نيرديس بادية التردد فجذبتها ماريانا, من يدها بلطف . أجلستها على الدّكة الملتصقة بالمخدع وجلست …

-أنت إبنة آري وإياكوري الصّغرى . أليس كذلك ؟!..

-أنا تؤام لنقي , ونبتة تكبرنا …

ثم أطرقت نيرديس برأسها .. ثم تلفتت في قلق تجاه فتحة الباب ,

-لا تخافي . لا احد يأتى الى هنا . وآري منشغل بمجلسه ..

ثم نهضت :

-سأعلمك اشياء جيدة ,آن الأوان أن تعرفيها ..

-أي أشياء؟!..

-إنها أشياء تخص النساء ..

أستبد بنيرديس الفضول , سحبتها ماريانا من يدها, دون أن تترك لها فرصة لتجيب , مضت بها ماريانا الى حجرّة داخلية مجاورة , وأغلقت الباب ثم أسدلت ستارا كثيفا , وأجلستها على مخدع الغرفة..

قال ساو :

-أحلم بساورا كلها مبنية من الحجر بدلاً عن هذه الأكواخ .. 

-هل جننت ؟..

قال بييه ثم اضاف:

-أتريد أن تساوي النّاس بنا . أتريدهم أن يصبحوا ملكيين ؟!..

-أليسوا شعبنا ؟..

قاطع صولمنج بييه ثم أكمل :

-أما أنا سأصنع طبلا كبيرا . أكبر من الطبل المقدس , ليكون بديلاً عنه !..

تدخل كورِّي :

– دعونا من كل ذلك الآن..

– ألا توجد أخبار عن دالي . ألن يعود..

– كيف يعود وقد خرق آري العرف .. حتى أن دورّة تخلى عن الكهانة بسبب ذلك ..

إستبدل آري الأم القوية إياكوري بمحظية لعوب, يقول دورّة أنه أستمرأ خرق العرف و لا يأبه للجوار الذي يعد الجيوش لمحاربتنا ..

-الجميع يتخلون هذه الأيام عن  الأعراف ..

-ماذا تعني ؟!..

-ألم تفكر أنت في مساواة الأهالي بنا .. ألم تفكر في إستبدال الطبل المقدس ..

-أحذر بييه , ستجلب لنا اللعنة ..

-اللعنة حلّت منذ فقد آري سيطرته, على أمور المملكة, ولم يعد لنا دور يذكر في مملكة ساورا ..

خيّم عليهم الصمت لفترة , فقطعه ساو محاولاً تغيير مجرى الحديث :

-أنتم لا تفكرون بصورّة صحيحة . يجب أن نصرف أهتمامنا لرد هيبة ساورا , فحقنا في الملك لا يقل عن حق دالي فيه .. كما أنه بالإختفاء  الغامض لدالي , نكون نحن الورثة , وعلينا التصرف على هذا الأساس . نظر بييه الى ساو في خبث ,

 فقال صولمنج :

-استطاع دالي التمكن من الحروف , وحكمته لا تخفى على أحد لو كان موجوداً, فهو أحق بالعرش من غيره .

قال كوري فقاطعه بييه :

-أنتم تتحدثون كأن آري لم يعد موجودا ..

فعلق كوري :

-نحن نتحدث عن المستقبل , ولا نعني الوقت الحاضر . كما أنني أعرف جيداً ,أن دالي زاهد في العرش .لقد أفسده الغرباء الذين كانوا يجالسونه لأوقاتٍ طويلة ..

-لكنهم مكنّوه من معرفة أشياء كثيرة .

-الغرباء كانوا يأتون فقط لبيع مقتنياتهم العجيبة . لقد أفاد من سورنق …

-بل سورنق هو الذي أفاد منه .

تغير وجه بييه :

-كل ذلك ليس مهماً الآن . يجب أن نفكر في تدارك الأوضاع .

قاطعه كوري :

-لكن مهم أيضا أن نعرف لماذا واين أختفى دالي ؟

-نبتة تقول أنه غضب من كون أبيه, ألعُوبة في يد ماريانا ..

-بل قل ألعوبة في يد المحظيات والجواري والخصيان !.

-المحظيات البيضاوات اللائي جلبهن له التجار, من خلف البحار البعيدة , هنّ أساس المشكلة

-أرسل آري الرسل والمراسيل, المحملة بخيرات ساورا ,الأمر الذي أوغر صدر الجوّار .. الذي أرسل يحذره , لكن آري لم يتجب ..

-مال الجوّار ومالنا ان ارسلنا الى حلفاءنا المراسيل.. وشيء من خيرات ساورا  أو لم نرسل ؟..

-الجوار يريد ساورا أن تعامله مثلما تعامل الآخرين الذين يبعدون عنها إلى ما وراء الأُفق السحيق .. يرى نفسه الأقرب إلينا في المسافة والدّم ..

-انهم يعبئون جيشهم يا صديقي .. كيف لنا أن لا نتوجس منهم ؟!..

عندما دخل رسل آري مدينة الحلفاء . كانت رائحة الخراب تفوح من كل شيء .أستوقفتهم الأنغام الحزينة  التي تصدر من “زمبارة” أحد المغنين عند مدخل المدينة , واستمعوا باهتمام للشاعر الذي ينشد خلف الأنغام مأساة الحلفاء ..

عندما أنهارت المدن القديمة بفعل الحروب , اجتمع ما تبقى منها وتحالفوا ثم تواضعوا على بناء مدينة واحدة كبيرة .اختاروا لها من بينهم حاكما ,يديرونها معه كمستشارين له .

نمّت المدينة وازدهرت , واصبحت قوة لا تقهر , وإلى هذه المدينة الجديدة جاءت المراة بارعة الجمال عجوبة . فتنت الوزراء , وقادة الجيش .. لعبت بقلوبهم وأفئدتهم, ولم يحظى بها أحد منهم أبدا ثم أختفت عجوبة , غابت لسنوات عدة قبل أن تعاود الظهور مرة أخرى . فعلموا منها أنها عادت الى موطنها في الشرق, لترعى إبنتها الوحيدة .

وكانت الكنداكة ابنتها آية المدينة الكبيرة , كعلامة لآخر الزمان , لم ترى مثل جمالها عين بشر . جنّ الشعراء وفقد الوزراء هيبتهم, وكاد قادة الجيش لبعضهم البعض . مضت الأيام وخطّ الشيب على شعر عجوبة رحاله, ووسمتها التجاعيد والأخاديد , لكن ظل شيء من الجمال القديم في المحيا و القامة التي لم تنحنِّ .. وكلما أشرقت شمس الصباح, كان جمال الكنداكة يغوِّر حنين الجراح , أكثر فأكثر ويشعل صبواتا لا أول لها ولا آخر .

كبرت الكنداكة إذن , وداعبت في خيال الناس ذكرى ذلك الجمال البعيد الذي عاشوه يوماً , وهم يتذللون لعجوبة , حتى ترضى. تقدم الوزراء وقادة الجيش واحدا تلو الآخر , يخطبون منها الصبية البضة التي سلبت عقولهم, وأشعلت في وجدانهم حماقات آلآف السنين .. ألهبهم يفاعها وغصنها المياد , الذي لم يترك المغنِّين جزء فيه لم يدبجوا فيه أغنية عارمة الأوار . وفي هذا الجو المشحون بأهواء الأشواق , وأشتياقات الوصل , نسجت عجوبة مؤامرتها , وأخذت تقول لكل من يتقدم لخطبة الكنداكة , انها ترغب في أن تزوجها ,له ولكنها تخشى هذا الوزير أو ذاك .. وعندما أرسل السلطان في طلبها , زعمت له أن قواد الجيش والوزراء, هددوها وأمروها بألا تقبل بخطبة الملك لإبنتها .. وهكذا أخذ كل وزير يشعر بأن الآخرين ,يقفون أمام حلمه بالكنداكة .. كما شعر السلطان بالغضب, تجاه قادة الجيش والوزراء . تنتابه مشاعر شتىّ . إذ اعتقد أنهم لم يعودوا يهابونه , ويتجرأون عليه ناسين أنه آري المملكة , ولا يقيمون له وزناً . ولابد له من استرداد هيبته التي أهدرت . وهكذا ردت عجوبة التحالفات, التي نهضت عليها المملكة الى جذورها . فتمايزت إلى مكوناتها التي نهض فيها التحالف, واشتغلت الأحقاد القديمة والإساءات المنسية, وأصطفت الجماعات ضد بعضها البعض ..

قال المغني لرسل آري :

-أكلت المدينة الكبيرة نفسها, ليصفو الجو لحكم الكنداكة, التي تزوجت من أحد الخصيان .

نظر الرسل الى بعضهم البعض, وقرروا التراجع الى ساورا بخفي حنين!..

كانت المدينة المقدسة تنتظر مجيء الرسل ,مثلما تنتظر الأمطار ,التي مضت ثلاث سنوات منذ آخر هطول لها .

جفت الوديان ومحلت الأرض, وأصيب الناس بالهلع . الغرباء الذين كانت أزقة ساورا, وحواريها تمتليء بهم هربوا .. أتنّي الكبيرة التي تتوسط ساورا ,بنى فيها العنكبوت بيوته الآمنة .. وسكنته الخفافيش والبوم ..هجرت أتنّي ولم يعد أحد يرتادها . عمّ الضيق أرجاء ساورا التي بدأت تذوي أكثر فأكثر, مع مشرِّق كل صباح جديد ..

صباح كل يوم يحمل الناس جثمان طفل أو طفلين , فالوباء بدا بالأطفال , الذين لم يبلغوا السادسة, ولم تُجرى لهم بعد طقوس التدريب الشعائري . فهم ليسوا كاملي العضوية في الجماعة , ولذلك يدفنون في مدافن مخصصة لهم, تحت سطح الهضبة بعيدا ..عن مدافن الرِّجال بعد أن يوضعوا في أوعية الفخار مقرفصِّين ..

أخذ الوباء الغامض ينتقي الرجال شيئا فشيئا , فنشط حفارو القبور وصانعو الأثاث الجنائزي ,أكثر من أيّ وقت مضى على التاريخ المجيد لساورا, التي عمتها الأحزان الآن .. حتى آري نفسه بدا مرعوباً, من هذا الذي يحدث , ويستشعِّرأن أيام  ساورا الآخيرة قد دنت . أفزعه ما أصابها , وهو يرى أيامها الجميلة., تولى الى الأبد . كان يائسا ومحبطاً ومنهكاً ومنتهكاً حتى النّخاع !..

أصاب الجفاف الأشجار فصارت يابسة كالحة . الوباء الذي يحصد الأرواح والوديان ,التي صارت أمتداداً لصحراء قاحلة . الوباء لم يدّخر شيئا . وتلك الأخبار التي تتواتر عن جيش الجوار الجرار, والرُّسل الذين لم يعودوا أبدا , تزيد النفس قنوطاً على قنوطها !..

حاول آري ترتيب الأمور في المملكة . نشِّط وسط جنده بعد أن أستيأس من عودة الرسل ومؤازرة الحلفاء ..

كان جيش الغزاة يقترب شيئا فشيئا من ساورا , عندما أجلست إياكورِّي لنقي على حجرِّها وأخذت تداعب شعرها في حنو :

-ليس لساورا إياباسي سواك لنقي . أختيك ليست لديهما حكمتك , ودالي قد لا يعود . فمن لساورا غيرك .انه أمر عظيم , لكن طاقتك ستحتمله . ستستطيعين لنقي , وستقدرين على النهوض بشئوون المملكة . إذا دهم الغزاة ساورا ., ولم نعد أحياء بقربك . يجب أن تعيدي بناء كل شيء , اذا حدث المكروه .. عديني لنقي أنك ستحافظين على عرش أجدادك .

اقترب الغزاة أكثر فأكثر, فارتجفت قلوب الناس., وأهتزت الفروع اليابسة , وتشققت أرض الوادي القاحل وازداد اضطراب آري, فهتف بقائد الفرسان بييه :

-دع كل شيء واهتم فقط بحماية الفتيات الملكيات ..

-ألن أحارب ؟!..

-نعم أنت والفتيان الملكيين , يجب أن تتم حمايتكم كما علمنا الأسلاف . يجب أن يبقى من يستمر لأجل ساورا ..

-والفرسان ؟!..

-سأجد من هو كفء لقيادتهم .

أعاد آري تنظيم جيشه من جديد . أكثر ما كان يُقلقٌه هو إمدادات حواضر ساورا السِّت , اذ لم تصل رغم مضي وقت ليس بالقصير , ما أربك خُططّه . فساورا تحارب في أوقات عصيبة .. انهارت معنويات آري تماما , عندما تواترت الأخبار ,بأن الحاضرتين الشمالية والغربية الحدوديتين مع الجوّار, سقطتا في يد الجيش الغازي .. اسقط في يد آري ..

-لكن كيف؟ جيشهم لا يزال يزحف ! كيف؟!..

-لقد تعاون معهم  بعض قادة الجيش ووزراء بلاط الحاضرة , كما أنهم أوكلوا مهمة اسقاط المدينتين لجيشين آخرين ..

-والعيون ؟ عيون ساورا؟ اين العيون ؟!!..

-انها مسئولية كتركوا .

بحث آري عن كتركوا الذي كان كفص ملح وذاب ! بكى آري كما لم يبكي من قبل . كانت ماريانا أيضاً قد اختفت ! ربت دورّة على كتفه بحنو, وقالت إياكوري في لوم :

-لم تسمع كلام أحد.

التفت إليها دورّة في هدؤ :

-ليس هذا وقت اللوم .

تنهد آري المجروح المخان :

-ترى أين يكون دالي الآن ؟ أنا بحاجة اليه الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى .

-لا تشغل بالك به . سيأتي . لا محالة سيأتي ..

هز آري رأسه في أسف وأسى . أطرق إلى الأرض ثم رفع رأسه ببطء, وأمر قواده بسحب الجيوش من الحواضر الأربعة ,المتبقية ومركزتها شمال ساورا .,المدينة المقدسة . لم يعد أمامهم الآن .,سوى الإنتظار على أبواب المدينة, لمقاومة الغزاة , فساورا لا تستطيع إختيار الميقات والمكان  للمعركة الفاصلة . خرج آري في قيادة الفرسان ليلحق بالجيش شمال العاصمة , تداعت ماريانا بطيفها الساحر في تلك الحظة الأولى .. في تلك اللحظة التي دخل فيها كتركوا يعلن عن وجودها ..

-قافلة قدمت من درب الأربعين , جاءتك بهدية ..

-هدية ؟!..

-تركها التاجر الذي جاء بها ورحل .

-لماذا لم يقابلني؟! .

-ربما لم يسمح له حراس القصر . فاختفى . ربما يعود مرةً أخرى ..

-اهتم بها وبعد أن ترتاح آتني بها ..

 ولم يمض سوى اسبوع حتى دخلت عليه ماريانا . وقف مشدوهاً . لم يكن يتصورّها بهذا الحسن . تمنى لحظتها رؤية التاجر الذي أتى بها ليشكره . لكنه لم يرّه أبداً , وبمرور الوقت كان قد نسيه . أنسته ماريانا كل شيء ولم يعد يذكر شيئا سواها . ظل طيفها الساحر, لحظة رآها لأول مرة مسيطراًعليه , حتى وهي بين أحضانه ..

-اللحظة التي رايتك فيها , لم أرى أنثى . كنت أمامي جسرا بين الشجن واللوعة . طيف من اشتياق أزلي ..

حاول آري أن يبعث في الجند شيء من الحماس والأمل . لكن الهزيمة التي جاءوا يحملونها ,معهم من الحواضر التي أخذت تسقط واحدة تلو الأخرى . تحت سنابك خيل الغزاة , وتركع كالسبايا والصبايا المهزومات , وهن يقهرن تحت وطء الغزاة ..

كانت النفوس متآكلة وآخذة في الإنهيار المتسارع , فلم تتبق سوى ساورا العاصمة . والغزاة يقتربون . عما قليل ويكونون على أبواب ساورا . الحلفاء البعيدين لم تأت منهم أخبار . فالرسل لم يصل منهم أحد , وساورا تمضي لتنمحي من الوجود , وتكون أثرا دارسا ..

الشائعات تضعضع الجيش المنهار , الشائعات التي لا يعرف مصدرها أحد , تتحدث عن قتل الكنداكة لرسل آري :” لحقت بهم خارج المدينة الكبيرة وقتلتهم .رمت بجثثهم لطير الفلاة ..” الشائعات تتحدث عن اللعنة التي جلبها تجار القوافل , وتتحدث الشائعات عن غضب زوجة آري .,إياكوري الأم القوية المقدسة., وحسرتها.. ورفضها مفارشته منذ سنوات عدة .. بالضبط منذ جاءت ماريانا ,وأخذ يستخدم طرقا غريبة عليها في المخدع , فلفظته لها ..

الشائعات تحاصر الجيش الموجوع المتداع ..أرسل آري لملك الجوار, أن يتراجع ويدع ساورا وشأنها , فرد عليه, بأنه لن يتراجع إلا إذا جاءه آري صاغرا , وركع عند قدميه وذرّى التراب على رأسه وناح مرددا :”أنا إمرأة ..أنا إمرأة..” غضب آري غضبا شديدا , حتى صارت عيناه بلون الدّم . أصدر الأوامر بالزحف, الذي كان يدرك أنه زحف اليائس ..

زحف الجيشان تجاه بعضهما البعض ..اقتربا ..اقتربا ..ولم يتوقف الزحف أبدا . اراد جيش الغزاة أن يستريح , لتكون المعركة في اليوم التالي . الشرر الذي يتطاير, من عيني آري., منعه الإستجابة., فأصدر قراره المباغت بالإلتحام..

حارب آري ببسالة أدهشت أعداءه , كان يقاتل كألف رجل ,ركبهم الجن السود وشياطين الجحيم الحمر . قاتل ببراعة وحماس بالغين , كأن ماردا مجنونا ,فائق القوّة تلبسه !.. قاتل كما لم يقاتل أحد من قبل أو من بعد , الى أن أخترقته مدّية سامة فأردته . سقط آري فأرتبك الجيش وأرتعب سقط القتلى . سقط الجرحى, وتفرقت بقايا الجيش المهزوم, في السهول الشاسعة لصحراء., لا قلب لها ..

حمل الغزاة معهم جثمان آري, ودخلوا به ساورا المفزوعة . كان الناس ينتظرون قدرا غامضا , حتى أنهم لم ينتبهوا لإنتحار زوجة آري للوهلة الأولى , مثلما لم ينتبهوا لإختفاء الفتيات والفتيان الملكيين .

عندما دهمت جيوش الغزاة ساورا, عمّ الخراب كل شيء . خلى القصر الملكي .. لم يكن به سوى بعض الخصيان والجواري, والمحظيات والعبيد .

قتلت جيوش الغزاة كل من وقف بوجهها .

قبل أن يستبيح الغزاة ساورا , كان بييه وساو, قد انسحبا من مؤخرة الجيش . دخلا المدينة ,يبحثان عن الفتيات الملكيات . وجد بييه الفتيات الأربع, فذهب يخفيهن في ركن حجري, خلف الأكمة الصخرية .,في الوادي القصِّي, الذي يجاور ساورا ,من جهة الجنوب , بينما اختفى ساو ., بشبونة في مكانهما الأثير ..

انسحب الغزاة بعد أن نهبوا ما أستطاعوه . خشيوا أن يصيبهم الوباء .,هم أيضا . إذ اشتد الوباء .,كأنه يتحالف مع الدمار., الذي خلّفته الحرب , وأخذ يتفشى بسرعة كبيرة.

وجد الأهالي جثة آري المتعفنة., بعد أيام من مداهمة الغزاة وانسحابهم . حملوا الجثمان ذو الرأس المنخور, ووضعوه القرفصاء داخل آنية الفخار الملكية , بعد أن لفوا جسده بالقطن, ثم جيء بالخصِّي الأول . حيث ُطعن في القلب تماما, وتُرِّك ليلفظ أنفاسه الآخيرة, بهدؤ ثم ُقدِّم قربانا لآري ..

لم يجدوا أحدا من قارِّعي الطبول , لينقل بالضربات الخفيفة ,نبأ إنتقال آري الى أسلافه .. إلى الودّيان والصحراء والغابات .. ليحمل النبأ : صّوى السّارِّي وعلامات الطريق., وهواء الصحراء وأوراق الشجر .. إلى الناس والبِّيد والطيور., في السماء البعيدة ..

ليخيّم الصمت الجنائزي .,على الكون كله . ضياء النجم البعيد الغارب, وقمر السهوب الشاحب ,والشمس المخبأة في تلافيف الغيوم, وبخار الأرخبيل , وقرنا الكبش الخصِّي ..

لأول مرة .,لا يقرع إيقاع الموت ., في تاريخ موت السلاطين بساورا المقدسة , ولأول مرة يدفن آري في صمت. دون ان تدفن معه مقتنياته العاجية , التي نجت من سلب الغزاة ..

ودع الناس آري بنظرة عميقة , غامضة وهم يدفنونه, في الأعماق السحيقة للمدافن المقدسة , بعيدا عن مدافن الشعب . قريبا من مدافن الأطفال

ثم ألتفتوا يدفنون الجنود في منحدرات الهضبة , التي يدفنون تحت سطحها الأطفال ..

خلّف الغزاة وراءهم صدمة هائلة, لم يعرف شعب ساورا مثلها, أبدا طوال تاريخه العريق , ومع الخراب والوباء والجفاف , كانت أمداء اللعنة تتسع ..

جفت الوديان والضروع, وحلّ الخراب بكل شيء , وأزداد نشاط حفارو القبور., أكثر فأكثر ..

كان ساو لحظتها , ينهض من على صولمنج .,مهدودا والآخير يقول له في تأوه :

-لقد أصبحت متوحشا ساو!..

تجرع ساو بعض الخمر بتلذذ :

-انني اقاوم الموت والدمار اللذان حلا على ساورا ..

-أنا ايضا أريد أن أنسى كل شيء !..

-ترى كم سندفن اليوم من الموتى ؟!..

-أنا لن أشارك في هذا المناخ الجنائزي., مرة أخرى .

عندما نهضا وأرتديا إزاريهما . كان فناء المدينة قد بدأ يزدحم, بجميع القادمين من المدافن ..

قال ساو :

-لنعجل حتى لا يفتقدنا الناس .

أخذ الفناء يزدحم أكثر فأكثر بأهالي ساورا , الذين نزحوا من الحواضر كلها, فامتلأت بهم المدينة الخراب., التي شغرت من سكانها الاصليين , واغرابها الذين هجروا أكواخهم منذ وقتٍ مبكر . قرر من تبقى من شيوخِ وكهنةِ ساورا ,تنصيب آري جديد , فتدخل دورّة :

-نحن لا نعرف مصير دالي حتى الآن .. خبر خراب ساورا ,ومقتل آري ملآا الآفاق .,وقد يجيء دالي في أيُّ وقت., إذا كان لا يزال حياً بعد

أتى صوت نيرديس من قلب الجمع :

-لا تضيعوا وقتا , نحن بحاجة لآري, وبييه هو الأصلح لهذا الأمر, وإذا جاء دالي يتنحى بييه له .

قلّبوا أبصارهم بين نيرديس وبييه ,الذي كان صامتا, لا تعبر ملامح وجهه عن شيء ,قال أحد الشيوخ :

-نحن في محنة وهذا أمر سابق لأوانه .. سيدير ساورا مجلسا من الشيوخ ,وبعضٍ من أفرادِ العشيرة الملكية , الى حين عودة دالي . لقد أستشرنا الكبش المقدس في ذلك . سيكون جزء من هذا المجلس من تبقى على قيد الحياة من كبار رجال ساورا .

ثم ألتفت الشيخ إلى بييه وساو وصولمنج وكورِّي :

-نحن نثق بكم . فلا تفعلوا شيئا دون أن ترجعوا الينا .

أضاف دورة :

-عليك يا ساو بتصوِّير الخراب, الذي حلّ بساورا ,على جدران المعابد .. وأنت بييه عليك جمع ما تبقى من الشبان وتدريبهم , واتركوا لكورِّي أمر الجمع الصبية في سومنق ..

قاطع صولمنج الشيخ دورّة :

-أنتم تنسون شيئا مهماً , ليست لدينا مقومات للبقاء هنا, وتعمير ساورا من جديد ..

.. انسحب دورّة بعيدا , طفا على سطح ذاكرته., وجه وحيده الغائب سورِّنق ..

-أنت تحلم كثيرا سورِّنق !..

-كل ما نفعله في الواقع هو أحلام .

-ماذا قال لك دالي هذه المرّة؟.

-لم يقل شيئا . نظر إلىّ عميقا , ثم أطرق كنبيٍّ تؤرقه رسالة عظيمة .. غامضة لا يدري هو نفسه كُنهها ..

-ماذا تعني ؟.

-دالي يخفي بين جوانحه أسرار كبيرة .

-وكيف عرفت أنت ذلك ؟

-عندما أسأله دائما يكرر ” سيجيء الوقت الذي تعرف فيه كل شيء ” و ” الأمر لا يتم بدونك !” ..

-إذن هو الذي يغذِّي فيك جنونك ..

-أيُّ جنون يا أبي . أنا لا أعرف حتى ماذا يعني !..

-لا , أنت تخبيء عني شيئا سورنق . لن أُجبرك على الحديث . أنا اشعر بك . ما تفكِّرُ فيه مستحيل!!..

-فيماذا أفكر ؟!..

-لن تصبح آري بالسهولة التي تتصوَّر! ..

… انعقد في الأفق البعيد., غبار كثيف جعلهم يتجمعون في زعر , من كلِّ أزقة وحواري ساورا ,. حدق صولمنج في الغبار, الذي أخذ يقترب شيئا فشيئا . هتف صولمنج :

-انهم الغزاة مرةً أُخرى ..

كان قلب دورّة قد انتفض بشدّة . أمعن بييه النظر :

-لا , ليسوا الغزاة ..

 اقترب الغبار فتبينوا خلاله ثلاث قوافل كبيرة, من الجمال المحمّلة , يتقدمها قائدها على جوادٍ أبيض . اقتربوا منه . صرخ دورّة :

-سورنق!!!..

… بعد أن أنهى الأهالي احتفالهم بعودة سورنق , اجتمع الشيوخ, وقرروا أن يكون سورنق قائدا للمجلس الذي يدير شئوون ساورا حتى مجيء دالي . أو اختيار آري جديد اذا استمر غياب دالي .

باشر سورنق مهامه في نشاط محموم . وزع الأحمال التي جاءت بها, قوافله بنفسه., على الأطفال والشيوخ . وكان عندما يناله الأعياء يدخل الى غرفة دالي . يغمض عينيه ويرحل في أسرار ساورا .

كانت الفتيات الملكيات مستاءات, من فرض الشيوخ لسورنق, قائدا على الشباب الملكِّيين, وللمجلس الذي يدير ساورا . قالت نيردِّيس :

-لقد اشتراهم بالأحمال التي وزعها عليهم .

تدخلت لنقِّي مستاءة :

-انت دائما هكذا نيرديس . لقد أنقذ الأهالي من الموت . أعرف انك تريدين أن يصبح بييه آري .. لكنه لا يستطيع أن يقدم لشعب ساورا .,ما يستطيع أن يقدمه سورنق . فالغزاة لم يتركوا شيئا حتى لنا نحن الملكيين . وبييه يعرف ذلك جيدا ..

كان مجيء سورنق., قد أحيا الأمل في النفوس البائسة .. صوته العميق المؤثر , وكلماته النافذة تفعل في جراحات نفوسهم  فعل البلسم  الساحر تشفيها مما ألم بها من مرارات., وآلام وأحزان غائرة, وتجعلهم يشعرون بالطمأنينة . كان كلام سورِّنقْ الهاديء الواثق الدافيء , يرمم وجدانهم ويأسرهم ,ويجعلهم يحسون أن بالإمكان مواصلة حياتهم, كما في السابق , أيام مجد ساورا الخراب ..

مضت أيام عدة على وصول قوافل أخرى لسورِّنقْ , وكلما مرّت الأيام تزداد, لنقِّي قلقا وتوترا .. تشتاق للقاء سورنق , ويحزُّ في نفسها أنه تزوج وأنجب , فتتراجع عن لقياه .

ظلت تهرب من لقاءه لعدّة شهور . كانت كلما مضت باتجاهه, لتحادثه تغيِّر رأيها ..

قالت نبتة :

-لم يحفظ سورنق العهد لنقي . لا تأبهي له .الأفضل أن تستجيبي لبييه .

ردت لنقي بتوتر :

-لكنه لم يعاهدني على شيء , سوى أنه سيتزوجني ..

في اليوم التالي لوصول سورنق, كانت لنقِّي, قد تحينت الفرصة ,للإختلاء بدورّة  الذي بادرها :

-أين أنت . سورنق يسأل عنك منذ عاد ؟.

-عزمت في نفسي ألا ألتقي به, إلا بعد أن ألتقيك .

-ما الذي يدور برأسك ؟.

-هل تزوج في غيابه الطويل ؟

أطرق دورة قليلا , تفكر عميقا وهو يزفر ببطء :

-نعم لنقي .. لقد كان ..

ركضت لنقي مبتعدة , لم ترغب في أن تسمع أكثر مما أرادت معرفته .. منذها أخذت تتحاشى الإحتكاك بسورِّنق , تعاني احتراقاتها وحدها في صمت وتوتر مؤلم ..

اصرّت شبونة :

-حتى لو لم يعاهدك , كان لزاما عليه الا يتزوج ..

هزّت كوِّي رأسها :

-انتم تحمِّلون الأمور فوق طاقتها . لنقي هي الاولى .. انها ابنة آري ..

اضافت شبونة :

-كلام كوِّي صحيح . يجب الا تهتمي لنقي بزواجه من تلك الغريبة , التي لم نرها ولا نعرف عنها شيئا , فهو لك وسيظل لك ..

قالت نيرديس التي كانت تراقب حوارهم في استياء :

-اسمعي لنقي أمامك أحد خيارين فقط .اما أن تتزوجي بييه , وهو الذي سنساعده كلنا ليكون آري , واما ان تتزوجي سورنق, بشرط أن يترك الغريبة, ولا يأتي على ذكرها . وفي هذه الحالة أيضا لن نتركه ,يجعل من نفسه آري علينا .. فنحن نريد بييه …

وسرحت نيرديس في خواطِّرِّها, بعيدا الى تلك اللحظة., التي فاجأها ,فيها الشيخ دورة مع بييه .,في غرفة فوك الملحقة بأتني ..

كانت بعض لم تمض سوى أيام قليلة ,على لقاءها بماريانا .. نقل دورّة بصره بينها وبين بييه .. صفع بييه بقسوة على وجهه , ثم سحبها من يدها, ومضى بها الى سومنق , ثم أخذها بعد ذلك الى القصر.

كان كلاهما مرعوبا , فاعتكفا بعيدا عن عيون دورة ., وتجنباه لأيام عديدة , الى أن اصطادهما وتحدث إليهما طويلا ..

-لم أخبر أحدا بما رأيت , على ألا تعودا إلى ذلك مرة أخرى ..

أشد ما كان يقلق سورنق هو لقاءه المتوقع بلنقي, التي أزعجه تجنبها له كل هذه المدة .

دخل عليه الشبان الملكيين, وأخرجوه من عزلته . سألوه عن الوديان والسباسب والوهاد والصحراء الشاسعة , وما خلف البحار البعيدة  , سألوه عن أشياء لا حصر لها , فحكى كل شيء منذ لحظة هربه ,في تلك اللحظة , من ذلك الصباح الشاحب , إلى أن جاءه خراب ساورا .. أنهى سورنق حكاياته وقال :

-سيطرنا الآن على المجاعة , لكننا لا نستطيع السيطرة على المحل .

-الأحمال التي جاءت بها القوافل الآخيرة , شارفت على الإنتهاء .

-ارسلت في طلب الذّرة والكتان والقطن , لكن ليست تلك هي المشكلة , فالخراب الذي حلّ بساورا حطم الناس, ولذلك علينا أن نرحل بهم, من هنا ليبدأون حياتهم من جديد ..

قال سورنق فقاطعه بييه :

-كيف نهجر أرض الأسلاف ,وننزح عنها سورنق ..

-الأرض كلها للآلهة , والأسلاف معنا أينما ذهبنا ..

خيم الصمت على الوجوه الشاحبة , صعب عليهم إبتلاع أمر الرّحيل , لكن خشيتهم من تخلي سورنق عنهم للموت والوباء أكبر . الهزيمة التي ضعضعت النفوس , جعلت للخراب طعما أكثر مرارة من الحنظل .

قال ساو بحسم :

-نعم يجب أن نهجر هذه الأرض . ساورا لم تعد هي ساورا . كل شيء هنا سيذكرنا بالهزيمة

قال بييه :

-انها ليست المرة الأولى, فساورا دخلت في حروب من قبل , انتصرت وهزمت , لكنها لم تغيِّر أرضها ..

أكد سورنق :

-لكن ليس طوال تاريخها, تتعرض وديانها للجفاف. وناسها ومواشيها للوباء !.. لو أصرّ الناس على الإستمرار بالبقاء هنا., سيموتون . كما أن دالي يريد للنّاس الرّحيل . أخبرني ذلك .

أشرع الجميع عيونهم وقلبوا أبصارهم., في بعضهم البعض . أضاف سورنق بحسم :

-نعم جاءني دالي  في خلوّتي . وأخبرني أنه علينا الرّحيل .

تداولوا الأمر بينهم ,ثم عرضوه على الشيوخ صباح اليوم التالي . قلّب الشيوخ والكهنة الأمر في أذهانهم من كل وجوهه, ومضوا إلى المعبد يستشيرون الآلهة . غابوا لأيام في عزلة تامة ثم جاءوا فتحدث دورة :

-لقد فوضني الشيوخ والكهنة بالحديث عنهم . سنعود إلى الأرض التي جئنا منها في البدء ..

أتسعت عيون الجميع دهشة :

-الأرض التي جئنا منها ؟!..

-نعم جاء أسلافنا من مملكة الجبل والوادي . جبل الكبش التي بدأت ., تتكوّن بإتحاد غامض في الأزل بين الآله الكبش وروح الوادي . شكلا معا المملكة المهابة, على أرض الوادي الخصِّيب . حيث ينتصب الجبل العظيم آري ,ليُطِّل على الجوار كله., من علٍ . يطِّل على الدّغل والسهل والقيزان . شهد الأسلاف ولادة الجبل, في روحهم وروح الجبل فيهم . وهذه المملكة التي صارت خرابا (ساورا) ما أنهارت إلا لتقديس البعض للقط, حارس مملكة الأموات .,وتركهم عبادة الكبش المقدس .. انفصلت ساورا عن روح الكبش, لتؤلف مع القط مملكتها الهالكة .. في مشورَّة الآلهة, أن دالي سيجيء , ويشيد مرة أخرى ساورا ..سيبعث مملكة الجبل من قلب الوادي . من روح السلف الهائمة (دالي مختار منذ الأزل) للحقيقة والنظّام .

خيم صمت عميق, على الوجوه المنهكة . غرقوا في الدهشة والرّهق . اضاف دورّة :

-لقد سقطت مملكة الجبل والوادي, في زمن سحيق . كانت قد تضافرت عليها, دفعة واحدة عشائر الغرباء والمحل والوباء القاتل., ووحوش البرِّية . أنهار كل شيء دفعة واحدة . مثلما حدث لساورا . فضرب الأسلاف في الآفاق إلى أن وجدوا هذا المكان , الذي أنشأوا عليه ساورا . كان أجدادنا نحن الشيوخ المعمرِّين , بعد لم يضع أجدادهم بذور آبائهم في أرحام أمهاتهم .انه زمن بعيد .. بعيد .. بعيد جدا …

مدّ احد الشيوخ تاجا من العاج , نقش عليه الكبش رمز القوّة والخصوبة . أخذ دورة التاج بيد ,ووضع  اليد الأخرى على رأس سورنق, وأخذ يتمتم :

-انه قائدكم لمملكة دالي الجديدة . باركه الشيوخ والكهنة . باركه دالي إبن الكبش والجبل , روح ساورا القديمة , روح الجبل القديم الحي أبدا .. انه ابن دورة الراعي لشعبه, الكاهن المعلم .. أمه أخت الملك الكبرى, إبنة الكبش المقدس . انه سيدكم .. سيشيد مملكة دالي لشعبه العظيم . آمين ..

هتف الكهنة والشيوخ خلفه :

-آمين ..

وضع دورة التاج على رأس سورنق :

-ستقودنا منذ الآن, إلى أرض الأسلاف

كان الجميع ينظرون الى بعضهم البعض , ويطرقون رؤوسهم ,و يقلِّبون وجوههم في حيرّة وقلق . تنتهبهم الأحاسيس والأفكار الغامضة , دون أن ينبثوا ببنت شفة ..

قال سورنق :

-ِصف لنا أرض أسلافنا الأوائل أبا دورة .. نحت الشيخ دورّة ذاكرته. هوّم بخلاياه . نقّب بعيدا بعيدا ..أغمض عينيه , هدأت أنفاسه وأنتظمت ,وأخذ يصِّف ببطء سهلا شاسعا., تتخلله المجاري والوديان والقيزان والجبال المتفرقات, والأكمات والادغال ..

انطلق الرسل يبحثون عن هذ المكان, إلى أن جاء بييه ذات يوم, غارق في الغبار والحر:

-وجدت أرض الاسلاف سورنق ..

-أهي جميلة ؟!..

-لم أرى أجمل منها من قبل .. وحكى بييه لسورنق كيف أن قلبه  خفق بشدة ,عندما وطأ أرض الوادي ..” النقوش التي في جدران ذلك الكهف ., الذي تنحدر المياه من مكان ما داخله , هي نقوش ساورا ذاتها .. النقوش والرسوم تحكي مسيرة شعب الوادي , في البدء والمنتهى , وتتحدث عن خيرات الوادي وطبيعته!” ..

-كيف وجدت هذا الكهف ؟..

-دخلت بدافع الفضول , فهو أول ما تقع عيناك عليه , وأنت تدخل الوادي .. ما أن وطأته قدماي حتى تعلق قلبي بالمكان” منذ الوهلة الأولى” . لكأن حنينا بعيدا يشدني ,. انها حقا أرض الأسلاف .

نادى سورنق في الناس :

ليستعد نصفكم للرحيل وليبق النصف الآخر . وتحرك الركب يقوده بييه الى مملكة ساورا الخراب ليأتي بالباقين من شعب ساورا, المهدد بالانقراض . نزل الركب وانزل الأحمال . وأخذ الجند يبحثون عن كهوف في الجوار واسفل الجبل . أدخلوا الشيوخ والنساء والاطفال إلى الكهوف, وأوقدوا النارعند مداخلها ,حيث نام الرجال يحرسهم بعض الجند .

في الصباح جمعهم سورنق ,ووزعهم إلى فرق., للعمل . وتحوّل الوادي الى خلية نحل دائبة الحركة ..

كان المعبد الكبير قد اكتمل بناؤه, وشارف قصر آري على الإنتهاء , ولم يعد الوادي الموحش هو ذاته . توغلت الحيوانات الضارية في مجاهيل الادغال, ونهض سومنق في أعلا التل, وحقق ساو أحلامه القديمة في تشييدالفواشرحول القصر من الحجر ..

كانت حاضرة الوادي أجمل من ساورا المهجورة . كانت تنمو بسرعة مدهشة. .

نظف الأهالي الأكمات . نصبو” دناقل” العسل في الأشجار, وزرعوا الموالح والحبوب . نصبوا معاصر الزيوت والخمر ..

أعاد ساو صياغة أحد الكهوف ليصبح مشغلا جميلا . كان يعمل بأزميله في أحد التماثيل الأنثوية ,. بينما دهمته نبتة . فتوقف عن عمله . وضع التمثال جانبا, وأخذ ينظر إلى صدرها نصف العارِّي تلمظ وهمس :

-سأنحتك يوما نبتة ..

كانت تقف لا مبالية, وهي تبتسم في عذوبة :

-لماذا ليس الآن ؟.

مدت يدها تاخذ التمثال, الذي كان يعمل فيه :

-انها لنقي ..

قالت وهي تقطِّب حاجبيها, فرد بهدؤ:

-طلب مني سورنق  نحتها ..

كانت لنقي في هيئة الكبش , تفتح زراعيها تحتضن الهواء . شعرها ملفوف في جدائل صغيرة , تتدلى على الكتف., وبين نهديها المتحفزين العارِّيين . تتدلى حبات خرز صُفت بعناية . كان الكنفوس القطني الذي ترتديه ,ينسحب قليلا., عن باطن فخذيها , ويبدو موشيا , قطبت نبتة حاجبيها في غيرّة.

-يجب أن تنحتني في الحال ..

فضحك ساو وهو يقترب منها, فاتحا زراعيه :

-لا تكوني مشاكسة مثل نيرديس . الأمر ليس بهذه السهولة .

ادارت وجهها عنه , وهي تفلت نفسها من بين زراعيه , وأخذت تقلِّب بصرها في محتويات مشغله الصغير , الذي نقشت على جدرانه, تصاوير تمثل خراب ساورا, ومعابدها المهجورة وزوجة آري  المنتحرة ,وآري  يقاتل ببسالة واستماتة . وفي  صورة أخرى : إياكورِّي في كنفوسها الملكي وجسمها الفارع تحتضن بيديها, رأسا لكبش لامع العينين . كانت راكعة تحت قدمى كبش, يؤلف مع وجه ابنها دالي وحدة واحدة .

-مشغلك جميل ساو !..

قالت نبتة في دلال فاجابها في تذلف:

-وأنت بديعة نبتة .

-أنت كاذب .

-كيف ؟.

-أترك نيرديس ان لم تكن كاذبا !..

غيّر ساو مجرى الحديث :

-الم ترى الطبل الذي صنعه كورِّي ؟!..

-انه أكبر طبل أراه في حياتي ساو ..

-بييه يقول أن هذا الطبل, سيحل محل الطبل المقدس الاكبر ..

أخذ الناس يتوافدون الى المملكة الجديدة , وأخذت قوافل الملح تمضي وتجيء, وأنتشر التجار من شعب الوادي (شعب ساورا القديمة) يتاجرون بمواشيهم وحقولهم ,بين الحدود القبلية والمهنية التي على الرغم من ثباتها , كان من السهل عليهم النفاذ منها . فالمزارعين الناجحين يستثمرون في الماشية, حتى يصلوا الى نقطة تكون فيها قيمة ماشيتهم, أعلا من قيمة حقولهم , ولكي يحموا استثماراتهم في الماشية , يجب عليهم عبور حدود الجوار العرقية , تاركين لغتهم وأسلوب حياتهم, ليتخذوا أسلوب حياة الجوار ,لكونه الأسلوب الملائم لبداوة الماشية , تماما كما كان يحدث في ساورا البائدة ,على حدود بداوة الإبل , حيث تكون الضغوط قوِّية على شعب ساورا, الذي يضطر للتكيف مع قيم الأبالة , عندما يعبرون الى حدودهم(*)الجفاف الذي أصاب الانحاء المجاورة للوادي . أضطر الرُّحل لأن يتوافدوا على المملكة الوليدة . اذ افقدهم الجفاف قطعانهم , وهدد الوباء حياتهم , فاستقروا في مملكة  الوادي النامية , تخلوا عن ترحالهم واصبحوا مزارعين , وعندما يهتاج الحنين الى حياة البداوة في داخلهم . يذهبون في القوافل ويعودون, ولكن يظل الحنين هو الحنين ..

اخذت المملكة تزدهر بسرعة وتنبض بالحياة, كأنها ليست تلك المملكة .,التي أنتشر فيها الوباء يوما , وانقسم أبناء سلطانها الذي قتله الوباء الى ثلاثة مجموعات, ضربت في أنحاء الأرض . كأنها ليست هي تلك المملكة التي درّست ذات يوم ..

كانت تنمو بصورة عجيبة وتزدّهر كأنها تخرج من قمقم أزلي ..

اجتمع الرّجال الملكيين الذين كانوا يوما مجرد فتيان مغرورين في ساورا البائدة ..اجتمعوا في سرِّيّة تامة بكهف ساو , قال بييه :

-مضى وقت طويل على سورِّنق وهو يقودنا , ونحن بعد لا نزال بدون آري .. والأمور تمضي كما توقعت نيرديس .. سورنق يخطط لتنصيب نفسه آري . ولن ينتظر دالي ..

تساءل كورِّي :

-ما العمل إذن ؟

رد صولمنج :

-أرى أن نجمع ما تبقى من العشيرة الملكية خلفنا . وبعد أن نضمن وقوف الجميع إلى جانبنا , سيضطر سورِّنق للتنحي..

قال بييه بعد تفكير عميق :

-سورِّنق عرف كيف يكسب ثقة شعب ساورا . عرِّف كيف يستقطب البدو الرُّحل “الأبالة” الذين لا موطِّن لهم سوى الترحال , وجعل حتى الجنجويد” صعاليك الرُّحل ” يشعرون بالإنتماء إلى هذا المكان . سورِّنق عرف كيف يجعل شعب الوادي يحبه ويخشاه , فهو الذي أنفق عليهم وأنقذهم من الموت المحقق, بعد خراب ساورا ..

أضاف ساو :

-لا تنسى إضفاءه على نفسه طابعا إلهيا خارقا, لا يقوى بعده أحد على معارضته ..

قاطعه بييه في حدّة :

-هل سنتركه يهنأ بالعرش لمجرّد هذه الإدعاءات, في الإتصال بدالي , وتلك التُرهات التي يحيط نفسه بها ؟!..

أطرق كورِّي راسه وقال بعد تفكر:

-أرى أن نبدا بمضايقته بالشائعات .

أضاف صولمنج :

-هذا جيد . يجب أن نضايق ايضا هؤلاء الدُّعاة والمبشريِّن , الذين فتح لهم الباب على مصراعيه ..

 لم تتحدث الفتيات الملكيات أو يعلِّقن . كن ينظرن في صمت إلى بعضهن البعض تارة , وتارة أخرى للرجال الملكيين .. نيرّدِيس هي الوحيدة لحظتها, التي انسحبت بخاطرها بعيدا عن أحاديث الرِّجال, ونظرات شبونّة وكوِّي ونبتة ..

كانت هائمة في ذلك الليل البهيم , عندما أنسلّت خلسة في طرِّيقها الى بييه , الذي واعدها عندما ألتقته صباح اليوم الذي سبق . وصلته لاهثة الأنفاس ,

-هل رآك أحد وأنت تخرجين ؟.

-لا , لقد كنت حذِّرة . أنت تعلم أن آري يشدد الحرّاسة على القصر . فلا يستطيع أحد الخروج . تمكنت من الخروج بأعجوبة .. انها المرّة الأولى التي أفعل فيها هذا ..

-أعرف ..

قال , وسحبها من يدها . مضيا في الدروب المتعرِّجة, الخالية التي انتهت بهما, إلى غرفة فوك في أتنّي .. كانت نيردِّيس متردِّدة وخائفة وقلقة ..

-أهدأي نيردِّيس !.

-احقا ستتزوجني بييه ؟

-لقد وعدتك بذلك ..

-إذن لماذا نمضي متلصِّصين هكذا؟

-نيردِّيس , لقد اتفقنا أن يبقى امرنا سرا ,لا يعرِّفه أحد سوانا .

-وشقيقتيّ لنقي ونبتة ؟.

أجابها بحسم :

-لا أحد نيردِّيس . أنا أريد أن أصبح آري , وأنتِ ستكونين إياكوري . ولنقي لا تريد لنا ذلك ..

-لكنك تقول للجميع أنك تريد لنقي ؟

-كلهم كاذبون .

نفضت نيردِّيس رأسها عن هذه الخواطر المرهقة, التي ظلت تصطرِّع داخلها لسنواتٍ وسنواتْ..

كانت قد جاءت بالفتيات الملكيات , ليحضرن إجتماع الرّجال الملكيين, من خلف ظهر لنقي. التي كانت تجلس لحظتها إلى سورِّنق , وتنظر في عينيه, تداعبها كل الأحلام القدِّيمة , لأزمانٍ لم تأتِ بعد ْ..

-لقد حققت حلمك سورِّنق .. ماذا عن حُلمُنا ؟.

-حُلمي لم يتحقق بعد . وحُلمُنا تقفين عقبة أمام تحقيقه ..

-ألأنني أصر على أن تترك سابا ؟.

-انها أم إبني  الوحيد (دالي) وأم إبنتي (كيرا) .. كيف أتركها ؟!.

-لكنني ملكية . إبنة آري . شقيقة دالي . ولا أحتمل أن تشارِّكني فيك إمرأة أخرى . احتفظ بإبنيك وأعد سابا إلى ديارها ..

-ليس لها أحد هناك . لقد جاء أبوها بأمها من جبال الشرق . من البحر البعيد ..

-بل قل انك تريدها !..

-اسمعي لنقي . لقد وقفت معي هي ووالدها, في وقت كنت فيه بحاجة لمن يقف معي . كنت وحيدا وغريبا !..

واخذ سورِّنق يحكي للنقي ما سمعته منه مرارا وتكرارا , عن ذكريات غيابه الطوِّيل .. منذ هرب في تلك القافلة , في ذلك الصباح الشاحب , مع صديقه التاجر الجرهمي …

كان التاجر قد استرعى انتباهه هذا الفتى, الذي ما أن تصل القافلة الى قلب ساورا , حتى يقف أمامها ويحدِّق فيها بعينين تشِّعان ببرِّيقٍ عجيب , فيحدث نفسه :” سآخذه معي ذات يوم !”..

كان التاجر يفكر في إبنته الوحيدة, التي تكرّه الإختلاط بالناس, وتعِّيش كالوحوش , دون أصدقاء سوى جنيات الجبل ..

أكد العراف :

-سحرتها الجنيات اللائي خرّبن المدينة الكبيرة . مدينة الحلفاء ..

حدّث التاجر نفسه :” صبِّي غريب مثله , قد يتمكن من إخراجها مما هي فيه “.. كان التاجر  الجرهمي  منذ أن هربت عجوبة زوجته, بعد ان أخذت الكنداكة تؤام سابا, يلتقي العرّاف الهرِّم بين آنٍ وآخر . وكان قد أخبره مرارا, بأنه لن يلتقي عجوبة مرّةً أخرى , ولن ينجب بعد الكنداكة وسابا , وإن تزوج كل نساءِ الأرض . ولن يتمكن من سابا سوى رجل غريب , موعود بالملك ..

في الأيام الاولى., كانت سابا تحضر له الثمار والشواء., واللبن. دون أن تبادله كلمة . ولم يحاول الإقتراب منها أبدا ., إذ كان يريدها أن تشعرتجاهه بالأمان ..

 كان يحاول أن يبدو أمامها لطيفا وعفيفا وطيبا . فكان سلوكه تجاهها مثل قسماته المرِّيحة, التي لا تشبه قسمات شبان مالحة الموتورِّين . فأخذت سابا تألفه ببطء, وتستمع للأصوات التي يحاول أن يعلمها إياها بإهتمام , وبعد مضي زمن ليس بالقصِّير , أخذت أصواتا مشابهة . ثم أخذت تتعلم منه بعدها بسرعة ..

علمها سورِّنق لغة عشيرته الملكية , فمضت تتعلم من كل شيء حولها .. حتى كلام العصافير وأوراق الشجر وحشرات اللّيل ..

-أنا سعيد بك سورِّنق.

قال التاجر الجرهمي وهو يُضيف :

-لقد علمت سابا الكثير . لقد أنقذتها من وحدتها ووحشتها . أذكر الآن حكاية ذلك العرّاف عنها . قال أن شفاءها على يد ملك غريب . ومن صُلبِها  يخرج ملوك أشداء .. ملوك شعب فريد .. أرغب في الموت وأنا مطمئن عليها معك .

كان شباب مالحة يحسدون سورِّنق على علاقته بسابا , اذ كانت تمثل حلمهم الكبير, من دون كل الفتيات .. يحلمون بمجرد إبتسامة منها ترِّيح صبواتهم , وتطلِّق لأحلامهم العنان ..

منذ طفولتها بينهم , كانت سابا كطلّسمٍٍ عصِّي البوح .. ما أن يقترب منها أحد ,حتى تصرعه بعدوانية ليس لها مثيل . كانت تقاتل بقوّة فائقة , كأنها وحش ضار ..

ظل سورِّنق يراقبها منذ أيام مجيئه الأولى., بصبر وهدؤ . فقد شعر بها كفرس برِّي جامح . يشعل فيه التحدي . كل ما تمناه وقتها, ألا يفسد عليه الشبان الحمقى, علاقته المتنامية بها ..

لا يزال سورِّنق يذكر, كيف كان شبان مالحة., يتحرشون به عن عمد , يقصدون استفزازه . ولم يجد أمامه سوى أن يحتملهم بصبر . إلى أن استطاعوا اخراجه عن طورِّه , فأشهر في وجوههم هراوته الحجرية . ضحكوا منه وتحلقوا حوله ,يشاغلونه من كل اتجاه , الى أن تمكنوا من تشتيت انتباهه ..

فقد تركيزه , فحاصروه .. أقتربوا منه .. رفعه أحدهم , وقيد آخر يديه إلى ظهرِّه . هزَّوه من مئذره وأخذوا يضربونه بالهراوات , وهم يضحكون حتى أغمى عليه . وهو بين الصّحوِّ والإغماء شاهد سابا ,تفرقهم عنه وتصرعهم واحدا تلو الآخر . كانت هائجة كلبؤة جريحة ,يتطاير من عينيها شرر ألف نار .

في تلك اللحظة الفاصلة بين الوعي والإغماء, كانت  حواجز أخرى بينه وسابا تنهار . يصاحبها أسى وحزن شفيف, لا يخلو من الخجل :” كيف تحمِّيه إمرأة!” .. رفعته سابا بين يديها كطفل صغير , ومضت به إلى كهفها . وظلّت تعالج جراحه حتى الصباح ..

أفاق وأخذ يراقب فعلها بأوراق الشجر , فقد كانت تمضغها وتضعها على جراحه …

-سأرحل سابا ..

نظرت إليه بعمق :

-لأنني دافعت عنك . لقد كانوا أكثر منك . لو تقدموا إاليك إثنين إثنين لصرعتهم . أنا أعرفهم جيدا ..

-سأرحل عن هنا ذات يوم …

قال لسابا , التي لم يبد عليها أنها فهمت شيئا ,هذه المرّة . فهزت رأسها :

-لن تستطيع . سأرسل في إثرك صديقاتي جنيات الجبل . سيأتين بك بعد أن يُثخنّك بالجراح . لقد خرّبن المدينة الكبيرة , فكيف بضربك أنت ؟!..

فضحك وقال بخبث :

-لماذا تريدينّني أن أبقى ؟!..

-ستعرِّف ذات يوم ..

ولم تضف شيئا . أخذ يجهد نفسه في تعليمها لغة قومه , ولا يتوقف إلا ليغوص في ظلال ساورا البعيدة, التي تدهمه بأطياف الأقران والأحبة .

-سأرحل من هنا ذات يوم , لأرى ما خلف البحار البعيدة والصحراء ..

يقول لأقرانه , فيضحكون منه . يؤكد :

-دالي طلب مني الرّحيل ..

صباح اصطحبه التاجر , كان قلبه يتلفت نحو ساورا . لكن حنينا أقوى للمجهول ظل يشدّه . قطعت القافلة السباسب والوِّهاد , إلى أن وصلت بعد قمرين إلى جبل الميدوب , فأناخت ووضعت أحمالها ..

مضى سورِّنق مع التاجر, الذي أفرد له كهفا يرتبط بكهف سابا , وكهوف زوجاته عبر ممرات معقدّة .. وجاءه بسابا :

-إنها إبنتي سورِّنق . إعتن بها . ربما يكون شفاؤها على يديك .

-هل هي مريضة ؟!..

-نوع غريب من المرض . اذ لا تكلم أحد , ولا تحب الإختلاط بالناس , هكذا هي منذ طفولتها . إعتنِّ بها  وسأعلمك كل شيء ..

كانت سابا بلونِّ الطلح , فارعة كقمبيلة. معتدلة إعتدال البان . لم يرى أجمل منها أبدا,أبدا . لا ترتدي على صلبها ,سوى كنفوس جلد خشن . اقترب منها سورِّنق, فكشرّت في وجهه .

كجنِّيات الودّيان ترسل سابا شعرها على ظهرها , وتزداد تكشيرا طيلة اليوم . في اليوم التالي دخلت تحمل اللبن والثمار . أكل متغاضيا عن بصرِّها الساهم , ونظراتها المهوِّمة .. قال لها أنه يريد الإستحمام , وأخذ يمثله بالإشارات . سحبته من يده ومضت به, إلى الوادي خلف الجبل . هبطا الوادي . أشارت إلى الأرض فلم يفهم شيئا , ركعت على الأرض, وأخذت تزِّيح الرّمل بكفيها . حفرت حفرة صغيرة , فانداح الماء ليملأ الحفرّة ويسيل . فهم مقصدِّها وأخذ يحفر الأرض حفرة واسعة , عميقة .. خلعت كنفوسها , وفك عنه إزاره , وأخذا يستحمان في الوادي ..

-لقد نسيت عهدنا سورِّنق ..

قالت لنقي بأسى , فرد بحزن :

-لم أنسى. لكنها الغربة عن الاهل والوطن .

-لم تعد أنت سورِّنق الذي أعرِّفه ..

كانت لحظتها وصايا إيا كورِّي , تنساب في خاطرها :

-يجب أن تحافظي على مُلك آري لنقي ..

وكانت لحظة المواجهة, التي ظلت تتجنبها , بما يعتمِّل في دخيلتها , من أفكارٍّ متضارِّبة ومشاعر متناقضة , تشعلها وصايا إيا كورّي .. وحبها اليتيم وحصّارات بييه , الذي يُصِّر على تصيدِّها, لإدراكه أن مشروعية الملك لها , بعد دالي , وفقا لتراتبية ساورا الملكية  , فهي كبرى بنات آري الراحل .

-توقفي لنقي . لماذا تكرهينني ؟.

-أنا لا أكره أحد .

-قلبك مع سورِّنق, وسورِّنق ليس لك . ثقي بي لنقي . أنا لا أريد سواك ..

 كانت لحظة المواجهة الأولى , بعد غياب سنوات طويلة , وتهرب شهور عديدة . أشدّ إيلاما من الغربة ,والحنين وأنتظار اللقيا ,وتداع ذكريات الطفولة الضائعة, مع شعاعات النجوم البعيدة , عندما تهجع كل مساء . تقلِّب ذاكرتها , تجدهما يختبئان في الأكمة البعيدة . هي وسورِّنق . خلف الحقول . يجلسان . يضحكان في عفوِّية . فتغني لنقي في شجنٍّ عميق , يلِّف الصّمت والأشواق في غلالة من المشاعر الدافئة . تحتوِّي كل عذاب آت . يكتشفان يوما إثر آخر أحاسيسهما , أشياؤهما الخاصة, وشعورهما بعذاب مرتقب . فتمضي أصابع سورِّنق ,وأنامل لنقي بعيدا بعيدا.

تدِّب كالنمل. تحفز البوح والشجن , وتشيع الدفء , لتصبح تشابكات الأنامل, زادا للذكريات القادمة خلسة , وخلسة يتوتر الجسد المتحفز , يسيل على رمال الوادي الذهبية , كحطام اوانِ الفخار , عندما يجرفها السيل بعيدا . عميقا في الصحراء التي لا نهاية لها .

-انه الظمأ والحنين سورِّنق ..

-لقد قلت وقتها سأتزوجك .

-وأجبت وقتها , أننا سنخرِّق العرف ..

-لا . اننا لا نخرِّق العرف , فالخالق جعل الناس, منذ البدء ذكرا وأنثى , وقال لذلك يترك الرجل أباه وأمه., ويتحد بزوجته , ليصير الاثنان جسدا واحدا , فلماذا يفرق الإنسان ما جمعه الخالق . الإنسان لأجل التوحد في نصفه الآخر, لا يترك أمه وأبيه فقط . يترك العرش لنقي . هل تدركين ما أعني ؟ يترك العرش ..

ظل سورِّنق يتحدث بلغته الغريبة, عن أحلام وخواطر أكثر غرابة ..

-ومع ذلك سأكون آري .. وساتزوجك لنقي .. الرؤيا التي أراها تقول ذلك ..

-الرؤيا أم الأفكار الغريبة لأخي دالي ؟.

-دالي يقول انك الوحيدة التي تفهمينه .

-هو أيضا يفهمني ..

-لذلك تعتزلان الناس عندما تلتقيان . ماذا عن الرؤيا ..

-أرى فتاة هي أنت ولست أنت . فتاة تشبهك في كهف محاط بدغل كثيف . تحدِّق في طيف بعيد . أظنّه أنا .. طيف يحدّق في العرش.. عرش خلف ظهرِّها ..

-ماذا تعنِّي سورِّنق ؟.

-بل ماذا تعنِّي الرؤيا .. العرّاف يقول أنني سأصبح آري ذات يوم , بعد غربة ورحيل . لكن لن اصبح آري إلا إذا وجدت تلك الفتاة ..

نظرت إليه في شك :

-ماذا تعني بإذا وجدتها ؟

أدرك أنه لا يستطيع خداعها ..

-أتحدت بها ..

-أتفعل سورِّنق ؟

قالت ونهضت غاضبة . أمسكها من يدِّها . وهدأ بالها . ولم يعد للحديث عن تلك الرؤيا أبدا . حاول جاهدا أن ينسيها إياها .. أجلسها على أحضانه .. دائما يجلسها على أحضانه . ظهرها في صدرِّه , ويديه تعبثان في صدرِّها .

-عندما ترحل سورِّنق خذني معك ..

-لا لنقي يجب أن تبقى ..

منذ أصطحبته القافلة ,وذاكرته تمتص كل شيء حوله : علامات الطرِّيق . صوّى الساري , نجوم السماء .. حارب وأسر .. عُذِّب وفرّ من الأسر , وتاجر .. رأى الأهوال والأعاجيب , وعندما عاد., وجد صاحبه التاجر الجرهمي قد مات , وسابا أنجبت له طفلا وسيما., أسمته دالي ,كما أوصاها., قبل أن يغادر مالحة, بتجارته وتجارة الجرهمي ..

كان التاجر العجوز قد ترك لسابا وابنها دالي كل شيء : الكتان والذُّرة والجمال والجاموس والأغنام ..

-انها لك سورِّنق .

-ستبقى لدالي إلى أن يكبر سابا .

 

 

لا وطن في الحنين…10

-…

-ما ذقته في أسر الكنداكة سابا كان شاقا على نفسي .

بعد أن مات الجرهمي, توقف سورِّنق عن السفر بتجارته , وأصبح يكتفي بإرسالها مع تجار مالحة , لتأتي له قوافلهم عند عودتها بالخير الوفير .

ينتظرعودة القوافل بنفاد صبر وقلق , ليتعرف منها على أخبار ساورا البعيدة ..

حوّل سورِّنق مالحة من مركز لتجارة الملح , إلى حاضرة شبيهة بساورا المهجورة . كان أهالي مالحة قد أوكلوا له مهمة قيادتهم , فصار أشبه بآري لمالحة . لكن لم يخبو حنينه لساورا أبدا ..

عندما يستفزّه الشجن , يصعد مع سابا إلى قمة جبل الميدوب , يرمي بعينيه قلب الصحراء , فتتبعان طرِّيق الملح ,علّ قافلة تأتي من ساورا البعيدة , بريح الأحباب …

-أحكي لي لنقي كيف حدث ما حدث ؟

-انهن الجواري البيضاوات , اللائي جئن من أقاصي البحار .. أحضرن معهن لعنة سبيهن ..

كن يحاصرن آري ليلا ونهارا . وهو بينهن لا يكِّل الطِّراد , ولا يهتم للملكة الأم التي ملّت وهي تذّوِّي شيئا فشيئا .. كان الناس في ساورا يفعلون ما يعنّ لهم , ولا يهتمون لأحد .. بعضهم تخلى عن ميراث الأسلاف , وأخذ بما يقوله., أولئك الملتحين المدّعين , الذين نهوا الناس عن عبادة الكبش .. ودعاة آخرين تحدثوا عن نبِّي يدعوا لخالق لا يراه أحد ..

قاطعها :

-وكيف ترِّين أنت حديثهم هذا ؟

أطرقت برهة :

-انه أشبه بما كان دالي يزعمه . لكنني لم أفكر في الأمر , فالأسلاف تركوا لنا الكبش, وهو عندي كل شيء …

-انه لا يختلف عن القط .

-كيف ؟.

-هناك أمور لانستطيع إيجاد إجابة مباشرة لها .. هناك أمور تحدث بسبب معجزة ما, بتدبير قوى ما . قوى لا نراها , تدير حياتنا دون أن نراها ..

-كان دالي يكرِّر ذلك قبل أن يختفي ..

فالمهرجانات التي يحدث فيها فعل الأرواح الشرِّيرة ,جعلت دالي يبتعِّدْ.. هل تصدِّق سورِّنق كيف أصبحت الحياة في ساورا . الرِّجال يأتون بعضهم , وكذلك يتبادلون النساء , والنساء يفعلن ذات الشيء مع بعضهن البعض!! ..

الأجنبيات جئن بذلك . دفعن الناس لفعله , فأختفى دالي وأنت ,وزّوَّت الملكة الأم التي كانت تحذِّر آري فلا يستجيب . كانت تتآكل مما حدث حولها ,حتى أستحال جسدها إلى هيكل , جفَّت في عروقه مياه الحياة , وآري بين جوارِّيه ومحظياته . كان دالي يلِّج عليه المخدّع , فلا يسمع منه ويطرده . يجيئه مرّةً أخرى .. يحتدان فيطرده , فيخرج إلى أن جاءه يوما منعقِّد الجبين , وقبل أن يقول شيئا طرده آري فخرج .

انعقدّت سحابة رمادية في أبهاء القصر . تفتق عنها صوت هاتف (سقطت ساورا الجاحدة لرّحمة الخالق . طوبىّ لدالي . طوبىّ للذين يرحلون, عن ساورا الجاحدة ) وتكشفت السحابة عن كبش, قرونه تلمع بلون الشمس, ووجهه كبرد الشتاء, الذي يتجمع قرب الجبل , أقصى الوادي البعيد .

كان الكبش يشرع قدمين من نار . يحتضن بهما القصر, الذي تسيل على جدرانه الدّمامل ,والقروح الخبيثة , وتزكم أبهاؤه الروائح النتنة . ثم هدأ كل شيء .

بحثنا عن دالي ولم نجده . كان دالي قد اختفى . قال آري انها رؤيا آري التي رأى . فأحتضنته ماريانا :

-لا تهتم , انه كابوس . روح شريرة بسبب إكثارك من الخمر ..

وكان معبد التّل يتكشف عن دالي يهتف بالشيوخ , يمنعهم من أداء ِ الشعائر للقِّط, وتقدِّيم القرابين الآدمية, ويحثهم  على الخروج إلى أرض الأسلاف .. يقول ” مثلما جئتم منها , إليها تعودون ..” .. تنهدت لنقي وهي تسنِّد رأسها ,على صدر سورِّنق وتضيف :

-كل هذا حدث وتسبب في دمار ساورا ..

-أعرف ذلك كله فقد كنت بينكم . أعني ما الذي حدث في غيابي ..

-دمر الغزاة ساورا ..

عندما تناقلت الصحراء والوديان والغابات, أخبار خراب ساورا , كان سورِّنق يستفيق من رحلته الطوِّيلّة للتّو, وهو ينظر إلى الصَّبي الصّغير دالي, وهو يلهو مع سابا , ثم يركض خارج الكوخ ..

كان سورِّنق وقتها يستفيق للتّو, من قصة هروبه ذات صباح شاحب ,في إحدى القوافل المتجهة إلى مالحة مركز تجارة الملح , قُرب جبل الميدوب .. قال لسابا :

-سأمضي إلى ساورا . إنها بحاجة إلىّ..

-وأنا ؟.

-أنت نورعيني اللتين أرى بهما . ما أن يستقِّر بي المقام حتى لآخذك ..

حلّت سابا كنفوسها القطني وسألته :

-أتذكر يوم جئت أول مرّة . يوم ضربك شبان مالحة ؟.

-لم أعد ذلك الفتى سابا ..

ابتسمت:

-لا تغضب . ما قصدت إغضابك .أعني هنا لديك هذا الصّبي, ولديك ذكرياتك منذ كنت فتّيًّ غرْ.. كيف تستطيع ترك كل ذلك وتمضي , تاركا خلفك حياتك ؟!..

-أنا إبن ساورا في النهاية , وهي تحتاجني الآن . انه واجبي ..

سحبته من يده خارج الكوخ, وقادته عبر سلسلة معقدة ,من الكهوف المتصِّلة ,بممرات متعرِّجة.

-إلى أين نمضي ؟.

-إلى كهفي . حيث أستقبلتك أول مرّة ..

كانت تقوده وكنفوسها في يدها .

-لماذا ؟.

-لأنني سأنتظرك دون أن أنظر إلى رجل في غييابك .

-أنت نور عينّي..

دلفا إلى الكهف وهي تسحبه من يده . بحثت في أشياءها . أخذت كنفوسا قديما من الجلد ..

-انه ذلك الكنفوس الذي وجدتني به . سارتديه الآن وأنت تغادِّر ..أتذكره ؟!..

أمسكه في يده . تفرّس فيه.. هاجه الشجىّ والشجن, وتدفقت في عروقه حرّق ,كتلك التي تندفع من جوف الجبل .

في ذلك الوقت كانت سابا, قد بدأت تألفه وتعتاد عليه . فعنّ له أن يقترِّب أكثر من رؤيا العرش .. دنا منها وهما ينهيان حماميهما , في ذلك الوادي . أراد أن يتوحد معها ,خبّت الإلفة في عيونها,وأنبعث محلها شرّر . كشرّت عن اللبؤة داخلها . نظر في أعماق عينيها بقوّة تنمرّت أكثر . دنا منها . فمدّت يديها كحيوان كاسر, لتنتزع خاصِّرته , فتراجع بزاوية حادة أطاحت بزراعيها في الهواء , فأختل توازنها , فباغتها من الخلف وأحتضنها., مقيدا يديها الى ظهرها , وشابكا ساقيه في ساقيها . أخذت تحرِّك رأسها وقدميها في عنفٍ, تشققّت له تربة الوادي الرملية الرطبة, وتزأر بوحشية, جعلت الطيور., التي في أعلا التّل ترتاع ,وتهرب من وكناتها لا تلوي على شيء .

ظل سورِّنق ممسكا بسابا ,إلى أن خارت قوّاها ,. فكفت عن المقاومة , فتركها .. وقبل أن تتهاوّى كقلعة مهدّمة , سندها برِّفق , وأتكأها على حافة الوادي, وأبتعد عنها قليلا , ينظر إليها . حدّقت فيه بدهشة وغابت بعيدا …

عندما أفاقت وجدت نفسها لا تزال, مرتدية كنفوسها الجلدي . ومستلقية تحت قمبيلة ظليلة .. نظرت اليه في تردد ,وتساؤل غامض يطِّلُ من عينيها .. تلمست بين فخذيها في عناية ودِّقة .. فحصت نفسها جيدا وسألته بدهشة :

-لم تفعل شيئا ؟

-لم أفعل شيئا ..

-لماذا ؟

-لانك لا تريدين  ..

ولأول مرّة تبتسم سابا بهذه العذوبة في وجهه . في المساء جاءته بلبن كثير, وثمار وشواء .. أخذت تلقمه وتحكي له عن الجنِّيات اللائي سحرنها ..

أكل سورِّنق كما لم يأكل من قبل ., وشرِّب من كفيها ماء الآنية الفخارية, المعطرّة بالسِّعدَّة ونام.

عندما تسللت أشعة الفجر, الكوات المجهولة في الكهوف . تسحبت سابا . جاءت تحمل آنية ملأى باللبن . أخذت تشاغله حتى صحى . نهض بتكاسل وشرِّب من اللبن حتى أرتوى . مدّت سابا يدها الى مئزره ,تحاول أن تفك العقدة التي تربطه . حسر عنه مئزرها , حلّ كنفوسها . نهض . جذبها اليه , واحتضنها بقوّة .أسندت سابا يديها على جدار الكهف , وحنّت ظهرها . باعدت بين ساقيها . الحمامة في مدخل الكهف حلقت .. حلّقت إلى عشها وهدلت .. ركعت سابا على ركبتيها والعرق يبللها . كانت كأنها تعود من رحلة بعيدة ..

كانت لا تزال تتألم ,وسورِّنق ينسحب منهكا ومهدودا ..استلقيا على ظهريهما يحدِّقان في سقف الكهف .. وضعت رأسها على كتفه. خيّم عليهما الصّمت, وأصابعهما المتوترة وانفاسهما اللاهثة تهدأ قليلا قليلا , والزّبد الذي سال منهما ,يخطُّ على الرّمل أحاديث الأولين والآخرين , يزركِّشها بأُغنيات جنِّيات الجبل ..

كانت الشمس قد غربت ,عندما ارتدت سابا كنفوس الجلد ,وخرجت من تلك الذّكرى المتجددة , وهي تنظر للصغير دالي , الذي بدأ وكأنه يبحث عنهما .. إلتفتت إلى سورِّنق:

-ستجيء بنتا تؤاخِّي هذا الصّبي .

-أرعيهما جيدا سابا..

-اهتم لنفسك سورِّنق ..

ومضى سورِّنق صّوب ساورا المهجورة , مخلِّفا وراءه سابا والصبي الصّغير دالي ,وكيرالتي في رحم الغيب ,كيرا التي ربما تولد في جبل الميدوب ..

بينما أنشغل شعب الوادي, في ذلك الصّباح النديان باستعدادات الإحتفال البهيج , لإكتمال المملكة الوليدة, التي ألتفت حواضِّرّها النامية ,حول الجبل الناهض, في قلب الوادي مقسما الأراضي الشاسعة ,مترامية الأطراف. إلى مستنقعات وسافنا .. إذا بالجبل المقدس يهتز في عنف . سقطت له القلوب , وبرزت له العيون من محاجرِّها . توقف الناس عن أعمالهم وأخذوا يحدِّقون في بعضهم البعض ..

أطلّ سورِّنق من قبة القصر, وهتف في صوت حاول أن يجعله عميقا ومؤثرا :

-لا تهتموا . واصلوا أعمالكم ..

كان بييه وقتها يجلس إلى نيردِّيس , التي احاطت وجهه بيديها :

-ألم يحن وقت زواجنا بعد ؟

-ليس قبل أن أصبح آري  يا نيردِّيس , ألا تريدين تحقيق أحلامك  كإياكورِّي..

-ولنقِّي ..

-أنت تعرفين أنني أريدك أنت . وتعرفين لماذا ألاحقها هي ..

-محاربة سورِّنق في كل شيء ..

-إذهبي الآن نيردِّيّس قبل أن يفاجئنا أحد . لم يتبق سوى القلِّيل ثم نعلن عن علاقتنا …

خرجت نيردِّيس من كوخ بييه , الذي تنفس الصعداء . كان واثقا أنه لو إنتصّر على سورِّنق, لن تواجهه مشكِّلّة سوى نيرِّيّس , لكنه بحاجة إليها الآن ,اكثر من أيُّ وقتٍ مضى ..

نفض عن نفسه غبار التدريب , وخرج الى حيث أجتمع سورِّنق بالكهنة والشيوخ , يتداولون أمور المملكة الوليدّة بينهم .. قال احد الشيوخ :

-إذا كانت السماء حمراء صافية عند الغروب تقولون : سيكون صحو (3) وإذا كانت السماء حمراء متجهمة في الصباح تقولون : اليوم مطر!انكم تستدِّلون على حالة الطقس من منظّرِ السماءْ. أما علامات الأزمنة فلا تستطيعون الإستدلال عليها !(4)(**)..

حدّق فيه سورِّنق طويلا دون أن يعلِّق , إذا أنتقل مباشرة للتأكيد على ضرورّة الإ‘ستعدادات للتنصيب ..

خرج الكهنة والشيوخ يكلِّمون الاهالي , ويحاولون تهدئة بالهم , ثم مضوا مع الجيش الجنِّيني لإكمال الإستعدادات ..

اجتمع سورِّنق بعائلته الصّغيرّة , أحاطها بزراعيه ..

-لقد تأخرنا كثيرا لابد أن ننهي هذا الأمر الليلة .

كان القرع على الطبول يشتد , والأهالي شيئا فشيئا يتجمعون في فناء القصر ..

-آخيرا تحقق ُحلمك سورِّنق

قالت سابا . فنظر الى ابنيه دالي وكيرا , ثم عانق وجهها ببصرِّه :

-حلمي سيحققه ولديّ.

ربت على كتف الفتى وشقيقته , وخاصر زوجته , وخرج يتقدمهم ..

توقفت الطبول حالما اطلّ بوجهه , وأخذ الأهالي ينظرون إليه في إعجاب وهو يمضي لإعتلاء الككر , ثم انطلقت الطبول مرة ً أخرى في إيقاعات حميمة , ما لبثت أن تلاشت في صمتٍ مرعب , عندما أهتز الجبل مرةً أخرى وبعنف أشدّ . أخذ الناس يتماسكون وينظرون إلى بعضهم البعض وأقدامهم قد تسمرّت في رمل الوادي الرطب ..

تعالت همهماتهم التي بعثها الفزع والخوف .. ولمرّة ثالثة أهتز الجبل  , وأنشقّت  عنه سحابة بيضاء تحيط بشخص ما . بدت ملامحه ضبابية في رُكّام السّحابة .. كانت السِّحابة تتقدّم باتجاه الإحتفال .حدث هرّج ومرّج . زاد رُعب الناس وخوفهم,  فصرّخ فيهم سورِّنق وهو يحاوِّل الإمساك بتلابيب شجاعته:

-لا تجزعوا فتهلكوا . أثبِتوا لتتبينوا الامر ..

إقتربت السِّحابة من الجمع شقته . كاد الناس يموتون فزعا ورُعبا . لم يكُن أحدهم قادِّرا على إنتزاع قدميه من الأرض , أو ردّ عينيه اللتين شخصتا في السِّحابة , التي أتجهت صّوب سورِّنق . انقشعت السِّحابة وتبدى عن رُكامها رجل وقور مهيب .. شعر الجميع بنظراته تأسرهم . صرّخ سورِّنق في دهشة وترحيب :

-دالي …

أوقفه الرّجل الوقور بإشارة من يده ووضع يدّه اليمنى على كتفه وهو يقول :

-لقد نفذت رغبتي سورِّنق , وها أنا أعطيك المملكة .

أخرج دالي من تلافيفه كتابا من الجلد , صُّفَ بعنّاية , ومده لسورِّنق وهو يُضيِّف ..

-هنا تجد المملكة المقدسة , كيف ولدت وكيف يجب أن تمضي .. أنني أعطيك مملكة أجدادي سورِّنق ..

ثم نظر دالي إلى الكهنة والشيوخ وأشار لهم بأن يتقدموا لتتويج, سورِّنق . اقتربوا منه فأخرج من تلافيفه عمامة سوداء كبيرة …

-انها عظمة العرش ..

مدّها لهم وأشار بأن يضعوها على رأس سورِّنق بدلا عن تاج الكبش , ثم وضع يده على العمامة التي براس سورِّنق , وأخذ يتمتم بكلمات مبهمة . فتجمعت السِّحابة مرةً أخرى وأحاطتهما , تحولا الى ضباب ثم اختفيا ..

عندما أنقشعت السِّحابة كان سورِّنق جالس على العرش وحده , وليس ثمة أثر لدالي .. كان دالي قد اختفى كأنه لم يمر من هنا أبدا !!…

هتف بهم سورِّنق ان يواصِّلوا الإحتفالات وأن يبهجوا .. في ذلك اليوم شعر الرِّجال أن طعم البّقو مميزا فوق العادة .وأحست النساء بصفحٍ وغفران وهن ينظرن للرِّجال المخمورِّين يتحرّشون بمنابع الخصب ومصدّر الحياة ..

رقصّت الفتيات كما لم يرقصن من قبل , وأحس الشيوخ  والكهنة للإحتفال طعم خاص فارقوه منذ وقت طويل , يدهمهم  الآن بكل ما تتبدى عن الذّاكرّة من حنين ..

وعندما توقف الناس عن الرقص والغناء , تحدث سورِّنق عن مجد ساورا المهجورة , وخطاياها وخرابها وتكلم بإسهاب عن الممالك النامية في الجوار , والتي قد تحسد شعب الوادي يوما على ازدِّهار مملكته , فتُسيِّر الجيوش ..

-اليوم أكمل دالي هيكل المملكة المقدسة , مملكة الجبل والوادي , التي انشأها في ظلام الجبل . واليوم أعلِن لكم رغبتي في الزواج من لنقِّي شقيقة دالي العظيم في مهرجان تجليد النِّحاس القادم , ليكتمِّل إحتفالنا بإكتمال تدريب الجيش والزواج من إياباسي لنقِّي ..

خيم على القصر صمت مهيب منذ أخترق السهم المسموم فؤاد سورِّنق , فأرداه , وتآمر الكهنة والشيوخ مع بييه فزوجوا لنقِّي منه قسرا . مضت تلك الأفراح التي تخلِّفها المهرجانات البهيجة , ولم يعد لنسيم الوادي ذلك البوح العطِّر والدّفاق الرّيان بالحنين ..

فمنذ سقط دالي طرِّيح الفراش شُلّت حركة الوادي , كما لم تشِّل لحظة اختراق السهم مجهول المصدر للجموع الغفيرّة واستقراره في فؤاد سورِّنق , مساء الغحتفال بتجليد النحاس .

كانت لنقي جواره مزهولة , لا تصدِّق ما تراه . تحدِّق عينيها في اللاشيء . فكل شيء بدا أمامها كحلم قصير متوهج لم يلبث أن إنطفأ .. قال دالي وهو يحاول أن يرفع رأسه قليلا :

-يبدو أنهم قد دسوا لي السُّم كيرا

-العرّاف قال أن الترياق الذي تناولته سيشفيك . لا تخشى شيئا دالي . ستشفى ..

ابتسم في وهن:

-لا تمنِّي نفسُك الأماني كيرا . لقد قضى الامر إنها أيامي الآخيرّة . لحظاتي الآخيرّة ربما ..

دمعت عينا كيرا بغزارة . ها هو دالي يحتضر الآن بين يديها , مثلما أحتضر سورِّنق بين زراعيها من قبل , ومن قبل العجوز دورّة ..

كانت تدرِّك أن العشِّيرّة الملكية لن تتركهم وشأنهم يهنأون بحياتهم , فكثيرا ما كان سورِّنق  يقول:

-أنتما إبني سابا الغريبة عن هذِّه الدِّيار , لن يتركوكما فأحذرا, ولم تمضِّ سوى سنوات معدودات على اكتمال المملكة وأنتشار تعاليم دالي التي حلّت محل شعائر الكبش حتى قُتِلْ سورِّنقْ..

وقتها بحث الحرّس السلطاني والجبد , يقودهم بييه عن مشتبه يتهمونه . قلبوا الارض اعلاها أسفلها ولم يتركوا حجرا لم يسألوه . ونتفوا حتى لحاء الاشجار , ولم يتركوا كهفا لم يبحثوا فيه , أحال بحثهم المسعور حياة العشيرة الملكية الى شقاءٍ وضجر .وبعد كل ذلك لم يتمكنوا من العثور على مجرد أثر يشفي الغليل ..

كان دالي قد باشر مهام والده سورِّنقْ مباشرّة بعد الدّفن , إذ أُجريت له طقوس التنصيب , وقرّر الكهنة , أن يراجع دالي بييه في كل صغيرّة وكبيرّة من شئون المملكة الناهضة .

كان دالي قد أدرك منذ الوهلة الأولى أن العشيرة الملكية تخطط لسحب البساط من تحته , لتنفرِّد بحكم المملكة النامية دونه .. قبل إجراءِ طقوسِ التنصيب نصّحته كيرا :

-لقد تآمروا على قتل والدنا آري سورنق يا دالي . وسيتآمرون عليك . سيبدأون بفرض بييه عليك بحجة صِّغر سنك . يجب أن نجد مخرجا بعد أنقضاء هذه الأحزان التي ستظل فينا ما بقى الدّهر .

حتى الآن لا تدري كيرا لماذا اصبح سولونق إبن الراعي العجوز يخطر على ذهنِّها كثيرا , خارجا من قلب أحزانها .. كان وجهه يطل ممزقا أغشية الأسى واللوعة , تستردها ملامحه الى فترة الصِّبا الباكر , عندما كانت تدربه هي ودالي .. قال دالي :

-أنت تحبينه

فتأوهت ولم ترد ..

.. كان المزارعين والرُّعاة وهم في طرِّيقهم الى مساكنهم , في السّحر , الذي سبق أُمسية التنصيب , قد سمعوا صوت منادٍ في البرِّية يهتف بهم ان توقفوا .. كان المنادي يغطي جسده بثوبٍ من الكِّتان , ويحمل في يده اليمنى عصاة محنية , ولا تخلو من التعرجات ..هتف بهم :

-يا ابناء الزُّناة , كيف تجرأون على ارتكاب المعصِّية , وتقتلون آري غيلة وغدرا , قد ابدلكم سورِّنق بساورا الهالكة مملكة الوادي اليانعة .. كيف أُصيب المزارعين بالرعب فتراجعوا مزعورِّين وهتفوا بالناس حتى تجمعوا فيهم , ليستمعوا الى حكايتهم …

أصبح هؤلاء المزارعين والرُّعاة هم كهنة المعابد الجديدة , التي شرع دالي في بناءها بمجرد أن خلف والده سورِّنق .. كان الواحد من هؤلاء الكهنة ما أن يقف وسط الجموع , حتى ينطلِّق لسانه ليأتي بحديث الأولين والآخرين , كأن ثمة من يُملِّيه ما يقول ..

صدقهم البعض والتفوا حولهم و يتجولون في حواضر المملكة . وكذّبهم آخرون كُثُر .. فكانوا عندما يجتمعون بدالي , يسكنون الى تطييبه خواطرهم ..

-لقد ارتبط الناس بعبادة آلهة الأسلاف منذ وقتٍ بعيد ويصعُب عليهم أن يُغيروا ما ألِفوه في لحظةٍ واحدة . أرفقوا بهم وأصبِروا عليهم ولا تيأسوا ..

وصبر كهنة المعابد الجديدة على الاذى , الذي أخذ يزداد بمرور الأيام . وبين آنٍ وآخر كان دالي يدعوهم , يتفاكر معهم , ويعطيهم صفحات من كتاب دالي لينشروها بين الناس ..

-ليس من ذلك جدوى , ما لم تكن هذه التعاليم متماهية في كل شيء يحكم المملكة .

قال أحد الدُّعاة , فسأل دالي :

-ماذا تعني بالضبط ؟

-يجب أن يُنشّر كتاب دالي في الجيش والقضاة كقانون . ويجب أن يكون لك أنت نفسك مجلسا دائما . تجتمع إليه وتستشيره في كل شيء من شئوون المملكة ..

-انني أجتمع بالشيوخ والكهنة , كلما تعقدّت الأمور , مثلما يفعل كل آري ..

-يجب ان يكون المجلس ثابت , وليس كلما تعقدت الامور .. مجلس يعبِّر عن المملكة كلِّها وليس عن أفكار العشيرّة الملكية والكهنة وحدهم .

وأصرّ دالي على تجذر تعاليم دالي في الجيش الذي لا يزال جنينيا بعد . كما أخذ يقرِّن تغيير الشرتايات , بمدى تشبعهم بكتاب دالي , فاخذ لا يُنِّّصِّب أحدهم في منصّب شرتاي أو خلافه , إلا بعد تأكُدِّهِ من التشرُّب بتعاليم دالي ..

وانتشر الكهنة والشيوخ يعلمون الاطفال الحروف , في أوقاتِ إضافية , غير تلك الأوقات التي كانوا يقضونها في سومنق ..

عاد الإستقرار الى نفوس الأهالي التي جعلها ذلك السهم مضطربة خائفة مما هو آتٍ..

وبدأ الحزن يخف شيئا فشيئا .. يغادر دواخل الناس ونفوسهم , التي احبت سورِّنقْ وقدرته كما قدرّت دالي ..

أستطاع دالي بمساعدة كيرا وبعض الكهنة والشيوخ الصادقين , توحيد الناس في فترة وجيزة . فلم يستطع بييه الذي لم يعد يقوى على إخفاء تذمره , الإنفراد بالحكم وتنفيذ ما ظل يخطط له لوقتٍ طويل ..

أخذ عدد القوافل التي ترتاد  المملكة النامية يزداد عن كل مرةٍ سبقت , ومع هذه القوافل كان يأتي أولئك الملتحين الذين كانوا يجيئون الى ساورا المهجورة في اواخر أيامها لينذرون أهلها , ويبشرونهم بفجر جديد ..

انتشر المبشرون والدعاة الغرباء , يتحدثون عن الكنداكة التي تملِّك البحر والساحل والسهل وكيف تخدِّم بإخلاصٍ في مملكة الرّب وملكوته وتغترِّف  من مجدِّه , فتحقق الإنتصارات العظيمة ..

تحدثوا عن عذابات إبن الإنسان وهو يقود الناس غلى الخلاص , حاملا عنهم خطاياهم وإنتكارهم ونكرانهم وجحودِّهم , الذي جبلوا عليه , ومع ذلك صُلِّب لأجلِهِم , كي يتحققوا في المسرّةِ والسلام ..

أصبح الناس يختلفون عما كانوا عليه في الماضي , فمنذ تشّد دالي في نشر تعاليم دالي العظيم , حتى أختفت تلك اللامبالاة , وأخذوا يستمعون بإهتمام لكل شيء , ثم يمضون في طريقهم هادئي البال أو يتبعون طرقا مختلفة تفضي لدربٍ من النّور ..

لكن لم يشأ أعداء المملكة النامية أن يستمر هذا الحال , اذ كان بييه الذي اضاف تفصيلات جديدة لخططه بعد أن حذف تفصيلات أخرى , لتتمخض  بشائر خطته الجديدة فيما صنعه من جيش يخصه وحده داخل الجيش الجنينِّي للمملكة النامية .. وسومنق داخل سومنق المملكة الأساسي , وهكذا .. فبييه كان قد تمكن من شراء عددا لا يستهان به من الشيوخ والكهنة الموالين لدالي . كما اصبح لديه عددا مقدرا من المبشرِّين والُّعاة الذين أستمالهم لبعث شرِّيعة القط والكبش من جديد ..

واستمال بييه من عبيد القصر الملكي وخصيانه , بعض الذين تضاءل دورهم داخل القصر عقب تولي دالي لزمام الأمور .. كان بييه يعمل بهدؤ في ظلامٍ معتم لا يراه فيه أحد , مستعينا بالجواري والمحظيات والنساء الملكيات , اللائي تقودهن له نيردِّيس , مستعينة بأقران بييه من الشيوخ الملكيين : كورِّي , صولمنج وساو الذين لم يروقهم أبدا مسار الامور في المملكة الجديدة .. , التي بقدر ما تنمو يوما بعد آخر , بقدر ما يتضاءل فيها نفوذ العشيرة المالكة لساورا الهالكة ..ويندفن في أعماق الماضي السحيق . اذ لم يبق من مجد ساورا المهجورة , سوى أصداء لذكريات عائلية منصرِّمة .. أصداء بين جنبات القصر المهدّم لأري الراحل , أو بين جنبات أتني التي تتوسط ما أطلق عليه يوما ” ساورا الجميلة ” ,, وتلك المشاوير الحميمة في السهول وبين الكهوف , مع الفتيات الملكِّيات , اللائي تعلمن من الجواري البيض الفنون الساحرة في العلاقة بالرجال ..

فوجيء دالي ببييه يحكم قبضته على كل شيء فجأة , ويتعمد معارضته في كل أمر . أدرك لحظتها أن بييه أستغل انشغاله بتكرِّيس النظام والحق والعدل فنخر عميقا في جسم المملكة . وما أن يحين موعد المجلس حتى يجد دالي نفسه موضع إتهامات مثل كل مرة من قبل العشيرة الملكية وبعض الكهنة والشيوخ الذين طلبوا منه أن يتزوج لنقي إبنة آري الذي استمات في الدّفاع عن ساورا وسقط قتيلا لأجل إرث الاجداد ..

-لكنها كانت ستصبح زوجة لابي . لا يحق لي ذلك ..

قال احد الشيوخ من أتباع بييه :

-لا دالي . أنت تريد أن تغير حياتنا وقبل ذلك تريد أن تقضي على ورثة العرش جميعهم .

-أختاروا لي اى فتاة اخرى

كان دالي قد ادرك فداحة الفخ الذي نصبه له بييه , وشعر بأن تلك هي الايام الآخيرّة لسلطة سورِّنق , عندما دخل عليه بعض الجند , يقودهم بييه على حين غرّة وأخذوه مقيدا , حيث حبسوه في حجرة  تحت الارض ..

استتب الأمر لبييه الذي عمل على تعجيل زواجه من لنقي وتشديد قبضته على مملكة الوادي . أعاد بييه الناس قسرا الى عبادة الكبش بعد أن نكّل بكل الذي تخلوا عن عبادته , وأتبعوا ديانات الدّعاة وديانة دالي التي أحضرها في ككتاب الجلد عندما فاجأ الناس يوم تنصيب سورِّنق .. حبس بييه بعض الدعاة والمبشرِّين الغرباء  في حجرات تحت الأرض . وطرد بعضهم من مملكة الوادي . وأعتقل كل الذين علم بتذمرهم من أهالي الوادي , وأودعهم حجرات مظلمة تحت الأرض ..

كانت سابا وكيرا وقتها تزوران جبل الميدوب . مستودّع الذِّكريات الحميمة , ولا تعلمان بما يجري في غيابهما . عندما رغبت سابا في العودة خالفتها كيرا الرأي فقد كانت تعلم من جنياتها بما يحدث في مملكة الوادي  , وأقنعتها بالمكوث لفترةٍ أطول في مالحة إلى أن تهدا الاوضاع التي لم تكن لدى كيرا فكرة عنها . كانت سابا متوجسة وقلقة على إبنها دالي رغم التطمينات التي بذلتها الجنيات , وكانت تعلم أن تلك بداية النهاية لمرحلة فاصلة في حياة مملكة الوادي .

-لا أدري ما الذي يقلقك سابا . منذ غادرنا الوادي وأنت متوجسة

كانت سابا مهمومة بتدعيم دعائم حكم دالي خليفة سورِّنقْ, وكانت مشتاقة لاداء آخر دور في حياة ابنيها قبل أن تغادر الى مملكة الجنيات صديقاتها لتستريح ما تبقى لها من ايام حياتها التي بدأت تشعر بدنو أجلِّها ..

أصرّت سابا على الرّحيل , بعد أن اقنعت كيرا بالبقاء في مالحة , كانت  تنتابها رغبة قوية تجبرها على العودة , فرافقتها كيرا حتى خرج مالحة , حيث يبدأ درب الأربعين ..

قالت كيرا قبل ان تودِّع سابا :

سابقى لبعض الوقت لأكمل تدريباتي كما أتفقنا

هذا المكان حميم اليك ؟

كنت اتدرب فيه مع دالي , قبل رحيلنا الى مملكة الوادي ..

ومضت سابا برفقة العبيد والخصيان وبعض الجواري صوب مملكة الوادي , وما أن وصلت حتى ألقى عليها القبض , واودعت احدى الحجرات الحجرية في القصر الملكي ..عندما حاولت صديقاتها جنيات الجبل التدخل منعتهن :

-انني انفذ مشيئة عجوبة . ستبقى مملكة سورِّنق في دالي والكيرا .. أحفادي وسورِّنقْ سينتصرون .  وهذه هي معركتنا الآخيرة لإستقامة الأمر . ما كان كان وما تمّ تم ْ ..

 ذهبت جنيات الجبل لرعاية كيرا وهن يوعزن في أنفسهن امرا أخفينه عن سابا ..

مضى على سابا أكثر من قمر وهي ملقاة في حجرتها , يطل عليها فقط وجه بييه بين آنٍ وآخر , تلمع في عينيه الشهوة المغموسة في الخيانة والغدر ..

-الا تقبلين بي زوجا سابا ؟

-لا زوج لي بعد سورِّنق .

-الا تريدين الخلاص من السجن .

-كنت اعرف بانني سأسجن منذ وقت بعيد . واعرف انني سأهزمك .

ضحك بييه ضحكة مجلجلة وخرج .

أجرت سابا طقوس الغتصال بصديقاتها جنِّيات الجبل , اطلعتهم على خطتها فتشكلوا كأهالي الوادي واخذوا يحمسون الناس للثورّة , في ذات الوقت كانت قرينة سابا تمرِّر جسدها من كوّة الحجرّة وتدلّت من نافذة حجرتها , كان الناس الذين جمعتهم الجنِّيان دهشين الى حد الزهول , وهم ينظرون اليها تمرِّر نفسها من النافذة , ثم تسقط من هذا العلو الشاهق .. تهوِّي وتهوِّي قلوبهم معها , في ذات هذه اللحظة كانت جنيات الجبل قد اخذن سابا الى مدخل المملكة, يخبئنها في كوخ احد الرّعاة المخلصّين لملك سورِّنق , الذي كان احد كهنة المعابد الجديدة التي دمرها بييه  ..

كان الناس ينظرون في رعب وفزع متنازعين بين الهلّع والخوف والدهشة .. غاصت الأرض بقرينة سابا , تحلق الناس حول المكان الذي هوّت فيه , وبداوا يهمهمون .. تبدى المكان عن رهد تسبح فيه خيول لم يشاهدوا مثلها من قبل ..

كانت الخيول تسبح في الرّهد المغطى بالدم .. وشعر سابا قد انتشر عليه ممتزجا في ذيول الخيول واعرافها ..

هتف احدهم منتزعا الناس من دهشتهم .. هتف آخر أختفى الرهد والخيول وجثة سابا ومضى الناس في هتافهم يجوبون دروب وشوارع مملكة الوادي مدفوعين بقوّة غريبة , فجرّت كل الغضب المحبوس في دواخلهم منذ مقتل سورِّنق .. كانت الثورّة قد انطلقت ..

كانت سابا تدرِّك أن وجودها بعد مقتل سورِّنقْ يثير حفيظة العشيرّة الملكية , ويجعل شعب الوادي متنازعا بين ولاءين .. لكن في واقع الامر كان شعب الوادي يعاني شعورا غريبا مزيج من الحزن والأسى والغضب المستعِّر.

فانبثاق رهد الخيول في المكان الذي مادت فيه الأرض تحت جسد سابا , شحنّهم بمشاعر شتى , ليس كمثلها الا تلك المشاعر عند تنصيب سورِّنق وإطلالة دالي حاملا كتابه الجلد , والعمامة السوداء , لتنصيب سورِّنق بنفسه .. كانوا كمن يفيق من ظلام طويل , ويمضي في طريق مفروش بشوك الهشاب والطلح والقتاد ..

سرّت الهتافات سريان النار في الهشيم وتمددت الثورة , وانتشرت الشائعات التي تضخِّم الجراحات التي لا تنمحي منذ مقتل سورِّنقْ واعتقال دالي , وحبس الاهالي والمبشرين والدعاة .. تمدد في الناس روح جديد , روح غاضب دواماته آخذة في الإتساع لا يقوى كل جند بييه على السيطرة على مدياتها . سقط القتلى . سقط الجرحى . وظل الناس يتقدمون وغضبهم يزداد إثر كل قتيل او جريح إستعارا . تيار الحياة في المملكة تغيّر , كجبل يلقى على نهرٍ جار ..

في ذات هذا الوقت كانت جنِّيات الجبل قد أعددن كيرا للزحف على المملكة , بعد ان اخبرنها بكل ما جرى ويجري ..

تهيات كيرا على راس جيش من العبيد والخصيان المدربين على القتال , ومضوا , الى ان وصلوا مدخل المملكة حيث كوخ الراعي , الذي أختبات عنده سابا . كان الكوخ خاليا , والراعي وابنه الوحيد سولونق منشغلين بتهييج الشعب وإطلاق سراح دالي وكل الذين سجنهم بييه , بعد ان انفلتت الامور تماما إثر معرِّفة جند بييه وأعوانه بإقتحام كيرا للملكة في مقدمة جيش جرار .

بحث جند كيرا عن بييه الذي كانت همته قد تضعضعت وانتابته المخاوف , وقتها كان سولونق الذي يقود الأهالي وجيشها الذي تقوده قد سيطرا على كل شيء , وتمكن سولونق من قتل بييه , وحطم الاهالي وجيش الكيرا أبواب الصنوبر التي أغلقت بها الحجرات الحجرية, التي حبس فيها بييه الناس .

كانت نيردِّيس ايضا قد نشطت , تطلِّق سراح كل الذين حبسهم بييه , وتدِّل الاهالي والجند على أماكن الحجرات الخفية في أنحاء متفرِّقة من المملكة . وتعبيء الناس ضد العشيرة الملكية . كانت نيرِّيس تنتقم لنفسها من بييه الذي باعها في سبيل الحصول على السلطة ولتقِّي ..

هدأت أحوال المملكة شيئا فشيئا وحمل الناس دالي على أكتافهم ..

انتصار كيرا في معركتها الاولى أعاد إلى ذهنها حاجتها لفتاها الذي ظل فؤدها يخفق كلما رأته في ذلك الصبا النائي .. فتاها سولونق الذي أنتزع سيفها من يدها بعد ان اكملت تدريبه بنفسها .. كانت تدرك ان الايام القادمات تحمل ما تحمل , فتشعل الحاجة والذكرى البعيدة لسولونق وهو يلتقط السيف قبل أن يقع على الأرض,. ففغرت فاهها دهشة وأختل توازنها على صهوة الجواد . فالتقطها سولونق كالرِّيشة قبل أن تصّل إلى الإرض  .. تلك أيام الشجن تتجدد من الذكريات القديمة .. لحظتها أنفجر دالى ضاحكا عليهما وهو يراقبهما من أعلا التل , وهمس في أذن كونجو شقيقة سولونق , وهو يشير بيدِّه تجاههما ..

لا تزال كيرا حتى الآن تشعر بأنفاس سولونق اللاهثة تسكنها . لا تزال تشعر بذراعيه القويتين تطوقانها وحض2وره داخلها يقوى .. عندما حكّت لسابا في ذلك الوقت أجابتها :

-انه رجلك ..

ولم تأخذ إجابة سابا مأخذ الجد . الآن الإحساس بالأخطار المتنامية وفقد الأحبة والوقوف على مفترق الطرق , كل ذلك يجدد حضور سورنق أكثر من أى وقت مضى .. حضورّه داخلها . داخلها الذي لم تدرِّك هشاشته من قبل بقدر ما تدركه الآن .. منذ أن وقعت عيناها على سولونق وهو يقود ثورة الناس لأجل عرش دالي ..

حكم دالي والكيرا شعب الوادي بهدؤ وتؤدة , وبعد عشرات السنين لم يعد لحكايات (الجدات) موضوع سوى دالي الذي تحدث بحديث الأولين والآخرين , وكيرا التي استطاعت أن تمضي بشعب الوادي إلى تميزه , مستعينة بأهل البلد وأهلِّها في جبل الميدوب, وتؤامي دالي من كونجو وجنيات الجبل صديقات أمها  ..

كان سولونق أخطر سلاطين الظِّل الذين مروا على تاريخ الكيرا “شعب الوادي” , فهو الذي دفع بساورا لترأس فئة الحدادين  تلك الفئة المحتقرّة , التي تأكل الخبز , فتلاشى خطره على مملكة الكيرا الى الأبد . عيّن سولونق والده توقوينق (16) وعيّن كورِّي شرتايا (17)على كوبي , وجعل من صولمنج سامبي(18)زعيم منطقة بين شرتاي ودمليج) وفرّق ما تبقى من سلطة ساورا الهالكة في أصقاع الوادي الواسعة بعيدا عن القصر الملكي .

ظلّت كيرا تعامل شعبها بألوهية . خاصة بعد أن انفتق عن المكان الذي هوّت فيه سابا , ذلك الرّهد السِّحرِّي الذي أشاع عنه الناس أنه فعل جنِّيات الجبل ..

كان تؤامي دالي من كونجو يبديان مقدراتا غريبة منذ طفولتهما , فعندما تتأخر مواعيد المطر , يصعدان أعلا التّل الذي يواجه جبل الكبش في زاوية القصر الشرقية , يتجمع الناس ليروا فعلهما يرفع التؤام أياديهما نحو السماء ويغيبان في صمت عميق .ثم لا يلبث جسديهما يتوتران وتتقلص أعصابهما وتنبسط . تبرز العروق النابضة على جبينهما , تتجمع سحابة وتنعقد عند قمة جبل الكبش ,ثم تنبسط على الوادي ..

مبارزة الكيرا الشهيرة وسطوة سولونق ورهد الخيل ومطر التؤام كل ذلك جعل شعب الوادي يستسلم لقيادة كيرا بطيب خلطر , حتى أنها عندما نفت العجوز  نيردِّيس إلى ساورا المهجورة لم يجرؤ احد على فتح فمه !..

عندما أخبر سورِّنق سابا بحزنه على لنقِّي التي لا تريد أن ترى ما يراه ,مضت اليها سابا وظلت تلازمها الى أن جاءت بموافقتها

-كيف تمكنت من ذلك سابا ؟

قال سورِّنق , فأجابت :

-ساعدتني جنِّيات الجبل

احتضنها بحب كبير :

– لكنني لن أحضرزفافك اليها ., سامضي مع كيرا الى جبل الميدوب ..

قدّر سورِّنق ما فعلته سابا لأجله تقديرا كبيرا :

-افعلي ما يحلو لك سابا , ايتها الجنِّية , خذِّي معك سارِّنقا وكوتنقو (سارنقا :قائد الفرسان الذين يحاربون بالسيف “سار”)..

كان أزدهار الوادي حديث الناس في أرجاء البلاد الكبيرة , فنشط ساو الذي صار شيخا على مضض مع البناءين يصممون فواشرا جديدة للجيش المتنامي الذي تم تنظِّيفه من أتباع بييه والعشيرّة الملكية , وكونت كيرا بمساعدة سولونق قوّة خاصة ضارِّبة يقودها العبيد والخصيان وبعض الحراس الذين تثق بهم . وقالت :

ستمضون في مهمة مقدسة تفتحون الجوار وتحكمونه كما أحكم هذا الشعب . تصنعون هناك ما صنعناه هنا . وتحكمونه باسمي ..

كان البناءون كلما أكملوا بناء أحد الفواشر الجديدة حتى تعمر بالسكان الذين يفدون من وادي النيل وواحات الصحراء الخارجة بعيدا عن جبل العيون ومن حيث تهب رياح الشمال والجنوب..

-اسمعي كيرا . اريد أن أتزوج لكن ليس قبل أن تتزوجي أنت .. لقد جاء الغرباء بكثرة الى الوادي وعما قريب سيصبحون اكبر عددا من شعب الوادي . سيختلطون بشعب الوادي ولن يحول بينهم وبين العرش شيء . يجب انلا يبقى العرش في السورِّنقْ

-أتذكر ذلك الفتى الذي دربناه في صبانا ؟

-سولونق الذي قاد ثورة استردادنا لعرش سورنق ..

-هو سولونق  شقيق كونجو …

-انه فتىَّ شجاع , ومخلص للسورنق , عجلا بالزواج ..

-وأنت

-سأتزوج كونجو ..

كان دالي جالسا على عرشه عندما دخلت كونجو إبنة الكاهن الكبير يصحبة والدها . جلسا في حضرته . تسآل دالي , فاجابه الكاهن:

-انها كونجو . أصرّت كالعادة على المجيء لتطمئن عليك قبل أن تنام ..

ابتسم دالي في حنو وطأطأت كونجو رأسها ذات الطأطأة التي كان يراها عليها , وهما يجلسان على الربوّة , أعلا التل , يتفرجان على مبارزة سولونق وكيرا .

-هل تشعرِّين بما أشعر به كونجو ..

قال دالي في ذلك المساء البعيد . فلم تجب . أخذت يده بيدها , وضعتها على صدرها  ثم قبلته بعذوبة ..

أخذ السم يسري في جسد دالي , وينتشِّر ورأسه على حجر الكيرا , يحيط بكل زراع تؤاميه الصغيرين , ومضت  الى حجرتها باكية . وكيرا الفارعة كامها صارت شاحبة وبدا الشيب يظهر في شعر رأسها .

الأحزان التي تتابعت وقتها لم تترك لقلبها فرصة للوجيب البهيج . تتالت الأحزان منذ جاء دورة في صباحٍ بعيد , مغبرا من وعثاء السفر والحنين العميق الى احفاد لم يرهم , عرفوا فيه ملامح سورنق الحبيب الغائب , كما رسمته سابا في ذاكرتهم الصّلدة كجبل الميدوب , وشدوا معه الرِّحال صوب الوادي , الى مملكة سورنق , ولم تمض سوى أيام قليلة حتى توفى العجوز دورة أثناء تعبده .. كانت الكيرا قد جلست بمحاذاته عندما غاب متضرعا في دعاء حزين . فاضت الدموع الغزيرة من عينيه الوادعتين , ثم ما لبث أن  إتكأ في حضن حفيدته الصغيرة . واخذ يدها في كفه الواسعة , رابتا عليها بحنو :

-أسمعيني جيدا كيرا , من صُلبك يجيء سلاطين هذا الشعب . ستدهمكم المآسي وتحاصركم الأحزان , وتدهمكم الآلآم كجيوش غازية .. لكن كل ذلك يعجِّن روحكم ولا يفِّت عضد أجسادكم .. فلا تضعفي …

كان الكاهن دورّة لحظتها يلفظ أنفاسه الآخيرة . انطبع كلامه الذي لم تفهمه وقتها في ذاكرتها , واصبح يتكرر كلما أختلّت الى نفسها , أو جلست تعيده على سورِّنق آري الذي يجيبها في حنان:

-نعم كيرا , العشيرة الملكية من بقايا ساورا لن يتركوك ولن يتركوا دالي , فالحذّر الحذر ..

-كيف انت ألست منهم ؟

-انما أنا ابن راعٍ عجوز من عامة الشعب

-ولنقِّي الا تتزوجان ؟

-انها لا تريد ..

كان سورِّنق يخشى على كيرا من كل شيء حولها , دائم الإرتياب . فلا يدعغها تخرج مع قريناتها فآثار الظلام الذي جعل القلوب تقيح والافئدة تسيل صديدا في ساورا المهجورة , تلقي بظلالها على شعب الوادي ..

-خذها دالي إلى عمق الوادي . علِّمها ما علمتك إياه سابا ووالدها . علمها كيف تقاتل كرجل وكيف تمتطي الخيل ..

كانت كيرا قد تشرّبت بحكايا الاسلاف من دورّة وتعلمت الحرف من سورِّنق , وأعتادت مع دالي على فنون القتال . شعورها بالإنحدار من جبل الميدوب , وعروق الملح في مالحة وصوى ساري الطرِّيق الصّحراوي ونجوم السماء والصّي وجنيات الجبل : يشكل وجدانها , حيث يثوي فينهض ليصبح هو هي ذاتها . يشكلها فتصبح بشكيمة لا تلين وعزيمة تفتت الصخر ..

نشأت كيرا متوحشة كسابا , صديقة الجنِّيات والوحوش , يسمع بها الناس في الوادي , يعرفونها ولا يرونها , وعندما شكّ السهم المسموم فؤاد سورِّنق هتف أول ما هتف :

-كيرا ..

فاختلط الخوف والحزن في عيون الناس بالدهشة . كانت كيرا لحظتها تصفف شعرها وتعد نفسها للخروج , عندما ترددت أصداء صرخة والدها في فضاء الوادي , فخرجت مزعورة , أصطدمت في  طريقها بالخصيان والحرّس يحملونه والثوب الذي ألتف به تضرّج بدمِ أحمّر قانٍ, التف الأهالي حول القصر ..

-غدروا بك سورِّنق !..

قال دالي في حزن , بينما كيرا تسجيه وتتكيء رأسه على حجرِّها .. جلس دالي الى يساره متلقفا الصوت الواهن , الذي يخرج من اعماق سورِّنق

-لا تدعهم يغدرون بك

-ستتعافى آري سورِّنقْ

ربت سورِّنقْ على يد دالي :

-انت الآن شاب وكيرا صبية . لقد تعلمتما الكثير وتعرِّفون ما لا يعرِّفه أقرانكم . لا يوجد احد مثلكما في المملكة . تذكرا ذلك دائما !..

ولم تمض ايام معدودة حتى أعلن الوادي الحداد متشحا بالحزن والسواد والإحباط . صباح دفن سورِّنقْ في المغابر الجديدة , إكفهرّت السماء , واستحال لون أوراق الشجر الى صُفرّة شاحبة .

غردت الطيور في اشجار القمبيل الشاهقة بغناء حزين , رددّت صداه الجبال , وفراغ الوادي الذي خيّم عليه الاسى واللوعة ..

وما أن انتهى الدفن حتى برقت البروق وأرعدت السماء وهطلت الأمطار لثلاثة أيام متتالية , دون ان تتوقف ساعة واحدة , تغير لون رمال الوادي الى تربة داكنة , متقطعة وخالط المياه شيء من طعم الدموع ..

اجتمع الكهنة والشيوخ ونصبوا دالي آري على المملكة , وأبقوا بييه قائدا لجيشها الجنِّينِّي ومستشارا له .

في الصباح التالي لإنتحار سابا فوجيء الناس بجسم كالرُّخ يهوِّي من قمة جبل الكبش . هوّى . هوّى ..وسقط على ارض الوادي . اقتربوا منه . تبينوا فيه أحد الدعاة المحبوبين للناس .

وقتها كانت الذاكرة تسحب دالي الى لحظة شجن لاهثة . لحظة شجن تراصت الى جانب شقيقاتها من لحظات الأمومة والبنوة التي تظل ابدا في الوجدان تضيئه لغد بعيد بعيد .. فأخذ يبكي وهو يرى نفسه يلهو معها , في الطفولة البعيدة , في جبل الميدوب , كانا يتسلقان الأشجار والصخور ويتنقلان بينها بخفة كالقرود .. كانت حياة سابا ., حيويتها تتراءى في عينيه القائمتين بالدموع ..

التجارب المريرة التي مرا بها , تجعله وشقيقته كيرا أكثر حذرا من أىّ وقت مضى في التعامل مع العشيرة الملكية المتبقية من ساورا الهالكة . وأشدّ حذرا من الناس والشيوخ والكهنة الذين من لم يتآمر منهم توقف عن الوقوف الى جانبهم مكتفيا بالفرجة على الوقائع والأحداث المأساوية التي بدأت بإغتيال سورِّنق وسجن دالي وانتحار سابا ..

لم يعد دالي يثق بأحد ونشأ لديه اعتقاد بان الخلاص في تطبيق شرِّيعة دالي بحذافيرها على شعب الوادي , وجعل كل شيء ينشأ مستمدا منها .. وما ان شرع دالي في تنفيذ هذه الفكرّة , غاضا الطرف عن إستفزازات لنقِّي المتكرِّرة حتى نشِط ما تبقى من العشيرة الملكية في الجانب الآخر , فارسلهم في جيش الفتح للجوار.وظل يخطط لشعبه ناشرا تعاليم سورِّنق .. تعاليم دالي العظيم , بحرصٍ شديد …

-دسوا لي السُّم كيرا , انه السُّم  يجب ان تنهضي لشئوون المملكة . لم تعودي الآن إيا باسي فحسب , بل آري هذه المملكة المجيدة ..

-ستشفى دالي وتنهض بشئوون المملكة من جديد .

كانت كيرا تحاول تمالك نفسها , وطمأنته . لكنها كانت تدرك ان دالي الآن يمضي في الطرِّيق الذي مضى فيه دورة وسورِّنق وسابا من قبل ..

كانت إيا باسي كيرا جالسة على الككّر وقد التف حولها الشيوخ والكهنة مطرقين لصمتها المهيب , وهي تجوس في داخلها بين تلافيف ماضٍ شرخته الأحزان وخطّت عليه المآس ..

كرّر الشيخ صولمنج :

-أنه العرف كيرا . لم تحكمنا امرأة من قبل .

-بل حكمت

-لابد أن تتزوجي .

-لقد تحدثنا في هذا الأمر كثيرا

-نحن الآن أكثر إصرارا . فقد تركناك وقتا كافيا لتقرِّري وحدك .

أطرقت كيرا وفكرّت في عمق :

-سأتزوج لكن على طريقتي وبشروطي .

-ماذا تعنين ؟

-في مهرجان الحصاد سأنازل الفرسان ومن يهزمني يكون هو زوجي

-وإذا لم يهزمك أحد من الفرسان ؟

-يفتح النزال لعامة الشعب وللجميع حتى الغرباء ..

-حتى لو كان من يرغبون في نزالك العبيد والخصيان ؟

-نعم

-يبدو أنك تخططين لأمر ما

-ماذا تعني؟

-سألتينني من قبل عن ذلك الفتى سولونق وأخشى أن تهزميه في النزال ؟

-انه فارس وقد قاد ثورة استردادنا لعرش سورنق من قبل كما أنه شقيق حبيبتك كونجو ..

-انه فتىَّ شجاع , ومخلص للسورنق , عجلا بالزواج , ليس قبل أن يهزمني ..

-بالطبع ..

هزّ الشيخ صولمنج رأسه في دهشة وقلّب النظر في وجوه الشيوخ الذين لم يخفوا إستياءهم . ثم قال بعد تردد طال :

-لك ذلك ..

دار بخلد الشيوخ والكهنة ما دار بخلد صولمنج في تلك اللحظة . إذ كانوا يشعرون أن إياباسي كيرا تخبيء شيئا ما خلف كلامها . شيء لا يدركونه الآن , فهي منذ جلست على العرش وحدها , وتتكشف كل يوم عن خبث ودهاء لا حدود لهما ..

تصوروا في البدء أنها ستمضي كما يشتهون , لكن مع الأيام بدت كيرا اشد صرامة من سورنق , وأكثر حنكة من دالي , لم تستسلم أبدا لإرادتهم في تزويجها . كانت تُصِّر في كل مرّة على الرفض عندما يعرض أحدهم عليها الزواج . وعندما أشتدّت شوكة أولئك المبشرون والدعاة من جديد , وأخذوا يعيدون الحديث القديم عن نبي ىخر ظهر في مشرِّق الشمس , نبي لا يبحث عن ارض ميعاد ولا يتحدث عن حمله لخطايا البشر الذين عليهم وحدهم ان يتحملوا مسئولية خطاياهم واخطائهم , فتحت الباب واسعا أمامهم , وشغلّت الكهنة والشيوخ بمجادلتهم ..

أعلن المنادي أن كيرا ستختار زوجها في مهرجان الحصاد , فأنتظر شعب المملكة بصبر نافد حلول موعد المهرجان وهو يشعر بالزمن يمضي بطيئا جدا , فالضحوّة لكانها ليلتين وقمر , والنهار لكأنه خريف كامل , أو بعض شتاء .. لم يكن سريان الزمن كما ألفوا ..

حلت مواعيد الكهرجان ونازلت الكيرا كل فرسان المملكة وهزمتهم واحدا تلو الآخر ,, وهي تهتف غثر كل نزال :

-هل من منازل ؟

فلم يجرؤ أحد من عامة الشعب على التقدّم اليها . كانت انفاس الناس لا تزال محبوسة , وهي تترقب في الصفوف .

وعندما كادت كيرا تنصرف دون ان يتقدم احد لمبارزتها , خرج من بين الصفوف إبن الراعي سولونق وتقدم منها بثقة .

اشهر سيفه . فأشهرت سيفها . وتلاحما ..

كان يكران ويفران , يتلاحمان ويتراجعان , والناس كل الناس بين الدهشة والزهول , من وقائع هذا اليوم الغريب , الذي لم يمر كمثله يوم في تاريخ ساورا أو مملكة الوادي ..

كانا يتبارزان بضراوة . يقعان ويقومان دون ان يمس احدهما الآخر بخدش ..

والجموع المحتشدة بكيانها كله نسيت كل شيء , عدا هذان الجبلان الجباران اللذان يتزحزحان تجاه بعضهما يصطدمان وينفكان ..

إنتهى الجزء الأول 2002 – 2005 الخرطوم – القاهرة  – الإسكندرية

 

هوامش:

(1)سولونق أو صولونج : العرّبي في لغة الفور, وكل الألغاب التي سترد فيما يلي هي في التراتبية الإدارية بلغة الفور .

(2)آري : السلطان العظيم او الملك العظيم .

(3)إياكورِّيّ : الأم القوِّية – الزوجة الأولى للسلطان .

(4)شرتايات : ج . شرتاي . منصِّب إداري (حاكم) في تراتبية الفور .

(5)دمليج:

(6)إياباسي : أخت السلطان  – الأم الملكية

(7)الكّكّر : كرسي العرش . كرسي السلطان.

(8)الكامنِّي : سلطان الظِّلْ.

(9)كتِركوا : خصِّي السلطان.

(10)الأورنانق : قائد الجند الشباب.

(11)سورِّنقْ : سيد الأرض.

(12)سومنق : خلوة – مدرسة لتعليم الأطفال .

(13)سواجن : هي مدينة  سواكن الميناء  على البحر الأحمر شرق السودان . تقول الأسطورة أن سليمان سجن فيها الجنّ العصاة , وحرِّف الإسم الى سواكن بمرور الوقت

(14)الفواشر : ج. فاشر – المعسكرات الملكية.

(15)توقوينق : رئيس الطقوس الدينية.

(16)شرتاي :ج . شراتي . رؤساء مقاطعات.

(17)سامبي:  زعيم منطقة بين شرتاي ودمليج .

(*) برفيسورأوفاهي . المجتمع والدولة في دارفور . مركز الدراسات السودانية . طبعة أولى القاهرة .2002

(**) متى : 15 , 16

 2,382 اجمالى المشاهدات,  112 اليوم

ما مدى فائدة هذا المنشور؟

Advertisement

انقر على نجمة لتقييمه!

متوسط ​​تقييم 0 / 5. عدد الأصوات: 0

لا أصوات حتى الآن! كن أول من يقيم هذا المنشور.

As you found this post useful…

Advertisement

Follow us on social media!

Continue Reading

قصص متنوعة

قصة لا وطن في الحنين الجزء الخامس

Published

on

By

0
(0)

وقت القراءة المقدر: 126 دقيقة (دقائق)

لا وطن في الحنين…5

 

في الشتاء تصاب جلابي ود عربي بهاء السكت ,أذ يخيم الصمت الزائف على كل شيء , فلا تعد  تسمع سوى زفيف ريح الشتاء الباردة , وهي تحتك بقش البيوت . أو تتسلل شقوق البيوت الطين .

في الشتاء بقدر ما يعم الصمت الأزقة والدروب العطنة والبيوت الواطئة , الفائحة بروائح سبخة , الا أن دواخل الناس في جلابي , تلتهب وتصطرع فيها الحرق , بصورة مميزة عن أشهر الصيف الغائظة .

عندما يحل الشتاء على جلابي , تتدهور أسعار المريسة ,وتصبح الفداديات (صاحبات الأنادي) على شفا الأفلاس , لولا رواج العرقي الذي بالكاد يسمح لتجارة الخمر البلدي بالاستمرار ويحفظها من الانقراض .

ولذلك منذ وقت مبكر قبل حلول الشتاء , تبدأ ” الفداديات” في حفظ أواني ” المريسة” (غير المرغوبة في هذا الفصل) ويخرجن أواني صناعة “العرقي” (التي كنّ قد خبئنها منذ نهاية الشتاء الماضي ( هذا اذا كانت الفدادية متخصصة في نوع واحد من الخمر حسب الفصول – ولكن هناك نوع آخر من “الفداديات” في الصيف اذ الى جانب اهتمامهن بصناعة المريسة , يصنعن العرقي – وهؤلاء كنّ من ذوات الثقافة الاقتصادية الرفيعة , التي تعتمد التنويع الانتاجي , فتمضي بعضهن الى اضافة صنف آخر  مثل “الكانجي مورو ” أو غيره من الخمور البلدية اللطيفة ) لكن الفداديات بصورة عامة تزدهر صناعتهن الأساسية “المريسة ” صيفا واذا كنّ لسنّ من رواد التنويع في الأصناف يتجهن شتاء الى تجارة الجنس , التي تجد في هذا الوقت من العام ازدهارا , يفوق كل ازدهاراتها في الفصول الأخرى , وهكذا تشهد جلابي في الشتاء ,ابتداء من الظهيرة حركة دؤوبة , لعاهرات ومثليين المدينة الريفية والمدن المجاورة باتجاهها .

فتيات أشكال وألوان (من كل الأعمار والتوصيفات : عزباوات , متزوجات , هاويات , محترفات , مدفوعات جميعن بالحاجة التي يفرضها البرد للدفء , وربما للمال ,الخ ..)..

لم يكن اللواط والسحاق والسلوك المثلي بعامة , ضمن الثقافة الجنسية التجارية لجلابي , ففي بدايات نشأة هذه الحلّة , كان يتم النظر للوطي ككائن غريب , وافد من عالم آخر ,غير عالم جلابي الذي لم يكن بعد جزء من حركة انتقال المعلومات , ولكن منذ حلّ حسّان جداد وأدروب وست البنات العشمانة , أصبحت مفردات مثل خوّل ولوطي أو لوطية من المفردات المألوفة والشائعة والمعترف بها على نحو غير رسمي في القاموس الشعبي لجلابي , والذي حوى الى جانب ذلك غرائب مفردات اللغة العربية ولغات البلاد الكبيرة الأخرى في هذا الحقل الهام من حقول المعرفة الانسانية , التي تهتم بأكثر الجوانب سرية في الذات الفردية ( أشار حسن الى أن الوثائق التي كتبت المخطوطة السرية على هداها , أشارت أن مملكة ساورا التي كانت بهذا الموقع – جلابي- أكدت وجود ممارسات مثلية , حسبما فهم الأثاريون, بعد تفكيكّهم للغة الاشارية والرمزية التي وجدت على جدران ما أسموه ب”حانة أتني” الكبيرة .  لكن اشارات ورسوم أخرى في المدينة الأثرية المكتشفة,  تعود الى عهد ساورا الاسلامية , أي مرحلة متأخرة من تاريخ ساور , نفت ذلك على اطلاقه اذ حصرت النشاط المثلي بين النساء فحسب !!) ..

في هذا الفصل من السنة تشهد جلابي, توافد اللوايطة والسحاقيات من كافة الأعمار والأشكال والألوان , يجيئون بثيابهم الزاهية , التي لا تعكس روح هذا الفصل الكئيب .

كما يشهد هذا الفصل توافد الموظفين والعمال بصورة أكثر انتظاما (رغبة في الجنس والعرقي) ..

 اذن في الشتاء من دون كل الفصول , تتراكم الأجساد على “عناقريب” وسراير جلابي , فهذه الحلّة هي وطن في العراء , تتناهشه الريح الباردة من كل جانب , حتى يتأصل فيه الحزن (الذي هو أكثر أبدية من بين كل المشاعر, كما أشارت كشوفات المدينة الأثرية) . وفي هذا البرد القاس يلتمس الجميع الدفء, في بعضهم البعض. فتتلاصق الأجساد كتلاصق بيوت جلابي المهترئة .

في الصيف من كل عام تتجرد جلابي من آثار شتائها , فتنداح الحياة على نحو مختلف , فالبيوت التي كان يسكنها الصمت أبتداء من العاشرة مساء , تضج بحركة النّاس في الظهيرة , حيث يبدأ يوم جلابي الصّيفي منذ الصباح الباكر , على عكس الشتاء اذ يبدأ اليوم بعد منتصف النهار , فالناس يصحون كسالى بسبب البرد الذي ” دشدش” عظامهم . وفي الصيف على عكس الشتاء كل أهل جلابي  بلا استثناء وينامون عند الفجر . وما أن تشرق الشمس حتى يتوافد عشاق المريسة والكانجي والعسلية , الذين لا يرحلون الا في المساء , مفسحين المكان لرواد العرقي .

ثمة تجارة لم تكن ضمن النشاط الاستثماري, في الثقافة الاقتصادية لجلابي . هي تجارة البنقو والحشيش , اذ بدت هذه التجارة ترسخ أقدامها بعد المجاهدات والنضالات الفذّة لمزيد الحلبي وكسبان الضّاوي .ففي البدء وجدا كثيرا من العوائق بسبب الاعتقاد الشائع في جلابي , بحرمة الحشيش والبنقو والسجاير الاحمر(العادي ده ) دونا عن سائر الخمور والأدخنة . ولكن بعد النشاط التنويري المكثف لمزيد الحلبي وكسبان . أقتنع أهالي جلابي( باستثناء جداد وبعض الذين يوالونه من التجار ) أنه لا توجد آية واحدة حرّمت الحشيش والبنقو, على عكس العرقي  والمريسة (مع أنهم كانوا لا يحفظون سوى قل هو اللّه أحد!!) .هذه “الفتوى” هدأت بال الناس قليلا !! كما أن كسبان ومزيد أعطيا مسألة الاتجار بالبنقو والحشيش بعدا وطنيا ثوريا في غمرة حماستهما ضد المخدرات “الاسرائيلية ” التي تدخل الى جلابي عن طريق الغرب محملة على اللواري القادمة من ” نيجيريا” .

فكان ضمن أجندة ندواتهم التي جعلا شعارها ” مقاطعة المخدرات الاسرائيلية وضرب عملاء أسرائيل في المنطقة : واجب وطني ” . كانا يفردان مساحة واسعة للحديث عن أنواع المخدرات في البلاد الكبيرة . فيتحدثان الى الحضور ,عن سلسلة نسب البنقو الغرباوي منذ أكتشفه الراعي  “بانغنيتو” في شمال أفريقيا أثناء تجواله بغنمه في سهول أطلس !!والبنقو والحشيش الشرقاوي الذي يضرب بجذوره في تلك الحديقة التي تعود لثمانية آلاف سنة , في الحبشة (أكدوا أن نجاشي الحبشة قبل أعطاءه حق اللجؤ للعرب الهاربين من القمع والانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان  في مكة كان “يصطبح” كل صباح على سيجارة عظيمة على غرار أسلافه , ومن هذه السيجارة بالتحديد(والتي كان يعدها له خصيه الأول من نبات البنقو في حديقته القصر المقدسة ) تحدر نسب البنقو الشرقاوي العريق جيلا اثر جيل .

لكن كل هذه الأنواع لاتضاهي البنقو الجنوبي , الذي يعود تاريخه الى ممالك الزولو والبانتيو اللتين نشطتا في تصديره الى السونغي ومالي , وهذا النوع من  البنقو لتميزه  أطلق عليه أهل جلابي (مسكين أنا , وقلبي أنجرح- على التوالي) وفي لحظات تجلياتهم يتندرون حوله بأنه الكافر المتمرد الحبيب (هذا غير التعابير الأخرى مثل : الفيل والطراوة والنكهة والتونسية وقطار عجيب وعجوبة, الخ ..) وتقول الأسطورة أن البنقو الجنوبي هو نبات مقدس , كان الاله لانجور يداوي به جرحى الحروب, ويشفي به الأكمه والأبرص بعد أن يغمسه في دم غزالة بكر بنت بكر (أي أنها البكر وأن ابويها أيضا بكرين على رأس قائمة أشقائهم ) ..

وبسبب هذه الأسطورة أعتقد أهالي جلابي (البعض منهم على الأقل ) أن هذه النبتة المباركة تحرس البيت من الأرواح الشريرة ,اذا تم تعليقها بطريقة معينة, بحيث تتدلى من سقف البيت , ولكن هذا الأعتقاد يدخلهم في معضلة عظيمة ,مع مكافحة المخدرات بحيث يتمزقون, بين القانون الرسمي واعتقاداتهم الموروثة المقدسة !!..

وهكذا تعتبر هذه الندوات التي تصدى بها كسبان ومزيد  للحملات المضادة من جداد , محطة هامة في ابتداع فكرة المهرجانات والمواسم الثقافية بجلابي , كما أنها شكلت منعطفا في مسيرة إغناء القاموس التعبيري الرسمي لجلابي .

لم يجد جداد في نهاية الأمر جدوى, من الصراع مع كسبان ومزيد , فحاول في فرص النقاش التي يطلبها في الندوة , أن يوسع المقاطعة لتشمل كل “البضائع الاسرائيلية” فلم تجد محاولاته هذه, لحرف الخط الدعائي الذي انتهجه كسبان ومزيد قبولا لدى الأهالي (الذين كانوا على الرغم من بساطتهم لا يصدقون ما أسموه : كلام فارغ!!), فالأهالي  لم يحدث  لهم أن رأوا خواجة بحكم موقع جلابي من الجغرافيا , ولذلك لم يكن من الممكن أن يعادوا “اسرائيل” التي لم يتشرفوا بمعرفتها أصلا !! كما أنهم لا يعرفون أين تقع هذه الاسرائيل من جغرافيا البلاد الكبيرة , والخريطة العامة لضواحي جلابي المؤمنّة, وهكذا أسقطت محاولات جداد لحرف أفكار السواد الأعظم في جلابي سقوطا مريعا جعله يهرب الى الأراضي المقدسة ..

أسعد هذا السقوط جهاز مكافحة المخدرات (للمفارقة) . فلم يقم بأي محاولات لتعويق خطة كسبان ومزيد (في البداية فقط) لكن بعد ذلك بوقت طويل, أصبح بيت مزيد وكسبان عرضة لحملات التفتيش من قبل المكافحة بين آن وآخر , ومع أنهم في كل حملة كانوا يقلبون بيت مزيد رأسا على عقب , الا أنهم لم ينجحوا على الاطلاق, في معرفة المخابيء السرية أو أساليب الترويج التي يتبعها كسبان ومزيد .

لكن قبل ذلك وكردة فعل على هذا السقوط , دعى جداد أهالي جلابي الى ندوة حشد ,لها الكراسي والصيوانات والمياه الغازية والبلح, والانارة بالوابورات الجاز “جنريترات”. وعلق على مقدمة الصيوان قطعة كبيرة من القماش كتب عليها بالخط الكوفي” : جلابي ود عربي تحذر اميركا للمرة الآخيرة  – بن لادن بطل قومي ..” .

 جاء أهالي جلابي أكلوا البلح وشربو المياه الغازية , وما أن بدا جداد في ندوته يتحدث عن العراق والاحتلال , الخ .. حتى أنفض أهالي جلابي الى بيوتهم, وقد اعترتهم دهشة عظيمة (فهم لم يخلصوا بعد من قصة اسرائيل , تطلع لهم قصة العراق وبن لادن !!) . وتعبيرا عن غضبهم أشاعوا أن جداد جنّ(مال التومة ومال العراق واسرائيل حتى تهدد أميركا: جلابي ودعربي تحذر أميركا للمرة الآخيرة؟!! بن لادن بطل قومي؟!!).. أشاع حينها بعض الخبثاء الذين أرادوا استغلال الموقف أن جداد عنصر ارتباط في شبكة أرهابية تتبع لبن لادن والظواهري !!..

كان مزيد في هذا الوقت قد تخلى عن عمله في “الملجة” كحداد , وأستقر بصورة نهائية في جلابي , التي أصبح يلازمها مع أنتعاش تجارته ولا يغادرها الا نادرا ..

في واقع الأمر ليس هذا هو ما يميز جلابي عن الحلالات والفرقان الأخرى , فما يميزها حقا هو الطابع الذي وسم حياة سكانها بطابعه .. الطابع الذي منحهم خصوصية تميزهم عن سائر مخلوقات الله وكائناته العجيبة في البلاد الكبيرة .هذه الخصوصية تمثلت في قدرة أهالي جلابي على الفرح , رغم ما يتعرضون له من كشات وسجون, قد تطول مددهم فيها أو تقصر . وعلى الرغم من ايماناتهم الدينية العميقة , كانوا يواءمون هذه الايمانات الدينية العميقة وسلوكهم ,الذي لم تشهد له الليبراليات الراديكالية, عبر التاريخ المعاصر مثيلا . فأهالي جلابي ايمانهم عجيب وغريب : ففي لحظة هم ملحدون ولا دينيون, ساخطون على الديانات والمؤمنين بها , وفي لحظة أخرى ليس كمثلهم أتقياء , وبين اللحظتين يتقلبون في سلوكهم اليومي بين التحفظ والتحرر والإنحلال التام..

قابلية أهالي جلابي على استقبال الجديد مدهشة, فعلى الرغم من أن الكهرباء هي أختراع يسمعون عنه فقط , وبالتالي تلفزيوناتهم كلها ,تعمل ببطاريات العربات . ومع أنهم ليست لديهم قنوات فضائية , والانترنيت ليس ضمن ثقافتهم , إلا أن جهاز الفيديو الوحيد في جلابي (الذي يملكه مزيد الحلبي) جعلهم يتصلون بعالم الموضة والأزياء , وتقليعات التسريحات في العالم من أقصاه الى أدناه (الى جانب أنهم ابتداء من دخول جهاز الفيديو بواسطة مزيد أصبحت لديهم معرفة مثيرة بأنواع الأوضاع الجنسية, على الطريقة الفرنسية والايطالية والهولندية والامريكية, فأصبح ليس من المستغرب أن يجد أحدهم بين فخذي عشيقته ,حلقا من الذهب , أو اسورة من الفضة , الى جانب أوشام لطيور وأفاعي في الكتفين, أو النهدين أو الفخذين – فقد أزدهرت صناعة الأوشام المثيرة كصناعة فنية مبهرة مع دخول الفيديو, الذي  مثل مرحلة تحول كاملة, وانتقال من ثقافة البلاد الكبيرة الكلاسيكية الى آفاق العولمة)  . فمزيد الحلبي كان رجلا خصب الخيال , لذلك لم يكن يكتفي باحضار شرايط الأفلام فحسب , بل كان ينتقي الى جانبها شرائط الموسيقى والرقص الأفريقي والغربي والبرامج الممتعة مثل أوبرا oprah وlaw & order   الخ .. (هذه البرامج جعلت النساء والرجال في جلابي يكتشفون كم هي حياتهم بائسة, وهكذا ظهرت طبقة من المثقفين الذين أطلقوا على أنفسهم فيما بعد – علمانيو جلابي ود عربي – !!)

عندما يحل المساء يحضر  الكثيرون من أهالي جلابي يتزاحمون أمام بيت مزيد الحلبي لشراء التذاكر من خميس (الذي كان مزيد قد أوقفه في الباب ) حتى يتمكنوا من الدخول لمشاهدة الفيديو ..

وعندما شاهدوا للمرة الأولى نيكول كيدمان في the others  تبدى العقل الأسطوري لجلابي كاشفا عن مواهبه الدفينة ( على الرغم من أنهم بكوا كثيرا لقتل بطلة الفيلم لطفليها , وانتحارها وبقاء أرواحهم الثلاثة معلقة بين العالمين ) فأصبح البعض يختبئون عند منعرجات الدروب ليخيفوا المارة . وسبب لهم ذلك خوفا لم تستطع أفلام الفضائيين eliensومصاصي الدماءمن تحقيقه. و على عكس ذلك , أسعدهم روبين ويليام في the dead poets  society على الرغم من الكآبة الرومانسية المزعجة ,التي تنضح من هذا الفيلم (فرغم كل شيء شعب جلابي هو شعب واقعي) ومن الأفلام التي ظلوا يحكونها لبعضهم البعض ,وعبرت عن تطلعاتهم غير المشروعة في القوة الغاشمة فيلم توم كروز the mission impossible  والغريب في الأمر أن مجتمع المشاهدة في جلابي , انقسم الى مجموعات فمجموعة تحاول ان تفرض على الآخرين, مشاهدة المباريات الرياضية المختلفة (ملاكمة , كرة , سباق , الخ …) وأخرى تحب أفلام روكي ورعاة البقر وجوالة تكساس, وتلك الأفلام التي على غرار the independence day , وأخرى لا تحب شيئاً سوى الأفلام الهندية . وانطلاقا من هذه التغييرات التي أعترت جلابي وأزعجت جداد , قرر الآخير جلب جهاز تلفزيون و فيديو كبير , ووابور لتشغيله, بدلا عن بطاريات العربات ..وأخذ يشغل بين كل فيلمين من الأفلام المصرية القديمة ” أبيض وأسود ” (الوسادة الخالية =عبد الحليم ولبنى عبد العزيز, للرجال فقط = سعاد حسنى ونادية لطفي  , شباب امرأة = شكري سرحان وتحية كاريوكا,  فقد كان جداد يعتقد أن هذه الافلام اسلامية !) أخذ يشغل أشرطة لأحمد ديدات وعمرو خالد والقرضاوي ألخ .. لكن لم تجد خطة جداد رواجا فسرعان ما ملّ الناس أفلامه “الاسلامية”..

هذه  المشاهدات لأفلام الفيديو المتنوعة جعلت لأهل جلابي ذوقا رفيعا في الأزياء والرقص والغزل وأشياء أخرى !!..كما أنتشرت بفضل هذه الأشرطة حفلات البارتي, التي اخذ أهالي جلابي يقيمونها بسبب وبدون سبب (فعندما أنجبت كلبة السرة التي كان أهالي جلابي يتهمونها بالعقم , أقامت السرة بارتيا لم تشهد له جلابي مثيلا  منذ ذلك البارتي الذي كان جداد قد أقامه احتفاء بالتطورات المهنية التي حدثت في حياتهما جعل اهالي جلابي يطلقون عليه لوقت غير قصير : الديك الراقص ) ..

وهكذا كان أهالي جلابي يملكون قابلية عجيبة على هضم كل جديد, في أي مجال من المجالات المتعددة للحياة وممارساتها اليومية , لذلك كانو  دونا عن سكان الضّواحي الاخرى التي تشبه جلابي . يهتمون بمشاهدة أفلام الجنس , اكثر من أي شيء آخر , رغم أنهم لم يكونوا يعانون من أي حالة كبت .. ربما كان ذلك لحاجتهم العلمية الماسة و لعادتهم في هضم المعارف الوافدة , أصبحت العديد من الأشياء التي تعرفوا عليها من أشرطة الفيديو المختلفة , جزء أصيلا من ثقافتهم ومعارفهم الجديدة .

ساعد على ذلك أن جلابي تنهض في الخيال بطبيعتها المعقدة ذات التجليات , أكثر مما تنهض في الواقع اليومي . وربما لهذا السبب بالذات , ألهمت الشعراء من أبنائها (الذين برزوا بعد ذلك على مستوى البلاد الكبيرة ) أعذب الأشعار التي طبقت شهرتها الآفاق , وأصبحت مفتتحا لمهرجانات الشعر العالمية . كما أن كل الكتاب والروائيين والتشكيليين والمغنين الذين انجبتهم جلابي , قد قوبلوا في مشارق الأرض ومغاربها بترحاب شديد , أزعج وزارة الثقافة ( فقد كان هؤلاء بشهرتهم الكبيرة قد جردوا الوزارة من مهمتها الأساسية :  تعريف العالم بثقافة وابداع البلاد الكبيرة) فقد أعطت هذه الشهرة العالم أنطباعا كاذبا عن وزارة الثقافة (فالصورة الابداعية التي عرفها العالم عن ابداع البلاد الكبيرة , جعلت  الوزراء في الشرق والغرب يتصلون برصفائهم المتعاقبين في جلابي ليدعون المبدعين عن طريقها, الى مهرجانات ومؤتمرات دولهم في حقول الابداع والمعرفة المختلفة ) فتحرج وزارة الثقافة ولا تعرف كيف ترد , لأن مبدعي جلابي لسؤ حظها جميعهم من المعارضين, الذين يرفضون السفر عبرها لتمثيل البلاد الكبيرة , الأمر الذي يضطر الوزارة للأستعانة ببعض الجنجويد المدّعين , فيسافر هؤلاء ويعكسون وجها قبيحا وفجا للعالم ,عن البلاد الكبيرة . ما أضطر كل الدول المضيفة ,التي كانت ترسل دعوات للتوقف عن ذلك, وهكذا لحق ابداع جلابي بموطن أسلافه في ساورا البائدة .. غاب تحت حجب النسيان) ..

كل هذا كوم والسياسيين الذين أنجبتهم جلابي كوم آخر , فقد مثّل هؤلاء جرحا داميا , ظل ” ينقّح” داخل وجدان جلابي قاطبة ..

فعندما يخرج الواحد من هؤلاء الى الضؤ, ويتربع على عرش السلطة مثل عباس ود الخزين وعبد الجواد ود الباهي ومحمد أحمد ود مستوره , ينسى جلابي واهلها ويلعن ” سلسفيل” أسلافها وسلالتها الضالين والمغضوب عليهم , كما ظلوا يزعمون في جلساتهم الخاصة , ولا يقدم لجلابي أي شيء, تعبيرا عن جمايلها ووقوفها معه في الانتخابات . بل يعمل من موقعه على تضييق الخناق عليها , ولذلك كانت من الهموم الكبرى في جلابي ,عملها الدؤوب على الا يصل أحد ابنائها الى دست السلطة , فقد ملّت من الانقلاب عليها والتنكر لها .. إذ يصبح عدوا بعد أن كان حبيبا .. ..

من جلابي وحدها تستطيع استشفاف تاريخ البلاد الكبيرة , والتقلبات التي مرّت بها في الإثني ethnic  والاجتماعي واليومي والثقافي .

على مسرح جلابي المنصوب في العراء قدم مسرحييها الذين حصل أغلبهم على جوائز عالمية (لم تسمح لهم الدولة بالسفر للحصول عليها ) كبيرة في التمثيل والاخراج والتأليف .. من هذا المسرح خرجت روائع المسرح الوطني , التي أصبحت تدّرس لتلامذة المسرح في بريطانيا وفرنسا وألمانيا (مراكز الآداب والفنون العالمية منذ الانحسار الهليني على أيام مملكة ساورا) .. فأهم السمات التي حملتها مدرسة “جلابي” المسرحية , أنها أستفادت من عصر الباروك في تعابيرها الحسية , وأخذت عن البيكيتية عبثية هذا العالم في البلاد الكبيرة , وعلى هدى كونت حاولت اشتراع عقلانية جذرية في الابداعي ..

هذا المزيج الغريب ,أدهش العالم واوقف ضربات قلب المشاهدين ,الذين كانوا يحبسون أنفاسهم منذ لحظة رفع الستار حتى أسداله .. قدمت جلابي مسرحا غير معقولا البتة , أستطاع أن يعكس مباهج “الانسان” وآلامه في هذا المكان المعزول عن العالم والمسمى “جلابي ود عربي” .. ما جعل أحلام الاهالي تتجاوز مجرد طرد حكومات الاستعمار المحلي الجنجويدية , الى نوع من الحلم الصوفي بالخلاص والفردوس المفقود والمدن الفاضلة ..

هذا المسرح الذي قدمته جلابي استطاع أن يضخ معان وقيم جديدة , جددت دماء العروق الجافة للمسرح العالمي , خاصة بعد المرحلة الشيكسبيرية الباروكية , التي أستمرت لوقت طويل رغم أنف التاريخ الفني ..

تخطر في راسي الآن كل هذه الخواطر عن جلابي وناسها , وأنا أراقب مسيرة حياتي منذ النشأة الأولى في المدينة الريفية , الى أن انتهى بي المطاف ها هنا ..

نشأت متوحدا في العزلة والوحدة , التي لا تزال تطبع حياتي بطابعها الموحش (لكن هذه العزلة تريحني من مشاكل الاحتكاك بالناس . فالناس عندما يتصلون ببعضهم البعض , تنشا بينهم المشاكل بسبب المشاعر الدنيا كالغيرة والحسد , أو لسؤ الفهم الذي يتم تصعيده سجاليا فيتحول من اختلاف الى خلاف(قطيعة) , أو بسبب الالتزامات المتبادلة التي تنهض فيها مشاعر متضاربة ربما تفضي للاحساس بالخذلان فالكراهية فالتآمر .. هذه العزلة تجنبني التعرض لكل ذلك مما لا احب ..) .. لذلك كنت كلما حطمت طوق عزلتي و خرجت لأتصل بهؤلاء الناس ,أعود مرة أخرى لاضرب السياج حول نفسي ..

 لحظات الاتصال بالناس في حياتي لهي ,لحظات قليلة , لكنها مكتظة بالاستهداف والحصار ..

اللحظة الأولى : هي تلك اللحظة التي كنت أساعد فيها والدي في الدكان وهو ينتقل به في ارجاء المدينة المختلفة , فأول مرة قام بتأجير محل لتجارته ,كان ذلك في الحي الشرقي , قريبا من شاطيء النيل, الذي تنكفيء عنده المدينة الريفية , كشخص مهيأ للاستفراغ . تدهور هذا المحل بسبب علاقته الجنسية مع صاحبة العقار , فقد كانت زوجة لسائق عربة حكومية محدود الدخل , ولذلك كانت تعمل في بيع الكسرة واللقيمات , وتؤجر جزء من عقارها كمحل تجاري . كانت سعاد صاحبة هذا العقار أربعينية جميلة , خاطبت فيه أشواق مقموعة , حفزته على الدخول في رأسمال تجارته . ودرء للفتنة والحرب التي أشتعلت في بيتنا , استجاب ابي لرغبة اخوالي وسلم صاحبة العقار محلها , وارتحل ببضاعته الى الحي الشمالي , على مقربة من بيتنا , اذ كنا نسكن شمال شرق هذا العقار . وهناك حاول أن يلتقط انفاسه ويسترد ما خسره مع الاربعينية الجميلة , عندها بدت جلابي كافق استثماري واعد , أخذ بعض تجار المدينة الريفية يتحدثون عنه بحماس , فذهب ابي وتفقدها ثم أختار مكانا , اصبح فيما بعد بمثابة القلب , شيد عليه دكان من الطين اللبّن , ألحق به قطية من القش والحطب و”الشراقن” , لم تكن نبؤات تجار المدينة الريفية قد جانبت الصواب , فقد أثبتت جلابي بمرور الوقت أن خيالها الاقتصادي لا يضاهيه خيال .

كنا قد تقلبنا بين مراحل مختلفة في الفقر , قبل أن يتمكن أبي , من انشاء تجارته ولا زلت أذكر عن طفولتي “الجوع” كمفردة وسمت حياتي بشرخ بالغ (الخوف من الجوع)  فالخوف من الجوع لا يعني افتقاد الطعام فحسب, بل كل الرغبات الأخرى, اذ هذا الخوف ,  يحمل معه مخاوف تظل تلاحق الانسان طيلة حياته , فالجوع يشعل في النفس رغبات أخرى في ارتداء الأزياء التي يقع عليها النظر . في اشتهاء كثير من الاشياء التي نمر بها ونظل نحلم باقتنائها , في اشباع هذا الظمأ للمشاعر الحميمة والنبيلة ..

ومهما انصلحت أحوالنا واقتنينا كل ما نرغب فيه , وأشبعنا كل ما نشعر به من احاسيس , نظل نرغب في مزيد من الاقتناء والاشباع , حتى يصبح واضحا, أن الخوف من الجوع استحال الى قيمة تتحكم في سلوكنا ومشاعرنا ..الجوع يتحول هكذا الى المحور الذي تنهض فيه الأحاسيس, المشاعر  التي تتحكم في سلوكنا حتى الممات ..

.. اذدهرت تجارة جلابي اذن , ومضى عهد ذلك الجوع نهائيا والى غير رجعة . هذا الازدهار اشعل في نفس ابي الرغبات القديمة المدفونة , وأعادها الى السطح مرة اخرى , فأقام علاقته التي طبقت شهرتها الآفاق , تلك العلاقة الحميمة مع السرة , ذاك هو الوقت الذي كنت فيه قد يئست من علاقة الكر والفر بيني وبين أبنتها ثريا , ولأنني كنت على شفا الدخول الى الجامعة اصبحت غير ميال , للحلول محل أبي في الدكان أثناء غيابه , الى أن انقطعت صلتي بجلابي تماما , فما عدت اذهب الى الدكان الا للضرورة القصوى . لكن ما أطلقته ام التيمان من مارد في عروقي , دفعني لأرتياد بيت سلمى خير اللّه, الذي لم يكن يبعد عن منزلنا كثيرا . فقد كانت سلمى خير الله قد أنفصلت من السكنى مع شقيقاتها , وسكنت لوحدها منذ جاءت من غربتها في الخليج وأستقرت نهائيا , هي التي دعتني بود لزيارتها , عندما التقينا صدفة في محطة المواصلات .

 كانت ودودة معي , فتصورت في البدء انها ترغب في اقامة علاقة معي, شبيهة بتلك العلاقة التي ربطتني بام التيمان . لكن بمرور الوقت اتضح لي أنه لم يخطر على بالها ابدا مثل هذا الأمر . فقد كانت على عكس ما يبدو عليها ,عفيفة وكثيرا ما أتصورها عندما تخطر على بالي كعذراء شقية , أو ذلك النوع من الحوريات اللائي يخطفن الشباب من “قيف” البحر , عندما يقعن في غرامهم . لكن سرعان ما يعدن هؤلاء الشباب الى حافة الحلم مرة اخرى . لينزلقوا بهدؤ الى حيث بؤسهم العريق . بعد أن تكون الحورية المزعومة قد تلاشت في أعماق النيل .

هكذا اذن لم أستطع التفكير ولا مرة واحدة في سلمى خير الله دون ان تكون مقرونة بخاطر أسطوري غير مكتمل التخليق .

ابرز ما استطيع الجزم به الآن عنها ,أنها لم تكن لديها فكرة واضحة عما تريد أو ترغب به . كنت أجيء الى بيتها في الامسيات . وأتسامر معها ساعة او ساعتين , ثم اغشى في طريق عودتي الى المنزل, صديقي اللدود حسن الذي كنت أحرص على الا يعلم شيئا ,عن علاقتي بها , فقد كنت أتحفظ معه حول كثير من الأشياء , التي أخذت اعتبرها أسرارا مقدسة لي ,وحدي فحسب . وكان هذا الموقف بسبب ما تسرب اليّ (قبل زمن طويل من عبده الخال, عن حكايا حسن في المدينة الريفية عن ثريا ومزاعمه بأنه خاض معها كثير من المغامرات من وراء ظهري ) ولأنني كنت أدرك جيدا, أن حسن نوع غريب من البشر . يحب تلفيق المغامرات , واضفاء منطق مدهش على الأكاذيب, التي تشكّل جلّ حكاياه , حتى في حكاياته عن تجاربه الحقيقية الحقيرة . يضطر الى سرد نوع من الأكاذيب المفضوحة , اذ لا يحكي سوى أنصاف وأرباع الحقائق, ويعمد الى تضخيم الوقائع الاحداث وتصعيدها, على نحو فانتازي يصعب تصديقه .

كان حسن خصب الخيال ,الى درجة أن كل زملائنا كانوا يتنبؤن له بمستقبل خيالي مشرق , وكنت ادرك ,انه يحاول ان يعوض نفسيا أحساسه بالانتماء لأسرة مدقعة الفقر , لطالما كرهها . فأخوته العشرة الذين يعتبر هو خاتمة عنقودهم . لم يكملوا تعليمهم ,وعطالى عن العمل , تفرق بعضهم داخل وخارج البلاد الكبيرة , كما أن والده يسكن مع أبناءه الآخرين من زوجة اخرى , في مدينة ريفية أخرى . فوجدت ام حسن  رغم تقدمها في السن ,نفسها مضطرة للعمل في الحواشات, حتى تتمكن من أن تعول هذه الأفواه, بسبب كل ذلك كان حسن كذابا كبيرا . يحاول اشباع غروره الذكوري ,كنوع من التعويض النفسي في جوانب حياته الأخرى .

حكى لي ذات مرة ,ان ست ذكية الأرملة مديرة المدرسة قد استدعته , وكانت ست ذكية قد أشتهرت في أنحاء المدينة وضواحيها , بعلاقاتها المتعددة, حتى انني بعد وقت طويل جدا, وكنا وقتها قد رحلنا الى حاضرة البلاد الكبيرة (عندما جئت لأداء خدمتي الوطنية في المدينة الريفية بعد التخرج من الجامعة , زارني أحد أصدقائي المدرسين ,الذي كان بالأساس رفيقا لي أيام كنت حزبيا مغيبا , فأصبحنا أصدقاء بعد أن تركنا الحزب  ,

طرق على هذا الصديق (الاستاذ عادل ) باب بيتنا, الذي كنت قد أخليته وقتها من المؤجرين :

-عندي زولة عايز أدخلها ..

-تفضل .

دخل تتبعه  ست ذكية فاستأذنت في الخروج . كانت ست ذكية قد فوجئت بي . فقد كانت مدرستي في الابتدائية المختلطة, وكنت أحد تلامذتها , الذين كانت توليهم أهتماما كبيرا . وبعد أن عملت حكومة الجنجويدي على تطبيق نظام الفصل بين الجنسين, فلم تعد هناك مدارس مختلطة . كلفت ست ذكية بادارة مدرسة ,في احدى ضواحي المدينة الريفية , حتى هذه المساء, كنت أعتبر أن امر علاقاتها المتعددة محض شائعات (بعد ذلك قلت لعادل :

– أنها أستاذتي . أنت لم تخبرني لاخلي المنزل حتى لا تحرج من رؤيتي ..

فأكد لي انها لم تتعرف علي . مع انني كنت واثقا انها تعرفت علي . خاصة أنني كنت أزورها باستمرار فيما مضى . وصلتي بها لم تنقطع الا بعد وقت طويل )  ..

زعم حسن أنه كان  يمارس الجنس معها, وأخذ يصف لقائهما بالحركات والتأوهات , وكيف أن قضيبه بعد عدد من المرات قذف دما ..

بعد أيام  حكاية حسن , أخبرني عبده الخال ,أمين اسراره أن كل ما حكاه , محض اكاذيب , فقد سمع الشائعات عن ست ذكية, التي كان قد تعرف عليها بواسطة عبده الخال نفسه , الذي كان(الخال) قد ربطته بها علاقة حميمة, وقررحسن التقرب منها ,من خلف ظهره ,فحسمته وطردته شر طردة . فأخذ يحكي عنها هذه الأكاذيب . ولذلك خطر لي ان حسن لم ُيقم أي علاقة مع ثريا , لكنني لا أستبعد أنه كان يلتقيها, ويحكي لها عني ما ينفرّها مني ,ويجعلها تمارس تجاهي ذلك السلوك العجيب , الذي لم أستطع فهمه على الاطلاق .

كبيرة هي شبكة الروايات الشفاهية, التي تعرفت خلالها ,على الجوانب الخفيّة, والمظلمة فيمن إحتكيت بهم لفترة طويلة من حياتي . مع ذلك لم أثق بها تماما . وان كنت كثيرا ما أعتمدها كعوامل مكملة لما اقف عليه من حقائق , غير قابلة للدّحض . هذا هو منهجي الآن فيما أجريه من مراجعات ,لوقائع وأحداث جلابي ود عربي .. هؤلاء الشخوص الذين كنت ارى فيهم . كل الشخوص الذين عبروا على مجتمعات البلاد الكبيرة, عبر تاريخها المظلم المديد , فصنعوا حقبها المختلفة , بافراحها واحزانها . مراثيها وامجادها في آن .. دون أن يتعرف عليهم احد من المؤرخين أو يهتم بهم .

فالمؤرخين اهتموا فقط للأثر ,الذي خلّفه الافراد من أبناء جلابي ,الذين تقلدوا مواقع السلطة الثقافية او السياسية واصبحوا مهمين , ولذلك ركزوا دوما على دراسة الفرد . فالتاريخ بالنسبة لهم سجل لبطولات الافراد العباقرة, الذين يحركون الاحداث باطراف أصابعهم , وهكذا يهملون أو يتجاهلون دور البسطاء من جلابي, في صناعة الثورات وصياغة الاحداث . ويذهبون الى أن اهمال دور الفرد في التاريخ ,او التقليل من شأنه يتعارض مع وقائع الاحداث ,التي صنعها بالفعل القادة .

 ولا أحد يختلف معهم في ان هذا التقليل ,والأهمال لدور الفرد يخالف الواقع , ولكن التركيز المطلق على دوره, يخالف ايضا واقعا آخر .. فالتركيز على دور فرد ما مثل حسان جداد أو لاكو لادو , أو مجموعة من المجموعات التي سكنت جلابي, في مراحل مختلفة. منذ ايام كان اسمها ساور المقدسة , في التأثير على ظاهرة تاريخية معينة , ليس هو المنهج الذي يمكن الاعتماد عليه, في رؤية ظواهر التاريخ التي كشفت عنها جلابي .

فهذا التركيز بفضل عشرات العوامل المعقدة , التي أثرت على الظاهرة , وتحصر المسألة في جوانب فرعية مهما كان تأثيرها , فانها لا تستطيع أن تؤثر في الظاهرة التاريخية ,تأثيرا ينقلها من النقيض الى النقيض .

المؤرخين الذي شدتهم حكايا جلابي, سلطوا الضؤ على بعض الافراد  الطائفيين, كود الخزين ومحمد أحمد ود مستورة وود الباهي أو أبو لكيلك الجنجويدي نفسه , ومجدوا بذلك ذاتية هؤلاء الأفراد غير المهمين, ولذلك عندما تخطر حكايا جلابي في ذهني الآن, لا أرى سوى الجماهير الغفيرة , التي تعاقبت عليها , عبر مراحل التاريخ المختلفة .. هذه الجماهير التي مثلها كسبان الضاوي ومزيد الحلبي والسرة وام التيمان ( وقبل كل هؤلاء بولدين وسورنق وأسلافهما في ساورا وممالك جلابي الغابرة) هؤلاء العباقرة الذين لولاهم , لما كان لجلابي وجود . ولما أهتم بها أحد من المؤرخين . الذين أعدوا رسائل الدكتوراه والماجستير, وكل ماهو من قبيل الدراسات العليا فقط, في جلابي كبوتقة .

 منهم من كتب عنها محتفيا بدور الفرد, الى درجة أن واحدة من هذه الرسائل المثيرة للغثيان, ذهبت للبحث في العوامل الذاتية التي فجرت طاقات جداد , وذهبت اخرى للبحث عن الاسباب الداخلية والخارجية لحريق جلابي..

وناقش أحد طلبة الماجستير باستماتة , إستنتاجاته النظرية التاريخية ,حول الدور البارز للقائد لاكو لادو في تطوير جلابي ؟ وهكذا ذهب آخرين للحديث عن السياسات الجنجويدية , ممثلة في الممارسات الجائرة لتنظيم القرى ومعالجة السكن الاضطراري, بينما هي في واقع الامر مجرد سياسات  غير ايجابية, ولا علاقة لها بالتاريخ الذي يصنعه الشعب في جلابي .. ظانين أنها تمثل التاريخ الحقيقي لجلابي ..

وما كانت هذه الرسائل الا خطوة أخرى, في مصادرة تاريخ جلابي ود عربي, وتكريس لآيديولوجيا التفوق الذاتية .. آيديولوجيا الفردالمسيطر الخالد أبدا !!..

 .. من حافة الحلم . عند أقصى زوايا الخاطر , يقفز أبكر, خارجا من الدوائر المتموجة للبخور . لم تكن ثمة رواية مؤكدة يمكن الاعتماد عليها , في اضاءة الحياة السرّية ,التي ظل بعيشها في جلابي , الى أن اختفى هو وبيته ,في لحظة حصار غاشمة . لم تكن ثمة رواية مؤكدة, يمكن الاعتماد عليها, في اضاءة الحياة السرية ,التي ظل يعيشها كآدمو أو كأبكر , حتى تلك اللحظة , ذات صباح كئيب, مشبع برائحة الرطوبة والبارود والبرد, الذي لم يثلّج أطراف الناس فحسب , بل ثلّج كل البيوت في جلابي , التي صدمت ذلك اليوم ودخلت في لجج الهلع والخوف , وهي ترى أبكر يرمى أمامها بالرصاص تحت عود المشنقة ..

مع أن أبكر ظل منسيا كمعلم بارز في ذاكرة الحكي اليومي , الا أن لا أحد ممن عاصروا لحظة حلوله بجلابي , كيف أنتصب بيته لوحده باشارة من يده فقط.

جاء أبكر للمرة الأولى, وأقام ثلاثة أيام في العراء , رافضا تلبية استضافة الأهالي في بيوتهم .. مضى في صبيحة اليوم الرابع الى سوق جلابي, لشراء مواد بناء للبيت الذي أزمع تشييده . كوّم البائع أمامه كل ما طلبه: من حصير وقش وقنا وحطب , وعندما أحضر الكارو, كان المكان خاليا من أبكر ومواد بناءه !..

 سأل جيرانه من باعة مواد البناء , فأكدوا أنهم لم يروا زبونه المزعوم, ولم يروا عربة كارو تحمل مواد بناء, وفي الواقع لم يروا شيئا على الاطلاق, من اي نوع كان.  فكل ما يعبر بهم لهو من الوضوح ,بحيث يشعرون به حتى لو غضوا النظر !!..

رأى الناس أبكر يقف في طرف البلدة ,وقد تكوّمت أمامه مواد البناء , رفع يده اليمنى فانتصبت “قطية” غريبة التصميم في الهواء, قبل أن تستقر على الأرض .. مضي بتؤدة الى داخل القطية .أشعل فيها النار والناس يراقبون مدهوشين .. أتتت النار على القطية والناس يتسآلون : لماذا أنتحر الرجل حرقا ؟ .. لكنهم فوجئوا به يخرج من القطية حيا ,لاشيء من الحروق عليه سوى رماد ثيابه ,التي كانت قد أحترقت, ولا يزال رمادها يغطيه, بعد .كأنه ثوب وليس رماد. ثوب ؟!!..

 تراجع الناس خائفين , تبقى منهم قلائل ينظرون لأبكر ,الذي رفع يده اليسرى فتساقط الرماد منها وأصبحت عارية , فانتصبت قطية أخرى من قلب الرماد , غريبة الشكل لم يروا مثلها من قبل . اذ تجلى في تصميمها كل شكل منسي من الأشكال الهندسية الغامضة .. كانت قطية جميلة توسطت سورا من شوك المسكيت الجاف .

ومنذ تلك اللحظة أخذ الأهالي يتعاملون مع أبكر كساحر كبير , وأخذوا يمنون أنفسهم الأماني , وأجتهدوا في التقرب اليه . الا أنه كان من الواضح أن أبكر لا يرغب في أي نوع من العلاقات الخاصة , تربطه بأي شخص من اهالي جلابي .

تلك الحادثة المذهلة .المتعلقة ببناء أبكر لقطيته, ظلت حديث الأهالي ,الذين أخذوا يتناقلونها جيلا عن جيل, في اللحظات التي تحتج فيها شخصية أبكر, على سقوطها عن ذاكرة الحكي اليومي, متشبثة بتلابيب الذاكرة الباطنة ..

ورغم سقوط أبكر عن ذاكرة الحكي اليومي ,الا أن حكايته أنتشرت خارج جلابي, فوصلت أسماع النساء والرجال في المدينة الريفية , والمدن المجاورة , وأخذت الفداديات يذهبن لأبكر, ليكتب لهن الحجبات التي تحميهن من “الكشة” ,او التي تجلب اليهن الرزق . بل والمرشحين في الانتخابات المغشوشة ,للمجالس البلدية , كانوا يحضرون منكسرين, الى منزل أبكر ,كي يكتب لهم حتى يتمكنوا من الفوز , وهكذا تمددت سمعة أبكر, في كل أنحاء البلاد الكبيرة ..

لم تكن لأبكر علاقة سوى بشخصين , اصطفاهما من دون كل الأهالي : هما كسبان الضاوي وجمال الحلّة .. وربما كان ذلك لأن كسبان (رجل في حاله) اشبه بالمجاذيب , اذ يكون في لحظة واعيا ومدركا (مثل تلك اللحظات التي كان ينوّر فيها الأهالي, بأهمية الحشيش والبنقو ) وفي لحظات أخرى ,يكون غير عالم بأي شيء يجري حوله , سابحا في ملكوت بعيد عن عالم جلابي .. وجمال الحلة ربما لأنه قريب الشبه في أحواله من كسبان , قرّبه ذلك من أبكر , فقد كان بركة يعتقد فيه الأهالي , الى درجة أنهم صوروه ,وعلقوا صوره في دكاكينهم